اعلم أيدنا الله و إياك أنه ما من شيء أوجده الله في العالم الذي لا أكمل منه في الإمكان إلا و له أمثال في خزائن الجود و هذه الخزائن في كرسيه و هذه الأمثال التي تحتوي عليها هذه الخزائن لا تنتهي أشخاصها فالأمثال من كل شيء توجد في كل زمان فرد في الدنيا و الآخرة لبقاء كل نوع وجد منه ما وجد و اختلف أصحابنا في هذا النوع الإنساني هل تنقطع أشخاصه بانتهاء مدة الدنيا أم لا فمن لم يكشف قال بانتهائه و من كشف قال بعدم انتهائه و إن التوالد في الآخرة في هذا النوع الإنساني باق في المثل في نكاح الرجل المرأة الآدمية الإنسانية على صورة أذكرها و التوالد أيضا بين جنسين مختلفين و هما بنو آدم و الحور اللاتي أنشأهن الله في الجنان على صورة الإنسان و لسن بأناسي فتوالدهما بنكاح بينهما في الإنس و الحور و يتناكحان في الزمن الفرد ينكح الرجل إذا أراد جميع من عنده من النساء و الحور من غير تقدم و لا تأخر مثل فاكهة الجنة لا مَقْطُوعَةٍ وَ لا مَمْنُوعَةٍ بل بقطف دان من غير فقد مع وجود أكل و طيب طعم فإذا أفضى الرجل إلى الحوراء أو الإنسية له في كل دفعة شهوة و لذة لا يقدر قدرها لو وجدها في الدنيا غشى عليه من شدة حلاوتها فتكون منه في كل دفعة ريح مثيرة نخرج من ذكره فيتلقاها رحم المرأة فيتكون من حينه فيها ولد في كل دفعة و يكمل نشؤه ما بين الدفعتين و يخرج مولودا مصورا مع النفس الخارج من المرأة روحا مجردا طبيعيا فهذا هو التوالد الروحاني في البشري بين الجنسين المختلفين و المتماثلين فلا يزال الأمر كذلك دائما أبدا و يشاهد الأبوان ما تولد عنهما من ذلك النكاح و هم كالملائكة الذين يدخلون البيت المعمور و لا يعودون إليه أبدا هذا صورة توالد هذا النوع الإنساني و لا حظ لهؤلاء الأولاد في النعيم المحسوس و لا بلغوا مقام النعيم المعنوي فنعيمهم برزخي كنعيم صاحب الرؤيا بما يراه في حال نومه و ذلك لما يقتضيه النشء الطبيعي فلا يزال النوع الإنساني يتوالد و لكن حكمه ما ذكرناه و أما توالدالأرواح البشرية فإن لهما في الآخرة مثل ما لهما في الدنيا اجتماعات برزخيات مثل ما يرى النائم في النوم أنه ينكح زوجته و يولد له فإذا أقيم العبد في هذا المقام سواء كان في الدنيا أو في الآخرة و نكح الرجل من حيث روحه زوجته من حيث روحها يتولد بينهما من ذلك النكاح أولاد روحانيون ما يكون حكمهم حكم المولدين من النكاح الحسي في الأجسام و الصور المحسوسات التي تقدم ذكرها فيخرج الأولاد ملائكة كراما لا بل أرواحا مطهرة و هذا هو توالد الأرواح و لكن لا بد أن يكون ذلك عن تجل برزخي فتجلى الحق في الصور المقيدة فإن البرزخ أوسع الحضرات جودا و هو مجمع البحرين بحر المعاني و بحر المحسوسات فالمحسوس لا يكون معنى و المعنى لا يكون محسوسا و حضرة الخيال التي عبرنا عنه بمجمع البحرين هو يجسد المعاني و يلطف المحسوس و يقلب في عين الناظر عين كل معلوم فهو الحاكم المتحكم الذي يحكم و لا يحكم عليه مع كونه مخلوقا إلا إن الأنفاس التي تظهر من تنفس الحوراء أو الآدمية إذا كانت صورة ما ظهرت فيه من نفس النكاح يخرج مخالفا للنفس الذي لا صورة فيه يميزه أهل الكشف و لا يدرك ذلك في الآخرة إلا أهل الكشف في الدنيا و صورة هذا النشء المتولد عن هذا النكاح في الجنة صورة نشء الملائكة أو الصور من أنفاس الذاكرين الله و ما يخلق الله من صور الأعمال و قد صحت الأخبار بذلك عن رسول الله ص و إنما جعلنا الكرسي موضع هذه الخزائن لأن الكرسي لغة عبارة عن العلم كما قال وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أي علمه و كذلك هو هنا فإن الخزائن فيها أشخاص الأنواع و هذه الأشخاص لا تتناهى و ما لا يتناهى لا يدخل في الوجود إذ كل ما يحصره الوجود فإنه متناه فلا بد أن يكون الكرسي هنا علمه فإن علمه محيط بما لا يتناهى فلا تتخيل في الكرسي الذي ذكرناه أنه هذا الكرسي الذي فوق السموات و دون العرش فإنه كرسي محصور موجود متناهى الأجزاء و اعلم أن أفضل ما جاد به الله تعالى على عباده العلم فمن أعطاه الله العلم فقد منحه أشرف الصفات و أعظم الهبات و العلم و إن كان شريفا بالذات فإن له شرفا آخر يرجع إليه من معلومه فإنها صفة عامة التعلق و تشرف المفاتيح بشرف الخزائن و تشرف الخزائن بقدر شرف ما اختزن فيها فالموجود الحق أعظم الموجودات و أجلها و أشرفها فالعلم به أشرف العلوم و أعظمها و أجلها ثم ينزل الأمر في الشرف إلى آخر معلوم و ما من شيء إلا و العلم به أحسن من الجهل به فالعلم شرفه ذاتي له و الشرف الآخر مكتسب و الخزائن محصورة بانحصار أنواع المعلومات و مرجعها و إن كثرت إلى خزانتين خزانة العلم بالله و خزانة العلم بالعالم و في كل خزانة من هاتين الخزانتين خزائن كالعلم بالله من حيث ذاته بالإدراك العقلي و من حيث ذاته بالإدراك الشرعي السمعي و العلم به من حيث أسماؤه و العلم به من حيث نعوته و العلم به من حيث صفاته و العلم به من حيث النسب إليه و كل ذلك من حيث النظر الفكري و من حيث السمع و هو من حيث السمع كما هو من حيث الكشف و الخزانة الأخرى التي هي العلم بالعالم تحوي على خزائن و في كل خزانة خزائن فالخزائن الأول العلم بأعيان العالم من حيث إمكانه و من حيث وجوبه و من حيث ذواته القائمة بأنفسها و من حيث أكوانه و من حيث ألوانه و من حيث مراتبه و من حيث مكانه و زمانه و نسبه و عدده و وضعه و تأثيره و كونه مؤثرا فيه منه و من غيره إلى أمثال هذا من العلوم و علم الدنيا و البرزخ و الآخرة و الملإ الأعلى و الأدنى فأول مفتاح من هذه الخزائن أعطاه العالم بالله مفتاح خزانة العلم بالوجود مطلقا من غير تقييد بحادث و لا قديم و بما ذا تميز هل بنفسه أو بغيره و هو العدم فالوجود ظهور الموجود في عينه فإن به تظهر جميع الأحكام من نفي و إثبات و وجوب و إمكان و إحالة و وجود و عدم و لا وجود و لا عدم هذا كله لا يثبت و لا يصح إلا من موجود يكون عينه و ماهيته و وجوده لا يقبل التكثر إلا بحكمه عليه فإن الحقائق التي تبرز إليه فيه لوجوده فنقول بالكثرة في عينه و هو واحد و لكل حقيقة اسم فله أسماء
فإذا كان الوجود أول خزائن الجود و أعطاك الحق مفتاح هذه الخزانة كالذي كان عرفك بك فعرفته فأنت أول معلوم و هو آخر معلوم و أنت آخر موجود و هو أول موجود فإنه ليس في قوتك إن تعلم المعدوم لأن العلم شهود و إن لم يكن كذلك فليس بعلم هذا هو الحق الذي لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ فأوجد من كل خزانة عينا قائمة أو عينا في عين أو لا عينا في عين و أعني بقولي لا عين في عين النسب فإنه ليست لها أعيان و حكمها يحكم على الوجود لا عيان بها و لا وجود لها إلا بالحكم فلما أوجد ما ذكرناه عمد إليك فأوجدك كاملا لانتهاء طرفي الدائرة فظهرت في وجودك و إن كنت آخرا بصورة الأول فانحصر العالم بينك و بينه فلا مخلص له منكما فلم نتميز عنه و لا تميز عنك في الحكم و ظهرت فيك صور العالم كلها التي أخرجها من تلك الخزائن فشاهدتك فحصل لك العلم بها فعلمت من العالم ما لم يعلم العالم من نفسه من الحكم فردا فردا و قال لك كلما بقي في الخزائن مما لا يتناهى فهو مثل ما علمت فمن أحاط علما بواحد من الجنس فقد أحاط علما بالجنس فإنه ما ثم إلا أمثال فما التقى طرفا الدائرة حتى حدث المحيط و دل المحيط على نقطة الدائرة فحدثت الخطوط من النقطة إلى المحيط و لم تتجاوزه فإن انتهاء الخط إنما يكون إلى نقطة من المحيط فانتهى إلى ما منه خرج فصورة أوليته عين صورة آخريته فيصير من حكم نقطة آخره الذي انتهى إليها من المحيط من كذا إلى محيط آخر نصفه من داخل المحيط الأول و نصفه من خارجه لحكم الظاهر و الباطن و يلتقي طرفاه أيضا كالتقاء المحيط الأول حتى يكون على صورته لأنه من المحال أن يخرج على غير صورته ثم يظهر من الحكم في المحيط ما ظهر في المحيط الأول إلى ما لا يتناهى و هو ما يبرز من تلك الخزائن الذي لا يتناهى ما تحوي عليه و هو الخلق الجديد الذي الكون فيه دائما أبدا و بعض الناس أو أكثر الناس في لبس من ذلك كما قال تعالى بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ مع الأنفاس و لكن بصورة ما ذكرناه فالنقطة سبب في وجود المحيط و المحيط سبب في حصول العلم بالنقط فالمحيط حق و خلق و النقطة حق و خلق فهذان حكمان يسريان في كل دائرة ظهرت من الدائرة الأولى و لما ظهرت الدوائر بالغا ما بلغت و لا تزال تظهر صارت الدائرة الأولى التي أحدثت هذه الدوائر خفية لا تعرف و لا تدرك لأن كل دائرة قربت منها أو بعدت عنها فهي على صورتها فكل دائرة يقال فيها تشهدها ما تشهدها فهذا هو غيب في شهادة فالدوائر الظاهرة في الدائرة الأولى عددها مساو لعدد خزائن الأجناس كانت ما كانت لا يزاد فيها و لا ينقص منها و ما يخرج و يحدث عنها من الدوائر إلى ما لا يتناهى دوائر أشخاص تلك الأجناس إلى ما لا يتناهى و تدل عين دائرة الشخص على أمر يسمى نوعا و هو ما بين الجنس و الشخص فيحدث عندك أنواع في أنواع و لكن منحصرة و لا تعرف إلا من الأشخاص لأن النوع معقول بين الجنس الأعم و الشخص و كل متوسط بين طرفين إن شئت قلت إن الطرفين أظهرا له حكم التوسط و إن شئت قلت إن التوسط أظهر حكم الطرفين و هذا عين معرفة الحق بالخلق و الخلق بالحق
فالمحيط يحفظ النقطة علما و النقطة تحفظ المحيط وجودا فكل واحد منهما حافظ محفوظ و لاحظ ملحوظ قال تعالى وَ شاهِدٍ وَ مَشْهُودٍ فالكل مشهود و شاهد و الكل فاضل و مفضول فإن قال أحدهما أنا قال الآخر أنا و إن قال أحدهما أنت قال الآخر له أنت فلا يظهر كل واحد للآخر إلا بما يبدأ به كل واحد و القولان صحيحان
فأنت يا ولي الذكر المنزل فأنت المحفوظ و ما نزل إلا بك فأنت الحافظ فلا تفن عينك فإنه في نفس الأمر ما يفنى و غايتك إنتقول أنا هو فمدلول هو ما هو مدلول أنا فما يتخلص لك ما ترومه أبدا و إذا عز عن التخلص فقل به و قل بك و تميز عنه و ميزه عنك تميز الأول عن الآخر و الآخر عن الأول و تميز عن العالم و ميزه عنك تميز الظاهر من الباطن و الباطن من الظاهر فإنك من العالم روح العالم و العالم صورتك الظاهرة و لا معنى للصورة بلا روح فلا معنى للعالم دونك فإذا ميزت عينك من الحق و من العالم عرفت قدرك بمعرفة الحق و عرفت منزلتك بمعرفة العالم
فهذا الذي أنبأتك به مفتاح من مفاتح خزائن الجود فلا تضيعه فإنه يعمل عمل كل مفتاح و لا يعمل مفتاح عمله فبه يفتح كل مغلق و لا يفتح بغيره ما أغلقه هذا المفتاح و مفتاح الغيب لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ فلا تعلم إلا منه فلا تطمع أن تصل إلى علمها بك و من طمع في غير مطمع فقد شهد على نفسه بالجهل وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و ما ثم الا سماء و أرض وَ لَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فله صورة في كل سماء و أرض وَ هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ و هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ من كونه في الأرض وَ جَهْرَكُمْ من كونه في السماء و من حيث النشأة يعلم سركم من كونه في السماء و هو معناكم الذي خفي عن الأبصار عينه و ظهر حكمه و له العلو فهو في السماء و هو الباطن و يعلم أيضا جهركم من كونه في الأرض و هو ظاهركم الذي ظهر للابصار عينه و خفي حكمه لأن حكمه في روحه فإنه الذي تفيده العلوم بحواسه فله النزول فهو الأرض فهو الظاهر
فيقول العبد الكامل الذي لا أكمل منه لي وقت لا يسعني فيه غير ربي و يقول الأصل لي وقت لا يسعني فيه غير نفسي فإن الأوقات كلها استغرقها العالم في الجانبين و لهذا كان الإنسان الكامل خليفة له تعالى فلهذا سبق علمه بنفسه على علمه بربه و بهذا جاء الخبر من عرف نفسه عرف ربه فإن من استخلفه علم العالم من علمه بنفسه و الخليفة على صورة من استخلفه فعلم ربه من علمه بنفسه و علم إن كل من اتصف بالوجود فهو متناه أي كل ما دخل في الوجود و بقيت الحيرة في العلم بالله من كونه موجودا هل يتصف بالتناهي لكونه موجودا أو لا يتصف بالتناهي فإن أرادوا بالتناهي كون عين الموجود موصوفا بالوجود فهو متناهى كما هو كل موجود و إن عينه موجودة و إن أرادوا بالتناهي انتهاء مدة وجوده ثم ينقطع فهذا لا يصح عقلا في الحق لأنه واجب الوجود لذاته فلا يقبل التناهي وجوده و لأن بقاءه ليس بمرور المدد عليه المتوهمة فهو محال من وجهين تناهيه و كذلك في أهل الآخرة أعني في أعيانهم و في الدار الآخرة سمعا و لا يتناهى بقاؤهم في الآخرة و لا استمرار المدد عليهم فنسبة البقاء إلى الله تخالف نسبة البقاء للعالم فالإطلاق في العلم و الحصر في الوجود
و لما كان العالم لا بقاء له إلا بالله و كان النعت الإلهي لا بقاء له إلا بالعالم كان كل واحد رزقا للآخر به يتغذى لبقاء وجوده محكوما عليه بأنه كذا
فالوجود الحادث و القديم مربوط بعضه ببعضه ربط الإضافة و الحكم لا ربط وجود العين فالإنسان مثلا موجود العين من حيث ما هو إنسان و في حال وجوده معلوم الأبوة إذا لم يكن له ابن يعطيه وجوده أو تقدير وجوده نعت الأبوة و كذلك أيضا هو معدوم نعت المالك ما لم يكن له ملك يملكه به يقال إنه مالك و كذلك الملك و إن كان موجود العين لا يقال فيه ملك حتى يكون له مالك يملكه فالله من حيث ذاته و وجوده غني عن العالمين و من كونه ربا يطلب المربوب بلا شك فهو من حيث العين لا يطلب و من حيث الربوبية يطلب المربوب وجودا و تقديرا و قد ذكرنا أن كل حكم في العالم لا بد أن يستند إلى نعت إلهي إلا النعت الذاتي الذي يستحقه الحق لذاته و به كان غنيا و النعت الذاتي الذي للعالم بالاستحقاق و به كان فقيرا بل عبدا فإنه أحق من نعت الفقر و إن كان الفقر و الذلة على السواء و لهذا قال الحق لأبي يزيد تقرب إلي بما ليس لي الذلة و الافتقار و القادر على الشيء و الانفعال الذاتي عن الشيء لا يتصف ذلك القادر و لا الذي عنه انفعل ما انفعل بالافتقار بخلاف المنفعل فإنه موصوف بالذلة و الافتقار فتميز الحق من الخلق بهذا و إن كان الخلق بالحق و الحق بالخلق مرتبطا بوجه فالأمر كما قررناه و هذا المنزل قد حواه فيقول القائل فلما ذا يستند الحكم بالهوى و هو موجود في الكون و الحق لا يحكم بالهوى فالأهواء ما مستندها قلنا إن تفطنت لقول الله تعالى إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فلم يصف نفسه بالتحجير عليه في حكمه و الكون موصوف بالتحجير فتوجه عليه الخطاب بأنه لا يحكم بكل ما يريد بل بما شرع له ثم إنه لما قيل فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى أي لا تحكم بكل ما يخطر لك و لا بما يهوى كل أحد منك بل احكم بما أوحى به إليك فإن الله تعالى قال جبر القلب خلفائه قل يا محمد رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ أي و لا تفعل ما تريد فليكن حكمك في الأمم يوم القيامة بما شرعت لهم و بعثتنا به إليهم فإن ذلك مما يراد فإنك ما أرسلتنا إلا بما تريد حتى يثبت صدقنا عندهم و تقوم الحجة عليهم إذا حكم الحق في كل أمة بما أرسل به نبيه إليهم و بهذا تكون لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فدل التحجير على الخلق في الأهواء أن لهم الإطلاق بما هم في نفوسهم ثم حدث التحجير في الحكم و التحكم كما أنه فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ ثم إنه ما حكم إلا بما شرع و أمر عبده أن يسأله تعالى في ذلك حتى يكون حكمه فيه عن سؤال عبده كما كان حكم العبد بما قيده من الشرع عن أمر ربه بذلك فليست الأهواء إلا مطلق الإرادات فقد علمت لما ذا استندت الأهواء و استند التحجير ثم لتعلم إن الهوى و إن كان مطلقا فلا يقع له حكم إلا مقيدا فإنه من حيث القابل يكون الأثر فالقابل لا بد أن يقيده فإنه بالهوى قد يريد القيام و القعود من العين الواحدة التي تقبلهما على البدل في حال وجود كل واحد منهما في تلك العين و القابل لا يقبل ذلك فصار الهوى محجورا عليه بالقابل فلما قبل الهوى التحجير بالقابل علمنا إن هذا القبول له قبول ذاتي فحجر الشرع عليه فقبل و ظهر حكم القابل في الهوى ظهوره في مطلق الإرادة فيمن اتصف بها فلما خلق الله النفس الناطقة أو الخليفة قل ما شئت خلق فيه قوى روحانية معنوية نسبية معقولة و إن كانت هذه القوي عين من اتصف بها كالاسماء و الصفات الإلهية التي مرجعها و كثرتها إلى نسب في عين واحدة لا تقبل الكثرة في عينها و لا العدد الوجودي العيني فكان من القوي التي خلقها في هذا الخليفة بل في الإنسان الكامل و الحيوان و هو مطلق الإنسان قوة تسمى الوهم و قوة تسمى العقل و قوة تسمى الفكر و ميز الحضرات الثلاثة لهذا الخليفة و ولاه عليها حضرة المحسوسات و حضرة المعاني المجردة في نفسها عن المواد و إن لم يظهر بعضها إلا في بعض المواد و حضرة الخيال و جعل الخيال حضرة متوسطة بين طرفي الحس و المعنى و هو خزانة الجبايات التي تجبيها الحواس و جعل فيه قوة مصورة تحت حكم العقل و الوهم يتصرف فيها العقل بالأمر و كذلك الوهم أيضا يتصرف فيها بالأمر و قوى في هذه النشأة سلطان الوهم على العقل فلم يجعل في قوة العقل أن يدرك أمرا من الأمور التي ليس من شأنها أن تكون عين مواد أو تكون لا تعقل من جهة ما إلا في غير مادة كالصفات المنسوبة إلى الله المنزه عن إن يكون مادة أو في مادة فعلمه المنسوب إليه ما هو مادة و لا ينسب إلى مادة فلم يكن في قوة العقل مع علمه بهذا إذا خاض فيه أن يقبله إلا بتصور و هذا التصور من حكم الوهم عليه لا من حكمه فالحس يرفع إلى الخيال ما يدركه و تركب القوة المصورة في الخيال ما شاءته مما لا وجود لهفي الحس من حيث جملته لكن من حيث أجزاء تلك الجملة فإن كانت القوة المصورة قد صورت ذلك عن أمر العقل بقوة الفكر فذلك لطلبه العلم بأمر ما و العلم مقيد بلا شك و إن كان ما صورته المصورة عن أمر الوهم لا من حيث ما تصرف به العقل من حكم الوهم بل من الوهم نفسه فإن تلك الصورة لا تبقي فإن الوهم سريع الزوال لإطلاقه بخلاف العقل فإنه مقيد محبوس بما استفاده و لما كان الغالب على الخلق حكم الأوهام لسلطنة الوهم على العقل فإنه أثر فيه إنه لا يقبل معنى يعلم قطعا أنه ليس بمادة و لا في مادة إلا بتصور و ذلك التصور ليس غير الصورة التي لا يحكم بها إلا الوهم فصار العقل مقيدا بالوهم بلا شك فيما هو به عالم بالنظر و أما علمه الضروري فليس للوهم عليه سلطان و به يعلم أن ثم معاني ليست بمواد و لا في أعيان مواد و إن لم يقبلها بالنظر إلا في مواد من خلف حجاب رقيق يعطيه الوهم و لما علم الحق ما ركب عليه العالم المكلف مما ذكرناه أرسل الرسل إلى الناس و المكلفين فوقفوا في حضرة الخيال خاصة ليجمعوا بين الطرفين بين المعاني و المحسوسات فهو موقف الرسل ع فقالوا لبعض الناس من هذه الحضرة اعبد الله كأنك تراه ثم نبه هذا المخاطب المكلف بعد هذا التقرير على أمر آخر الطف منه لأنه علم إن ثم رجالا علموا إن ثم معاني مجردة عن المواد فقال له فإن لم تكن تراه أي تقف مع دليلك الذي أعلمك أنك لا تراه فإنه يعني الله يراك أي ألزم الحياء منه و الوقوف عند ما كلفك فعدل في الخطاب إلى حكم و هم ألطف من الحكم الأول فإنه لا بد لهذا المكلف أن يعلم أنه يراه إما بعقله أو بقول الشرع و بكل وجه فلا بد أن يقيده الوهم فإن العبد بحيث يراه الله فأخرجه عنه فحده إذ ميزه مع علمه أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فحيره و هذه الحيرة سارية في العالم النوري و الناري و الترابي لأن العالم ما ظهر إلا على ما هو عليه في العلم الإلهي و ما هو في العلم لا يتبدل فالمرتبة الإلهية تنفي بذاتها التقييد عنها و القوابل تنفي الإطلاق عنها بالوقوع فعلمت سبب الحيرة في الوجود ما هو قال تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ أي ما حكم به العلم و سبق به الكتاب فعرفنا ذلك من العلم و الكتاب إذ كان له الحكم و الخلفاء إنما هم خلفاء العلم و الكتاب فالعلم و الكتاب حجابان عن الحق الذي هو غني عن العالمين فمرجع الكون للعلم و الكتاب فتنتج الأهواء مع إطلاقها ما تنتجه العقول مع تقييدها فلا يسلم لعقل حكم أصلا بلا وهم في هذه النشأة لأن النشأة لها ولادة على كل من ظهر فيها و ما ثم أعلى من الحق رتبة و مع هذا تخيلته و قال لها تخيليني أمرها بذلك لكونه لا يُكَلِّفُ الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها و وسعها ما تعطيه حقيقتها و جعل سعادتها في ذلك التخيل ثم قال لها لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فجمعت بين التنزيه فقيدته و بين التشبيه فقيدته فإنها مقيدة فلا تعلم إلا التقييد الذي هو حقيقتها
و قد نبه الحق عباده في كتابه العزيز إن عنده خزانة خزائن كل شيء و الخزائن تقتضي الحصر و الحصر يقتضي التقييد ثم بين أنه ما ينزل شيئا منها إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و هو تقييد و لو لا التقييد بين المقدمتين الذي يربطهما ما ظهرت بينهما نتيجة أصلا و لا ظهر خلق عن حق أصلا و لهذا سرى النكاح في المعاني و المحسوسات للتوالد قديما و حديثا و لكن لا يفقهون حديثا أي أنتم يا محجوبون لا تعلمون ما نحدثكم به فإن الشرع كله حديث و خبر إلهي بما يقبله العقل و الوهم حتى تعم الفائدة و يكون كل من في الكون مخاطبا و يا علماء بالله و بالأمر لا تعلمون حديثا بل تعلمون قديما و إن حدث عندكم فما هو حديث العين ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و ما هو إلا كلام الله المنعوت بالقدم فحدث عندهم حين سمعوه فهو محدث بالإتيان قديم بالعين و جاء في مواد حادثة ما وقع السمع و لا تعلق إلا بها و تعلق الفهم بما دلت عليه هذه الأخبار و الذي دلت عليه منه ما هو موصوف بالقدم و منه ما هو موصوف بالحدوث فله الحدوث من وجه و القدم من وجه و لذلك قال من قال إن الحق يسمع بما به يبصر بما به يتكلم و العين واحدة و الأحكام تختلف قال تعالى إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ فعلق الذهاب بالمشيئة و قال وَ إِنَّا عَلى ذَهابٍ به لَقادِرُونَ فعلق الذهاب بالاقتدار فما به قدرته أراد و شاء و هنا علم شريف و هو أن متعلق القدرة الإيجاد لا الإعدام فيتعرض هنا أمران الأمر الواحد أن الذهاب المراد هناليس الإعدام و إنما هو انتقال من حال إلى حال فمتعلق القدرة ظهور المحكوم عليه بالحال التي انتقل إليها فأوجدت القدرة له ذلك الحال فما تعلقت إلا بالإيجاد و الأمر الآخر إن وصفه بالاقتدار على الذهاب أي لا مكره له على إبقائه في الوجود فإن وجود عين القائم بنفسه أعني بقاءه إنما هو مشروط بشرط بوجود ذلك الشرط يبقى الوجود عليه و ذلك الشرط يمده الله به في كل زمان و له أن يمنع وجود ذلك الشرط و لا بقاء للمشروط إلا به فلم يوجد الشرط فانعدم المشروط و هذا الإمساك ليس من متعلق القدرة و قد وصف نفسه بالقدرة على ذلك فلم يبق إلا فرض المنازع الذي يريد بقاءه فهو قادر على دفعه لما لم يرد الله بقاءه فيقهر المنازع فلا يبقى ما أراد المنازع بقاءه و القهر حكم من أحكام الاقتدار و لما علمنا هذا و تقرر لدينا علمنا من تقدم و حكمه و من تأخر و حكمه كما قدمنا إن الشيء يكون متقدما من وجه متأخرا من وجه و في هذا المنزل من العلوم علم المثلثات الواقعة في الوجود و من أين أصلها و ما يتصل منها و ما ينفصل و فيه علم مناسبة القرآن للكتاب و كون التوراة و غيرها كتابا و ليست بقرآن و فيه علم تقليل النظير في المحمود و المذموم و فيه علم حكمة السبب في وجود ما لا يوجد إلا بسبب هل يجوز وجوده بغير سبب أم لا عقلا و فيه علم تهيؤ القوابل بذاتها لما يرد عليها مما تقبله و فيه ترك الإهمال من ترك ما يترك لمنفعة و كله ترك و فيه علم تأخير الوعيد ممن لا مانع له فهل ذلك لمانع لا يمكن رفعه أو هل هو عن اختيار إن صح وجود الإنسان في العالم فإنه ليس له مستند وجودي في الحق و إنما هو أمر متوهم ذكرناه في الباب الذي يليه هذا الباب فقد تقدم و فيه علم الآجال في الأشياء و الترتيب في الإيجاد مع تهيؤ الممكنات لقبول الإيجاد فما الذي أخرها و الفيض الإلهي غير ممنوع و القوابل مهياة للقبول و التأخير و التقديم مشهود فلما ذا يرجع فلا بد في هذا الموطن من حكم يسمى المشيئة و لا بد و لا يمكن رفع هذا الحكم بوجه من الوجوه و فيه علم ما ستر عن العالم أن يعلمه هل ينقسم إلى ما لا يزال مستورا عنه فلا يعلمه أبدا و إلى ما يعلمه برفع الستور و هل علم ما لا يرفع ستره ممكن أن يعلم لو رفع الستر أو ستره عينه فلا يمكن أن يعلم لذاته و فيه علم سبب طلب البينة من المدعي اسم فاعل و قبول الطالب لذلك شهادة البينة من غير حكم الحاكم و لا يكون ذلك حتى يتذكر المدعي عليه بشهادة البينة فهل قبوله شهادتهم للذكرى أم لأمر آخر و هو عدم التهمة لهم فيما شهدوا به و جوزوا النسيان منه لما شهدوا به عليه و ذلك لإنصافهم و فيه علم تأخير البيان عند الحاجة مع التمكن منه لا يجوز و فيه علم إقامة الجماعة مقام الواحد و إقامة الواحد مقام الجماعة و فيه علم رد الدلائل للأغراض النفسية هل يكون ردها عن خلل عنده في كون تلك الدلائل كما هي في نفسها صحيحة أو لا عن خلل و فيه علم من حفظ من العالم و بما ذا حفظ و ممن حفظ و لما ذا حفظ و فيه علم ما تحوي عليه الأرض من الكنوز و ما يظهر عليها مما يخرج منها أنه على حد معلوم لا يقبل الزيادة و النقص و فيه علم رزق العالم بعضه بعضا و فيه علم ترك الادخار من صفة أهل الله الذاكرين منهم و فيه علم نشء الحيوان على اختلاف أنواعه و فيما ذا يشترك و بما ذا يتميز صنف عن صنف و فيه علم التعريف الإلهي من شاء الله من عباده و فيه علم سبب سجود الملائكة لآدم إنما كان لأجل الصورة لا لأن علمهم الأسماء فأمروا بالسجود قبل أن يعرفوا فضله عليهم بما علمه الله من الأسماء و لو كان السجود بعد ظهوره بالعلم ما أبى إبليس و لا قال أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ و لا استكبر عليه و لهذا قال أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً و قال خَلَقْتَنِي من نارٍ وَ خَلَقْتَهُ من طِينٍ ثم بعد ذلك أعلم الله الملائكة بخلافته فقالوا ما أخبر الله عنهم و لهذا قال تعالى في بعض ما كرره من قصته وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فأتى بالماضي من الأفعال و بأداة إذ و هي لما مضى من الزمان فاجعل بالك لهذه المسألة لتعلم فضل آدم بعلمه على فضله بالسجود له لمجرد ذاته و لما ذا نهي في الشرع أن يسجد إنسان لإنسان فإنه سجود الشيء لنفسه فإنه مثله من جميع وجوهه و الشيء لا يخضع لنفسه و لهذا لما سئل ص في الرجل إذا لقي الرجل أ ينحني له قال لا قيل له أ يصافحه قال نعم و فيه علم ما السبب في عداوة الأمثال هل لكون المثلين ضدين أو لأمر آخر و فيه علم ما جهل الأعلى من الأدنى حين افتخر عليه و ما له شرف إلا به فإنه لو لا الأدنى ما ظهر فضل الأعلى فأي فائدة لافتخاره و الحال يشهد له بذلك و لم يكتف و لهذا قال ص أنا سيد ولد آدم و لا فخر أي ما قصدت الفخر عليكم بذلك فإنه معلوم بالمقام و الحال أنه سيد الناس و فيه علم حكمة منسأل أمرا فيه شقاؤه فأجابه المسئول مع علمه بذلك و لم ينبهه على ما عليه من الشقاء في ذلك و فيه علم إن المأمور يمتثل أمر سيده ثم يعاقبه السيد على امتثال أمره ما حكم هذا الفعل من السيد و فيه علم الفرق بين من أخذ بالحجة و بين من أخذ بالقهر و فيه علم الخمسة عشر و فيه علم التساوي بين الضدين فيما اجتمعا فيه و فيه علم المبادرة لكرامة الضيف النازل عليك و إن لم تعرفه بما ذا تقابله و أنت لا تعرف منزلته فتكرمه بقدر ما تعرف من منزلته و تعامله بذلك فإن الكرامة على قسمين القسم الواحد يعم المعروف و غير المعروف و القسم الآخر ما يفضل بها المعروفون و فيه علم التعريف بما يقع به الأمان للخائف و الأنس للمستوحش و فيه علم النصائح و فيه علم التذكير و المواعظ و فيه علم من ينبغي أن يصحب ممن لا ينبغي أن يصحب و من ينبغي أن يتبع ممن لا ينبغي أن يتبع و من ينبغي أن يعرف من غير صحبة و لا اتباع و من يصحب و يتبع و لا يعرف و فيه علم ما لا بد من العلم به و هو العلم بطريق نجاتك «وصل» هذا المنزل بينه و بين الباب السبعين و مائتين وصلة بنسبة خاصة فألحقنا منه في هذا المنزل هذا القدر الذي أذكره إن شاء الله و ذلك أن الله تعالى لما خلق الأرواح النورية و النارية أعني الملائكة و الجان شرك بينهما في أمر و هو الاستتار عن أعين الناس مع حضورهم معهم في مجالسهم و حيث كانوا و قد جعل الله عز و جل بينهما و بين أعين الناس حِجاباً مَسْتُوراً فالحجاب مستور عنا و هم مستورون بالحجاب عنا فلا نراهم إلا إذا شاءوا أن يظهروا لنا و لهذا سمى الله الطائفتين من الأرواح جنا أي مستورين عنا فلا نراهم فقال في حق الملائكة في الذين قالوا إن الملائكة بنات الله وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً يعني بالجنة هنا الملائكة لقولهم ما ذكرناه آنفا و كانوا يكرهون نسبة البنات إليهم فأخبرنا الله بذلك في قوله وَ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما يَكْرَهُونَ فإنهم كانوا يكرهون البنات و بهذا أخبرنا الله عنهم في قوله تعالى وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَ هُوَ كَظِيمٌ يَتَوارى من الْقَوْمِ من سُوءِ ما بُشِّرَ به أَ يُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ في التُّرابِ و هو قوله تعالى وَ إِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ و أنكر الله عليهم نسبة الأنوثة إلى الملائكة في قوله أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ فلما شرك الله تعالى بين الملائكة و بين الشياطين في الاستتار سمي الكل جنة فقال في الشياطين من شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ من الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ يعني بالجنة هنا الشياطين و قال في الملائكة وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً يعني الملائكة وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ و الملائكة رسل من الله إلى الإنسان موكلون به حافظون كاتبون أفعالنا و الشياطين مسلطون على الإنسان بأمر الله فهم مرسلون إلينا من الله و قال عن إبليس إنه كانَ من الْجِنِّ يعني الملائكة فَفَسَقَ أي خرج أي عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي من الذين يستترون عن الإنس مع حضورهم معهم فلا يرونهم كالملائكة فلما شرك بينهم في الرسالة أدخله أعني إبليس في الأمر بالسجود مع الملائكة فقال وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ فأدخله معهم في الأمر بالسجود فصح الاستثناء و جعله منصوبا بالاستثناء المنقطع فقطعه عن الملائكة كما قطعه عنهم في خلقه من نار فكأنه يقول إلا من أبعده الله من المأمورين بالسجود و لا ينطلق على الأرواح اسم جن إلا لاستتارهم عنا مع حضورهم معنا فلا نراهم فحينئذ ينطلق عليهم هذا النعت فالجنة من الملائكة هم الذين يلازمون الإنسان و يتعاقبون فينا بالليل و النهار و لا نراهم عادة و إذا أراد الله عز و جل أن يراهم من يراهم من الإنس من غير إرادة منهم لذلك رفع الله الحجاب عن عين الذي يريد الله أن يدركهم فيدركهم و قد يأمر الله الملك و الجن بالظهور لنا فيتجسدون لنا فنراهم أو يكشف الله الغطاء عنا فنراهم رأى العين فقد نراهم أجسادا على صور و قد نراهم لا على صور بشرية بل نراهم على صورهم في أنفسهم كما يدرك كل واحد منهم نفسه و صورته التي هو عليها و أن الملائكة أصل أجسامها نور و الجن نار مارج و الإنسان مما قيل لنا و لكن كما استحال الإنس عن أصل ما خلق منه كذلك استحال الملك و الجن عن أصل ما خلقا منه إلى ما هما عليه من الصور فقد بان لك ما اشترك فيه الجان و الملك و ما تميز به بعضهما عن بعض فيعتبر الله في التعبير لنا عن كل واحد منهما إما بالصفة المشتركة بينهما أو بما ينفرد كل جنس منهما به كيف شاء لمن نظر نظرا صحيحا في ذلك و خلق الله الجان شقيا و سعيدا و كذلك الإنس و خلق الله الملك سعيدا لا حظ له في الشقاء فسمى شقي الإنس و الجان كافرا و سمي السعيدمن الجن و الإنس مؤمنا و كذلك شرك بينهما في الشيطنة فقال تعالى شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِّ و قال الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ من الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ و قد علمنا إن النفس بذاتها و إن كانت مقيدة لا تشتهي التقييد بذاتها و تطلب السراح و التصرف بما يخطر لها من غير تحجير فإذا رأيت النفس قد حبب إليها التحجير فقامت به طيبة و كره إليها تحجير آخر فقامت به إن قامت غير طيبة مكرهة فتعلم قطعا إن ذلك التحجير مما ألقى إليها من غير ذاتها كان التحجير ما كان فإذا حبب إلى نفوس العامة القيام بتحجير خاص فتعلم قطعا إن ذلك التحجير هو الباطل الذي يؤدي العمل به إلى شقاوة العامل به و الواقف عنده فإن الشيطان الذي يوسوس في صدره يوسوس إليه دائما و يحببه إليه لأن غرضه أن يشقيه و إذا رأيته يكره ذلك التحجير و يطلب تأويلا في ترك العمل به فتعلم إن ذلك تحجير الحق الذي يحصل للعامل به السعادة إلا أهل الكشف الذين حبب الله إليهم الايمان و زينه في قلوبهم و كره إليهم الكفر و الفسوق و العصيان و إن لم يعرفوا أنهم كشف لهم و لكن علمناه نحن منهم و هم لا يعلمونه من نفوسهم و لهذا نرى من ليس بمسلم يثابر على دينه و ملازمته كأكثر اليهود و النصارى أكثر مما يثابر المسلم على إقامة جزئيات دينه و مثابرته على ذلك دليل على أنه على طريق يشقى بسلوكه عليها و هذا من مكر الله الخفي الذي لا يشعر به كل أحد إلا من كان على بصيرة من ربه و هذا الصنف قليل و لا يوجد في الجن لا في مؤمنهم و لا في كافرهم من يجهل الحق و لا من يشرك و لهذا ألحقوا بالكفار و لم يلحقهم الله بالمشركين و إن كانوا هم الذين يجعلون الإنس أن يشركوا فإذا أشركوا تبرءوا ممن أشرك كما قال تعالى كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ و هو وحي الشيطان إلى وليه ليجادل بالباطل أهل الحق فإذا كفر يقول له إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ فوصف الشيطان بالخوف من الله و لكن على ذلك الإنسان لا على نفسه فخوف الشيطان على الذي قبل إغواءه لا على نفسه كما تخاف الأنبياء ع يوم القيامة على أممهم لا على أنفسهم و سبب ارتفاع الخوف من الشيطان على نفسه علمه بأنه من أهل التوحيد و لهذا قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ فأقسم به تعالى لعلمه بربه كأنه يرى الحق أنه قد علم من نشأة الإنسان قبوله لكل ما يلقي إليه فلما سأل ذلك أجاب الله سؤاله فأمره بما أغوى به الإنس فقال له اذهب يعني إلى ما سألته مني و ذكر له جزاءه و جزاءه و جزاء من اتبعه من الإنس فكان جزاء الشيطان إن رده إلى أصله الذي منه خلقه و جزاء الإنسان الذي اتبعه كذلك و لكن غلب جزاء الإنسان على جزاء إبليس فإن الله ما جعل جزاءهما إلا جهنم و فيها عذاب إبليس فإن جهنم برد كلها ما فيها شيء من النارية فهو عذاب لإبليس أكثر منه لمتبعه و إنما كان ذلك لأن إبليس طلب أن يشقي الغير فحار وباله عليه لما قصده فهو تنبيه من الحق لنا أن لا نقصد وقوع ما يؤدي إلى الشقاء لأحد فإن ذلك نعت إلهي و لذلك أبان الله طريق الهدى من طريق الضلالة فالعبد المستقيم هو الذي يكون على صراط ربه مع أن الشيطان تحت أمر ربه في قوله اذْهَبْ و اسْتَفْزِزْ و أَجْلِبْ و شارِكْهُمْ و عِدْهُمْ و هذه كلها أوامر إلهية فلو كانت ابتداء من الله ما شقي إبليس و لما كانت إجابة له لما قال فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ و لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ شقي بها كما تعب المكلف فيما سأله من التكليف فإن الشرع منه ما نزل ابتداء و منه ما نزل عن سؤال و لو لا إن الرحمة شاملة لكان الأمر كما ظهر في العموم و لما قيدت هذا الوصل غفوت غفوة فرأيت في المبشرة يتلى على شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من الوحدة فهو كثير بالأحكام فإن لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى و كل اسم علامة على حقيقة معقولة ليست هي الأخرى و وجوه العالم في خروجه من العدم إلى الوجود كثيرة تطلب تلك الأسماء أعني المسميات و إن كانت العين واحدة كما إن العالم من حيث هو عالم واحد و هو كثير بالأحكام و الأشخاص ثم تلي على الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ من يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ من يُنِيبُ و ما ذكر لشقي هنا نعتا و لا حالا بل ذكر الأمر بين اجتباء و هداية ثم قيل لي من علم الهداية و الاجتباء علم ما جاءت به الأنبياء و كلا الأمرين إليه فمن اجتباه إليه جاء به إليه و لم يكله إلى نفسه و من هداه إليه أبان له الطريق الموصلة إليه ليسعده و تركه و رأية ف إِمَّا شاكِراً وَ إِمَّا كَفُوراً إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ و لما جاء تعالى في هذه الآية العامة و لم يذكر للشقاوة اسما و لا عينا و ذكر الاجتباء و الهداية و هو البيان هنا و جعل الأمرين إليه علمنا إن الحكم للرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍو ما ذكر في المشرك إلا كون هذا الذي دعي إليه كبر عليه لأنه دعي من وجه واحد و هو يشهد لكثرة من وجوده الذي جعله الحق دليلا عليه في قوله من عرف نفسه عرف ربه و ما عرف نفسه إلا واحدا في كثير أو كثيرا في واحد فلا يعرف ربه إلا بصورة معرفته بنفسه فلذلك كبر عليه دعاء الحق إلى الأحدية دون سائر الوجوه و ذلك لأن المشرك ما فهم عن الله مراد الله بذلك الخطاب فلما علم الحق أن ذلك كبر عليه رفق به و جعل الأمر إليه تعالى بين اجتباء و هداية فشرك بالاجتباء و الهداية و وحد بإليه في الأمرين رفقا به و أنسا له ليعلم أنه الغفور الرحيم بالمسرفين على أنفسهم و لما رأى إبليس منة الله قد سرت في العالم طمع في رحمة الله من عين المنة لا من عين الوجوب الإلهي فعبده مطلقا لا مقيدا ففي أي وجهة تصرف لم يخرج عن حق كما إن الشرع الذي وصى به من ذكره في هذه الآية متنوع الأحكام ينسخ بعضه بعضا و الكل قد أمروا بإقامته و أن لا يتفرق فيه للافتراق الذي فيه فهو يدعو بالكثرة إلى عين واحدة أو بالوحدة إلى حقائق كثيرة كيف شئت فقل ما شئت مما لا يغير المعنى
و هذا الوصل واسع المجال فيه علم الأوامر المختصة بالشارع وحده و هو الرسول و علم ما يتقى به من الأسماء الإلهية و علم مالك الملك و مدلول اسم الإله و نعته بالأحدية في قوله ما من إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ و إضافته إلى الضمير مثل إِلهُكُمْ و إلى الظاهر مثل وَ إِلهُ مُوسى و إِلهِ النَّاسِ هل الحكم واحد أو يتغير بتغير الإضافة أو بالنعت و علم الربوبية و كونها لم تأت قط من عند الله من غير تقييد و علم الإلهام و اختلاف الاسم عليه بالطرق التي منها يأتي «الوصل الثاني من هذا الباب» و هو ما يتصل به من المنزل الثاني من المنازل المذكورة في هذا الكتاب و هو يتضمن علوما منها علم الفصل بين ما يقع به الإدراك للأشياء و بين ما لا يدرك به إلا نفسه خاصة و علم اختزان البزرة و النواة و الحبة ما يطهر منها إذا بزرت في الأرض و كيف تدل على علم خروج العالم من الغيب إلى الشهادة لأن البزرة لا تعطي ما اختزن الحق فيها إلا بعد دفنها في الأرض فتنفلق عما اختزنته من ساق و أوراق و بزور أمثالها من النواة نوى و من الحبة حبوب و من البزرة بزور فتظهر عينها في كثير مما خرج عنها فتعلم من هذا ما الحبة التي خرج منها العالم و ما أعطت بذاتها فيما ظهر من الحبوب و لما ذا يستند ما ظهر منها من سوى أعيان الحبوب فلو لا ما هو مختزن فيها بالقوة ما ظهر بالفعل فاعلم ذلك و هذا كله من خزائن الجود و يتضمن علم الأمر المطلق في قوله اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ و المقيد بعمل مخصوص و اختلاف الصيغ في ذلكو يتضمن علم إضافة الشرور إلى غير الله لأنها معقولة عند العالم فقال ص و الشر ليس إليك فأثبته في عينه و نفى إضافته إلى الحق فدل على إن الشر ليس بشيء و أنه عدم إذ لو كان شيئا لكان بيد الحق فإن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ و هو خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ و قد بين لك ما خلق بالآلة و بغير الآلة و بكن و بيده و بيديه و بأيد و فصل و أعلم و قدر و أوجد و جمع و وحد فقال إني و نحن و أنا و إنا و لهذا كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فإن معقول نحن ما هو معقول إني و جاء الخطاب بإليه فوحد و ما رأوا للجمع عينا فكبر ذلك عليهم و نون العظمة في الواحد قول من لا علم له بالحقائق و لا بلسان العرب و يتضمن علم ظلمة الجهل إذا قامت بالقلب فأعمته عن إدراك الحقائق التي بإدراكها يسمى عالما قال تعالى أَ وَ من كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ أراد العلم و الجهل و ما كل ما يدرك و لا يدرك به يكون ظلمة فإن النور إذا كان أقوى من نور البصر أدركه الإنسان و لم يدرك به و لهذا ذكر رسول الله ص في الله أن حجابه النور فلا يقع الكشف إلا بالنور الذي يوازي نور البصر أ لا ترى الخفافيش لا تظهر إلا في النور الموازي نور بصرها و هو نور الشفق و يتضمن علمالشبهات و هو كل معلوم يظهر فيه وجه للحق و وجه لغير الحق فيكون في الأرزاق ما هو حلال بين و حرام بين و بينهما مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن لاحت له وقف عندها حتى يتبين له أمرها فأما إن يلحقها بالحلال و إما أن يلحقها بالحرام فلا يقدم عليها ما دامت في حقه شبهة فإنها في نفس الأمر مخلصة لأحد الجانبين و إنما اشتبه على المكلف لتعارض الأدلة الشرعية عنده في ذلك و في المعقولات كالأفعال الظاهرة على أيدي المخلوقين فيها وجه يدل أنها لله و وجه يدل أنها للمخلوق التي ظهرت في الشهادة عليه و هي في نفس الأمر مخلصة لأحد الجانبين و كذلك السحر و المعجزة فالسحر له وجه إلى الحق فيشبه الحق و له وجه إلى غير الحق فيشبه الباطل مشتق من السحر و هو اختلاط الضوء و الظلمة فلا يتخلص لأحد الجانبين و لما سحر رسول الله ص فكان يخيل إليه أنه يأتي نساءه و هو لم يأتهن فأتاهن حقيقة في عين الخيال و لم يأتهن حقيقة في عين الحس فهو لما حكم عليه و هذه مسألة عظيمة و إذا أراد من أراد إبطال السحر ينظر إلى ما عقده الساحر فيعطي لكل عقدة كلمة يحلها بها كانت ما كانت فإن نقص عنها بالكلمات بقي الأمر عليه فإنه ما يزول عنه إلا بحل الكل و هو علم إلهي فإن النبي ص يقول إن روح القدس نفث في روعي و لا يكون النفث إلا ريحا بريق لا بد من ذلك حتى يعم فكما أعطاه من روحه بريحة أعطاه من نشأته الطبيعية من ريقه فجمع له الكل في النفث بخلاف النفخ فإنه ريح مجرد و كذلك السحر و هو الرئة و هي التي تعطي الهواء الحار الخارج و الهواء البارد الداخل و فيها القوتان الجاذبة و الدافعة فسميت سحرا لقبولها النفس الحار و البارد و بما فيها من الرطوبة لا تحترق بقبول النفس الحار و لهذا يخرج النفس و فيه نداوة فذلك مثل الريق الذي يكون في النفث الذي ينفثه الروح في الروع و الساحر في العقدة و يتضمن علم الفرق بين من يريد بسط رحمة الله على عباده طائعهم و عاصيهم و بين من يريد إزالة رحمة الله عن بعض عباده و هو الذي يحجر رحمة الله التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و لا يحجرها على نفسه و صاحب هذه الصفة لو لا إن الله سبقت رحمته غضبه لكان هذا الشخص ممن لا يناله رحمة الله أبدا و اعلم أن الله تعالى لما أوجد الأشياء عن أصل هو عينه وصف نفسه بأنه مع كل شيء حيث كان ذلك الشيء ليحفظه بما فيه من صورته لإبقاء ذلك النوع في الوجود فظهرت كثرة الصور عن صورة واحدة هي عينها بالحد و غيرها بالشخص كما قلنا في الحبوب عن الحبة الواحدة فهي خزانة من خزائن الجود لما يشبهها و لما يلزمها و إن خالفها في الصورة إذ الخزانة تخزن خزائن و تخزن ما في تلك الخزائن من المخزون فيها فهو و إن خرج عن غير صورتها فلا بد من جامع يجمع بينهما و أظهرها الجسمية في الحبة و الورق و الثمر و الجسد و الفروع و الأصول و هذا مشهود لكل عين من الحبة الواحدة أو البزرة الواحدة زائدا على الأمثال فالكامل من الخلفاء كالحبوب من الحبة و النوى من النواة و البزور من البزرة فيعطي كل حبة ما أعطته الحبة الأصلية لاختصاصها بالصورة على الكمال و ما تميزت إلا بالشخص خاصة و ما عدا الخلفاء من العالم فلهم من الحق ما للأوراق و الأغصان و الأزهار و الأصول من النواة أو البزرة أو الحبة و من هنا يعلم فضل الإنسان الخليفة على الإنسان الحيوان الذي هو أقرب شبها بالإنسان الكامل ثم على سائر المخلوقات فافهم ما بيناه فإنه من لباب العلم بالله الذي أعطاه الكشف و الشهود فإن قلت بما ذا أعلم من نفسي هل أنا من الكمل أو من الحيوان الذي يسمى إنسانا قلنا نعم ما سألت عنه فاعلم إنك لا تعلم أنك على الصورة ما لم تعلم قوله ص المؤمن مرآة أخيه فيرى المؤمن نفسه في مرآة أخيه و يرى الآخر نفسه فيه و ليس ذلك إلا في حضرة الاسم الإلهي المؤمن و قال إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ و قال المؤمن كثير بأخيه كما أنه واحد بنفسه فيعلم إن الأسماء الإلهية كلها كالمؤمنين إخوة فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ يعني إذا تنافروا كالمعز و المذل و الضار و النافع و أما ما عدا الأسماء المتقابلة فهم إخوان عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ و ليس يصلح بين الأسماء إلا الاسم الرب فإنه المصلح و المؤمن من حيث ما هو مرآة فمن رأى نفسه هكذا علم أنه خليفة من الخلفاء بما رآه من الصورة و هذا الإنسان الحيوان لا مرآة له و إن كان له شكل المرآة لكنها ما فيها جلاء و لا صقالة قد طلع عليها الصدا و الران فلا تقبل صورة الناظر فلا تسمىمرآة إلا بالرؤية فإذا أقامك الحق في العبودة المطلقة التي ما فيها ربوبية فأنت خليفة له حقا فإنه لا حكم للمستخلف فيما ولى فيه خليفة عنه جملة واحدة فاستخلفه في العبودة فلا حظ للربوبية فيها لأن الخليفة استقل بها استقلالا ذاتيا فهو بيد الله و في ملك الله قال تعالى سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ فجعل عبدا محضا و جرده عن كل شيء حتى عن الإسراء فجعله يسرى به و ما أضاف السري إليه فإنه لو قال سبحان الذي دعي عبده لأن يسرى إليه أو إلى رؤية آياته فسرى لكان له أن يقول و لكن المقام منع من ذلك فجعله مجبورا لا حظ له من الربوبية في فعل من الأفعال «الوصل الثالث» من خزائن الجود فيما يناسبه و يتعلق به من المنزل الثالث و هو يتضمن علم الأمر الواقع عند السؤال فإن الأوامر منها ما يقع ابتداء و منها ما يقع جوابا و يتضمن علم الهوية و الفرق بين الهوية و الأحدية و الواحدية و يتضمن علم مسمى الله ما هو و لما ذا ينعت و لا ينعت به و حقيقة الهوية هل لها شبه بشيء من العالم في شيء من الوجوه أو لا شبه فيها بوجه من الوجوه و صورة ما يتقيد به الاسم الله إذا ورد بقرائن الأحوال و يتضمن علم ظهور العالم هل هو ظهور ذاتي لذات الحق أو لحكم ما تقرر في العلم الإلهي أو ظهر بحكم الاختيار فيكون العالم لما يضاف إليه حتى تتبين المراتب و يتضمن علم نفي المماثل الذي لو ثبت صح أن يكون العالم بينهما فما هو لنا أب و لا نحن أبناء بل هو الرب و نحن العبيد فيطلبنا عبيدا و نطلبه سيدا
و لما لم يكن في الإمكان أن يخلق الله فيما خلق قوة في موجود يحيط ذلك الموجود بالله علما من حيث قيامها به لم يدرك بعقل كنه جلاله و لم يدرك ببصر كنه ذاته عند تجليه حيثما تجلى لعباده فهو تعالى المتجلي الذي لا يدرك الإدراك الذي يدرك فيه هو نفسه لا علما و لا رؤية فلا ينبغي أن يقفو الإنسان علم ما قد علم أنه لا يبلغ إليه قال الصديق رضي الله عنه العجز عن درك الإدراك إدراك فمن لا يدرك إلا بالعجز فكيف يوصف المدرك له بتحصيله
و اعلم أن من خزائن الجود أن يعلم الإنسان أنه لا جامع له بين العبودة و الربوبية بوجه من الوجوه و إنهما أشد الأشياء في التقابل فإن المثلين و إن تقابلا فإنهما يشتركان في صفات النفس و السواد و البياض و إن تقابلا فلم يمكن اجتماعهما و الحركة و السكون و إن تقابلا فلم يمكن اجتماعهما فإن الجامع للبياض و السواد اللون و الجامع للحركة و السكون الكون و الجامع للاكوان و الألوان العرضية فكل ضدين و إن تقابلا أو مختلفين من العالم فلا بد من جامع يجتمعان فيه إلا العبد و الرب فإن كل واحد لا يجتمع مع الآخر في أمر ما من الأمور جملة واحدة فالعبد من لا يكون فيه من الربوبية وجه و الرب من لا يكون فيه من العبودية وجه فلا يجتمع الرب و العبد أبدا و غاية صاحب الوهم أن يجمع بين الرب و العبد في الوجود و ذلك ليس بجامع فإني لا أعني بالجامع إطلاق الألفاظ و إنما أعني بالجامع نسبة المعنى إلى كل واحد على حد نسبته إلى الآخر و هذا غير موجود في الوجود المنسوب إلى الرب و الوجود المنسوب إلى العبد فإن وجود الرب عينه و وجود العبد حكم يحكم به على العبد و من حيث عينه قد يكون موجوداو غير موجود و الحد في الحالين على السواء في عينه فإذا ليس وجوده عينه و وجود الرب عينه فينبغي للعبد أن لا يقوم في مقام يشم منه فيه روائح ربوبية فإن ذلك زور و عين جهل و صاحبه ما حصل له مقام العبودة كما هو الأمر في نفسه و لا أزيد من قولي لا تشم فيه رائحة ربوبية إلا عنده في نفسه لا يغفل عن مشاهدة عبودته و أما غيره فقد ينسبون إليه ربوبية لما يرونه عليه من ظهور آثارها فذلك لله لا له و هو في نفسه على خلاف ما يظهر للعالم منه فإن ذلك محال أن لا يظهر للربوبية أثر منها عليه و إذا عرف التلميذ من الشيخ أنه بهذه المثابة فقد فتح الله على ذلك التلميذ بما فيه سعادته فإنه يتجرد إلى جانب الحق تجرد الشيخ فإنه عرف منه و اتكل على الله لا عليه و بقي ناظرا في الشيخ ما يجري الله عليه من الحال في حق ذلك التلميذ من نطق بأمر يأمره به أو ينهاه أو بعلم يفيده فيأخذه التلميذ من الله على لسان هذا الشيخ و يعلم التلميذ في نفسه من الشيخ ما يعلمه الشيخ من نفسه أنه محل جريان أحكام الربوبية حتى لو فقد الشيخ لم يقم فقده عند ذلك التلميذ ذلك القيام لعلمه بحال شيخه كأبي بكر الصديق مع رسول الله ص حين مات رسول الله ص فما بقي أحد إلا اضطرب و قال ما لا يمكن أن يسمع و شهد على نفسه في ذلك اليوم بقصوره و عدم معرفته برسوله الذي اتبعه إلا أبا بكر فإنه ما تغير عليه الحال لعلمه بما ثم و ما هو الأمر عليه فصعد المنبر و قال قارئا وَ ما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ من قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الآية فتراجع من حكم عليه وهمه و عرف الناس حينئذ فضل أبي بكر على الجماعة فاستحق الإمامة و التقديم فما بايعه من بايعه سدا و ما تخلف عن بيعته إلا من جهل منه ما جهل أيضا من رسول الله ص أو من كان في محل نظر في ذلك أو متأولا فإنه رضي الله عنه قد شهد له رسول الله ص في حياته بفضله على الجماعة بالسر الذي وقر في صدره فظهر حكم ذلك السر في ذلك اليوم و ليس إلا ما ذكرناه و هو استيفاء مقام العبودة بحيث إنه لم يخل منه بشيء في حقه و في حق رسول الله ص فعلم محمد ص أن أبا بكر الصديق مع من دعاه إليه و هو الله تعالى ليس معه إلا بحكم أنه يرى ما يخاطبه الحق سبحانه به على لسان رسوله ص في كل خطاب يسمعه منه بل من جميع من يخاطبه و قد علمه الحق في نفسه ميزان ما يقبل من خطابه و ما يرد و نرجو إن شاء الله أن يكون مقامنا هذا و لا يجعلها دعوى غير صادقة فإني ذقت هذا المقام ذوقا لا مزاج فيه أعرفه من نفسي و ما سمعته عن أحد ممن تقدمني بالزمان غير أبي بكر الصديق إلا واحد من الرجال المذكورين في رسالة القشيري فإنه حكي عنه أنه قال لو اجتمع الناس أن ينزلوا نفسي منزلتها مني من الخسة لم يستطيعوا ذلك و هذا ليس إلا لمن ذاق طعم العبودية لغيره لا يكون و لما شهدت لي جماعة أني على قدم أبي بكر الصديق من الصحابة علمت أنه ليس إلا مقام العبودة المحضة لله الحمد و الشكر على ذلك فالله يجعل من نظر إلى مرة واحدة من عمره إن يكون هذا نعته في نفسه دنيا و آخرة و كذلك حكى صاحب البياض و السواد في كتابه عن بعض الرجال أنه قال العارف مسود الوجه في الدنيا و الآخرة فإن كنى عن نفسه فهو صاحب المقام و إن عثر عليه من غير إن يكون نعته فقد وفى ما خلق الله الإنسان له حقه لأنه قال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ يعني ظاهرا و باطنا فما جعل لهم في الربوبية قدما فهكذا ينبغي أن يكون الإنسان في نفسه فيقوم بحق ما خلق له و إن لم يفعل فهو إنسان حيوان وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «الوصل الرابع» من خزائن الجود فيما يناسبه و يتعلق به من المنزل الرابع و قد ذكرنا ما يتضمنه من العلوم في موضعه في الباب الثالث و السبعين و مائتين فاعلم أنه من خزائن الجود ما يجب على الإنسان أن يعلمه ذوقا و هو علم ما يستغني به مما لا يستغني به و ذلك أن يعلم أن غاية درجة الغني في العبد أن يستغني بالله عما سواه و ليس ذلك عندنا مقاما محمودا في الطريق فإن في ذلك قدرا لما سوى الحق و تميزا عن نفسه و صاحب مقام العبودة يسرى ذوقه في كل ما سوى الله أنه عبد كهو لا فرق و يرى أن كل ما سوى الله محل جريان تعريفات الحق له فيفتقر إلى كل شيء فإنه ما يفتقر إلا إلى الله و لا يرى أن شيئا يفتقر إليه في نفسه و إن أفاد الله الناس على يديه فهو عن ذلك في نفسه بمعزل و يرى أن كل اسم تسمى به شيء مما يعطيه فائدة إن ذلك اسم الله غير أنه لا يطلقه عليه حكما شرعيا و أدبا إلهيا و الاسم الإلهي المغني هو الذي يعطي مقام الغني للعبد بما شاء مما تستغني به نفسه و الغني و إن كان بالله فهو محل الفتنة العمياء فإنه يعطي الزهو على عباد الله و يورث الجهل بالعالم و بنفسه كما قال صاحب الجنيد و من العالم حتى يذكر مع الله هذا و إن كان الذي قال هذا القول صاحب حال و علم بأن الله ما خاطب عباده إلا بقدر ما جعل فيهم من القبول لمعرفة خطابه فيتنوع خطابه ليتسع الأمر و يعم فما خلق الله العالم على قدم واحدة إلا في شيء واحد و هو الافتقار فالفقر له ذاتي و الغني له أمر عرضي و من لا علم له يغيب عن الأمر الذاتي له بالأمر العارض و العالم المحقق لا يزال الأمر الذاتي من كل شيء و من نفسه مشهودا له دائما دنيا و آخرة فلا يزال عبدا فقيرا تحت أمر سيده لا يستغني في نفسه عن ربه أبدا أ لا ترى أن السجود لله تعالى عام في كل مخلوق إلا هذا النوع الإنساني فإنه لم يعمه السجود لله و مع هذا فقد عمه السجود فإنه لا يخلو أن يكون ساجدا لأن السجود له ذاتي لأنه عبد فقير محتاج يتألم فالحاجة به منوطة قائمة فأما إن يسجد لله و إما أن يسجد لغير الله على إن ذلك السجود له عنده إما لله و إما لمن يقرب إلى الله في زعمه لا بد من هذا التوهم و لهذا رحم الله عباده بما كلفهم و أمرهم به من السجود لآدم و للكعبة و لصخرة بيت المقدس لعلمه بما جعل في عباده إن منهم من يسجد للمخلوقات عن غير أمر الله فأمر من أمر من ملك و إنسان بالسجود للمخلوق و جعل ذلك عبادة يتقرب بها إليه سبحانه ليقل السؤال يوم القيامة عن الساجدين لغير الله عن غير أمر الله فلا يبقى للحق عليهم مطالبة إلا بالأمر فيقول لهم من أمركم بذلك ما يقول لهم لا يجوز السجود لمخلوق فإنه قد شرع ذلك في مخلوق خاص حسا و خيالا كرؤيا يوسف ع الذي رأى الشمس و القمر و أحد عشر كوكبا ساجدين له فكان ذلك أباه و خالته و إخوته فوقع حساما كان إدراكه خيالا و القصة فيه معروفة متلوة قرآنا في صورة كوكبية فلما دخلوا عليه خَرُّوا لَهُ سُجَّداً فقال يوسف ع لأبيه هذا تَأْوِيلُ أي مال رُءْيايَ من قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا أي حقا في الحس و قد كانت حقا في الخيال في موطن الرؤيا فما ثم إلا حق و ما كان الله ليسرمد عذابا على من أتى حقا فإن الله لما قسم الحق إلى ما هو مأمور به و منهي عنه فأراد الحق أن يفرق بين من أتى المأمور به و بين من أتى المنهي عنه ليتميز الطائع من العاصي فتتميز المراتب فإذا عرف كل أحد قدره و ما أتى عمت الرحمة الجميع كل صنف في منزله من حيث إنه ما جاء إلا بحق و إن كان منهيا عنه فإن المفتري صاحب حق خيالي لا حق حسي فإنه لا يفتري المفتري حتى يحضر في خياله الافتراء و المفترى عليه و يقيمه في صورة ما افترى به عليه فإذا تخلية مثل صورة النوم سواء أخبر عنه بحق خيالي لكنه سكت عن التعريف بذلك للسامع فأخذه السامع على أنه حق محسوس فأراد الله الفرقان بين طبقات العالم و مراتبه فلذلك أعقب صاحب هذا النعت بالعقوبة على ذلك أو بالمغفرة بأيهما شاء لأن من هؤلاء العصاة المعاقب و المغفور له كما أنه من الطائعين العالم بالأمر على ما هو عليه في نفسه و هم العاملون على بصيرة أهل الكشف و الوجود و منهم المحجوب عن ذلك مع كونه مطيعا فلم يجعل الله أهل الطاعة على رتبة واحدة فما في الوجود المعنوي و الحسي و الخيالي إلا حق فإنه موجود عن حق و لا يوجد الحق إلا الحق و لهذا قال ص في دعائه يخاطب ربه تعالى و الخير كله في يديك و الشر ليس إليك فإنه ضد الخير فما صدر عن الخير إلا الخير و الشر إنما هو عدم الخير فالخير وجود كله و الشر عدم كله لأنه ظهور ما لا عين له في الحقيقة فهو حكم و الأحكام نسب و إنما قلنا ظهور فيه لأن ذلك لغة عربية قال إمرؤ القيس لو يشرون مقتلي أي يظهرون و لذلك قال تعالى عن نفسه فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ و هو إخفاء ما له عين وَ أَخْفى و هو إظهار ما لا عين له فيتخيل الناس أن ذلك حق و الله يعلم أنه ليس له وجود عين في نفس الحكم فيعلم السر و أخفى أي أظهر في الخفاء من السر كما قال ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها يعني في الصغر و هكذا هذا هو أظهر في الخفاء من السر و الشيء الخافي هو الظاهر لغة منقولة قال تعالى في تأييد ما ذكرناه كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ فكل شيء هو موجود نشاهده حسا و نعلمه عقلا فليس بها لك فكل شيء وجهه و وجه الشيء حقيقته فما في الوجود إلا الله فما في الوجود إلا الخير و إن تنوعت الصور فإن رسول الله ص قد أخبرنا أن التجلي الإلهي يتنوع و قد أخبرنا الله تعالى أنه كل يوم في شأن فنكر و ما هو إلا اختلاف ما هو فيه فكل ما ظهر فما هو إلا هو و لنفسه ظهر فما يشهده أمرو لا يكثره غير و لذلك قال لَهُ الْحُكْمُ وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي من يعتقد أن كل شيء جعلناه هالكا و ما عرف ما قصدناه إذا رآه ما يهلك و يرى بقاء عينه مشهودا له دنيا و آخرة علم ما أردنا بالشيء الهالك و أن كل شيء لم يتصف بالهلاك فهو وجهي فعلم إن الأشياء ليست غير وجهي فإنها لم تهلك فردها إلى حكمها فهذا معنى قوله وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و هو معنى لطيف يخفى على من لم يستظهر القرآن فإذا كان الغني عبارة عمن هذه صفته و الغني عبارة عن هذه الصفة فلا غنى إلا الله و كذلك الغني صفته و نحن ما تكلمنا إلا في العبد لا في الحق فالعبد له الفقر المطلق إلى سيده و الحق له الغني المطلق عن العالم فالعالم لم يزل مفقود العين هالكا بالذات في حضرة إمكانه و أحكامه يظهر بها الحق لنفسه بما هو ناظر من حقيقة حكم ممكن آخر فالعالم هو الممد بذاته ما يظهر في الكون من الموجودات و ليس إلا الحق لا غيره فتحقق يا ولي هذا الوصل فإنه وصل عجيب حكمه خلق في حق بحق و لا خلق في نفس العين مع وجود الحكم و قبول الحق لحكم الخلق و هو قبول الوجود لحكم العدم و ليس يكون إلا هكذا و لو لا ذلك لم يظهر للكثرة عين و ما ثم إلا الكثرة مع أحدية العين فلا بد من ظهور أحكام الكثير و ليس إلا العالم فإنه الكثير المتعدد و الحق واحد العين ليس بكثير و قد رميت بك على الطريق لتعلم ما الأمر عليه فتعلم من أنت و من الحق فيتميز الرب من العبد وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ «الوصل الخامس» من خزائن الجود فيما يناسبه و يتعلق به من المنزل الخامس و يتضمن هذا المنزل الخامس من العلوم الإلهية علم تفصيل الرجوع الإلهي بحسب المرجوع إليه من أحوال العباد و هو علم عزيز فإن الله يقول وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و يقول وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و هنا رجوع الحق إلى العباد من نفسه مع غناه عن العالمين فلما خلقهم لم يمكن إلا الرجوع إليهم و الاشتغال بهم و حفظ العالم فإنه ما أوجده عبثا فيرجع إليه سبحانه بحسب ما يطلبه كل شخص شخص من العالم به إذ لا يقبل منه إلا ما هو عليه في نفسه من الاستعداد فيحكم باستعداده على مواهب خالقه فلا يعطيه إلا ما يقتضيه طلبه و لما كان الأمر على ما ذكرناه و أدخل الحق نفسه تحت طلب عباده فأطاعهم كلفهم إن يطيعوه على ألسنة الرسل فمن أطاعه منهم ظهر له بصفة الحق التي ظهر للعباد بها في إعطاء ما طلبوه منه و من عصاه علم عند ذلك ما السبب الذي أدى هذا العاصي إلى أن يعصي ربه فلم يكن ذلك إلا إظهار الحكمة عموم الرجوع الإلهي إلى العباد بحسب أحوالهم فإنه عام الرجوع فرجع على الطائعين بما وعد و رجع على العاصين بالمغفرة و إن عاقب و ظهرت المعصية في أول إنسان و الإباية في أول جان ثم انتشرت المعاصي في الأناسي و الجن بحسب الأوامر و النواهي و كان ذلك على قدر ما علم الحق من الرجوع الإلهي إليهم بهذه المخالفات فلم يقدر مخلوق على إن يطيع الله تعالى طاعة الله بما يطلبه العبد منه بحاله مما يسوءه و مما يسره فإن الحال الذي قام فيه العبد إذا كان سوء فإن لسان الحال يطلب من الحق ما يجازيه به و يرجع به عليه إما على التخيير و ذلك ليس إلا لحال المعصية القائم بالعاصي و إما على الوجوب بالتعيين فالرجوع الإلهي على العاصي إما بالأخذ و إما بالمغفرة و الرجوع على الطائع بالإحسان فما أعطى الحق برجوعه للعبد إلا ما طلب منه العبد بلسان حاله و هو أفصح الألسنة و أقوم العبارات فأصل المعاصي في العباد يستند إلى نسبة إلهية و هي أن الله هو الآمر عباده و الناهي تعالى و المشيئة لها الحكم في الأمر الحق المتوجه على المأمور إما بالوقوع أو بعدم الوقوع فإن توجهت بالوقوع سمي ذلك العبد طائعا و يسمى ذلك الوقوع طاعة فإنه أطاعت الإرادة الأمر الإلهي و إن لم تتوجه المشيئة بوقوع ذلك الأمر عصت الإرادة الأمر و ليس في قوة الأمر الحكم على المشيئة فظهر حكم المشيئة في العبد المأمور فعصى أمر ربه أو نهيه و ليس ذلك إلا للمشيئة الإلهية فقد تبين لك من العاصي و من الطائع و إلى أي أصل ترجع معصية المكلف أو طاعته فلا رجوع إلا لله على العباد و رجوع العباد إلى الله برجوع الحق عليهم كما قال تعالى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا فلو لا توبة الله عليهم ما تابوا و التوبة الرجوع فالله أكثر رجوعا إلى العباد من العباد إليه فإن رجوع العباد إلى الله بإرجاع الله فما رجعوا إلى الله إلا بالله و بعد أن أوجد الله العالم و أبقى الوجود عليه لم يتمكن إلا بحفظه فإنه لا بقاء له إلا بالحفظ الإلهي فالعبد يرجع إلى الله من نفسه و يرجع إلى نفسه من الله و الحق ما له رجوع إلا إلى عباده من عباده فما كانت له رجعة من نفسه إلا الأولى المعبر عن ذلك بابتداء لعالم و لو كانت المشيئة تقتضيالاختيار لجوزنا رجوع الحق إلى نفسه و ليس الحق بمحل للجواز لما يطلبه الجواز من الترجيح من المرجح فمحال على الله الاختيار في المشيئة لأنه محال عليه الجواز لأنه محال أن يكون لله مرجح يرجح له أمرا دون أمر فهو المرجح لذاته فالمشيئة أحدية التعلق لا اختيار فيها و لهذا لا يعقل الممكن أبدا إلا مرجحا إلا أن الحق من كونه غفورا أرسل ستره و حجابه بين بعض عباده و بين إحالة رجوع الحق إلى نفسه في غناه عن العالم فقال في ذلك الستر فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و هذا ليس يتمكن الحكم به إلا و لا عالم أو يكون متعلق المشيئة الاختيار و كلا الأمرين مع وجود العالم لا يكون و لا واحد منهما فالمحجوب بهذا الحجاب يقول فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و لا يعلم صورة الأمر كيف هو و المرفوع عنه من العباد هذا الستر إذا قالها تلاوة و علم متعلقها و ما هو الأمر عليه الآن و ما كان عليه الأمر و ترك متعلق غناه فيما بقي من الممكنات لم يوجد فإنها غير متناهية بالأشخاص فلا بد من بقاء ما لم يوجد فبه تتعلق صفة الغني الإلهي عن العالم فإن بعض العالم يسمى عالما فمن فهم الغني الإلهي هكذا فقد علمه و أما تنزيه الحق عما تنزهه عباده مما سوى العبودية فلا علم لهم بما هو الأمر عليه فإنه يكذب ربه في كل حال يجعل الحق فيه نفسه مع عباده و هذا أعظم ما يكون من سوء الأدب مع الله أن ينزهه عما نسبه سبحانه إلى نفسه بما نسبه إلى نفسه فهو يؤمن ببعض و هو قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و يكفر ببعض ف أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا فجعل العبد نفسه أعلم منه بربه نفسه و أكثر من هذا الجهل فلا يكون و العبد المؤمن ينبغي له أن ينسب إلى الحق ما نسبه الحق إلى نفسه على حد ما يعلمه الله من ذلك إذا لم يكن ممن كشف الله عن بصيرته حتى رأى الأمر على ما هو عليه و هذا هو الشرك الخفي فإنه نزاع لله تعالى خفي في العبد لا يشعر به كل أحد و لا سيما الواقع فيه و يتخيل أنه في الحاصل و هو في الفائت و لهذا أمر الحق تعالى أن يسبح بحمده أي بما أثنى على نفسه و ما وصف تعالى نفسه بشيء إلا في معرض الثناء عليه بذلك الوصف و هذا المنزه الجاهل ينزهه عن ذلك الوصف الذي وصف به الحق نفسه و أخذ يثني عليه بما يرى أنه ثناء على الله و الله ما أمره أن ينزهه إلا بحمده أي بما أثنى على نفسه به في كتبه و على السنة رسله وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ إلا هذا الإنسان فإن بعضه يسبحه بغير حمده و يكذب الحق في بعض ما أثنى به على نفسه و هو لا يشعر بذلك و لهذا قال تعالى وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً فلم يؤاخذكم على ما تركتم من الثناء عليه مما أثنى به على نفسه و لم يعجل عليكم العقوبة غَفُوراً بما ستره عنكم من علم ذلك ممن هو بهذه المثابة فإذا أراد العبد نجاة نفسه و تحصيل أسباب سعادته فلا يحمد الله إلا بحمده كان ما كان على علم الله في ذلك من غير تعيين فإن قبضه الله تعالى على ذلك اطلع على الأمر على ما هو عليه إذا لم يكن من أهل الكشف في الحياة الدنيا و إن لم يفعل و تأول فهو لما تأوله و حرمه الله كل ما خرج عن تأويله فلم يره فيه و هذا أعظم الحرمان و عند الكشف الأخروي يرى ما كان عليه من سوء الأدب مع الله و الجهل به كما ورد أن أهل هذا المقام إذا تجلى لهم الحق تعالى في الآخرة ينكرونه و لا يقرون به لأنهم ما عبدوا ربا إلا مقيدا بعلامة فإذا ظهر لهم بتلك العلامة أقروا له بالربوبية و هو عين ما أنكروه و أي جهل أعظم من أن يقر بما هو له منكر و يتضمن هذا المنزل علم الوافدين على الله و علم أنواع الفتوح و مجيء المعاني بمجيء من قامت به فينسب المجيء إليها لا إليه و علم الزمان
«الوصل السادس» من خزائن الجود فيما يناسب و يتعلق به المنزل السادس
اعلم أيدك الله أن عبادة الله بالغيب عين عبادته بالشهادة فإن الإنسان و كل عابد لا يصح أن يعبد معبوده إلا عن شهود إما بعقل أو ببصر أو بصيرة فالبصيرة يشهده العابد بها فيعبده و إلا فلا تصح له عبادة فما عبد إلا مشهودا لا غائبا فإن أعلمه بتجليه في الصور للبصر حتى يميزه عبده أيضا على الشهود البصري و لا يكون ذلك إلا بعد أن يراه بعين بصيرته فمن جمع بين البصيرة و البصر فقد كملت عبادته ظاهرا و باطنا و من قال بحلوله في الصور فذلك جاهل بالأمرين جميعا بل الحق إن الحق عين الصور فإنه لا يحويه ظرف و لا تغيبه صورة و إنما غيبه الجهل به من الجاهل فهو يراه و لا يعلم أنه مطلوبه فقال له الرسول ص اعبد الله كأنك تراه فأمره بالاستحضار فإنه يعلم أنه لا يستحضر إلا من يقبل الحضور فاستحضار العبد ربه في العبادة عين حضور المعبود له فإن لم يعلمه إلا في الحد و المقدار حده و قدره و إن علمه منزها عن ذلك لم يحده و لم يقدره مع استحضاره كأنه يراه و إنما لم يحده و لم يقدره العارف به لأنه يراه جميع الصور فمهما حده بصورة عارضته صورة أخرى فانخرم عليه الحد فلم ينحصر له الأمر لعدم إحاطته بالصور الكائنة و غير الكائنة له فلم يحط به علما كما قال وَ لا يُحِيطُونَ به عِلْماً مع وصفه بأنه أقرب إلى الإنسان من حبل وريده فالحق أقرب إليه من نفسه فإنه أتى بأفعل من فثم قريب و أقرب الأشياء قرب الظاهر من الباطن فلا أقرب من الظاهر إلى الباطن إلا الظاهر عينه و لا أقرب من الباطن إلى الظاهر إلا الباطن عينه و هو أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ فهو عين المنعوت بأن له حبل الوريد فعلمنا أنه عين كل صورة و لا نحيط بما في الوجود من صور فلا نحيط به علما فإن قلت فأنت من الصور قلنا و كذلك نقول إلا أن الصور و إن كانت عين المطلوب فإنها أحكام الممكنات في عين المطلوب فلا نبالي بما ينسب إليها من الجهل و العلم و كل وصف فإني أعلم كيف أنسب و أصف و أنعت ف لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ فالحق حق و إن لم تكن كما هو الحق حق و إن كنت لا فرقان فللظاهر حكم لا يكون للباطن من حيث ما قلت فيه باطن في العبادة و للباطن حكم لا يكون للظاهر من حيث ما قلت فيه ظاهر في العبادة و كل حكم له مقام معلوم و كل مقام له حكم معلوم فلا يعلم شيء إلا به فلا يعبد إلا به و لهذا نبه الحق من لا علم له بما ذكرناه على رتبة العلماء بالله فقال إنه سمع العبد و بصره فما أبصرته إلا به و لا سمعته إلا به فعينه عين سمعك و بصرك فما عبدته إلا به و ليس بعد إعلام الحق عز اسمه و جل ذكره إعلام و لا بعد أحكامه فيما حكم فيه أحكام
(واقعة) رأيت عينا من لبن حليب ما رأيت لبنا مثله في البياض و الطيب في جرمه دخلت فيه حتى بلغ ثديي و هو يتدفق فتعجبت لذلك و سمعت كلاما غريبا إلهيا يقول من سجد لغير الله عن أمر الله قربة إلى الله طاعة لله فقد سعد و نجا و من سجد لغير الله عن غير أمر الله قربة إلى الله فقد شقي فإن الله عز و جل يقول وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً فإن الله مع الخلق ما الخلق مع الله لأنه يعلمهم ف هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا في ظرفية أمكنتهم و أزمانهم و أحوالهم ما الخلق معه تعالى جل جلاله فإن الخلق لا تعرفه حتى تكون معه فمن دعا الله مع الخلق ما هو كمن دعا الخلق مع الله فَلا تَدْعُوا مَعَ الله أَحَداً و لا يصح السجود إلى غير الله إلا لكون الله مع الخلق حيث كانوا فلا نعلمه و لا نجده إلا بالخلق فالسجود على الحقيقة لله الموصوف بالمعية مع الخلق و لهذا شرعت القبلة كما قال ص إن الله في قبلة المصلي فالقبلة ما هي الله و الله فيها فأمرنا بالسجود لها لكون الله فيها و معها فمن رأى الخلق ببصره فقد رأى الحق ببصيرته مطلقا و ليس له إذا رأى ذلك أن يسجد له إلا إذا أمره بالسجود و إن كان لله فلا يقع في الحس إلا لغير الله أبدا لأنه لا يصح أن يقع السجود لله لأن الله بكل شيء محيط فالجهات كلها نسبتها أو نسبة الحق إليها على السواء و من خر على قفاه فما سجد لله و إن كان الله خلفه كما هو أمامه لكن الله ما راعى إلا وجهه لم يراع من جهات العبد سوى وجهه فلذلك لا يصح السجود لغير الله إلا عن أمر الله قال الله تعالى اسْجُدُوا لِآدَمَ فالسجود لغير الله و العبادة لله لا تكون لغير الله أبدا فإنه لا أعظم من الشرك و قد قال المشرك ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فما عبدوا الشركاء لأعيانهم فما أوخذوا إلا لكونهم عبد و هم فإن الله لا يأمر خلقه و لا يصح أن يأمر خلقه بعبادة مخلوق و يجوز أن يأمرنا بالسجود للمخلوق فمن سجدعبادة لمخلوق عن أمر الله أو عن غير أمر الله فقد شقي و من سجد غير عابد لمخلوق فإن كان عن أمر الله كان طاعة فسعد و إن سجد لمخلوق غير عابد إياه عن غير أمر الله كانت رهبانية ابتدعها فما رعاها حَقَّ رِعايَتِها ... إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ الله لأنه ما قصدها إلا قربة إلى الله فما خلت هذه الحالة عن الله و الله عند ظن عبده به لا يخيبه فليظن به خيرا فلا بد من أخذ المشركين لتعديهم بالاسم غير محله و موضوعة و لم يرد عليه أمر بذلك من الله و من المحال أن ترد عبادة و إن ورد سجود و لو لا وضع اسم الألوهية على الشريك ما عبدوه فإن نفوس الأناسي بالأصالة تأنف من عبادة المخلوقين و لا سيما من أمثالها فأصحبوا عليها الاسم الإلهي حتى لا يتعبدهم غير الله لا يتعبدهم مخلوق فما جعل المشرك يشرك بالله في وضع هذا الاسم على المخلوق إلا التنزيه لله الكبير المتعالي لأن المشرك لا بد له في عبادته من حركات ظاهرة تطلب التقييد و لا بد من تصور خيالي لأنه ذو خيال و لا بد من علم عن دليل عقلي يقضي بتنزيه الحق عن التقييد و نفي المماثلة فلذلك نقلوا الاسم للشريك و النبي ص يقول لجبريل ع في معرض التعليم لعباد الله اعبد الله كأنك تراه فأمره بتصوره في الخيال مرئيا فما حجر الله على العباد تنزيهه و لا تخيله و إنما حجر عليه إن يكون محسوسا له مع علمه بأن الخيال من حقيقته أن يجسد و يصور ما ليس بجسد و لا صورة فإن الخيال لا يدركه إلا كذلك فهو حس باطن بين المعقول و المحسوس مقيد أعني الخيال و ما قرر الحق هذا كله إلا للرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ حتى إذا رحم من وقع الأخذ به عرف الخلق أن هذه الرحمة الإلهية قد تقدم الإعلام بها من الحق في الدار الدنيا دار التكليف فلا ينكرها العالمون فما أخرج الله العالم من العدم الذي هو الشر إلا للخير الذي أراده به ليس إلا الوجود فهو إلى السعادة موجود بالأصالة و إليها ينتهي أمره بالحكم فإن الدار التي أشرك فيها دار مزج فهي دار شبهة و هي الدنيا فلها وجه إلى الحق بما هي موجودة و لها وجه لغير الحق بما ينعدم ما فيها و ينتقل عنها إلى الأخرى و الشبهة نسبة الحل إليها و الحرمة على السواء و ما جعلها الله على هذه الصفة إلا لإقامة عذر العباد إذا أراد أن يرحمهم رحمة العموم فما ألطف الله بخلقه فإن الصانع له اعتناء بصنعته فالمؤمن العالم ما جحد إن المشرك عبد الله فإنه سمعه يقول ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى و المشرك ما جحد الله تعالى بل أقر به و أقر له بالعظمة و الكبرياء على من اتخذه قربة إليه فإذا علمت من أين أخذ من أخذ و أن الأخذ الأخروي كالحدود في الدنيا لا تؤثر في الايمان بوجود الله و لا في أحدية العظمة له التي تفوق كل عظمة عند الجميع فإنه من رحمة الله إن جعل الله من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله و حرمات الله و الشعائر الإعلام و المناسك قربة إلى الله و إن ذلك من تَقْوَى الْقُلُوبِ فهذا أيضا من المشاركة في العظمة و هي مشروعة لنا فما عظم المشرك الشريك إلا لعظمة الله لما رأى أن العظمة في المخلوقات سارية يجدها كل إنسان في جبلته و مع ذلك فأفرد المشرك عظم عظمة الله في قلبه إلى الله فما وقعت المؤاخذة إلا لكون ما وقع من ذلك عن غير أمر الله في حق أشخاص معينين و نقل الاسم إلى أولئك الأشخاص «وصل» و أما الأصول فمحفوظة بالفطرة التي فطر الله الخلق عليها أ لا ترى إلى ما قال بعضهم وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ فقال الله تعالى في الوحي الصريح الصحيح لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر تراه قال هذا و جاء به سدى لا و الله بل جاء به رحمة لعباده فإن الدهر عند القائلين به ما هو محسوس عندهم و إنما هو أمر متوهم صورته في العالم وجود الليل و النهار عن حركة كوكب الشمس في فلكها المحرك بحركة الفلك الأعظم فلك البروج الذي له اليوم بحركته كما الليل و النهار بظهور كوكب الشمس فيه فقد كان اليوم و لا ليل و لا نهار مع وجود الدرجات و الدقائق و أقل من ذلك فلم يصح مع هذا شرك عام و لا تعطيل عام و إنما هي أسماء سموها أطلقوها على أعيان محسوسة و موهومة عن غير أمر الله فأخذوا بعدم التوقيف فقد وجدنا الأمر عين ما وجد منهم عن غير أمر فتحقق هذا الوصل فإنه دقيق جدا انتهى السفر الخامس و العشرون بانتهاء الوصل السادس من الباب التاسع و الستين و ثلاثمائة
بسم الله الرحمن الرحيم
«الوصل السابع» من مفاتح خزائن الجود من الباب التاسع و الستين و ثلاثمائة هذه الخزانة فيها وجوب تأخر العبدعن رتبة سيده و تخليص عبوديته لله من غيره كما أقر له بذلك في قبضة الذرية يريد الحق أن يستصحبه ذلك الإقرار في حياته الدنيا موضع الحجاب و الستر فإن الحق له التقدم على الخلق بالوجود من جميع الوجوه و بالمكانة و الرتبة فكان و لا مخلوق هذا تقدم الوجود و قدر و قضى و حكم و أمضى إمضاء لا يرد و لا يقضى عليه فهذا تقدم الرتبة ف ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله أن تشاءوا فوجب التأخر عن رتبة الحق من جميع الوجوه فإن العبد أعطى الكثرة لتكون الأحدية له تعالى و أعطى كل مخلوق أحدية التمييز لتكون عنده الأحدية ذوقا فيعلم إن ثم أحدية ليعلم منها الأحدية الإلهية حتى يشهد بها لله تعالى إذ لو لم يكن لمخلوق أحدية ذوقا يتميز بها عما سواه ما علم إن لله أحدية يتميز بها عن خلقه فلا بد منها فللكثرة أحدية الكثرة و لكل عدد أحدية لا تكون لعدد آخر كالاثنين و الثلاثة إلى ما فوق ذلك مما لا يتناهى وجودا عقليا فلكل كثرة من ذلك أحدية تخصه و على كل حال أوجب الحق على عبده أن يتأخر عن رتبة خالقه كما أخر سبحانه علمنا به عن علمنا بأنفسنا فوجود العلم المحدث به متأخر بالوجود عن وجود العلم المحدث بنا و جعل المفاضلة في العالم بعضه على بعض لنعرف المفاضلة ذوقا من نفوسنا فنعلم من ذلك فصل الحق علينا و إن تأخر علمنا به عن علمنا بنفوسنا لنعلم أن علمنا بنفوسنا إنما كان للدلالة على علمنا به فعلمنا أنا مطلوبون له لا لأنفسنا و أعياننا لأن الدليل مطلوب للمدلول لا لنفسه و لهذا لا يجتمع الدليل و المدلول أبدا فلا يجتمع الخلق و الحق أبدا في وجه من الوجوه فالعبد عبد لنفسه و الرب رب لنفسه فالعبودية لا تصح إلا لمن يعرفها فيعلم أنه ليس فيها من الربوبية شيء و الربوبية لا تصح إلا لمن يعرفها فيعرف أنه ليس فيها من العبودية شيء فأوجب على عباده التأخر عن ربوبيته فشرع له الصلاة ليسميه بالمصلي و هو المتأخر عن رتبة ربه و نسب الصلاة إليه تعالى ليعلم أن الأمر يعطي تأخر العلم الحادث به عن العلم الحادث بالمخلوق فقال هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ و قال فَصَلِّ لِرَبِّكَ و لما علمنا أنه من تأخر عن أمر فقد انقطع عنه علمنا إن كل واحد قد تميز في رتبته عن الآخر بلا شك و إن أطلق على كل واحد ما أطلق على الآخر فيتوهم الاشتراك و هو لا اشتراك فيه فإن الرتبة قد ميزته فيقبل كل واحد ذلك الإطلاق على ما تعطيه الرتبة التي تميز بها فإنا نعلم قطعا إن الأسماء الإلهية التي بأيدينا تطلق على الله و تطلق علينا و نعلم قطعا بعلمنا برتبتنا و بعلمنا برتبة الحق إن نسبة تلك الأسماء التي وقع في الظاهر الاشتراك في اللفظ بها إلى الله غير نسبتها إلينا فما انفصل عنا إلا بربوبيته و ما انفصلنا عنه إلا بعبوديتنا فمن لزم رتبته منا فما جنى على نفسه بل أعطى الأمر حقه
و في هذا المعنى قول لبيد ألا كل شيء ما خلا الله باطل قال رسول الله ص في هذا البيت أصدق بيت قالته العرب قول لبيد يعني هذا النصف منه قلنا و هذه رتبة ما خص الله بها أحدا من الناس و أثنى عليه بها إلا الذاكر و ذلك أن الذاكر هو الذي كان له علم بأمر ما ثم نسيه لما جبل عليه الإنسان من النسيان كما قال الله عز و جل نَسُوا الله فَنَسِيَهُمْ و صورة نسيانهم إنهم توهموا بما أضاف الله إليهم من الأعمال و الأموال و التمليك أن لهم حظا في الربوبية أو ضرب الله لهم بسهم فيها بقوله أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ فلما اعتنى الله تعالى بمن اعتنى منهم و آتاه رحمة من عنده ذكر اسم ربه و الله يقول أنا جليس من ذاكرني و الذاكرون هم جلساء الحق فأورثه الذكر مجالسة الحق و أورثته المجالسة مشاهدة الحق و رؤيته في الأشياء يقول الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله و عمر معه و غيره بعده و غيره فيه و غيره ما رأيت شيئا من غير ارتباط بشيء و أورثته رؤية الحق تأخره عما كان يتوهم من أن الله تعالى ضرب له بسهم في الربوبية و إنها من نعوته و له فيها قدم بوجه ما فتأخر عن ذلك بالذكر فقال وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى أي تأخر إلى مقام عبودته و أفرد الربوبية لله تعالى فأفلح من جميع وجوهه و ليست هذه الصفة مشاهدة لغير الذاكر فالذاكر عبد مخلص لله تعالى أ لا ترى إلى ما قال في الذي اتصف بنقيض هذه الحال لما جاءه ذكر ربه و هو القرآن يذكره بنفسه و بربه فَلا صَدَّقَ من أتى به أنه من عند ربه وَ لا صَلَّى يقول و لا تأخر عن دعواه و تكبره و قد سمع قول الله الحق و لو لم يكن من عند الله فينبغي للعاقل إذا سمع الحقممن سمعه أن يرجع إليه و يقول به ليكون من أهله من رد الحق فما صدق ذلك القول فيما دل عليه قاله من قاله فذمه الله و قال و لكن استدراك لتمام القصة كذب من أتى به إليه و هو الرسول ص و كذب الحق إما بجهله فلم يعلم أنه الحق و إما بعناد و هو على يقين أنه حق في نفس الأمر فغالط نفسه لكون هذا الرسول جاء به كما قال في حق من هذه صفته وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا ثم قال و تولى بعد تكذيبه بالحق و بمن جاء به فتولى عن الحق ثُمَّ ذَهَبَ إِلى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى و هذا شغل المتكبر المشغول الخاطر المفكر الحائر الذي كسله ما سمعه فإنه بالوجه الظاهر يعلم أنه الحق لأن المعجزة لم يأت بها الله إلا لمن يعلم أن في قوته قبولها بما ركب الله فيه من ذلك و لذلك اختلفت الدلالات من كل نبي و في حق كل طائفة و لو جاءهم بآية ليس في وسعهم أن يقبلوها لجهلهم ما آخذهم الله بإعراضهم و لا بتوليهم عنها فإن الله عليم حكيم عادل و من تأخر عن حق غيره إلى ما يستحقه في نفسه فقد أنصف من نفسه و لم يتوجه لصاحب حق عليه طلب فحاز الخير بكلتي يديه فوقفه الله على جوامع الخير كله فإنه من أوتي الحكمة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً فإن الحكيم هو الذي ينزل كل شيء في مرتبته و يعطي كل ذي حق حقه فله الحجة البالغة و الكلمة الدامغة و لم تنقطع مشاهدته و لم تتأخر المعونة الإلهية في عبادته عن مساعدته فإنا فرضناه عبد السيد ما فرضناه ملكا فإن الملك قد يكون فيمن يعقل عبوديته و فيمن لا يعقلها فالعبد حاله السمع و الطاعة لسيده و ما عدا العبد فهو ملك يتصرف فيه المالك كيف يشاء من غير أن يتعلق به ثناء يعدم منعه من التصرف فيه بخلاف من يعقل و هو العبد فإذا قام في تصريف الحق فيه مقام الأموال أثنى الله عليه بذلك لأن الله قد خصه في نشأته بقوة المنع و الرد لكلمة الحق و مكنه من الطاعة و المعصية فهو لما استعمله من ذلك فوقع الثناء عليه كما أثنى الله على الملائكة بقوله لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فلو لم يكن في قوتهم و نشأتهم ما يقتضي رد أمر الله و ما يقتضي قبوله ما أثنى الله عليهم بما أثنى به من نفي العصيان عنهم و فعلهم ما أمرهم به فإن المجبور لا ثناء عليه أ لا ترى إلى المصلي إذا وقف بين يدي ربه في الصلاة يتكتف شغل العبد الذليل بين يدي سيده في حال مناجاته و السنة قد وردت بذلك و هو أحسن من إسبال اليدين و ذلك أن الله تعالى لما قسم الصلاة بينه و بين عبده نصفين فجزء منها مخلص له تعالى من أول الفاتحة إلى قوله يَوْمِ الدِّينِ فهذا بمنزلة اليد اليمنى من العبد لأن الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً فأعطيناه اليمين و الجزء الآخر مخلص للعبد من قوله اهْدِنَا إلى آخر السورة فهذا الجزء بمنزلة اليد اليسرى و هي الشمال فإنه الجناب الأضعف و العبد هذه مرتبته فإنه خلق من ضعف ابتداء و رد إلى ضعف انتهاء و جزء منها بين الله و بين عبده فجمع هذا الجزء بين الله و عبده و هو قوله إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فلهذا الجمع جمع العبد بين يديه في الصلاة إذا وقف فكملت صلاة العبد بجمعه بين يديه و صورة هذا التكتيف أن يجعل اليمنى على اليسرى كما قررناه من أن اليمين لله فلها العلو على الشمال و صورتها أن يجعل باطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى و الرسغ و الساعد ليجمع بالإحاطة جميع اليد التي أمر الله عبده في الوضوء للصلاة أن يعمها بالطهارة فأخذ الرسغ و ما جاوره من الكف و الساعد فانظر إلى هذه الحكمة ما أجلاها لذي عينين ثم نهى النبي ص أن يرفع المصلي عينيه إلى السماء في صلاته فإن الله في قبلة العبد و لا يقابله في وقوفه إلا الأفق فهو قبلته التي يستقبلها و يحمد له أن ينظر إلى موضع سجوده فإنه المنبه له على معرفة نفسه و عبوديته و لهذا جعل الله القربة في الصلاة في حال السجود و ليس الإنسان بمعصوم من الشيطان في شيء من صلاته إلا في السجود فإنه إذا سجد اعتزل عنه الشيطان يبكي على نفسه و يقول أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة و أمرت بالسجود فأبيت فلي النار «الوصل الثامن» من خزائن الجود و هو متعلق بهذا الوصل الذي فرغنا منه و هو أن العبد متأخر في نفس الأمر عن رتبة خالقه و قد حيل بينه و بين شهود ذلك بما جعل الله فيه من النسيان و السهو و الغفلة فيتخيل إن له قدما في السيادة و الحال تشهد بخلاف ذلك فهو بالحال محقق و في نفس الأمر على ما هو عليه صاحب الشهود و لا سعادة له في ذلك بل له الشقاء و هذا غاية الحرمان و لا يزال كذلك حتى ينكشف الغطاء فيحتد البصر فيرى الأمر على ما هو عليه فيؤمن به فما ينفعه إيمانه فإن الايمان لا يكون إلا بالخبر لا بالعيان فليس المؤمن إلا من يؤمن بالغيب و هو الخبر الذي جاء من عند الله فإن الخبر بما هو خبر يقبل الصدق و الكذب كالممكن يقبلالوجود و العدم و اعلم أنه ما أتى على أحد إلا من الغفلة عما يجب عليه من الحقوق التي أوجب الشرع عليه أداءها فمن أحضرها نصب عينيه و سعى جهده في أدائها ثم حالت بينه و بين أدائها موانع تقيم له العذر عند الله فقد وفى الأمر حقه و وفى الله بذمته و لا حرج عليه و لا جناح و لا خاطبه الحق بوجوب حق عليه مع ذلك المانع و الموانع على نوعين نوع يكون مع الحضور و نوع يكون مع عدم الحضور و هو الغفلة فأما النوع الذي يكون مع الحضور فينقسم قسمين قسم يرجع إلى النظر في ذلك الواجب هل هو واجب عليه أم لا فيجتهد جهد وسعه الذي كلفه الله في طلب الدليل على وجوب ذلك الأمر فلا يجده و هو من أهل الاجتهاد فلا يجب عليه إلا ما يقتضيه دليله و هو واجب في نفس الأمر عند الله و لكن أخطأ هذا المجتهد فهو مأجور عند الله بنص الله و نص رسوله ص و ما كلفه الله إلا ذلك و قد أدى ما كلفه الله من الاجتهاد في طلب الدليل فلم يجده و ليس للمجتهد أن يقلد غيره في حكم لا يعرف دليله و لكن من اجتهاده إذا لم يعثر على دليل أن يسأل في ذلك الأمر أهل الاجتهاد الذين حكموا عليه بالوجوب و صورة سؤاله أن يقول لهم ما دليلكم على ما أوجبتموه في هذا الأمر و لا يقلدهم في الحكم فإذا عرفوه بدليلهم فإن كان ذلك الدليل مما قد حصل له في اجتهاده فقدح فيه فلا يجب عليه النظر فيه و لا الحكم به فإنه قد تركه وراءه و إن كان لم يعثر عليه فيما عثر من نظره فله عند ذلك النظر في دليل ذلك المجتهد المسئول هل هو دليل في نظر هذا السائل المجتهد أو ليس بدليل فإن أداه اجتهاده في إن ذلك هو دليل كما هو عند من اتخذه دليلا تعين عليه العمل به و إن قدح فيه بوجه لم يعثر ذلك الآخر عليه فإنه ليس له الأخذ به و تقليد ذلك المسئول في الحكم الذي حكم هذا الدليل عليه عند ذلك المجتهد فهذا مانع و القسم الآخر أن يعلم وجوب ذلك عليه من فعل أو ترك ثم يحول بينه و بين ذلك إن كان تركا اضطرار و إن كان أمرا فعدم استطاعة و ما ثم مانع آخر هذا مع الحضور و النوع الآخر من الموانع الغفلة و هي على نوعين غفلة عن كذا و غفلة في كذا فالغفلة عن كذا ترك ذلك بالكلية و هو غير مؤاخذ بذلك عند الله فإن الله قد رفع عن عباده رحمة بهم الخطاء و هو حال المجتهد الذي ذكرناه آنفا و النسيان و هو الغفلة و ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم به فإن الكلام عمل فيؤاخذ به من حيث ما هو متلفظ به فإن كان ليس لذلك المتلفظ به عمل إلا عين التلفظ كالغيبة و النميمة فإنه يؤاخذ بذلك بحسب ما يؤدي إليه ذلك التلفظ و إن كان تلفظ به و له عمل زائد على التلفظ به فلم يعمل به فما عليه إلا عين ما تلفظ به فهو مسئول عند الله من حيث لسانه و لا يدخل الهم بالشيء في حديث النفس فإن الهم بالشيء له حكم آخر في الشرع خلاف حديث النفس فإن لذلك مواطن فإنه من يرد في الحرم المكي بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ من عَذابٍ أَلِيمٍ سواء وقع منه ذلك الظلم الذي أراده أو لم يقع و أما في غير المسجد الحرام المكي فإنه غير مؤاخذ بالهم فإن لم يفعل ما هم به كتب له حسنة إذا ترك ذلك من أجل الله خاصة فإن لم يتركها من أجل الله لم يكتب له و لا عليه فهذا الفرق بين الحديث النفسي و الإرادة التي هي الهم فهذا و أمثاله رحمة من الله بعباده و أما الغفلة في كذا فهو تكليف صعب لو كلفه الإنسان لكن الله ما آخذ عباده بالغفلة في كذا كما لم يؤاخذهم بالغفلة عن كذا فإنه إذا غفل في كذا فإنه غفل عن جزء من أجزاء ما هو فيه شارع أو عامل فهو من غفلت عن كذا و قد شرع الله للغفل في كذا في بعض الأعمال حكما كالساهي في صلاته فإنه قد شرع له سجود السهو جبرا لما سها عنه و ترغيما للشيطان الذي وسوس له حتى وقع منه السهو و الغفلة فيما هو فيه عامل فإن تغافل حتى أوجب له ذلك التغافل الغفلة آخذه الله بها فإنه متعمل قاصد فيما يحول بينه و بين ما أوجب الله عليه فعله أو تركه فإذا غفل الإنسان أو سها عن عبوديته و رأى له فضلا على عبد آخر مثله و لا سيما إن كان العبد الآخر ملك يمينه أو يكون هذا الغافل من أولي الأمر كالسلطان و الوالي فيرى لنفسه مزية على غيره ما يرى تلك المزية للمرتبة التي أقيم فيها إن كان من أولي الأمر و لا للصفة القائمة به من حيث الاختصاص الإلهي له بها كالعلم و كرم الأخلاق فلم يفرق بين نفسه و المرتبة و لا بين الصفة و الموصوف بها فإنه صاحب جهل و غفلة مردية و لهذا يقول في حالها و أنت مثلي أو فلان مثلي أو يعادلني و من هو فلان و أي شيء قيمة فلان و هل هو إلا عبدي أو من رعيتى أو هو كذا من كل أمر مذموم ينزه نفسه عنه و ينوطه بذلك الآخر بخلاف من ليس بغافل عن نفسه فإنه يجعل الفضل للصفة و المرتبة لا لنفسه فإنه لم ينلهاباستحقاق و إنما نالها بامتنان إلهي إما لشقاوته إن كفر بها أو لسعادته إن شكرها و لو لا حكم الجهل فيمن هذه صفته ما اتصف بهذا و إن كان عالما بهذا كله و تغافل فإنه مباهت فهذا أعظم في الجور بل هو في هذه الحالة كصاحب اليمين الغموس و الغافل كصاحب لغو اليمين فإذا كان مستحضرا لحقيقته عالما بأن الذي هو عليه مما حرمه غيره جائز أن يسلب عنه و يخلع على ذلك الغير الذي قد ازدراه لإهمال الله إياه فشكر نعمة الله عليه و دعا الله لذلك الغير أن ينيله مثل ما أعطاه الله و أدركته الشفقة فإنه و إن كان كافرا فهو أخوه من حيث إنه و إياه من نفس واحدة و إن كان مؤمنا فهو أخوه أخوة اختصاص ديني سعادي فعلى كل حال وجبت عليه الشفقة على خلق الله و الرحمة بعباد الله يقول رسول الله ص انصر أخاك ظالما أو مظلوما فأما نصرة المظلوم فمعلومة عند الجميع و أما نصرة الظالم فرحمة نبوية خفية فإنه علم إن الظلم ليس من شيم النفوس لأنها طاهرة الذات بالأصالة فكلما ينقص طهارتها فهو أمر عرضي عرض لها لما عندها من القبول في جبلتها و الذي من شيمها إنما هو القهر و الظهور و من هنا دخل عليها إبليس بوسوسته و لقد جهل القائل الذي قال
الظلم من شيم النفوس فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
و ما أنصف و ما قال حقا فلو قال بدل الظلم القهر من شيم النفوس فالظلم الذي يصدر من زيد في حق من كان ما هو منه و إنما هو ممن يلقي إليه و هو الشيطان و للإنسان فيه مدافعة يجدها من نفسه لأن ذلك ليس من شيم النفوس و إنما الذي من شأنها إنما هو جلب المنافع و دفع المضار فدفع المضار به تشارك الحيوان كله و جلب المنافع مما تختص به النفس الإنسانية فإذا رأيت الحيوان يجلب المنافع فليس ذلك إلا لدفع المضار لا لأمر آخر فكل ضرر يطرأ من الحيوان في حق حيوان آخر أو في حق إنسان إنما هو لدفع المضار عن نفسه خاصة و لما كانت نفس الإنسان بهذه المثابة و وقع منه الظلم في حق أحد فيسمى ظالما فنصرة الظالم أن تنصره على إبليس الذي يوسوس في صدره بما يقع منه من الظلم بالكلام الذي تستحليه النفوس و تنقاد إليه فتعينه على رد ما وسوس إليه الشيطان من ذلك فهذه نصرته إذا كان ظالما و لذا جاء في الخبر في نصرة الظالم أن يأخذ على يده و المراد به ما ذكرناه و لهذا جاء بلفظ النصرة التي أوجبتها الأخوة لأنه لا بد أن تكون النصرة على شيء و ما ثم إلا ما ذكرناه لأن العدو الموسوس إليه في صدره يقول مقسما بربه لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ و هم الذين أخلصهم الله إليه مما ألقي إليهم و فيهم من نور الحفظ و العصمة و لذلك قال تعالى إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ أي قوة و قهر و حجة لأن الله تولى حفظهم و تعليمهم بما جعل فيهم من التقوى فلما اتخذوا الله جل جلاله وقاية لم يجد اللعين من أين يدخل عليهم بشيء فإنه أينما تولى منه ليدخل عليه بما يخرجه عن دينه و علمه وجد في تلك الجهة وجه الله يحفظه فلا يستطيع الوصول إليه بالوسوسة فيتجسد له في صورة إنسان مثله فيتخيل أنه إنسان و يأتيه بالإغواء من قبل أذنه فيدخل له فيما حجر عليه تأويلا أدناه أن يبيح له ذلك فلا يضره الوقوع فيه بسبب ذلك التأويل لعلمه بأن الإنسان لا يقدم على معصية الله ابتداء دون وسوسة من العدو الذي يزين له سوء عمله فيراه حسنا فإذا جاء بهذه المثابة للعالم الذي ما له عليه سلطان بما ذكرناه من التأويل فيما يريد إيقاعه به صار ذلك العالم من أهل الاجتهاد فإن أخطأ فله أجر و إن أصاب فله أجران فهو مأجور على كل حال فما تم له مراده و إن نسي كما نسي آدم فإن الله تعالى الذي شرع المعصية و الطاعة و بين حكمهما رفع حكم الأخذ بالمعصية في حق الناسي و المخطئ كما رفعها في حق المجتهد فما تحرك الإنسان إلا في أمر مشروع فقد أحاط بالإنسان وجه الله ظاهرا و باطنا فأينما تولاه الشيطان من ظاهر و باطن فثم وجه الله يحفظه فما له عليه سلطان و هو قوله ص في حق القرين أعانني الله عليه فأسلم برفع الميم على جهة الخبر فما له عليه سلطان أي حجة لأن الحجة هنا شرعية فهو لو ألقى على ظاهره أو باطنه و في الشرع حكم برفع المؤاخذة فيما أتى به هذا العدو فما له عليه سلطان لأن الحجة الشرعية له فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و قوله فأعانني الله عليه هي نصرة الله له بالحجة فلا يبالي و لهذا شرع لعباده أن يقولوا وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ أي بك نستنصر و ما ثم إلا العلم فهو خبر ناصر يعطيه الله عبده و الذي نسي آدم إنما هو قوله تعالى له إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَ لِزَوْجِكَ فنسي ما أخبره الله به من عداوته فقبل نصيحته و لما علم إبليس أن آدم محفوظ من الله و رأى الله قد نهاه عن قرب الشجرة لا قرب الثمرة جاء بصورة الأكل لا بصورة القرب فإنه علم أنه لا يفعل لنهي ربه إياه عن قرب الشجرةفأتاه بثمرها فأكل آدم و زوجته حواء و صدقا إبليس و هو الكذوب في قوله هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَ مُلْكٍ لا يَبْلى و كذلك كان أورثه ذلك الأكل منها الخلد في الجنة و الملك الذي لا يبلى و ما قال له متى و جعل ذلك من خاصية تلك الشجرة فيمن أكل منها فأورثه الاجتباء الإلهي فأهبطه الله للخلافة في الأرض تصديقا لما قاله للملائكة إِنِّي جاعِلٌ في الْأَرْضِ خَلِيفَةً و أهبط حواء للنسل و أهبط إبليس للاغواء ليحور عليه جميع ما يغوي به بنى آدم إذا عمت الناس رحمة الله فجعل الله كل مخالفة تكون من الإنسان من إلقاء العدو و إغوائه فقال الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَ يَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ أي بإظهارها يعني بذلك وقوعها منكم لما علم إن الإنسان قد رفع عنه الحق ما حدث به نفسه و ما هم به من السوء إلا أن يظهر ذلك على جوارحه بالعمل و هو الفحشاء فقال تعالى وَ الله يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ لما وقع منكم من الفحشاء التي أمركم بها الشيطان و فضلا لما وعدكم به من الفقر و هذه أعظم آية و أشدها مرت على سمع إبليس فإنه علم أنه لا ينفعه إغواؤه و لهذا لا يحرص إلا على الشرك خاصة لكونه سمع الحق يقول إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به و تخيل أن العقوبة على الشرك لا ينتهي أمدها و الله ما قال ذلك فلا بد من عقوبة المشرك و من سكناه في جهنم فإنه ليس بخارج من النار فهو مؤبد السكنى و لم يتعرض لانتهاء مدة العذاب فيها بالشقاء و ليس الخوف إلا من ذلك لا من كونها دار إقامة لمن يعمرها فصدق الله بكون المشرك مأخوذا بشركه فهو بمنزلة إقامة الحد على من تعين عليه سواء كان ذلك في الدنيا أو في الآخرة فهي حدود إلهية يقيمها الحق على عبده إذا لم يغفر له أسبابها و جهل إبليس انتهاء مدة عقوبة المشرك من أجل شركه و لهذا طمع إبليس في الرحمة الإلهية التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و طمعه فيها من عين المنة لإطلاقها لأنه علم في نفسه أنه موحد و إنما سماه الله كافرا في قوله تعالى وَ كانَ من الْكافِرِينَ لأنه يستر عن العباد طرق سعادتهم التي جاء بها الشرع في حق كل إنسان بما يقدر عليه من ذلك فقال فيه أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ من الْكافِرِينَ و لم يقل من المشركين لأنه يخاف الله رب العالمين و يعلم أن الله واحد و قد علم حال مال الموحدين إلى أين يصير سواء كان توحيده عن إيمان أو عن نظر من غير إيمان كما قال عيسى ع لإبليس لما عجز إبليس أن يطيعه عيسى ع فقال له إبليس يا عيسى قل لا إله إلا الله حرص أن يطيعه فقال له عيسى ع أقولها لا لقولك لا إله إلا الله و قد علم إبليس أن جهنم لا تقبل خلود أهل التوحيد فيها و أن الله لا يترك فيها موحدا بأي طريق كان توحيده فعلى هذا القدر اعتمد إبليس في حق نفسه فعلم من وجه و جهل من وجه إذ لا يعلم الشيء من جميع وجوهه إلا الله عز و جل الذي أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً سواء كان الشيء ثابتا أو موجودا أو متناهيا أو غير متناه
«الوصل التاسع من خزائن الجود» قال تعالى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ فهو التفاف لا ينحل فإنه تعالى تمم فقال إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ فأتى بالاسم الذي يعطي الثبات و الأمر ملتف بالأمر و إلى الرب المساق فلا بد من ثبات هذا الالتفاف في الدار الآخرة فعين أمر الدنيا عين أمر الآخرة غير إن موطن الآخرة لا يشبه موطن الدنيا لما في الآخرة من التخليص القائم بوجود الدارين فوقع التمييز بالدار و الكل آخرة فالتف أمر الدنيا بأمر الآخرة لا عين الدنيا بأمر الآخرة و لا عين الدنيا بعين الآخرة و لكل دار أهل و جماعة و الأمر ما هو عليه ذلك الجميع و إن اختلفت الأحوال فلا تزال الناس في الآخرة ينتقلون بالأحوال كما كانوا في الدنيا ينتقلون بالأحوال و الأعيان ثابتة فإن الرب يحفظها فالانتقال هو الجامع و فيما ذا ينتقلون فذلك علم آخر يعلم من وجه آخر فمن كون الآخرة دار جزاء كما كانت الدنيا دار جزاء في الخير و الشر ظهر في الآخرة ما ظهر من سعادة و شقاء فالشقاء للغضب الإلهي و السعادةللرضى الإلهي فالرضي بسط الرحمة من غير انتهاء و الغضب منقطع بالخبر النبوي فينتهي حكمه و لا ينتهي حكم الرضي و لا سيما و قد قدمنا في كتابنا هذا أن الإنسان ولد على الفطرة و هي العلم بوجود الرب إنه ربنا و نحن عبيد له و أن الإنسان لا يقبض حين يقبض إلا بعد كشف الغطاء فلا يقبض إلا مؤمنا و لا يحشر إلا مؤمنا غير إن الله لما قال فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا فما آمنوا إلا ليندفع عنهم ذلك البأس فما اندفع عنهم و أخذهم الله بذلك البأس و ما ذكر أنه لا ينفعهم في الآخرة و يؤيد ذلك قوله فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا حين رأوا البأس كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ في الْحَياةِ الدُّنْيا فهذا معنى قولنا فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ في رفع البأس عنهم في الحياة الدنيا كما نفع قوم يونس فما تعرض إلى الآخرة و مع هذا فإن الله يقيم حدوده على عباده حيث شاء و متى شاء فثبت انتقال الناس في الدارين في أحوالهم من نعيم إلى نعيم و من عذاب إلى عذاب و من عذاب إلى نعيم من غير مدة معلومة لنا فإن الله ما عرفنا إلا إنا استروحنا من قوله في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ إن هذا القدر مدة إقامة الحدود و الله أعلم فإنه لا علم لي بذلك من طريق الكشف فرحم الله عبدا أطلعه الحق على انتهاء مدة الشقاء فيلحقها في هذا الموضع من كتابي هذا فإني علمت ذلك مجملا من غير تفصيل و لما كان إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ و الرب المصلح فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة هكذا جاء في الخبر النبوي في الرجلين يكون لأحدهما حق على الآخر فيقفان بين يدي الله تعالى فيقول رب خذ لي بمظلمتي من هذا فيقول له ارفع رأسك فيرى خيرا كثيرا فيقول المظلوم لمن هذا يا رب فيقول لمن أعطاني الثمن فيقول يا رب و من يقدر على ثمن هذا فيقول له أنت بعفوك عن أخيك فيقول قد عفوت عنه فيأخذ بيده فيدخلان الجنة فقال رسول الله ص عند إيراده هذا الخبر فَاتَّقُوا الله وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة الكريم إذا كان من شأنه أن يصلح بين عباده بمثل هذا الصلح حتى يسقط المظلوم حقه و يعفو عن أخيه فالله أولى بهذه الصفة من العبد في ترك المؤاخذة بحقوقه من عباده فيعاقب من شاء بظلم الغير لا بحقه المختص به و لهذا الأخذ بالشرك من ظلم الغير فإن الله ما ينتصر لنفسه و إنما ينتصر لغيره و الذي شاء سبحانه ينتصر له فإن الشركاء يتبرءون من أتباعهم يوم القيامة و الرب أيضا المغذي و المربي فهو يربي عباده و المربي من شأنه إصلاح حال من يربيه فمن التربية ما يقع بها الألم كمن يضرب ولده ليؤدبه و ذلك من جملة تربيته و طلب المصلحة في حقه لينفعه ذلك في موطنه كذلك حدود الله تربية لعباده حيث أقامها الله عليهم فهو يربيهم بها لسعادة لهم في ذلك من حيث لا يشعرون كما لا يشعر الصغير بضرب من يربيه إياه و الرب أيضا السيد و السيد أشفق على عبده من العبد على نفسه فإنه أعلم بمصالحه و لن يسعى سيد في إتلاف عبده لأنه لا تصح له سيادة إلا بوجود العبد فإنها صفة إضافية فعلى قدر ما يزول من المضاف يزول من حكم المضاف إليه كالسلطان إذا لم يكن شغله دائما في أمور رعيته و إلا فما له من السلطنة إلا الاسم و هو معزول في نفس الأمر فإن المرتبة لا تقبله سلطانا إلا بشروطها فعلى قدر ما يشتغل عن رعيته بنفسه في لهوه و طربه فهو إنسان من جملة الناس لا حظ له في السلطنة و ينقصه في الآخرة من أجر السلطنة و عزها و شموخها على قد ما فرط فيه من حقها في الدنيا بلهوه و لعبة و صيده و تغافله عن أمور رعيته و إذا سمع السلطان باستغاثة بعض رعيته عليه فلم يلتفت لذلك المستغيث و لا قضى فيه بما تعطيه مسألته إما له و إما عليه فقد شهد على نفسه بهذا الفعل أنه معزول و أنه ليس بسلطان و لا فرق بينه و بين العامة فما يقع مثل هذا إلا من سلطان جاهل لا معرفة له بقدر ما ولاة الله عليه و لا غرو أن هذا الفعل يوجب أن يحور عليه وباله يوم القيامة و تقوم عليه الحجة عند الله لرعيته فيبقى موبقا بعمله و لا ينفعه عند ذلك لهوه و لا ماله و لا بنوه و لا كل ما شغله عما تطلبه السلطنة بذاتها و أما الرب الذي هو المالك فلشدة ما يعطيه هذا الاسم من النظر فيما تستحقه المرتبة فيوفيها حقها فقد بان لك في هذا المساق معنى اختصاص هذا الاسم الرب الذي إليه المساق عند التفاف الساق بالساق فبه انتظم الأمران و ثبت الانتقالان و من علم ثبوت الوجود و من هو مالكه و سيده و مصلحه و الثابت له حكمه فيه علم إن الرب مالكه و من علم منزلة عبوديته علم منزلة سيادة سيده فخافه و رجاهو صدقه في أمنه إذا أمنه لعلمه بأنه السيد الوفي الصادق الغني و مهما تهدم شيء من بيت الوجود رمه هذا السيد بيد عبده لأنه آلته في ذلك و المستخدم فعلى يده يكون صلاح ما تهدم منه و يأمره سيده في ذلك إما بمشافهة أو بتبليغ مبلغ يبلغ إليه من السيد بإصلاحه أو صورة حال تعطيه إصلاح ذلك من غير توقف على الأمر الآتي من عند السيد كالرهبانية الحسنة التي ابتدعها من ابتدعها فهو مأجور فيها موافقة بصورة الحال لما في نفس السيد و إن لم يأمر بها في النواميس في أهل الفترات فإن الشرع ما جاء إلا لمصالح الدنيا و الآخرة فالآخرة لا تعرف إلا بأخبار خالقها و أنها في حكم العقل ممكنة و الدنيا و مصالحها معلومة لأنها واقعة مشهودة فللنظر في مصالحها مجال بخلاف الآخرة فلا تتوقف مصالح الدنيا على ما تتوقف عليه مصالح الآخرة و لهذا ما خلت طائفة من ناموس تكون عليه لأن طلب المصالح ذاتي في الحيوان فكيف في الإنسان صاحب الفكر و الرؤية فمن تدبر هذا الوصل رأى عجبا و علم علما يعطيه الرفعة في الدنيا و الآخرة و ينضم إليه علم الجمع و الفرق الذي في عين الجمع و علم الأحوال و الشئون و علم الزمانين و علم ما يختص بالكون و علم القلوب التي وسعت الحق جل جلاله و علم ما يقع به البقاء لهذا الوجود أعني الموجودات كلها و علم العاقبة و هو وصل شريف
«الوصل العاشر من خزائن الجود» و هذا وصل الأذواق و هو العلم بالكيفيات فهي لا تقال إلا بين أربابها إذا اجتمعوا على اصطلاح معين فيها و أما إذا لم يجتمعوا على ذلك فلا تنقال بين الذائقين و هذا لا يكون إلا في العلم بما سوى الله مما لا يدرك إلا ذوقا كالمحسوسات و اللذة بها و بما يجده من التلذذ بالعلم المستفاد من النظر الفكري فهذا يمكن فيه الاصطلاح بوجه قريب و أما الذوق الذي يكون في مشاهدة الحق فإنه لا يقع عليه اصطلاح فإنه ذوق الأسرار و هو خارج عن الذوق النظري و الحسي فإن الأشياء أعني كل ما سوى الله لها أمثال و أشباه فيمكن الاصطلاح فيها للتفهيم عند كل ذائق له فيها طعم ذوق من أي نوع كان من أنواع الإدراكات و البارئ ليس كمثله شيء فمن المحال أن يضبطه اصطلاح فإن الذي يشهد منه شخص ما هو عين ما شهده شخص آخر جملة واحدة و بهذا يعرفه العارفون فلا يقدر عارف بالأمر أن يوصل إلى عارف آخر ما يشهده من ربه لأن كل واحد من العارفين شهد من لا مثل له و لا يكون التوصيل إلا بالأمثال فلو اشتركا في صورة لاصطلحا عليها بما شاء و إذا قبل ذلك واحد جاز أن يقبل جميع العالم فلا يتجلى في صورة واحدة لشخصين من العارفين و لكن قد رفع الله بعض عباده درجات لم يعطها لغير عباده الذين لم يصح لهم هذه الدرجات و هم العامة من أهل الرؤية فيتجلى لهم في صور الأمثال و لهذا تجتمع الأمة في عقد واحد في الله فيعتقد كل واحد من تلك الطائفة المعينة في الله ما يعتقده الآخر منها كمن اتفق من الأشاعرة و المعتزلة و الحنابلة و القدماء فقد اتفقوا على أمر واحد لم تختلف فيه تلك الطائفة فجاز إن يصطلحوا فيما اتفقوا عليه و أما لعارفون أهل الله فإنهم علموا إن الله لا يتجلى في صورة واحدة لشخصين و لا في صورة واحدة مرتين فلم ينضبط لهم الأمر لما كان لكل شخص تجل يخصه و رآه الإنسان من نفسه فإنه إذا تجلى له في صورة ثم تجلى له في صورة غيرها فعلم من هذا التجلي ما لم يعلمه من هذا التجلي الآخر من الحق هكذا دائما في كل تجل علم إن الأمر في نفسه كذلك في حقه و حق غيره فلا يقدر أن يعين في ذلك اصطلاحا تقع به الفائدة بين المتخاطبين فهم يعلمون و لا ينقال ما يعلمون و لا في قوة أصحاب هذا المقام الأبهج الذي لا مقام في الممكنات أعلى منه أن يضع عليه لفظا يدل على ما علمه منه إلا ما أوقعه تعالى و هو قوله عز و جل لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفى المماثلة فما صورة يتجلى فيها لأحد تماثل صورة أخرى
فبتقييدنا حكمنا عليه بالإطلاق و أما الأمر في نفسه فغير منعوت بتقييد و لا إطلاق بل وجود عام فهو عين الأشياء و ما الأشياء عينه فلا ظهور لشيء لا تكون هويته عين ذلك الشيء فمن كان وجوده بهذه المثابة كيف يقبل الإطلاق أو التقييد هكذا عرفه العارفون فمن أطلقه فما عرفه و من قيده فقد جهله
و اعلم أن الله تعالى ما جعل للأرواح أجنحة إلا للملائكة منهم لأنهم السفراء من حضرة الأمر إلى خلقه فلا بد لهم من أسباب يكون لهم بها النزول و العروج فإن موضوع الحكمة يعطي هذا فجعل لهم أجنحة على قدر مراتبهم في الذي يسرون به من حضرة الحق أو يعرجون إليه من حضرة الخلق فهم بين الخلق و الأمر يترددون و لذلك قالوا وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ فاعلم ذلك فإذا نزلت هذه السفرة على القلوب فإن رأتها قلوبا طاهرة قابلة للخير أعطتها من علم ما جاءت به على قدر ما يسعها استعدادها و إن رأتها قلوبا دنسة ليس فيها خير نهتها عن البقاء على تلك الحال و أمرتها بالطهارة بما نص لها الشارع إن كان في العلم بالله فبالعلم به مما يطلبه الفكر و جاء به الخبر النبوي عن الله و إن كان في الأكوان فبعلم الأحكام و اعتقاداتها هذا و يلزمه حكمها في ذلك إذا وجدت القلوب و إذا لم تجدها كقلوب العارفين الذين هم في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فلا تعرف الملائكة أين ذهبوا فهؤلاء هم الذين يأخذون عن الله من الوجه الخاص ما هم عليه من الأحوال فيجهلون و يؤخذ عليهم ما يأتون به و من هنا أخذ خضر علمه فهؤلاء ينكر عليهم و لا ينكرون على أحد إلا بلسان الشرع فلسان الشرع هو الذي أنكر لا هم كالمسبح بحمد الله فالله هو الذي أثنى على نفسه بما يعلم نفسه عليه فإن قام فضول بالإنسان و استنبط له ثناء لم يجيء بذلك اللفظ خطاب إلهي فما سبحه بحمده بل بما استنبطه من عنده فينقص عن درجة ما ينبغي فقل ما قاله عن نفسه و لا تزد في الرقم و إن كان حسنا فقد أبنت لك ما إذا عملت به كنت من أهل الحق وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الوصل الأحد عشر من خزائن الجود»
اعلم علمك الله أن النار جاء بها الحق مطلقة مثل قوله تعالى النار بالألف و اللام حيث جاءت و جاء بها مضافة فمنها نار أضافها إلى الله مثل قوله نارُ الله الْمُوقَدَةُ و نار أضافها إلى غير الله مثل قوله لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ ثم نعت هذه النار بنعوت و أخبر عنها بأخبار من الوقد و الإطباق و غير ذلك و جعل لها حكما في الظاهر فجعلها ظرفا مثل قوله فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها فجاء بالظرف و حكما في الباطن و هو أن يكون ظاهر العبد ظرفا لها و هي نارُ الله الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ و الأفئدة باطن الإنسان فهي تظهر في فؤاد الإنسان و عن هذه النار الباطنة ظهرت النار الظاهرة و العبد منشاالنارين في الحالين فما عذبه سوى ما أنشأه كذلك ما أغضب الحق سوى ما خلقه فلو لا الخلق ما غضب الحق و لو لا المكلف الذي أنشأ صورة النارين بعمله الظاهر و الباطن ما تعذب بنار فما جنى أحد على أحد في الحقيقة و النظر الصحيح
«و من ذلك»
و اعلم أنه تعالى لما ذكر على السنة رسله ع إن الله يغضب يوم القيامة غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله و أن الحق إذا قالت النار هَلْ من مَزِيدٍ لأنه وعدها أن يملأها و هي دار الغضب قال فيضع الجبار فيها قدمه فتقول قط قط أي قد امتلأت و ليست تلك القدم إلا غضب الله فإذا وضعه فيها امتلأت فإنها دار الغضب و اتصف الحق بالرحمة الواسعة فوسعت رحمته جهنم بما ملأها به من غضبه فهي ملتذة بما اختزنته و رحم الله من فيها أعني في النار الذين هم أهلها فيجعل لهم من هذه الرحمة نعيما فيها كما نعم جهنم بما وضع فيها من الغضب الإلهي فإن المخلوق الذي من حقيقته أن يفنى لا يملؤه مخلوق فإنه كل ما حصل منه فيه أفناه كما ورد في نضج الجلود فلا يملأ مخلوقا إلا الحق و غضب الله حق فأنعم على جهنم به فوضعه فيها فامتلأت بحق كما امتلأت الجنة برضى الحق و رحمته
«و من ذلك»
و لقد رأيت في هذا الوصل مشهدا هالني في الواقعة و تليت على سورة الواقعة بلسان امرأة من صالحات المؤمنات عرضا علي فكان من صورة ما تلته ثُلَّةٌ من الْأَوَّلِينَ ثُلَّةٌ من الْآخِرِينَ بحذف واو العطف و لم يكن عندي من ذلك سر قبل هذا فرددت عليها لتقرأ ذلك بحرف الواو فلم تفعل فرجعت إلى نفسي و علمت ما نبهني الحق به في ذلك الحذف من الاقتطاع بين العالم فإذ جاء بالواو راعى ما يقع فيه الاشتراك في الصورة الظاهرة و المفهوم الأول و إذا أزال الواو راعى ما يقع به التمييز و الانفراد الذي به حقيقة ذلك الشيء لأنه لا حقيقة له إلا بما يتميز به فعلمت ما أراد بحذف الواو من نطقها بذلك و هو الله ليعلم أنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مع وجود الأشياء و أنه بعدمها و وجودها منفي المماثلة و ما بقي الأمر الأهل هو منفي المناسبة أم لا لأن الإيجاد بغير المناسبة لا يتصور و قد حصل الإيجاد و ظهر المخلوق فعلمنا إن المناسب لا بد منه و لا يعطي المماثلة أصلا لأن الخلق كله لله و الأمر كله لله فلا شركة فارتفعت المماثلة مع وجود المناسب الذي يطلبه الحق بذاته و كل خلق أضيف إلى خلق فمجاز و صورة حجابية ليعلم العالم من الجاهل و فضل الخلق بعضهم على بعض ليتحقق الشكر من الفاضل و الطلب و الافتقار من المفضول فيزاد الفاضل لشكره و يعطي المفضول لطلبه فكل في مزيد و لا يرتفع التفاضل كلما ارتقى الفاضل بالمزيد درجة ارتقى المفضول خلفه يطلبه درجة فالكل في ارتقاء من غير لحوق
فنار جهنم لها نضج الجلود و حرق الأجسام و نار الله نار ممثلة مجسدة لأنها نتائج أعمال معنوية باطنة و نار جهنم نتائج أعمال حسية ظاهرة ليجمع لمن هذه صفته بين العذابين كما فعل بأهل الجزية في إعطائها عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ فعذبهم بعذاب إخراج المال من أيديهم و بين الصغار و القهر الذي هو عذاب نفوسهم مما يجدون في ذلك من الحرج أ لا ترى المنافق في الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ من النَّارِ فهو في نار الله لما كان عليه من إصرار الكفر و ما له في الدرك الأول مقعد لما أتى به من الأعمال الظاهرة بخلاف الكافر فإن له من جهنم أعلاها و أسفلها فما عنده من يعصمه من نار الله و لا من نار جهنم و أما حكم الذي جحدها و استيقن الحق و اعتقده فإنه على ضد أو عكس عذاب المنافق فإنه عالم بالحق يتحقق به في نفسه و لم يظهر ذلك على ظاهر نشأته فأظهر خلاف ما أضمر و النار إنما تطلب من الإنسان من لم تظهر عليه صورة حق من ظاهر و باطن فالعلم للباطن كالعمل للظاهر و الجهل للباطن كترك الواجب للظاهر و هنا يتبين للإنسان مراتب و أسباب المؤاخذات الإلهية لعباده في الدار الآخرة فإذا استوفيت الحدود عمت الرحمة من خزانة الجود و هو قوله فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ ... خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ الآية و هذا هو الحد الزماني لأن التبديل لا بد أن يقع بالسموات و الأرض فتنتهي المدة عند ذلك و هو في حق كل إنسان من وقت تكليفه إلى يوم التبديل لأنه غير مخاطب ببقاء السموات و الأرض قبل التكليف و هذا في حق السعيد و الشقي فهما في نتائج أعمالهما هذه المدة المعينة فإذا انتهت انتهى نعيم الجزاء الوفاق و عذاب الجزاء و انتقل هؤلاء إلى نعيم المنن الإلهية التي لم يربطها الله بالأعمال و لا خصها بقوم دون قوم و هو عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ما له مدة ينتهي بانتهائها كما انتهى الكفر و الايمان هنا بانتهاء عمر المكلف و انتهت إقامة الحدود في الأشقياء و النعيم الجزائي في السعداء بانتهاء مدة السموات و الأرض إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ في حق الأشقياء إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و كذا وقع الأمر بحسب ما تعلقت به المشيئة الإلهية و ما قال تعالى في الأشقياء عذابا غير مجذوذ كما قال تعالى في السعداء فعلمنا بذكر مدة السماء و الأرض و حكم الإرادة في الأشقياء و الإعراض عن ذكر العذاب إن للشقاء مدة ينتهي إليها حكمه و ينقطع عن الأشقياء بانقطاعها و أن جزاء السعيد على مثل ذلك ثم تعم المنن و الرضي الإلهي على الجميع في أي منزل كانوا فإن النعيم ليس سوى ما يقبله المزاج و غرض النفوس لا أثر للامكنة في ذلك فحيثما وجد ملاءمة الطبع و نيل الغرض كان ذلك نعيما لصاحبه فاعلم ذلك و متعلق الاستثناء معلوم في الطائفتين لما كان عليه الكافر من نعيم الحياة الدنيا من نيل أغراضه و صحة بدنه و لما كان عليه المؤمن من عدم نيل أغراضه و أمراضه في الدنيا كل ذلك من زمان تكليف كل واحد من الطائفتين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «الوصل الثاني عشر من خزائن الجود» و هو الإهمال الإلهي فلا يدري صاحبه ما له فإن كل عبد استحق العقاب على مخالفته لما جاء الرسول إليه به فقد أمهله الله و ما أخذه و هو تحت حكم سلطان الاسم الحليم فهو كالمهمل فلا يدري هل تسبق له العناية بالمغفرة و العفو قبل إقامة الحد الإلهي عليه بالحكم أو يؤخذ فيقام عليه حدود جناياته إلى أجل معلوم و لما كان هذا الاحتمال يسوغ فيمن أمهله الله كانت صورة صاحب هذا الوصف صورة المهمل فإن الإهمال من جانب الحق ما يصح فإنه في علم الله السابق إما مغفور له و إما مؤاخذ بما جنى على نفسه فهو على خطر و على غير علم بما سبق له في الكتاب الماضي الحكم فإن الحكم يحكم على الحاكم العادل كما يحكم على المحكوم عليه فأما بالأخذ و إما بالعفو في الشخص الذي هو على نعت و حال يوجب له أحد الأمرين مما ذكرناه و ليس إلا من أمهله الله فلم يؤاخذه في وقت المخالفة و كفى بالترقب للعارف العاصي الممهل الذي هو في صورة المهمل عذابا في حقه لأنه لا يدري ما عاقبة الأمر فيه و ما من طائفة إلا و هي تحت ناموس شرعي حكمي أو وضع حكمي فلا تخلو أمة من مخالفة تقع منها لناموسها كان ما كان فلا ينفك صاحب هذه المخالفة من مراقبة العفو أو المؤاخذة على ما قرره عليه واضع ناموسه فقد عمت النواميس جميع الأمم و هو قوله تعالى وَ إِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ فهو إما نذير بأمر الله و إرادته أو نذير بإرادة الله لا بوحي نزل عليه يعلم به أنه من عند الله فأمر الله إنما متعلقة عين إيجاد إنذاره فيه فقيل لإنذاره كن في هذا العبد فكان فوجد الإنذار في نفسه و لم يدر من أين جاء فهذا الفرق بين الشرع الإلهي الذي جاءت به الرسل من عند الله و بين ما وضعته حكماء الأعصار لاتباعها لمصالحهم فمن وفى بحق ناموسه و احترمه و وقف عند حده ابتغاء رضوان الله فقد أحسن في عمله و أن الله لا يضيع أَجْرَ من أَحْسَنَ عَمَلًا و الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه أو تعلم أنه يراك فهذا هو الحد الضابط للإحسان في العمل و ما عدا هذا فهو سوء عمله فإن كان ممن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فلا يخلو إما أن تكون رؤية سوء العمل حسنا بعد اجتهاد يفي بما في وسع ذلك الشخص المجتهد فقد وفى الأمر حقه و هو صاحب عمل حسن و يكون حكم كونه سوء عمل يراه في اجتهاده سوء عين حكم المصيب للحق صاحب الأجرين و يكون هذا المزين له بهذه الصفة صاحب الأجر الواحد و إن لم يكن عن استيفاء الاجتهاد بقدر الوسع و رآه حسنا عن غير اجتهاد فهو في المشيئة فلا يدري بما ختم له و لما ذا يؤول أمره في مدة إقامة الحدود في الدنيا و الآخرة فإنه ممن أسرف على نفسه فإن قنط من رحمة الله فما وفى الأمر حقه و ساء ظنا بربه و الرب عند ظن عبده به و قد نهى الله المسرف على نفسه عن القنوط فهل قنوطه بارتكاب هذا المنهي عنه الآتي بعد حصول إسرافه معتبر له أثر يحول بين المغفرة و بين صاحبه أو حكمه حكم كل إسراف سواه فهذا أيضا ممهل لا يدري ما الأمر فيه إذا أنصف الناظر لأنه قال إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً مع ارتفاع القنوط أو مع وجوده إلا المشرك الذي لم يبذل وسع نفسه في طلبه عدم الكثرة في الاسم الإلهي فإنه لا بد من مؤاخذته فتعين على العاقل معرفة المدد الزمانية و اختلاف الأزمان و الدهور و الأعصار و ما يجري من ذلك إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى في الأشخاص المقول عليها إنها أزمان و ما يجري منها إلى غير أجل مسمى و ما الحق الذي يوجب الشكر و ما الحق الذي يوجب الصبر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و أما الايمان فهو أمر عام و كذلك الكفر الذي هو ضده فإن الله قد سمي مؤمنا من آمن بالحق و سمي مؤمنا من آمن بالباطل و سمي كافرا من يكفر بالله و سمي كافرا من يكفر بالطاغوت و بين مال هؤلاء و هؤلاء و الطريق التي جاءت ببيانها أيده بالدلالات على صحته أنه من عند الله المرجو في كل ملة و نحلة و عند كل طائفة و الأعمال الصالحة رأسها الايمان فهي تابعة له كان الايمان بما كان و ما في الأمور الوجودية أغمض من هذه المسألة لأن الله قرن العمل السيئ بالتزيين حتى يراه العامل حسنا فيتخذه صالح عمل وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ فجاء بالألف و اللام للشمول في السبيل فإنها كلها سبل يراها من جاهد في الله فأبان له ذلك الجهاد السبل الإلهية فسلك منها الأسد في نفسه و عذر الخلق فيما هم عليه من السبل و انفرد بالله فهو على نور من الله
وَ الله يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي من يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ «الوصل الثالث عشر من خزائن الجود» مال الأمر الرجوع من الكثرة إلى الواحد من مؤمن و مشرك لأن المؤمن الذي يعطي كشف الأمور على ما هي عليه يعطي ذلك و هو قوله تعالى فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ و ذلك قبل خروجه من الدنيا فما قبض أحد إلا على كشف حين يقبض فيميل إلى الحق عند ذلكو الحق التوحيد و الايمان به فمن حصل له هذا اليقين قبل الاحتضار فمقطوع بسعادته و اتصالها فإن اليقين عن النظر الصحيح و الكشف الصريح يمنعه من العدول عن الحق فهو على بينة من الأمر و بصيرة و من حصل له هذا اليقين عند الاحتضار فهو في المشيئة و إن كان المال إلى السعادة و لكن بعد ارتكاب شدائد في حق من أخذ بذنوبه و لا يكون الاحتضار إلا بعد أن يشهد الأمر الذي ينتقل إليه الخلق و ما لم يشاهد ذلك فما حضره الموت و لا يكون ذلك احتضارا فمن آمن قبل ذلك الاحتضار بنفس واحد أو تاب نفعه ذلك الايمان و المتاب عند الله في الدار الآخرة و حاله عند قبض روحه حال من لا ذنب له و سواء رده لذلك شدة ألم و مرض أوجب له قطع ما يرجوه من الحياة الدنيا أو غيره فهو مؤمن تائب ينفعه ذلك فإنه غير محتضر فما آمن و لا تاب إلا لخميرة كانت في باطنه و قلبه لا يشعر بها فما مال إلى ما مال إليه إلا عن أمر كان عليه في نفسه لم يظهر له حكم على ظاهره و لا له في نفسه إلا في ذلك الزمن الفرد الذي جاء في الزمان الذي يليه الاحتضار الذي يوجب له الايمان المحصل في المشيئة
فإذا انتقل العبد من الحياة الدنيا إلى حياة العرض الأكبر فإن الله عز و جل قد جعل في الكون قيامتين قيامة صغرى و قيامة كبرى فالقيامة الصغرى انتقال العبد من الحياة الدنيا إلى حياة البرزخ في الجسد الممثل و هو قوله ص من مات فقد قامت قيامته و من كان من أهل الرؤية فإنه يرى ربه فإن رسول الله ص يقول لما حذر أمته الدجال إن الله لا يراه أحد حتى يموت و القيامة الكبرى هي قيامة البعث و الحشر الأعظم الذي يجمع الناس فيه و هو في القيامة الكبرى أعني الإنسان ما بين مسئول و محاسب و مناقش في حسابه و غير مناقش و هو الحساب اليسير و هو عرض الأعمال على العبد من غير مناقشة و المناقشة السؤال عن العلل في الأعمال فالسؤال عام في الجميع حتى في الرسل كما قال يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ فالسؤال على نوعين سؤال على تقرير النعم على طريق مباسطة الحق للمسئول فهو ملتذ بالسؤال و سؤال على طريق التوبيخ أيضا لتقري النعم فهو في شدة فقال ص لأصحابه و قد أكلوا تمرا و ماء عن جوع إنكم لتسألون عن نعيم هذا اليوم و هذا السؤال موجه للإنذار و البشارة في قوم مخصوصين و هم أهل ذلك المجلس و هو تنبيه بما هو عليه الأمر في حق الجميع فما خلق الله العالم بعد هذا التقرير إلا للسعادة بالذات و وقع الشقاء في حق من وقع به بحكم العرض لأن الخير المحض الذي لا شر فيه هو وجود الحق الذي أعطى الوجود للعالم لا يصدر عنه إلا المناسب و هو الخير خاصة فلهذا كان للعالم الخير بالذات و لكون العالم كان الحكم عليه بالإمكان لاتصافه بأحد الطرفين على البدل فلم يكن في رتبة الواجب الوجود لذاته عرض له من الشر الذي هو عدم نيل الغرض و ملاءمة الطبع ما عرض لأن إمكانه لا يحول بينه و بين العدم فبهذا القدر ظهر الشر في العالم فما ظهر إلا من جهة الممكن لا من جانب الحق و لذلك قال رسول الله ص لله في دعائه ص و الخير كله في يديك و الشر ليس إليك و إنما هو إلى الخلق من حيث إمكانه
و اعلم أن الأجسام نواويس الأرواح و مذاقتها و هي التي حجبتها إن تشهد و تشهد فلا ترى و لا ترى إلا بمفارقة هذه الضرائح فناء عنها لا انفصالا فإذا فنيت عن شهودها و هي ذات بصر شهدت موجدها بشهودها نفسها فمن عرف نفسهعرف ربه كذلك من شهد نفسه شهد ربه فانتقل من يقين علم إلى يقين عين فإذا رد إلى ضريحه رد إلى يقين حق من يقين عين لا إلى يقين علم و من هنا يعلم الإنسان تفرقة الحق بإخباره الصدق بحق اليقين و عين اليقين و علم اليقين فاستقر عنده كل حكم في رتبته فلم تلتبس عليه الأشياء و علم أنه لم تكذبه الأنباء فمن عرف الله بهذا الطريق فقد عرف و علم حكمة تكوين الجوهر في الصدف عن ماء فرات في ملح أجاج فصدفته جسمه و ملحه طبيعته و لهذا ظهر حكم الطبيعة على صدفته فإن الملحة البياض و هو بمنزلة النور الذي يكشف به فتحقق بهذا الدليل وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ «الوصل الرابع عشر» من خزائن الجود يقرع الأسماع و يعطي الاستمتاع و يجمع بين القاع و اليفاع لما كان المقصود من العالم الإنسان الكامل كان من العالم أيضا الإنسان الحيوان المشبه للكامل في النشأة الطبيعية و كانت الحقائق التي جمعها الإنسان متبددة في العالم فناداها الحق من جميع العالم فاجتمعت فكان من جمعيتها الإنسان فهو خزانتها فوجوه العالم مصروفة إلى هذه الخزانة الإنسانية لترى ما ظهر عن نداء الحق بجميع هذه الحقائق فرأت صورة منتصبة القامة مستقيمة الحركة معينة الجهات و ما رأى أحد من العالم مثل هذه الصورة الإنسانية و من ذلك الوقت تصورت الأرواح النارية و الملائكة في صورة الإنسان و هو قوله تعالى فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا و قول رسول الله ص و أحيانا يتمثل لي الملك رجلا فإن الأرواح لا تتشكل إلا فيما تعلمه من الصور و لا تعلم شيئا منها إلا بالشهود فكانت الأرواح تتصور في كل صورة في العالم إلا في صورة الإنسان قبل خلق الإنسان فإن الأرواح و إن كان لها التصور فما لها القوة المصورة كما للإنسان فإن القوة المصورة تابعة للفكرة التي هي صفة للقوة المفكرة فالتصور للأرواح من صفات ذات الأرواح النفسية لا المعنوية لا لقوة مصورة تكون لها إلا أنها و إن كان لها التصور ذاتيا فلا تتصور إلا فيما أدركته من صور العالم الطبيعي و لهذا كان ما فوق الطبيعة من الأرواح لا يقبلون التصور لكونهم لا علم لهم بصور الأشكال الطبيعية و ليس إلا النفس و العقل و الملائكة المهيمون دنيا و آخرة فما فوق الطبيعة لا يشهدون صور العالم و إن كان بعضهم كالنفس الكلي يعطي الإمداد بذاته لعالم الطبيعة من غير قصد كما تعطي الشمس ضوءها لذاتها من غير قصد منها لمنفعة أو ضرر و هذا معنى الذاتي لها و نسبة العلم و العمل نسبة ذاتية لها لعلمها بنفسها لا بما فوقها من علتها و غيرها و أما عملها فينسب إليها العمل كما ينسب إلى الشمس تبييض الشقة و سواد وجه القصار و كما ينسب إلى النار التسخين و الإحراق فيقال بيضت الشمس كذا و أظهرت الشمس كذا و أحرقت النار كذا و أنضجت كذا و سخنت كذا فهكذا هو الأمر في العالم إن كنت ذا لب و فطنة وَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ و لهذا يتجلى في كل صورة فجميع العالم برز من عدم إلى وجود إلا الإنسان وحده فإنه ظهر من وجود إلى وجود من وجود فرق إلى وجود جمع فتغير عليه الحال من افتراق إلى اجتماع و العالم تغير عليه الحال من عدم إلى وجود فبين الإنسان و العالم ما بين الوجود و العدم و لهذا ليس كمثل الإنسان من العالم شيء
و لما تحلل الجامد تغيرت الصور فتغير الاسم فتغير الحكم و لما تجمد المائع تغيرت الصورة فتغير الاسم فتغير الحكم فنزلت الشرائع تخاطب الأعيان بما هي عليه من الصور و الأحوال و الأسماء فالعين لا خطاب عليه من ذاته و لا حكم عليه من حقيقته و لهذا كان له المباح من الأحكام المشروعة و فعل الواجب و المندوب و المحظور و المكروه من الملمات الغريبة في وجوده و ذلك مما قرن به من الأرواح الطاهرة الملكية و غير الطاهرة الشيطانية فهو يتردد بين ثلاثة أحكام حكم ذاتي له منه عليه و حكمان قرنا به و له القبول و الرد بحسب ما سبق به الكتاب و قضى به الخطاب فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَ سَعِيدٌ كما كان من القرباء مقرب و طريد فهو لمن أجاب و على الله تبيان الخطاء من الصواب و غاية الأمر أن الله عنده حسن المآبو ما قرن الله قط بالمآب إليه سوء تصريحا و غاية ما ورد في ذلك في معرض التهديد في الفهم الأول وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ فسيعلمون من كرم الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ قبل المؤاخذة لمن غفر له و بعد المؤاخذة لانقطاعها عنهم فرحمته واسعة و نعمته سابغة جامعة و أنفس العالم فيها طامعة لأنه كريم من غير تحديد و مطلق الجود من غير تقييد و لذلك حشر العالم يوم القيامة كَالْفَراشِ الْمَبْثُوثِ لأن الرحمة منبثة في المواطن كلها فانبث العالم في طلبها لكون العالم على أحوال مختلفة و صور متنوعة الوجوه فتطلب بذلك الانبثاث من الله الرحمة التي تذهب منه تلك الصورة التي تؤديه إلى الشقاء فهذا سبب انبثاثهم في ذلك اليوم و كذلك الجبال الصلبة تكون كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ لما خرجت عنه من القساوة إلى اللين الذي يعطي الرحمة بالعباد و لا يدري ما قلناه إلا أهل الشهود و المتحققون بحقائق الوجود و أما من بقي مع ثقليته فإن الثقلين ما سماهما الله بهذا الاسم إلا ليميزهما به عمن سواهما دائما حيث كانا فلا تزال أرواحهما تدبر أجساما طبيعية و أجسادا دنيا و برزخا و آخرة و كذلك منازلهما التي يسكنونها من جنس نشأتهما فما لهما نعيم إلا بالمشاكل لطبعهما و أما القائلون بالتجريد فهم مصيبون فإن النفس الناطقة مجردة في الحقيقة عن هذه الأجسام و الأجساد الطبيعية و ما لها فيها إلا التدبير غير أنهم ما عرفوا إن هذا التدبير لهذه النفوس دائما أبدا فهم مصيبون من هذا الوجه إن قصدوه مخطئون إن قالوا بأنها تنفصل عن التدبير فالنفوس الناطقة عندنا متصلة بالتدبير منفصلة بالذات و الحد و الحقيقية الشخصية فلا متصلة و لا منفصلة و التدبير لها ذاتي كمثل الشمس فإن لها التدبير الذاتي فيما تنبسط عليه أنوار ذاتها غير إن الفرق بين الشمس و القمر و الكواكب و أكثر الأسباب التي جعل الله فيها مصالح لعالم لذاتها لا علم لها بذلك و النفوس الناطقة و إن كان تدبيرها ذاتيا فهي عالمة بما تدبره فالنفوس الفاضلة منها التي لها الكشف تطلع على جزئيات ما هي مدبرة لها بذاتها و غير الفاضلة لا تعلم بجزئيات ذلك و قد تعلم و لا تعلم أنها تعلم و هكذا كل روح مدبرة فمن له التدبير للعالم هو الأعلم بجزئيات العالم و هو الله تعالى العالم بالجزء المعين و الكل مع التدبير الذاتي الذي لا يمكن إلا هو فالنفوس السعيدة مراكبها النفوس الحيوانية في ألذ عيش و أرغده يوم القيامة أعطاها ذلك الموطن كما أنها في أشد ألم و أضيق حبس إذا شقيت و حبست في المكان الضيق كما قال تعالى وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها يعني من جهنم مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً هذه الأحوال للنفوس الحيوانية و النفوس الناطقة ملتذة بما تعلمه من اختلاف أحوال مراكبها لأنها في مزيد علم بذلك إلهي مناسب أ لا ترى ذوقا هنا في شخصين لكل واحد منهما نفس ناطقة و نفس حيوانية فيطرأ على كل واحد من الشخصين سبب مؤلم فيتألم به الواحد و يتنعم به الآخر لكون الواحد و إن كان ذا نفس ناطقة فحيوانيته غالبة عليه فتبقى النفس الناطقة منه معطلة الآلة الفكرية النظرية و الآخر لم تتعطل نفسه الناطقة عن نظرها و فكرها و مشاهدتها و من أين قام بنفسها الحيوانية ذلك الأمر المؤلم حتى يوصلها ذلك إلى السبب الأول فتستغرق فيه فتتبعها في ذلك النفس الحيوانية فيزول عنها الألم مع وجود السبب و كلا الشخصين كما قلنا ذو نفس ناطقة و سبب مؤلم فارتفع الألم في حق أحد الشخصين و لم يرتفع في حق الآخر فإن الحيوان بنور النفس الناطقة يستضيء فإذا صرفت النفس الناطقة نظرها إلى جانب الحق تبعها نورها كما يتبع نور الشمس الشمس بغروبها و أفولها فتلتذ النفس الحيوانية بما يحصل لها من الشهود لما لم تره قبل ذلك فلا ألم و لا لذة إلا للنفوس الحيوانية إن كان كما ذكرناه فهي لذة علمية و إن كان عن ملاءمة طبع و مزاج و نيل غرض فلذة حسية و النفس الناطقة علم مجرد لا يحتمل لذة و لا ألما و يطرأ على الإنسان الذي لا علم له بالأمر على ما هو عليه في نفسه تلبيس و غلط فيتخيل إن النفس الناطقة لها التذاذ بالعلوم حتى قالوا بذلك في الجناب الإلهي و إنه بكماله مبتهج فانظر بذلك يا أخي ما أبعد هؤلاء من العلم بحقائق الأمور و ما أحسن قول الشارع من عرف نفسه عرف ربه فلم ينسب إليه إلا ما ينسبه لنفسه فتعالى الله عز و جل عن أن يحكم عليه حال أو محل بل لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ عصمنا الله و إياكم من الآفات و بلغ بنا أرفع الدرجات و أبعد النهايات «الوصل الخامس عشر» من خزائن الجود و هو ما تخزنه الأجسام الطبيعية من الأنوار التي بها يضيء كونها و إنظهرت في أعيننا مظلمة كما يخرج اللبن من بَيْنِ فَرْثٍ وَ دَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ تخزنه ضروع مواشيهم و إبلهم لهم كما يخرج من بطون النحل شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ و الله يقول الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و لو لا النور ما ظهر للممكنات عين و قول رسول الله ص في دعائه اللهم اجعل في سمعي نورا و في بصري نورا و في شعري نورا حتى قال و اجعلني نورا و هو كذلك و إنما طلب مشاهدة ذلك حتى يظهر للابصار فإن النور المعنوي خفي لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ فأراد رسول الله ص أن يدرك بالحس ما أدركه بالإيمان و العقل و ذلك لا يظهر إلا لأرباب المجاهدات
النار في أحجارها مخبوءه لا تصطلي ما لم تثرها الأزند
فنحن نعلم أن ثم نار أو لا نرى لها تسخينا في الحجر و لا إحراقا في المرخ و العفار و هكذا جميع الموجودات لمن نظر و استبصر أو من شاهد فاعتبر فالحق مخبوء في الخلق من كونه نورا فإذا قدحت زناد الخلق بالفكر ظهر نور الحق من عرف نفسه عرف ربه فمن عرف القدح و ميز الزناد فالنار عنده فهو عَلى نُورٍ من رَبِّهِ متى شاء أظهرها فهو الظاهر و متى شاء أخفاها فهو الباطن فإذا بطن ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و إذا ظهر ف هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فالقادح ما جاء بنور من عنده فالحق معنا أينما كنا في عدم أو وجود فبمعيته ظهرنا فنحن ذو نور و لا شعور لنا
و إنما قلنا نحن كثير و هو واحد لأن الأزند كثير و النار من كل زناد منها واحد العين فسواء كان الزناد حجرا أو شجرا و لهذا اختلفت المقالات في الله و المطلوب واحد فكل ما ظهر لكل طالب فليس إلا الله لا غيره فالكل منه بدأ و إليه يعود و إنما سمي طالب النار في الزناد قادحا لأن طلب الحق من الخلق ليعرف ذاته قدح في العلم الصحيح بذاته فإنه لا يعلم منه إلا المرتبة و هي كونه إلها واحدا خاصة فإن رام العلم بذاته و هي المشاهدة و لا تكون المشاهدة إلا عن تجليه و لا يكون ذلك إلا بالقدح فيه فإنك لا تراه إلا مقيدا قيده عقلك بنظره و تجلى لك في صورة تقييدك و هذا قدح فيما هو عليه في نفس الأمر و لو لا ما أنت في نفسك ذو نور عقلي ما عرفته و ذو نور بصري ما شهدته فما شهدته إلا بالنور و ما ثم نور إلا هو فما شهدته و لا عرفته إلا به فهو نور السموات من حيث العقول و الأرض من حيث الأبصار و ما جعل الله عز و جل صفة نوره إلا بالنور الذي هو المصباح و هو نور أرضي لا سماوي فشبه نوره بالمصباح و رؤيتنا إياه كرؤيتنا الشمس و القمر أي و إن كان كالمصباح فإنه يعلو في الرؤية و الإدراك عن رؤية المصباح فهو بنفسه أرضى لأنه لو لا نزوله إلينا ما عرفناه و هو بالرؤية سماوي فانظر ما أحكم علم الشارع بالله أين هو من نظر العقل و لهذا قال لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ لأنه نور و النور لا يدرك إلا بالنور فلا يدرك إلا به وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ لأنه نور وَ هُوَ اللَّطِيفُ لأنه يلطف و يخفى في عين ظهوره فلا يعرف و لا يشهد كما يعرف نفسه و يشهدها الْخَبِيرُ علم ذوق و ما قال لا تدركه الأنوار
فلو لا النور لم تشهده عين و لو لا العقل لم يعرفه كون
فبالنور الكوني و الإلهي كان ظهور الموجودات التي لم تزل ظاهرة له في حال عدمها كما هي لنا في حال وجودها فنحن ندركها عقلا في حال عدمها و ندركها عينا في حال وجودها و الحق يدركها عينا في الحالين فلو لا إن الممكن في حال عدمه على نور في نفسه ما قبل الوجود و لا تميز عن المحال فبنور إمكانه شاهده الحق و بنور وجوده شاهده الخلق فبين الحق و الخلق ما بين الشهودين فالحق نور في نور و الخلق نور في ظلمة في حال عدمه و أما في حال وجوده فهو نور على نور لأنه عين الدليل على ربه و ما يحتمل هذا الوصل أكثر من هذا فإن فيه مكرا خفيا لعدم المثل للحق و لا يتمكن أن يشهد و يعلم إلا بضرب مثل و لهذا جعل لنا مثل نوره في السموات و الأرض كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ من شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ ثم قال نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ من هذين النورين فيعلم المشبه و المشبه به من يَشاءُ وَ يَضْرِبُ الله الْأَمْثالَ فجعله ضرب مثل للتوصيل و يجوز في ضرب الأمثال المحال الذي لا يمكن وقوعه فكما لا يكون المحال الوجود وجودا بالفرض كذلكلا يكون الخلق حقا بضرب المثل فما هو موجود بالفرض قد لا يصح أن يكون موجودا بالعين و لو كان عين المشبه ضرب المثل لما كان ضرب مثل إلا بوجه فلا يصح أن يكون هنا ما وقع به التشبيه و ضرب المثل موجودا إلا بالفرض فعلمنا بضرب هذا المثل إننا على غاية البعد منه تعالى في غاية القرب أيضا و لهذا قبلنا ضرب المثل فجمعنا بين البعد و القرب و تسمى لنا بالقريب و البعيد فكما هو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ هو أقرب من حَبْلِ الْوَرِيدِ و هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فهو القريب بالمثل البعيد بالصورة لأن فرض الشيء لا يكون كهو و لا عين الشيء و في هذا الوصل إفاضة الحاج من عرفة إلى جمع و من جمع إلى مني فإن إفاضة عرفات ليلا و إفاضة جمع نهار الصائم و إن شئت قلت نهارا من غير إضافة و الحج يجمع ذلك كله فقبل تفصيل اليوم الزماني الذي هو الليل و النهار كما إن فيه ما يشوش العقول عن نفوذ نورها إلى رؤية المطلوب و هو حجاب لطيف لقربه من المطلوب فإن الشوق أبرح ما يكون إذا أبصر المحب دار محبوبه قال الشاعر
و أبرح ما يكون الشوق يوما إذا دنت الديار من الديار
فمن أعجب الأمور أن بالإنسان استتر الحق فلم يشهد و بالإنسان ظهر حتى عرف فجمع الإنسان بين الحجاب و الظهور فهو المظهر الساتر و هو السيف الكهام الباتر يشهد الحق منه ذلك لأنه على ذلك خلقه و يشهد الإنسان من نفسه ذلك لأنه لا يغيب عن نفسه و إنه مريد للاتصال بما قد علم أنه لا يتصل به فهو كالحق في أمره من أراد منه أن يأمره بما لا يقع منه فهو مريد لا مريد فلو لا ما هو الحق صدفة أعياننا ما كنا صدفة عين العلم به و في الصدف يتكون اللؤلؤ فما تكونا إلا في الوجود و ليس الوجود إلا هو و لكنه ستر علينا ستر حفظ ثم أظهرنا ثم تعرف إلينا بنا و أحالنا في المعرفة به علينا فإذا علمنا بنا سترنا على علمنا به فلم يخرج الأمر عن صدف ساتر لؤلؤ و لكن تارة و تارة
وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «الوصل السادس عشر» من خزائن الجود اعلم أن الله تعالى ما خلق شيئا من الكون إلا حيا ناطقا جمادا كان أو نباتا أو حيوانا في العالم الأعلى و الأسفل مصداق ذلك قوله تعالى وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً فلم يعجل عليكم بالعقوبة غَفُوراً ساترا تسبيحهم عن سمعكم فكل شيء في عالم الطبيعة جسم متغذ حساس فهو حيوان ناطق بين جلي و خفي في كل فصل فصل من فصول هذا الحد فكل ما نقص منه في حد محدود فذلك النقص هو ما خفي منه في حق بعض الناس و ما ظهر منه فهو الجلي و لذلك اختلفت الحدود في الجماد و النبات و الحيوان و الإنسان و الكل عند أهل الكشف حيوان ناطق مسبح بحمد الله تعالى و لما كان الأمر هكذا جاز بل وقع و صح أن يخاطب الحق جميع الموجودات و يوحي إليها من سماء و أرض و جبال و شجر و غير ذلك من الموجودات و وصفها بالطاعة لما أمرها به و بالإباءة لقبول عرضه و أسجد له كل شيء لأنه تجلى لكل شيء و أوحى إلى كل شيء بما خاطب ذلك الشيء به فقال للسماء و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ف أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و الأرض كذلك أوحى لها وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ و أَوْحَيْنا إِلَيْكَ يعني محمدا بالخطاب ص رُوحاً من أَمْرِنا فعم وحيه الجميع و لكن بقي من يطيع و من لا يطيع و كيف فضل السميع للسميع فمن أعجب الأشياء وصف السامع بالصمم و البصير بالعمى و المتكلم بالبكم فما عقل و لا رجع و إن فهم
قال الله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ و لذلك يقولون لجلودهم إذا شهدت عليهم لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا فتقول الجلود أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ فعمت فكانت الجلود أعلم بالأمر ممن جعل النطق فصلا مقوما للإنسان خاصة و عرى غير الإنسان عن مجموع حده في الحيوانية و النطق فمن فاته الشهود فقد فاته العلم الكثير فلا تحكم على ما لم تر و قل الله أعلم بما خلق و أرض الإنسان جسده و قد شهد عليه بما عمل أ تراه شهد عليه بما لم يعلم أ تراه علم من غير وحي إلهي جاءه من عند الله عز و جل كما نشهد نحن على الأمم بما أوحى الله تعالى به إلينا من قصص أنبيائه مع أممهم
فإذا انحصر الأمر بين خبر صادق و شهود علمنا إن العالم كله مكشوف له
فيوحي بالتكوين فيكون و يشهده ما شاء فيرى فشهادته بالخبر الصادق كشهادته بالعيان الذي لا ريب فيه مثل شهادة خزيمة فأقامه رسول الله ص في شهادته مقام رجلين فحكم بشهادته وحده فكان الشهادة بالوحي أتم من الشهادة بالعين لأن خزيمة لو شهد شهادة عين لم تقم شهادته مقام اثنين و به حفظ الله علينا لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنْفُسِكُمْ إلى آخر السورة إذ لم يقبل الجامع للقرآن آية منه إلا بشهادة رجلين فصاعدا إلا هذه الآية لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ من أَنْفُسِكُمْ فإنها ثبتت بشهادة خزيمة وحده رضي الله عنه «وصل و تنبيه» و أما التحدث بالأمور الذوقية فيصح لكن لا على جهة الأفهام و لكن كل مذوق له مثال مضروب فتفهم منه ما يناسب ذلك المثال خاصة فاذن ما ينبئ عن حقيقة إلا في الذوق المشترك الذي يمكن الاصطلاح عليه كالتحدث بالأمور المحسوسة مع كل ذي حس أدرك ذلك المخبر عنه بحسه و عرف اللفظ الذي يدل عليه بالتواطؤ بين المخاطبين فنحن لا نشك إذا تلي علينا القرآن إنا قد سمعنا كلام الله و موسى ع لما كلمه الله قد سمع كلام الله و أين موسى منا في هذا السماع فعلى مثل هذا تقع الأخبار الذوقية فإن الذي يدركه من يسمع كلام الله في نفسه من الله برفع الوسائط ما يمكن أن يساوي في الإدراك من يسمعه بالترجمة عنه فإن الواحد صاحب الواسطة هو مخير في الإخبار بذلك عن الواسطة إن شاء و عن صاحب الكلام إن شاء و هكذا جاء في القرآن قال تعالى في إضافة الكلام إليه فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله فأضاف الكلام إلى الله و قال في إضافة ذلك الكلام إلى الواسطة و المترجم فقال مقسما إِنَّهُ يعني القرآن لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ و قال إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَ ما هُوَ بِقَوْلِ شاعِرٍ فإن فهمت عن الإله ما ضمنه هذا الخطاب وقفت على علم جليل و كذلك ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فأضاف الحدوث إلى كلامه فمن فرق بين الكلام و المتكلم به اسم مفعول فقد عرف بعض معرفة و ما أسمع الرحمن كلامه بارتفاع الوسائط إلا ليتمكن الاشتياق في السامع إلى رؤية المتكلم لما سمعه من حسن الكلام فتكون رؤية المتكلم أشد و لا سيما و رسول الله ص يقول إن الله جميل يحب الجمال و الجمال محبوب لذاته و قد وصف الحق نفسه به فشوق النفوس إلى رؤيته و أما العقول فبين واقف في ذلك موقف حيرة فلم يحكم أو قاطع بأن الرؤية محال لما في الإبصار من التقييد العادي فتخيلوا إن ذلك التقييد في رؤية الأبصار أمر طبيعي ذاتي لها و ذلك لعدم الذوق و ربما يتقوى عند المؤمنين منهم إحالة ذلك بقوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و للابصار إدراك و للبصائر إدراك و كلاهما محدث فإن صح أن يدرك بالعقل و هو محدث صح أو جاز أن يدرك بالبصر لأنه لا فضل لمحدث على محدث في الحدوث و إن اختلفت الاستعدادات فجائز على كل قابل للاستعدادات أن يقبل استعداد الذي قبل فيهأنه أدرك الحق بنظره الفكري فأما إن ينفوا ذلك نفيا جملة واحدة و إما أن يجوزوه جملة واحدة و إما أن يقفوا في الحكم فلا يحكمون فيه بإحالة و لا جواز حتى يأتيهم تعريف الحق نصا لا يشكون فيه أو يشهدونه من نفوسهم و أما الذي يزعم أنه يدركه عقلا و لا يدركه بصرا فمتلاعب لا علم له بالعقل و لا بالبصر و لا بالحقائق على ما هي عليه في أنفسها كالمعتزلي فإن هذه رتبته و من لا يفرق بين الأمور العادية و الطبيعية فلا ينبغي أن يتكلم معه في شيء من العلوم و لا سيما علوم الأذواق و ما شوق الله عباده إلى رؤيته بكلامه سدى و لو لا إن موسى ع فهم من الأمر إذ كلمه الله بارتفاع الوسائط ما جرأه على طلب الرؤية ما فعل فإن سماع كلام الله تعالى بارتفاع الوسائط عين الفهم عنه فلا يفتقر إلى تأويل و فكر في ذلك و إنما يفتقر من كلمه الله بالوسائط من رسول أو كتاب فلما كان عين السمع في هذا المقام عين الفهم سأل الرؤية ليعلم التابع و من ليست له هذه المنزلة عند الله أن رؤية الله ليست بمحال و قد شهد الله لموسى إنه اصطفاه على الناس برسالاته و بكلامه ثم قال له فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ من الشَّاكِرِينَ و هو تعالى يقول لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ و لا شك أن موسى قد شكر الله على نعمة الاصطفاء و نعمة الكلام شكرا واجبا مأمورا به فيزيده الله لشكره نعمة رؤيته إياه فهل رآه في وقت سؤاله بالشرط الذي أقامه له كما ورد في نص القرآن أو لم يره و الآية محتملة المأخذ فإنه ما نفى زمان الحال عن تعلق الرؤية و إنما نفى الاستقبال بأداة سوف و لا شك أن الله تجلى للجبل و هو محدث و تدكدك الجبل لتجليه فحصل لنا من هذا رؤية الجبل ربه التي أوجبت له التدكدك فقد رآه محدث فما المانع أن رآه موسى ع في حال التدكدك و وقع النفي على الاستقبال ما لذلك مانع لمن عقل و لا سيما و قد قام الصعق لموسى ع مقام التدكدك للجبل ثم لتعلم أنه من أدرك الحق علما لم يفته من العلم الإلهي مسألة و من رأى الحق ببصره رأى كل نوع من العالم لا يفوته من أنواعه شيء إذا رآه في غير مادة و إذا علمه بصفة إثبات نفسية فإن علمه بصفة تنزيه لم يكن له هذا المقام و إن رآه في مادة لم يكن له هذا المقام و أما من ذهب إلى أن رؤية الحق إنما هي عبارة عن مزيد وضوح في العلم النظري بالله لا غير فهذه قولة من لا علم له بالله من طريق الكشف و التجلي إلا أن يكون قال ذلك لمعنى كان حاضرا من لا ينبغي أن يسمع مثل هذا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «الوصل السابع عشر» من خزائن الجود قال بعض السادة في هذه الخزانة إنها تتضمن فناء من لم يكن و بقاء من لم يزل و هذه المسألة تخبط فيها من لم يستحكم كشفه و لا تحقق شهوده فإن من الناس من تلوح له بارقة من مطلوبه فيكتفي بها عن استيفاء الحال و استقصائه فيحكم على هذا المقام بما شاهد منه ظنا منه أو قطعا أنه قد استوفاه و قد رأيت ممن هذه صفته رجالا و قد طرأ مثل هذا السهل بن عبد الله التستري المبرز في هذا الشأن في علم البرزخ فمر عليه لمحة فأحاط علما بما هو الناس عليه في البرزخ و لم يتوقف حتى يرى هل يقع فيما رآه تبديل في أحوال مختلفة على أهله أو يستمرون على حالة واحدة فحكم ببقائهم على حالة واحدة كما رآهم فرؤيته صحيحة صادقة و حكمه بالدوام فيما رآهم عليه إلى يوم البعث ليس بصحيح و أما الذين رأيت أنا من أهل هذه الصفة لما رأيتهم سريعين الرجعة غير ثابتين عند ما يؤخذ عن نفسه سألت واحدا منهم ما الذي يردك بهذه السرعة فقال لي أخاف أن تنعدم عيني لما نراه فيخاف على نفسه و من تكون هذه حالته فلا تثبت له قدم في تحقيق أمر و لا يكون من الراسخين فيه فلو اقتصروا على ما عاينوه و لم يحكموا لكان أولى بهم فيتخيل الأجنبي إذا سمع مثل هذا من صادق و سمع عدم الثبوت في البرزخ على حالة واحدة إن بين القوم خلافا في مثل هذا و ليس بخلاف فإن الراسخ يقول بما شاهده و هو مبلغه من العلم و غير الراسخ يقول أيضا بما شاهده و يزيد في الحكم بالثبوت الذي ذهب إليه و لو أقام قليلا لرأى التغيير و التبديل في البرزخ كما هو في الدنيا فإن الله في كل يوم و هو الزمن الفرد في شأن يقول تعالى يَسْئَلُهُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و الخلق جديد حيث كان دنيا و آخرة و برزخا فمن المحال بقاء حال على عين نفسين أو زمانين للاتساع الإلهي لبقاء الافتقار على العالم إلى الله فالتغيير له واجب في كل نفس و الله خالق فيه في كل نفس فالأحوال متجددة مع الأنفاس على الأعيان و حكم الأعيان يعطي في العين الواحدة بحسب حقائقها أن لو صح وجودها لكانت بهذه الأحوال فمن أصحابنا من يرى أنعين الوجود هو الذي يحفظ عليه أحوال أعيان الممكنات الثابتة و إنها لا وجود لها البتة بل لها الثبوت و الحكم في العين الظاهرة التي هي الوجود الحقيقي و من أصحابنا من يرى أن الأعيان اتصفت بالوجود و استفادته من الحق تعالى و إنها واحدة بالجوهر و إن تكثرت و أن الأحوال يكسوها الحق بها مع الأنفاس إذ لا بقاء لها إلا بها فالحق يجددها على الأعيان في كل زمان فعلى الأول يكون قوله حتى يفنى من لم يكن فلا يبقى له أثر في عين الوجود فيكون مسلوب النعوت و ذلك حال التنزيه و يبقى من لم يزل على ما هي عليه عينه و هو الغني عن العالمين فإن العالم ليس سوى الممكنات و هو تعالى غني عنها إن تدل عليه فإنه ما ثم من يطلب على ما قلناه الدلالة عليه فإن الممكنات في أعيانها الثابتة مشهودة للحق و الحق مشهود للاعيان الممكنات بعينها و بصرها الثابت لا الموجود فهو يشهدها ثبوتا و هي تشهده وجودا و على القول الآخر الذي يرى وجود أعيان الممكنات و آثار الأسماء الإلهية فيها و إمداد الحق لها بتلك الآثار لبقائها فتفني تلك الآثار و الأعيان القابلة لها عن صاحب هذا الشهود حالا و الأمر في نفسه موجود على ما هو عليه لم يفن في نفسه كما فنى في حق هذا القائل به فلا يبقى له مشهود إلا الله تعالى و تندرج الموجودات في وجود الحق و تغيب عن نظر صاحب هذا المقام كما غابت أعيان الكواكب عن هذا الناظر بطلوع النير الأعظم الذي هو الشمس فيقول بفناء أعيانها من الوجود و ما فنيت في نفس الأمر بل هي على حالها في إمكانها من فلكها على حكمها و سيرها و كلا القولين قد علم من الطائفة و من أصحاب هذا المقام من يجعل أمر الخلق مع الحق كالقمر مع الشمس في النور الذي يظهر في القمر و ليس في القمر نور من حيث ذاته و لا الشمس فيه و لا نورها و لكن البصر كذلك يدركه فالنور الذي في القمر ليس غير الشمس كذلك الوجود الذي للممكنات ليس غير وجود الحق كالصورة في المرآة فما هو الشمس في القمر و ما ذلك النور المنبسط ليلا من القمر على الأرض بمغيب نور الشمس غير نور الشمس و هو يضاف إلى القمر كما قيل في كلام الله إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ و قيل في قول الرسول ص إنه كلام الله تعالى إذا تلاه و قول كل تال للقرآن و لكل مقالة وجه من الصحة و الكشف يكون في كل ما ذكرناه فأهل الله اختلافهم اتفاق لأنهم يرمون عن قوس واحد فالأمر متردد بين فناء عين و فناء حال و لا جامع في العالم بين الضدين إلا أهل الله خاصة لأن الذي تحققوا به هو الجامع بين الضدين و به عرف العارفون فهو الأول و الآخر و الظاهر و الباطن من عين واحدة و نسبة واحدة لا من نسبتين مختلفتين ففارقوا المعقول و لم تقيدهم العقول بل هم الإلهيون المحققون حققهم الحق بما أشهدهم فهم و ما هم وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى فأثبت و نفى و حسبنا الله و كفى فكان الشيخ أبو العباس بن العريف الصنهاجى الإمام في هذا الشأن يقول و إنما يتبين الحق عند اضمحلال الرسم و كان الشيخ أبو مدين يقول لا بد من بقاء رسم العبودية ليقع التلذذ بمشاهدة الربوبية و كان القاسم بن القاسم من شيوخ رسالة القشيري يقول مشاهدة الحق فناء ليس فيها لذة و كل قائل صادق فإنه قد قدمنا قبل هذا في هذا الكتاب إن شخصين لا يجتمعان أبدا في تجل واحد و أن الحق لا يكرر على شخص التجلي في صورة واحدة و قد قدمنا إن تجلياته تختلف لأنها تعم الصور المعنوية و الروحانية و الملكية و الطبيعية و العنصرية ففي أي صورة شاء ظهر كما أنه في أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ و في الطريق في أي صورة ما شاء أقامك فالمراكب مختلفة و الراكب واحد فمن تجلى له في الصور المعنوية قال بفناء الرسم و من تجلى له في الصور الطبيعية و العنصرية قال باللذة في المشاهدة و من قال بعدم اللذة في المشاهدة كان التجلي له في الصور الروحانية فكل صدق و بما شاهد نطق و أي الشهود أعلى وكلناك في ذلك لذوقك حتى تعلم من ذلك ما علمناه و من هذا الوصل تعلم المفارق و غير المفارق و من يفرق و من لا يفرق و تعلم منه من هو عَلى بَيِّنَةٍ من رَبِّهِ و ما هي البينة و تعلم أنواع الطهارات لكل موصوف بالطهارة و تعلم الميل المحمود و الميل المذموم و تعلم ما يقع به الاشتراك في الدين و ما نسخ منه فلم يجتمع فيه رسولان و تعلم من خلق من المخلوقات من شيء موجود و من خلق لا من شيء موجود و مراتب العالم في ذلك و تعلم أن كل ما طلب الحق منعباده أن يعاملوه به عاملهم به فعم أحكام الشرائع كلها و حكم بذلك على نفسه كما حكم على خلقه و أن مكارم الأخلاق في الأكوان هي الأخلاق الإلهية «الوصل الثامن عشر» من خزائن الجود يتضمن فضل الطبيعة على غيرها و ذلك لشبهها بالأسماء الإلهية فإن العجب ليس من موجود يؤثر و إنما العجب من معدوم يؤثر و النسب كلها أمور عدمية و لها الأثر و الحكم فكل معدوم العين ظاهر الحكم و الأثر فهو على الحقيقة المعبر عنه بالغيب فإنه من غاب في عينه فهو الغيب و الطبيعة غائبة العين عن الوجود فليس لها عين فيه و عن الثبوت و ليس لها عين فيه فهي عالم الغيب المحقق و هي معلومة كما إن المحال معلوم غير إن الطبيعة و إن كانت مثل المحال في رفع الثبوت عنها و الوجود فلها أثر و يظهر عنها صور و المحال ليس كذلك و مفاتيح هذا الغيب هي الأسماء الإلهية التي لا يعلمها إلا الله العالم بكل شيء و الأسماء الإلهية نسب غيبية إذ الغيب لا يكون مفتاحه إلا غيبا و هذه الأسماء تعقل منها حقائق مختلفة معلومة الاختلاف كثيرة و لا تضاف إلا إلى الحق فإنه مسماها و لا يتكثر بها فلو كانت أمورا وجودية قائمة به لتكثر بها فعلمها سبحانه من حيث كونه عالما بكل معلوم و علمناها نحن باختلاف الآثار منهما فينا فسميناه كذا من أثر ما وجد فينا فتكثرت الآثار فينا فكثرت الأسماء و الحق مسماها فنسبت إليه و لم يتكثر في نفسه بها فعلمنا أنها غائبة العين و لما فتح الله بها عالم الأجسام الطبيعية باجتماعها بعد ما كانت مفترقة في الغيب معلومة الافتراق في العلم إذ لو كانت مجتمعة لذاتها لكان وجود عالم الأجسام أزلا لنفسه لا لله و ما ثم موجود ليس هو الله إلا عن الله و ما ثم واجب الوجود لذاته إلا الله و ما سواه فموجود به لا لذاته فالسر معقول النسب و إلا خفي منها أعيانها فبالمشيئة ظهر أثر الطبيعة و هي غيب فالمشيئة مفتاح ذلك الغيب و المشيئة نسبة إلهية لا عين لها فالمفتاح غيب و إن لم تثبت هذه النسب في العلم و إن كانت غيبا و عدما فلم يكن يصح الوجود لموجود أصلا و لا كان خلق و لا حق فلا بد منها فالغيب هو النور الساطع العام الذي به ظهر الوجود كله و ما له في عينه ظهور فهو الخزانة العامة التي خازنها منها و إن أردت أن يقرب عليك تصور ما قلت فانظر في الحدود الذاتية للمحدود التي لا يعقل المحدود إلا بها و ينعدم المعلوم بعدمها و يكون معلوما بوجودها اتساعا و إن لم توصف بالوجود و ذلك إذا أخذت في حد الجوهر مثلا أعني الجوهر الفرد فتقول فيه هو الشيء فجئت بالجنس الأعم و الشيئية للأشياء ليست وجودية و لا بد فيدخل فيها كل ما هو محدود بشيء مما يقوم بنفسه و مما لا يقوم بنفسه فإذا أردت أن تبينه و لا تتبين المعلومات إلا بذاتها و هو الحد الذاتي لها فتقول الموجود فجئت بما هو أخص منه فدخل فيه كل موجود و انفصل عنه كل من له شيئية و لا وجود له ثم قلت القائم بنفسه و هذه كلها معان معلومة هي للمحدود المعلوم بها صفات و الصفة لا تقوم بنفسها و باجتماع هذه المعاني جاء منها أعيان وجودية تدرك حسا و عقلا فخرج منه كل موجود لا يقوم بنفسه ثم تقول المتحيز فيشركه غيره و يتميز عنه بهذا غير آخر و التحيز حكم و هو ما له قدر في المساحة أو القابل للمكان ثم تقول الفرد الذي لا ينقسم ذاته فخرج عنه الجسم و كل ما ينقسم ثم تقول القابل للاعراض فخرج منه من لا يقبل الأعراض و دخل معه في الحد من يقبل الأعراض و بمجموع هذه المعاني كان المسمى جوهرا فردا كما بالتأليف مع بقية الحدود ظهر الجسم فلما ظهر من ائتلاف المعاني صور قائمة بنفسها و طالبة محال تقوم بها كالأعراض و الصفات علمنا قطعا إن كل ما سوى الحق عرض زائل و غرض ماثل و إنه و إن اتصف بالوجود و هو بهذه المثابة في نفسه في حكم المعدوم فلا بد من حافظ يحفظ عليه الوجود و ليس إلا الله تعالى و لو كان العالم أعني وجوده لذات الحق لا للنسب لكان العالم مساوقا للحق في الوجود و ليس كذلك فالنسب حكم لله أزلا و هي تطلب تأخر وجود العالم عن وجود الحق فيصح حدوث العالم و ليس ذلك إلا لنسبة المشيئة و سبق العلم بوجوده فكان وجود العالم مرجحا على عدمه و الوجود المرجح لا يساوق الوجود الذاتي الذي لا يتصف بالترجيح و لما كان ظهور العالم في عينه مجموع هذه المعاني فكان هذا المعقول المحدود عرض له جميع هذه المعاني فظهر فما هو في نفسه غير مجموع هذه المعاني و المعاني تتجدد عليه و الله هو الحافظ وجوده بتجديدها عليه و هي نفس المحدود فالمحدودات كلها في خلقجديد الناس منه في لبس فالله خالق دائما و العالم في افتقار دائم له في حفظ وجوده بتجديده فالعالم معقول لذاته موجود بالله تعالى فحدوده النفسية عينه و هذا هو الذي دعا الحسبانية إلى القول بتجديد أعيان العالم في كل زمان فرد دائما و ذهلت عن معقولية العالم من حيث ما هو محدود و هو أمر وهمي لا وجود له إلا بالوهم و هو القابل لهذه المعاني و في العلم ما هو غير جميع هذه المعاني فصار محسوسا أمر هو في نفسه مجموع معقولات فأشكل تصوره و صعب على من غلب عليه وهمه فحار بين علمه و وهمه و هو موضع حيرة و قالت طائفة بتجدد الأعراض على الجوهر و الجوهر ثابت الوجود و إن كان لا بقاء له إلا بالعرض و ما تفطن صاحب هذا القول لما هو منكر له فغاب عنه شيء فجهله و ظهر له شيء فعلمه و قالت طائفة أخرى بتجدد بعض الأعراض و هي المسماة عندهم أعراضا و ما عداها و إن كانت في الحقيقة على ما يعطيه العلم أعراضا فيسمونها صفات لازمة كصفرة الذهب و سواد الزنجي و هذا كله في حق من يثبتها أعيانا وجودية و ثم من يقول إن ذلك كله نسب لا وجود لها إلا في عين المدرك لها لا وجود لها في عينها و إلى هذا ذهب القاضي أبو بكر بن الطيب الباقلاني على ما وصل إلينا و العهدة على الناقل و أهل الكشف لهم الاطلاع على جميع المذاهب كلها و النحل و الملل و المقالات في الله اطلاعا عاما لا يجهلون منه شيئا فما تظهر نحلة من منتحل و لا ملة بناموس خاص تكون عليه و لا مقالة في الله أو في كون من الأكوان ما تناقض منها و ما اختلف و ما تماثل إلا و يعلم صاحب الكشف من أين أخذت هذه المقالة أو الملة أو النحلة فينسبها إلى موضعها و يقيم عذر القائل بها و لا يخطئه و لا يجعل قوله عبثا فإن الله ما خلق سماء و لا أرضا و ما بينهما باطلا و لا خلق الإنسان عبثا بل خلقه ليكون وحده على صورته فكل من في العالم جاهل بالكل عالم بالبعض إلا الإنسان الكامل وحده فإن الله علمه الأسماء كلها و آتاه جوامع الكلم فكملت صورته فجمع بين صورة الحق و صورة العالم فكان برزخا بين الحق و العالم مرآة منصوبة يرى الحق صورته في مرآة الإنسان و يرى الخلق أيضا صورته فيه فمن حصل في هذه المرتبة حصل رتبة الكمال الذي لا أكمل منه في الإمكان و معنى رؤية صورة الحق فيه إطلاق جميع الأسماء الإلهية عليه كما جاء في الخبر فبهم تنصرون و الله الناصر و بهم ترزقون و الله الرازق و بهم ترحمون و الله الراحم و قد ورد في القرآن فيمن علمنا كماله و اعتقدنا ذلك فيه أنه بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أي لترحمهم لما دعا على رعل و ذكوان و عصية و التخلق بالأسماء يقول به جميع العلماء فالإنسان متصف يسمى بالحي العالم المريد السميع البصير المتكلم القادر و جميع الأسماء الإلهية من أسماء تنزيه و أفعال تحت إحاطة هذه الأسماء السبعة التي ذكرناها لا يخرج عنها جملة واحدة فلهذا لم نأت بها على التفصيل و قد ذكرنا منها طرفا شافيا في كتابنا المسمى إنشاء الجداول و الدوائر صورنا فيه العالم و الحضرتين ممثلتين في أشكال ليقرب العلم بها على صاحب الخيال إذ لا يخلو الإنسان مع عقله عن حكم الوهم فيما يعلم أنه محال و مع هذا تصوره و تغلب عليه حكم الوهم إذ كان لا ينضبط لها العلم بذلك إلا بعد تصوره و حينئذ تضبطه القوة الحافظة و تحكم عليه القوة المذكرة إذا غلب على القوة الحافظة فخرج من تحت حكمها فإن المذكرة لا تفرط فيه فلا يزال المعلوم محصورا في العلم و لهذا كان المعلوم محاطا به قال تعالى أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً فمن علم ما ذكرناه في هذا الوصل و ما حوت عليه هذه الخزانة علم نفسه و علم ربه و علم العالم و ما أصله و إذا بدا له منه ما بدا علم من أين جاء و إلى أين يعود و علم ما يستحقه منه فوفاه حقه فأعطى كل ذي حق حقه كما إن الله أعطى كل شيء خلقه فالذي انفرد به الحق إنما هو الخلق و الذي انفرد به من العالم الكامل إنما هو الحق فيعلم ما يستحقه كل موجود فيعطيه حقه و هو المسمى بالإنصاف فمن أعطيته حقه فقد أنصفته فإن تغاليت فما كملت و أنت ناقص فإن الزيادة في الحد نقص في المحدود فلا يتعدى الكامل بالشيء رتبته و قد ذم الله تعالى تعليما لنا في إقامة العدل في الأشياء من تغالى في دينه و نزه الحق تعالى عما يستحقه فهو و إن قصد تعظيما بذلك الفعل في التغالي فقد وقع في الجهل و جاء بالنقص في موضع الكمال فقال لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى الله إِلَّا الْحَقَّ فالغلو مثل أن ينسب إلى الله الأحوال و هي ليست إلا أحكام المعاني فالمعاني لله وجودها و إذا وجدت فيمن وجدت فيه أعطت بذاتها الحال المنعوت به ذلك المحل الذي قام به هذا المعنى فهذا من التغالي و هذا مثل العالم و القادر و الأبيض و الأسود و الشجاع و الجبان و المتحرك و الساكن فهذه هي الأحوال و هي أحكام المعاني المعقولة أو النسب كيف شئت فقل و هي العلم و القدرة و البياض و السواد و الحماسة و الجبن و الحركة و السكون فقال لنا لا تَقُولُوا عَلَى الله إِلَّا الْحَقَّ كان ما كان كما نسبوا إليه تعالى الصاحبة و الولد و ضربوا له الأمثال و جعلوا له أندادا غلوا في دينهم و تعظيما لرسلهم فقالوا عيسى هو الله و قالت طائفة هو ابن الله و قال من لم يغل في دينه هو عبد الله وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ فلم يتعد به ما هو الأمر عليه فمن سلك مسلكنا فقد سلك طريق النجاة و الايمان و أعطى الايمان حقه و لم يجر على العقل و الفكر في حقه و لا فيما له وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و في هذه الخزانة من العلوم علم مقام الملائكة كلها و علم الأنوار و الأسرار و الفضل الزماني لا الفضل بالزمان و من هنا تنزل الملائكة على قلوب الإرسال من البشر بالوحي المشروع و على قلوب الأولياء بالحديث و الإلهام و كل من أدرك هذا سرا أو غيبا فكان له جهرا و شهادة فمن هذه الخزانة فسبحان مرتب الأمور و شارح الصدور و باعث من في القبور بالنشور لا إله إلا هو العليم القدير «الوصل التاسع عشر» من خزائن الجود هذه خزانة التعليم و رفعة المعلم على المتعلم و ما يلزم المتعلم من الأدب مع أستاذه اعلم أن المعلم على الحقيقة هو الله تعالى و العالم كله مستفيد طالب مفتقر ذو حاجة و هو كماله فمن لم تكن هذه أوصافه فقد جهل نفسه و من جهل نفسه فقد جهل ربه و من جهل أمرا فما أعطاه حقه و من لم يعط أمرا حقه فقد جار عليه في الحكم وعرا عن ملابسة العلم فقد تبين لك أن الشرف كله إنما هو في العلم و العالم به بحسب ذلك العلم فإن أعطى عملا في جانب الحق عمل به و إن أعطاه عملا في جانب الخلق عمل به فهو يمشي في بيضاء نقية سمحاء لا يرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و أول متعلم قبل العلم بالتعلم لا بالذات العقل الأول فعقل عن الله ما علمه و أمره أن يكتب ما علمه في اللوح المحفوظ الذي خلقه منه فسماه قلما فمن علمه الذي علمه أن قال له أدبا مع المعلم ما أكتب هل ما علمتني أو ما تمليه علي فهذا من أدب المتعلم إذا قال له المعلم قولا مجملا يطلب التفصيل فقال له اكتب ما كان و ما قد علمته و ما يكون مما أمليه عليك و هو علمي في خلقي إلى يوم القيامة لا غير فكتب ما في علمه مما كان فكتب العماء الذي كان فيه الحق قبل أن يخلق خلقه و ما يحوي عليه ذلك العماء من الحقائق و قد ذكرناه في هذا الكتاب في باب النفس بفتح الفاء و كتب وجود الأرواح المهيمة و ما هيمهم و أحوالهم و ما هم عليه و ذلك كله ليعلمه و كتب تأثير أسمائه فيهم و كتب نفسه و وجوده و صورة وجوده و ما يحوي عليه من العلوم و كتب اللوح فلما فرغ من هذا كله أملى عليه الحق ما يكون منه إلى يوم القيامة لأن دخول ما لا يتناهى في الوجود محال فلا يكتب فإن الكتابة أمر وجودي فلا بد أن يكون متناهيا فأملى عليه الحق تعالى و كتب القلم منكوس الرأس أدبا مع المعلم لأن الإملاء لا تعلق للبصر به بل متعلق البصر الشيء الذي يكتب فيه و السمع من القلم هو المتعلق بما يمليه الحق عليه و حقيقة السمع أن لا يتقيد المسموع بجهة معينة بخلاف البصر الحسي فإنه يتقيد إما بجهة خاصة معينة و إما بالجهات كلها و السمع ليس كذلك فإن متعلقة الكلام فإن كان المتكلم ذا جهة أو في جهة فذلك راجع إليه و إن كان لا في جهة و لا ذا جهة فذلك راجع إليه لا للسامع فالسمع أدل في التنزيه من البصر و أخرج عن التقييد و أوسع و أوضح في الإطلاق فأول أستاذ من العالم هو العقل الأول و أول متعلم أخذ عن أستاذ مخلوق هو اللوح المحفوظ و هذه الاسمية شرعية و اسم اللوح المحفوظ عند العقلاء النفس الكلية و هي أول موجود انبعاثي منفعل عن العقل و هي للعقل بمنزلة حواء لآدم منه خلق و به زوج فثنى كما ثنى الوجود بالحادث و ثنى العلم بالقلم الحادث ثم رتب الله الخلق بالإيجاد إلى أن انتهت النوبة و الترتيب الإلهي إلى ظهور هذه النشأة الإنسانية الآدمية فأنشأها في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثم نفخ في آدم من روحه و أمر الملائكة بالسجود له فوقعت له ساجدة عن الأمر الإلهي بذلك فجعله لملائكته قبلة ثم عرفهم بخلافته في الأرض فلم يعرفوا عمن هو خليفة فربما ظنوا أنه خليفة في عمارتها عمن سلف فاعترضوا لما رأوا من تقابل طبائعه في نشأته فعلموا إن العجلة تسرع إليه و أن تقابل ما تركب منه جسده ينتج منه نزاعا فيؤثر فسادا في الأرض و سفك دماء فلما أعلمهم أنه خلقه سبحانه على صورته و علمه الأسماء كلها المتوجهة على إيجاد العالم العنصري و غيره فمافوقه ثم عرض المسميات على الملائكة فقال أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ الذين توجهتم على إيجادهم أي توجهت الأسماء هل سبحتموني بها و قدستموا لي فإنكم زعمتم أنكم تسبحونى بحمدي و تقدسون إلي فقالت الملائكة لا عِلْمَ لَنا فقال لآدم أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فجعله أستاذا لهم فعلمهم الأسماء كلها فعلموا عند ذلك أنه خليفة عن الله في أرضه لا خليفة عن سلف ثم ما زال يتلقاها كامل عن كامل حتى انتهت إلى السيد الأكبر المشهود له بالكمال محمد ص الذي عرف بنبوته و آدم بين الماء و الطين فالماء لوجود البنين و الطين وجود آدم و أوتي ص جوامع الكلم كما أوتي آدم جميع الأسماء ثم علمه الله الأسماء التي علمها آدم فعلم علم الأولين و الآخرين فكان محمد ص أعظم خليفة و أكبر إمام و كانت أمته خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ و جعل الله ورثته في منازل الأنبياء و الرسل فأباح لهم الاجتهاد في الأحكام فهو تشريع عن خبر الشارع فكل مجتهد مصيب كما أنه كل نبي معصوم و تعبدهم الله بذلك ليحصل لهذه الأمة نصيب من التشريع و تثبت لهم فيه قدم فلم يتقدم عليهم سوى نبيهم ص فتحشر علماء هذه الأمة حفاظ الشريعة المحمدية في صفوف الأنبياء لا في صفوف الأمم فهم شهداء على الناس و هذا نص في عدالتهم فما من رسول إلا و لجانبه عالم من علماء هذه الأمة أو اثنان أو ثلاثة أو ما كان و كل عالم منهم فله درجة الأستاذية في علم الرسوم و الأحوال و المقامات و المنازل و المنازلات إلى أن ينتهي الأمر في ذلك إلى خاتم الأولياء خاتم المجتهدين المحمديين إلى أن ينتهي إلى الختم العام الذي هو روح الله و كلمته فهو آخر متعلم و آخر أستاذ لمن أخذ عنه و يموت هو و أصحابه من أمة محمد ص في نفس واحد بريح طيبة تأخذهم من تحت آباطهم يجدون لها لذة كلذة الوسنان الذي قد جهده السهر و أتاه النوم في السحر الذي سماه الشارع العسيلة لحلاوته فيجدون للموت لذة لا يقدر قدرها ثم يبقى رعاع كغثاء السيل أشباه البهائم فعليهم تقوم الساعة و كان الروح الأمين جبريل عليه السلام معلم الرسل و أستاذهم فلما أوحى إلى محمد ص كان يعجل بالقرآن قبل أن يقضي إليه وحيه ليعلم الله بالحال أن الله تولى تعليمه من الوجه الخاص الذي لا يشعر به الملك و جعل الله الملك النازل بالوحي صورة حجابية ثم أمره تعالى فيما أوحى إليه لا تُحَرِّكْ به لِسانَكَ لِتَعْجَلَ به أدبا مع أستاذه فإنه ص يقول إن الله أدبني فأحسن أدبي و هذا مما يؤيد أن الله تولى تعليمه بنفسه ثم قال مؤيدا أيضا لذلك إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ فَإِذا قَرَأْناهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا بَيانَهُ فما ذكر سوى نفسه و ما أضافه إلا إليه و لم يجز لغير الله في هذا التعريف ذكر و بهذا جاء لفظ النبي ص في قوله إن الله أدبني فأحسن أدبي و لم يذكر إلا الله ما تعرض لواسطة و لا لملك فإن الله هكذا عرفنا ثم وجدنا ذلك ساريا في ورثته من العلماء في كل طائفة أعني من علماء الرسوم و علماء القلوب فرجوع التعليم بالواسطة و غير الواسطة إلى الرب و لذلك قال الملك وَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ فتبين لك من هذا الوصل صورة التعليم ثم إنه شرع تعالى لكل أستاذ أن لا يرى له مزية على تلميذه و أن لا تغيبه مرتبة الأستاذية عن علمه بنفسه و عبوديته هذا هو الأصل المرجوع إليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «الوصل العشرون» من خزائن الجود و هذه خزانة الأحكام الإلهية و النواميس الوضعية و الشرعية و أن لله تعالى في وحيه إلى قلوب عباده بما يشرع في كل أمة طريقين طريقا بإرسال الروح الأمين المسمى جبريل أو من كان من الملائكة إلى عبد من عباد الله فيسمى ذلك العبد لهذا النزول عليه رسولا و نبيا يجب على من بعث إليهم الايمان به و بما جاء به من عند ربه و طريقا آخر على يدي عاقل زمانه يلهمه الله في نفسه و ينفث الروح الإلهي القدسي في روعة في حال فترة من الرسل و درس من السبل فيلهمه الله في ذلك لما ينبغي من المصالح في حقن الدماء و حفظ الأموال و الفروج لما ركب الله في النفوس الحيوانية من الغيرة فيمهد لهم طريقة يرجعون بها إذا سلكوا عليها إلى مصالحهم فيأمنون على أهليهم و دمائهم و أموالهم و يحد لهم حدودا في ذلك و يخوفهم و يحذرهم و يرجيهم و يأمرهم بالطاعة لما أمرهم به و نهاهم عنه و أن لا يخالفوه و يعين لهم زواجر من قتل و ضرب و غرم ليردع بذلك ما تقع به المفسدة و التشتيت و يرغب في نظم شمل الكلمة و أن الله تعالى يأجره على ذلك في أصحاب الفترات و أما في الأمة التي فيها رسول أو هم تحت خطابرسول فحرام عليه ذلك و حرام عليه خروجه عن شرع الرسول و لم تظهر هذه الطريقة الوضعية التي تطلبها الحكمة في نوع من الأنواع إلا في النوع الإنساني خاصة لخلقه على الصورة فيجد في نفسه قوة إلهية تدعوه لتشريع المصالح فإن شرعها أحد غيره و هو الرسول فلا يزال يؤيده و يمهد لأمته و ما وضعه لها ذلك الرسول و يبين لهم ما خفي عنهم من رسالته لقصور فهمهم و إن لم يفعل ذلك مع قدرته عليه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة كما جاء في الإمام إذا صلى و هو يعلم أن خلفه من هو أحق بالإمامة منه فلم يقدمه و تقدم عليه لم يزل في سفال إلى يوم القيامة إلا أن يقدمه ذلك الأفضل فيتقدم عن أمره كصلاة أبي بكر برسول الله ص و صلاة عبد الرحمن بن عوف برسول الله ص لما جاء و قد فاتته ركعة و تقدم لأجل خروج الوقت فجاء رسول الله ص و قد صلوا ركعة فصلى خلفه و شكرهم على ما فعلوا و قال أحسنتم و لو لا إن الشارع قرر حكم المجتهد من علماء هذه الأمة ما ثبت له حكم و اعلم أن العلماء بالله على مراتب في أخذهم العلم الإلهي فمنهم من أخذ العلم بالله من الله و هم الذين قيل لهم فاعلموا أنه إله واحد و منهم من أخذ العلم بالله عن نظر و استدلال و هم الذين نصب الله لهم الأدلة و الآيات في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ و أمرهم بالنظر في ذلك حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ مثل قوله أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما خَلَقَ الله من شَيْءٍ و قوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا و قوله ص من عرف نفسه عرف ربه و منهم من أخذ العلم بالله من تقوى الله مثل قوله تعالى إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً تفرقون به بين الله و بين الآلهة التي عبدها المشركون و تعرفون ما عبدوا من ذلك مع علمهم إذا سموهم أنهم أحجار و أشجار و كواكب و ملائكة و ناس و جان و يعلمون حقيقة كل مسمى و لما ذا اختصوا بالعبادة ما اختصوا منها و هي و من لم يتخذوه معبودا من أمثالها في الحد و الحقيقة على السواء و ما في هذه الطوائف أعلى ممن حصل العلم بالله عن التقوى فهذا المأخذ أعلى المراتب في الأخذ فإن له الحكم الأعم يحكم على كل حكم و على كل حاكم بكل حكم فهو خير الحاكمين و لا يكون هذا العلم ابتداء و لهذا لا يختص به إلا المؤمنون العالمون الذين علموا إن ثم واحدا يرجع إليه و يوصل إلى شهوده و إن لم يعلموا ذلك قصرت هممهم و لو تجلى لهم الحق بنفسه أنكروه و ردوه فإنه عندهم مقيد بأمر ما مهما لم يجدوا ذلك الأمر الذي قيدوه به فيمن تجلى لهم و قال لهم أو قيل لهم إنه الله ردوه و لا بد فلما قصرت هممهم و أعطاهم نظرهم أن الحق لا يراه أحد كالفيلسوف و المعتزلي و إن علم فبالضرورة ينكرونه في تجليه لهم فلا بد للمؤمن أن يعطيه نور إيمانه ما أعطى لموسى ع في نفسه حتى سأل الرؤية ثم أخبر الله أنه تجلى للجبل و الجبل من العالم و تدكدك الجبل عند رؤيته ربه و إذا تجلى لمحدث جاز أن يراه كل محدث إذا شاء و جاز أن يتجلى له فإذا علموا و آمنوا و انبسط نور الايمان على المراتب و المقامات فعلموها كشفا و وجودا و انبسط على نفوسهم فشاهدوا نفوسهم فعرفوها فعرفوا ربهم بلا شك علما و إيمانا ثم عملوا بتقوى الله فجعل الله لهم فرقانا بين ما أدركوه من الله بالعلم الخبري و بالعلم النظري و بالعلم الحاصل عن التقوى و علموا عند ذلك ما هو التام من هذه العلوم و الأتم فمن ادعى التقوى و لم يحصل له هذا الفرقان فما صدق في دعواه فإن الكذب كله عدم أي مدلوله عدم و إن كان مذموما بالإطلاق عرفا محمودا بالتقييد الذي يحمد به و الصدق كله حق أي مدلوله حق و إن كان محمودا بالإطلاق عرفا مذموما بالتقييد الذي يذم به
فأما العلماء بالله من طريق الخبر فلا يعلمون من الله إلا ما ورد به خبر الله عن الله في كتاب أو سنة فهم بين مشبه بتأويلو بين واقف و هو الأسلم و الأنجى من الرجلين فإنه لا يتمكن له رد الألفاظ و لا رد ما تدل عليه فيقع في التشبيه و الآخر و إن لم يكن له رد الألفاظ و لا رد ما تدل عليه فإنه ما نزل ما نزل من ذلك إلا بلغته و رأى التقابل فيما نزل من نفي التشبيه فآمن و صرف علم ذلك إلى الله من غير تعيين لأن المسمى و الموصوف لم يره و لم يعلم ما هو عليه إلا من هذه الأخبار الواردة عنه و أما علماء النظر فهم طوائف كثيرة كل طائفة نزعت في الله منزعا بحسب ما أعطاها نظرها في الذي اتخذته دليلا على العلم به فاختلفت مقالاتهم في الله اختلافا شديدا و هم أصحاب العلامات لما ارتبطوا بها و أما علماء الكشف و الشهود و هم المؤمنون المتقون فإن الله جعل لهم فرقانا أوقفهم ذلك الفرقان على ما ادعى أهل كل مقالة في الله من علماء النظر و الخبر أن يقولوا بها و ما الذي تجلى لقلوبهم و بصائرهم من الحق و هل كلها حق أو فيه ما هو حق و ما ليس بحق كل ذلك معلوم لهم كشفا و شهودا فيعبده من هذه صفته عبادة أمر و عبادة ذاتية و ليس ذلك إلا لهم و للملائكة و أما الأرواح التي لا تعرف الأمر فعبادتهم ذاتية و أما علماء النظر و الخبر فعبادتهم أمرية قال رسول الله ص نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه و هذه هي العبادة الذاتية فأخبر أنه ذو عبادتين عبادة أمر و ذات و بالعبادة الذاتية يعبده أهل الجنان و أهل النار و لهذا يكون المال في الأشقياء إلى الرحمة لأن العبادة الذاتية قوية السلطان و الأمر عارض و الشقاء عارض و كل عارض زائل يجري إلى أجل مسمى و اعلم أنه ما تقدم لنبي قط قبل نبوته نظر عقلي في العلم بالله و لا ينبغي له ذلك و كذلك كل ولي مصطفى لا يتقدم له نظر عقلي في العلم بالله و كل من تقدمه من الأولياء علم بالله من جهة نظر فكري فهو و إن كان وليا فما هو مصطفى و لا هو ممن أورثه الله الكتاب الإلهي و سبب ذلك أن النظر يقيده في الله بأمر ما يميزه به عن سائر الأمور و لا يقدر على نسبة عموم الوجود لله فما عنده سوى تنزيه مجرد فإذا عقد عليه فكل ما أتاه من ربه مخالف عقده فإنه يرده و يقدح في الأدلة التي تعضد ما جاءه من عند ربه فمن اعتنى الله به عصمه قبل اصطفائه من علوم النظر و اصطنعه لنفسه و حال بينه و بين طلب العلوم النظرية و رزقه الايمان بالله و بما جاء من عند الله على لسان رسول الله هذا في هذه الأمة التي عمت دعوة رسولها و أما في النبوة الأولى ممن كان في فَتْرَةٍ من الرُّسُلِ فإنه يرزق و يحبب إليه الشغل بطلب الرزق أو بالصنائع العملية أو الاشتغال بالعلوم الرياضية من حساب و هندسة و هيأة و طب و شبه ذلك من كل علم لا يتعلق بالإله فإن كان مصطفى و يكون نبيا في زمان النبوة في علم الله فيأتيه الوحي و هو طاهر القلب من التقييد باله محصور في إحاطة عقله و إن لم يكن نبيا و جاء رسول إلى أمة هو منها قبل ما جاءه به نبيه ذلك لسذاجة محله ثم عمل بإيمانه و اتقى ربه رزقه الله عند ذلك فرقانا في قلبه و ليس لغيره ذلك هكذا أجرى الله عادته في خلقه و إن سعد صاحب النظر العقلي فإنه لا يكون أبدا في مرتبة الساذج الذي لم يكن عنده علم بالله إلا من حيث إيمانه و تقواه و هذا هو وارث الأنبياء في هذه الصفة فهو معهم و في درجتهم هذه فاعلم ذلك وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً و أما علوم الملائكة و ما عدا النفوس الناطقة المدبرة لهذه الهياكل الإنسانية و الهياكل الإنسانية فكلهم علماء بالله بالفطرة لا عن تفكر و لا استدلال و لهذا تشهد الجلود من هذه النشأة و الأسماع و الأبصار و الأيدي و الأرجل و جميع الجوارح على مدبرها بما أمرها به من التعدي لحدود ربه و ما شهادتها إلا إخبار بما جرى فيها من أفعال الله لأنها لا تعرف تعدى الحدود و لا العصيان فيكون ذلك التعريف بتعيين هذه الأفعال شهادة على النفوس المصرفة لها في تلك الأفعال فإن كل ما سوى هذه النفوس المشهود عليها ما تعلم إلا التسبيح بحمد ربها لا غير ذلك لما تجده في فطرتها و ما في العلوم أصعب تصورا من هذا العلم لطهارة النفوس الناطقة بحكم الأصل و لطهارة الأجسام و قواها بما فطرت عليه ثم باجتماع النفس و الجسم حدث الإنسان و تعلق التكليف و ظهرت الطاعات و المخالفات فالنفوس الناطقة لا حظ لها في المخالفة لعينها و النفوس الحيوانية تجري بحكم طبعها في الأشياء ليس عليها تكليف و الجوارح ناطقة بحمد الله مسبحة له تعالى فمن المخالف و العاصي المتوجه عليه الذم و العقوبة فإن كان قد حدث بالمجموع للجمعية القائمة بالإنسان أمر آخر كما حدث له اسم الإنسان فهو المذموم بالمخالفة خاصة فإن الإنسان العاقل البالغ هو المكلف لا غير و من زالت عنه هذه الشروط من هذا النوع فليس بمكلف و لا مذموم على ترك أو فعل منهي عنه ثمالعلماء بالله انقسموا على أربعة أقسام لا خامس لها فمنهم من أخذ العلم بالله من الله من غير دليل ظاهر و لا شبهة باطنة و منهم من أخذه بدليل ظاهر و شبهة باطنة و هم أهل الأنوار و الطائفة الأولى هم أهل الالتذاذ بالعلوم و القسم الثالث هم الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ و لهم في علمهم بالله ميل إلى خلق الله ليروا ما قبل الخلق من صورة الحق لا شبهة لهم في علمهم بالله و لا بالخلق و هم أهل الأسرار و علم الغيوب و كنوز المعارف و العلوم و الثبات في حال الأمور المزلزلة أكبر العقول عما عقدت عليه و القسم الرابع هم أهل الجمع و الوجود و الإحاطة بحقيقة كل معلوم فلا يغيب عنهم وجه فيما علموه و لهم التصريف بذلك العلم في العالم حيث شاءوا و لهم الأمان فلا أثر لشبهة قادحة في علمهم و هم أيضا من أهل الأسرار و ما عدا هؤلاء العلماء فخلق من خلق الله يتصرفون فيما يصرفون مجبورون في اختيارهم من كان منهم من أهل الاختيار وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «الوصل الأحد و العشرون» من خزائن الجود و هذه خزانة إظهار خفي المنن التي لأهل الله في الورود و الصدور و وضع الآصار و الأغلال و الأعباء و الأثقال و لها رجال أي رجال و لهم مشاهد راحة عند حط الرحال و هم البيوت التي أذن الله أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ ... بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ و من هذه الخزانة يعلم إحاطة الرحمة بجميع الأعمال في الأحوال و الأقوال و الأفعال و ما ينبغي للعبد أن يكون عليه من التوجه إلى ربه و الإقبال و الفراغ إليه تعالى من جميع ما يشغل عنه من الأشغال فهي خزانة الكرم و معدن الهمم و قابلة أعذار الأمم و ناطقة بكل طريق هو العالم عليه بأنه هو الطريق الأقوم فأقول و الله الموفق للصواب مترجما عن هذه الخزانة بما كشفه لنا الجود الإلهي و الكرم اعلم أن كل موجود من العالم في مقامه الذي فطره الله عليه لا يرتقى عنه و لا ينزل قد أمن من التبديل و التحويل سُنَّتَ الله الَّتِي قَدْ خَلَتْ في عِبادِهِ ... فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلًا وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلًا فيئس من الزيادة التي طلبها من لا علم له بما أشرنا إليه و صار الأمر مثل الأجل المسمى بالإنسان فإنه في ترق دائم أبدا شقيه و سعيدة فأما السعيد فمعلوم عند جميع الطوائف و أما ارتقاء الشقي في العلم بالله فلا يعرفه إلا أهل الله و الشقي لا يعرف أنه كان في ترق في أسباب شقائه حتى تعمه الرحمة و يحكم فيه الكرم الإلهي و يفتح له الفتح في المال فيعرف عند ذلك ما ترقي فيه من العلم بالله في تلك المخالفات التي شقي بها فيحمد الله عليها و قد أعطى الله منها أنموذجا في الدنيا فيمن تاب و آمن و عمل صالحا فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ و معنى ذلك أنه كان يريه عين ما كان يراه سيئة حسنة و قد كان حسنها غائبا عنه بحكم الشرع فلما وصل إلى موضع ارتفاع الأحكام و هو الدار الآخرة رأى عند كشف الغطاء حسن ما في الأعمال كلها لأنه ينكشف له أن العامل هو الله لا غيره فهي أعماله تعالى و أعماله كلها كاملة الحسن لا نقص فيها و لا قبح فإن السوء و القبح الذي كان ينسب إليها إنما كان ذلك بمخالفة حكم الله لا أعيانها فكل من كشف الغطاء عن بصيرته و بصره متى كان رأى ما ذكرناه و يختلف زمان الكشف فمن الناس من يرى ذلك في الدنيا و هم الذين يقولون أفعال الله كلها حسنة و لا فاعل إلا الله و ليس للعبد فعل إلا الكسب المضاف إليه و هو عبارة عما له في ذلك العمل من الاختيار و أما القدرة الحادثة فلا أثر لها عندهم في شيء فإنها لا تتعدى محلها و أما العارفون من أهل الله فلا يرون أن ثم قدرة حادثة أصلا يكون عنها فعل في شيء و إنما وقع التكليف و الخطاب من اسم إلهي على اسم إلهي في محل عبد كياني فسمى العبد مكلفا و ذلك الخطاب تكليفا و أما الذين يقولون إن الأفعال الصادرة من الخلق هي خلق لهم كالمعتزلة فعند كشف الغطاء يتبين لهم ما هو الأمر عليه فأما لهم و إما عليهم و منهم من يكون له الكشف عند الموت و في القيامة عند كشف الساق و التفاف الساق بالساق و بعد نفوذ الحكم بالعقاب فينكشف لهم نسبة تلك الأعمال إلى الله فللإنسان وحده ورود على الله و صدور عن الله هو عين وروده على الله من طريق آخر غير الورود الأول فهو بين إقبال على الله للاستفادة و صدور عن الله بالإفادة و هذا الصدور هو عين الإقبال على الله لاستفادة أخرى و أكثر ما يكون الفتح في الصدور عن الله من حيث ما هو عين إقبال على الله فهو ممن يرى الحق في الخلق فمن ثقل عليه من أهل الله رؤية الحق في الخلق لما فيه من بعد المناسبة التي بين الواجب الوجود بالذات و بين الواجب الوجود بالغير فإذا كان ذوق هذا العبد هذا الشهود أراه الحق عين ما ثقل عليهليس إلا الله وحده وجودا و يسمى خلقا لحكم الممكن في تلك العين فإذا علم العبد ما هي العين الموجودة و ما هو الحكم و إنه عن عين معدومة لم يبال و زال ما كان يجده من ثقل الكون الذي من أجله سمي الجن و الإنس بالثقلين و هو اسم لكل موجود طبيعي و زال عنه ما كان يحس به من الألم النفسي و الحسي و رفعه الله عند هذا مَكاناً عَلِيًّا و هو نصيبه من مقام إدريس ع فارتفعت مكانته و زالت زمانته و حمد مسراه و علم ما أعطاه سراة فتميزت المراتب و اتحدت المذاهب و تبحرت الجداول و المذانب و استوى القادر و غير القادر و الكاسب فأعظم الإقبال و أعلاه من يكون إقباله على الله عين نفسه الخارج و صدوره عن الله و هو عين إقباله عين نفسه الداخل فهو مقبل على الله من كونه محيطا بالنفس الخارج و مقبل على الله في صدوره بنفسه الداخل من كون الحق وسعه قلبه فيكون مستفيدا في كل نفس بين اسم إلهي ظاهر و بين اسم إلهي باطن فالنفس الخارج إلى الحق المحيط الظاهر ليريه عين الحق في الآيات في الآفاق و النفس الداخل إلى الحق الباطن ليريه عين الحق في نفسه فلا يشهد ظاهرا و لا باطنا إلا حقا فلا يبقى له في ذاته اعتراض في فعل من الأفعال إلا بلسان حق لإقامة أدب فالمتكلم و المكلم عين واحدة في صورتين بإضافتين ثم لتعلم يا ولي أن الله لما خلق العالم و ملأ به الخلأ لم يبق في العالم جوهر يزيد و لا ينقص فهو بالجوهر واحد غير إن هذا الجوهر الذي قد ملأ الخلأ لا يزال الحق تعالى فيه خلاقا على الدوام بما يفتح فيه من الإشكال و يلطف فيه من الكثائف و يكثف فيه من اللطائف و يظهر فيه من الصور و يحدث فيه من الأعراض من أكوان و ألوان و يميز كل صورة فيه من الكثائف بما يوجده فيها من الصفات و على الصورة التي تفتح فيه تقع الحدود الذاتية و الرسمية و فيه تظهر أحكام النسب و الإضافات فما أحدث الله بعد ذلك جوهرا لكن يحدث فيه فإذا علمت هذا فاعلم من تقع عليه العين و ما هي عليه العين و ما تسمعه الأذن و ما هي الأذن و ما يصوت به اللسان و ما هو الصوت و ما نلمسه الجوارح و ما هي الجارحة و ما يذوق طعمه الحنك و ما هو الحنك و ما يشمه الأنف و ما هو الأنف و ما يدركه العقل و ما هو العقل و ما هو السمع و البصر و الشم و الطعم و اللمس و الحس و ما هو المتخيل و المتخيل و الخيال و ما هو التفكر و المتفكر و الفكر و المتفكر فيه و ما هو المصور و المصور و الصورة و الذاكر و الذكر و المذكور و الوهم و المتوهم و التوهم و المتوهم فيه و الحافظ و الحفظ و المحفوظ و ما هو المعقول فما يحصل لك إلا علم بأعراض و نسب و إضافات في عين واحدة هي الواحدة و الكثيرة و عليها تنطلق الأسماء كلها بحسب ما أحدث الله فيها مما ذكرناه و هي بالذات عين هذا الجوهر الذي ملأ الخلأ و قابل لكل ما ذكرناه و فيه يظهر الجوهر الصوري و العرض و الزمان و المكان و هذه أمهات الوجود ليس غيرها و ما زاد عليها فإنه مركب منها من فاعل و منفعل و إضافة و وضع و عدد و الكيف و من هنا يعرف هل تقوم المعاني بالمعاني أو الجوهر القابل للمعنى الذي يظن أن المعنى الآخر قائم به إنما هو قائم بالجوهر الذي قام به المعنى الموصوف مثل إشراق السواد فتقول سواد مشرق أو علم حسن أو خلق كريم أو حمرة في بياض مشربة به فإذا علمت هذا علمت من أنت و ما هو الحق الذي جاد عليك بما ذكرناه كله و أشباهه و علمت أنه لا يمكن أن يماثله شيء من خلقه مع معقولية المناسبة التي ربطت وجودك بوجوده و عينك بعينه كما ربط وجود علمك به بعلمك بك في قوله من عرف نفسه فقد عرف ربهفإن أعرف الخلق بالخلق أعرفهم بالله و علمت أحدية الواحد من أحدية الكثرة و انحصار الوجود قديمه و حديثه فيما ذا ينحصر و تمييز القديم من المحدث بما ذا يتميز و ما ينسب إلى القديم الأزلي من الأسماء و الأحكام و ما ينسب إلى المخلوق المحدث من الأسماء و الأحكام و لما ذا يرجع عين العالم و ما يشهد من الحق إذا تجلى لك و رأيته و لما ذا يرجع اختلاف التجلي و تغايره هل لتغاير إدراكك في عين واحدة تختلف رؤيتك فيه و هو غير متنوع في نفسه أو ذلك التنوع في التجلي راجع إلى النسبة لا إليك و لا إليه فأما إليه فمحال عند أهل الله و ما بقي إلا لأحد أمرين أو لهما إما إليك أو إلى أمر آخر ما هو هو و لا هو أنت و هكذا تشهده فما كل من رأى عرف ما رأى و ما حار أهل الحيرة سدى فإن الأمر عظيم و الخطب جسيم و المشهد عام و الوجود طام و الكمال حاصل و العلم فاصل و الحكم نازل و التجدد مع الأنفاس في الأكوان معقول و ما يقال على الحقمنقول بين معقول و غير معقول و ليس يدرك هذه الأغوار إلا أهل الأسرار و الأنوار و أولو البصائر و الأبصار فمن انفرد بسر بلا نور أو بنور بلا سر أو ببصيرة دون بصر أو ببصر دون بصيرة أو بظاهر دون باطن أو بباطن دون ظاهر كان لما انفرد به و لم يحصل على كمال و إن اتصف به و إن كان تاما فيما هو عليه و لكن الكمال هو المطلوب لا التمام فإن التمام في الخلق و الكمال فيما يستفيده التام و يفيده و متى لم تحصل له هذه الدرجة مع تمامه فإن الله أعطى كل شيء خلقه فقد تم ثم هدى لاكتساب الكمال فمن اهتدى فقد كمل و من وقف مع تمامه فقد حرم رزقنا الله و إياكم الفوز و الوصول إلى مقام العجز إنه الولي المحسان «الوصل الثاني و العشرون» من خزائن الجود و هذه خزانة الفترات فتوهم انقطاع الأمور و ما هي الأمور منقطعة و ما يصح أن تنقطع لأن الله لا يزال العالم محفوظا به فلا يزل حافظا له فلو انقطع الحفظ لزال العالم فإن الله ما هو غني عن العالم إلا لظهوره بنفسه للعالم فاستغنى إن يعرف بالعالم فلا يدل عليه الغير بل هو الدليل على نفسه بظهوره لخلقه فمنهم من عرفه و ميزه من خلقه و منهم من جعله عين خلقه و منهم من حار فيه فلم يدر أ هو عين خلقه أم هو متميز عنه و منهم من علم أنه متميز عن الخلق و الخلق متميز عنه و لكن لا يدري بما ذا تميز خلق عن حق و لا حق عن خلق و لهذا حار أبو يزيد فإنه علم إن ثم في الجملة تمييزا و ما عرف ما هو حتى قال له الحق التمييز في الذلة و الافتقار فحينئذ سكن و ما قال له النصف الآخر من التمييز و هو الغني الإلهي عن العالم فإن قلت الذلة و الافتقار يغني قلنا في الشاهد لا يغني لما نشاهده من الذلة لذليل و من الافتقار لفقير فإن الله قد جعل العالم على مراتب و درجات مفتقرا بعضه إلى بعض و رفع بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا فجعل العالم فاضلا مفضولا و لما كان الأمر الحق فيما نبه الله عليه أبا يزيد نبهنا بذلك على علم قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ أي المثنى عليه بكل ما يفتقر إليه فالعالم كله أسماؤه الحسنى و صفاته العليا فلا يزال الحق متجليا ظاهرا على الدوام لأبصار عباده في صور مختلفة عند افتقار كل إنسان إلى كل صورة منها فإذا استغنى من استغنى عن تلك الصورة فهي عند ذلك المستغني خلق فإذا عاد افتقاره إليها فهي حق و اسمها هو اسم الحق و في الظاهر لها فيتخيل المحجوب أنه افتقر إليها و ذل من أجل حاجته إليها و ما افتقر و ذل إلا لله الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فالناس في واد و العلماء بالله في واد و أما التفاضل الظاهر في العالم فمجهول عند بعض الناس و معلوم عند بعضهم و منهم المخطئ فيه و المصيب و ذلك أن العالم قسمه الله في الوجود بين غيب و شهادة و ظاهر و باطن و أول و آخر فجعل الباطن و الآخر و الغيب نمطا واحدا و جعل الأول و الظاهر و الشهادة نمطا آخر فمن الناس من فضل النمط الذي فيه الأولية و من الناس من فضل النمط الذي فيه الآخرية و من الناس من سوى مطلقا و من الناس من قيد و هم أهل الله خاصة فقالوا النمط الذي فيه الآخرية في حق السعداء خير و في حق الأشقياء ما هو خير و إن أهل الله تعلقهم بالمستقبل أولى من تعلقهم بالماضي فإن الماضي و الحال قد حصلا و المستقبل آت فلا بد منه فتعلق الهمة به أولى فإنه إذا ورد عن همة متعلقة به كان لها لا عليها و إذا ورد عن غير همة متعلقة به كان إما لها و إما عليها و إنما أثر فيه تعلق الهمة أن يكون لها لا عليها لما يتعلق من صاحب الهمة من حسن الظن بالآتي و الهمم مؤثرة فلو كان إتيانه عليه لا له لعاد بالهمة له لا عليه و هذه فائدة من حافظ عليها حاز كل نعيم فإذا ورد الآتي على ذي همة متعلقة بإتيانه بادر إلى الكرامة به و التأدب معه على بصيرة و سكون و حسن تأن في ذلك بخلاف من يفجأه الآتي فيدهش و يحار في كيفية تلقيه و معاملته و هو سريع الزوال فربما فارق الحال و مضى و ما قام صاحب الدهش بحقه و بما يجب عليه من الأدب معه بخلاف المستعد غير إن المستعد للآتي لا بد إن كان كاملا إن يحفظ الماضي فإنه إن لم يحفظه فاته خيره و قد جعل الله في العبد من خزائن الجود خزانة الحفظ فيكون عليه جعله في تلك الخزانة فهو صاحب حال في الحال و في الماضي فما يبقى له إلا الآتي مع الأنفاس فلا تزال القوة الحافظة على باب خزانة الحفظ تمنع إن يخرج منها ما اختزنته فيها و تأخذ ما فارق الحال فتخزنه فيها و لهذه القوة الحافظة سادنان الواحد الذكر و قد وكلته بحفظ المعاني المجردة عن المواد و السادن الآخر الخيال و قد وكلته بحفظ المثلفي تلك الخزانة و بقيت هي مشتغلة بقبول ما يأتي إليها عند مفارقة زمان الحال و حكم الزمان الماضي على هذا الآتي فتأخذه فتلقيه في الخزانة خزانة الحفظ و إنما سميت خزانة الحفظ لأنها تحفظ على الآتي زمان الحال و هو الدائم فلا يحكم عليه الزمان الماضي بخلاف من ليس له هذا الاستعداد و لا هذا التهيؤ فإن الماضي يأخذه فينساه العبد فلا يدري أين ذهب و هو الذي يستولي عليه سلطان الغفلة و السهو و النسيان فيكون الحق يحفظه له أو عليه و العبد لا يشعر لهذا الحفظ الإلهي بل أكثر العبيد لا كلهم و هو قوله فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَ من يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ و قال تعالى أيضا في كتابه لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً فالعبد الكامل رب الحفظ يحضر و الغافل الذي لا حفظ له يحضر له فبين الرجلين بون بعيد فالحكم العام إنما هو لزمان الحال و هو الدائم يحضر المستقبل قبل إتيانه و يمسك ما أتى به الماضي فإن الزمان صورة روحها ما يأتي به لا غير فزمان الحال حي بحياة كل زمان لأنه الحافظ و الضابط لكل ما أتى به كل زمان و لما كانت الأزمنة ثلاثة كانت الأحوال ثلاثة حال اللين و العطف فإنه يأتي باللين ما يأتي بالقهر و الفظاظة و لا يأتي بالقهر ما يأتي باللين فإن القهر لا يأتي بالرحمة و المودة في قلب المقهور و باللين ينقضي المطلوب و تأتي بالمودة فتلقيها في قلب من استملته باللين و صاحب اللين لا يقاوم فإنه لا يقاوم لما يعطيه اللين من الحكم و الحال الثاني حال هداية الحائر فإن الحائر إذا سأل يسأل إما بحاله و إما بقوله فإن العالم بما حار فيه يجب عليه إن يبين له ما حار فيه فإن كان المسئول فيه مما تكون حقيقة الحيرة فيه أبان له هذا العالم أن العلم به أنه يحار فيه فأزال عنه الحيرة في الحيرة و إن كانت من العلوم التي إذا بينت زالت الحيرة فيه و بان بيان الصبح لذي عينين أبانه له فعلمه فأزال عنه الحيرة و لا يرده و لا يقول له ليس هذا عشك فأدرج و لا سألت ما لا يعطيه مقامك فإن الإنسان إذا قال مثل هذا القول لمن سأله عن علم ما فليس بعالم و هو جاهل بالمسألة و بالوجه الذي ينبغي من هذه المسألة أن يقابل به هذا السائل و العلم و سوء الخلق لا يجتمعان في موفق فكل عالم فهو واسع المغفرة و الرحمة و سوء الخلق إنما هو من الضيق و الحرج و ذلك لجهله فلا يعلم قدر العلم إلا العلماء بالله فله السعة التي لا نهاية لها مددا و مدة و لقد شفعت عند ملك في حق شخص أذنب له ذنبا اقتضى ذلك الذنب في نفس ما يطلبه الملك أن يقتل صاحبه فإن الملك يعفو عن كل شيء إلا عن ثلاثة أشياء فإنه لا يعفو عنها إذ لا عفو فيها و ما يتفاضل الملوك فيها إلا في صورة العقوبة و الثلاثة الأشياء التي لا عفو فيها عند الملوك التعرض للحرم و إفشاء سره و القدح في الملك و كان هذا الشخص قد جاء لهذا الملك بما يقدح في الملك فعزم على قتله فلما بلغتني قصته تعرضت عند الملك للشفاعة فيه إن لا يقتله فتغير وجه الملك و قال هو ذنب لا يغفر فلا بد من قتله فتبسمت و قلت له أيها الملك و الله لو علمت إن في ملكك ذنبا يقاوم عفوك و يغالبه ما شفعت عندك و لا اعتقدت فيك إنك ملك و الله إني من عامة المسلمين و الله ما أرى في العالم كله ذنبا يقاوم عفوي فتحير من قولي و وقع لي بالعفو عن ذلك الشخص فقلت له فاجعل عقوبته إنزاله عن الرتبة التي أوجبت له عندك إن تطلعه على أسرارك حتى ركب مركبا يقدح في الملك فإني كما كنت له في دفع القتل عنه إنا أيضا للملك معين فيما يدفع عن القدح في ملكه ففرح الملك بذلك و سر و قال لي جزاك الله خيرا عني ثم صعد من عندي إلى قلعته و أخرج ذلك المحبوس و بعث به إلي حتى رأيته فوصيته بما ينبغي و تعجبت من عقل الملك و تأدبه و شكرته على صنيعه و الحال الثالث إظهار المنعم عليه نعمة المنعم عليه فإن إظهارها عين الشكر و حقه و بمثل هذا يكون المزيد كما يكون بالكفران لها زوال النعم و الكفران سترها فإن الكفر معناه الستر قال تعالى وَ ضَرَبَ الله مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً من كُلِّ مَكانٍ و هذا غاية النعم من المنعم فَكَفَرَتْ يعني الجماعة التي أنعم عليها المنعم بهذه النعم بِأَنْعُمِ الله فَأَذاقَهَا الله لِباسَ الْجُوعِ بإزالة الرزق وَ الْخَوْفِ بإزالة الأمن بِما كانُوا يَصْنَعُونَ من ستر النعم و جحدها و الأشر و البطر بها و قال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ و قال وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ هذا مع غناه عن العالمين فكيف بالفقير المحتاج إذا أنعم على مثله من نعمة الله التي أعطاه إياه و امتن عليه بها فهو أحوج إلى الشكر و أفرح به من الغني المطلق الغني عن العالمين و هذه خزانة شريفة العلم بها شريف و مقامها مقام منيف «الوصل الثالث و العشرون» من خزائن الجود و هذه خزانة الاعتدال و إعطاء كل ذي حق حقه فهي خزانة العدل لا خزانة الفضل من هذه الخزانة يقيم الله العدل في العالم بين عباده و هي خزانة ينقطع حكمها و يغلق بابها و إن خزانة الفصل تنعطف عليها و إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ لما فيه من الفضل لمن أخذ له بالحق وَ الْإِحْسانِ معطوف على العدل في الأمر به فيكون من ظهر فيه سلطان العدل و أخذ بجريمته أن يعطف عليه بالإحسان فينقضي أمر المؤاخذة و لا ينقضي أمد الإنعام و الإحسان و قد يكون الإحسان ابتداء و جزاء للإحسان الكوني كما جاء في قوله تعالى هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ و قوله سبحانه لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى جزاء و زيادة الإحسان بعد العدل و الإحسان قبل المؤاخذة وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ و لم يجاز بالسيئة على السيئة فهو أولى فَأَجْرُهُ عَلَى الله أي هذه صفة الحق فيمن عفي عنه فيما هو حق له معرى عن حق الغير فإقامة العدل إنما هو في حق الغير لا فيما يختص بالجناب الإلهي فما كان الله ليأمر بمكارم خلق و لا يكون الجناب الإلهي موصوفا به و لهذا جعل أجر العافين عن الناس على الله و هذه الخزانة أرسلت حجب الأسرار دون أعين الناس و هو ما أخفى الحق عنهم من الغيوب و هو قوله تعالى عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا من ارْتَضى من رَسُولٍ فإنه لا يحيط من علم غيب الله إلا بما شاء الله كما رفعت الستور و انكشفت الأنوار فأدركت البصائر بها كل معقول و أدركت الأبصار بها كل مبصر فأحاط العقل بهذه الأنوار كلما يمكن أن يدرك عقلا و أحاط البصر بهذه الأنوار كلما يمكن أن يدرك حسا و هذا لخصوص عباده المصطفين الأخيار فلهم الكشف الدائم للخلق الجديد فلا يتناهى كشفهم كما لا يتناهى الخلق الجديد في العالم ثم إن هذه الخزانة تعطي في العلم الإلهي علم الفاعل و الفعل و المفعول و المفعول فيه و المفعول به و المفعول معه فيقف على التكوين الإلهي و التكوين الكياني فيعلم إن لكل فاعل طريقا يخصه في نسبة الفعل إليه فأما أهل الكرم و الجود على الغير فإن الله يمكنه من أسباب الخير و يهون عليه الشدائد و يرفع عنه الأمور المحرجة و يخرجه من الظلمات إلى النور و من الضيق إلى السعة و من الغي إلى الرشد و أما من نظر في الحقائق و رأى نفسه أحق بنظره إليها من نظره إلى غيره و إن نظره إلى غيره إنما جعله الله ليعود بما فيه من الخير على نفسه فغفل عن كل شيء سواه فشغل نفسه بنفسه و صرف همته إلى عينه و أعطاها من كل شيء أعطاه الحق حقها فاستغنى بربه و كشف له عن ذاته و رأى جميع العالم في حضرته و رأى الرقائق بينه و بين كل جزء من العالم فعمد يحسن إلى العالم من نفسه على تلك الرقيقة التي بين ما يناسب من العالم و بين المناسب له فيوصل الإحسان لكل ما في العالم بهمته من الغيب كما يوصله الحق من الأسباب فيجهله العالم لأنه لا يشهده في الإحسان كما يجهل الحق بالأسباب فيقول لو لا كذا ما كان كذا و نسي الحق في جنب السبب فلا بد أن ينسى هذا العبد الكامل و كما أن لله عبادا و إن وقفوا مع الأسباب يقولون هذا من عند الله ليس للسبب فيه حكم كذلك لله عباد يقولون هذا ببركة فلان و همته و لو لا همته ما جرى كذا و ما دفع الله عنا كذا و منهم من يقول ذلك عقدا و إيمانا و منهم من يقول ذلك عن غلبة ظن فهذا عبد قد أقامه الحق في قلوب عباده مقامه في الحالين فالناس ينطقون بذلك و لا يعرفون أصله و قد ورد في الحديث الصحيح أن رسول الله ص قال لأصحابه من الأنصار في واقعة وقعت في فتح مكة في غزوة حنين فقال لهم أ لم تكونوا ضلالا فهداكم الله بي فذكر نفسه و وجدتكم عَلى شَفا حُفْرَةٍ من النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ الله بي و هذا معنى قول الناس هذا ببركة فلان و هذا بهمة فلان و قولهم اجعلني في خاطرك و في همتك و لا تنساني و أشباه هذا فمن أعرض عن هذه المشاهد و لم يفرق بين المشهود و الشاهد فذلك الحائر الخاسر كما أن الآخر هو الرابح في تجارته المقسط بصفقته و الرابحون انقسموا إلى قسمين إلى عاملين على الجزاء و إلى عاملين على الوفاء فالعاملون على الجزاء لهم نعوت تخصهم و العاملون على الوفاء على قسمين عمال لا عمال و عمال عمال و العمال العمال على قسمين عمال بحق و عمال بأنفسهم و كلاهما قائل بالجزاء و العمال لا عمال يرون الجزاء للعمل لا للعامل و العمل لا يقبل نعيم الجزاء فيعود عليهم جزاء العمل و أما جزاء العامل فهم يرون العامل هو الله و ليس بمحل للجزاء لأن الجزاء على قدر العامل فيحصلون على الجزاء الإلهي و هو القصور عن الوفاء بما يستحقه العامل فهو جزاء لما قام بالعلماء بالله في الثناء عليه بمحامده و هوقول النبي ص لا أحصي ثناء عليك أنت كما ثنيت على نفسك و لكن عند من عند نفسك أو عند خلقك فانظر فيما نبهتك عليه فإنه ينفعك إن قبلت مقالتي و أصغيت إلى نصيحتي و هذا وصل الكلام فيه يطول جدا فإنه يحوي على أسرار و أنوار و مزج و اختلاط و تخليص و تمييز و ما يردي و ما ينجي و يكتفى بهذا القدر من هذا الباب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ