قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب السبعون و ثلاثمائة في معرفة منزل المزيد و سر و سرين من أسرار ال

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن الزيادة في الأعمال صورتهامثل الزيادة في الإنعام يا رجل
و ليس يعرفها إلا رجال حجىو ليس يحصرها عد و لا أجل
لله في طيها مكر لذي نظرمحقق و لنا في مكره أمل
فإنه صادر من سر حضرتهو ليس يعصم إلا العلم و العمل
إن الفروع لها أصل يبينهاللناظرين به قد جاءنا المثل

اعلم أن الحكمة في الأشياء كلها و الأمور أجمعها إنما هو للمراتب لا للاعيان و أعظم المراتب الألوهية و أنزل المراتب العبودية فما ثم إلا مرتبتان فما ثم إلا رب و عبد لكن للالوهة أحكام كل حكم منها يقتضي رتبة فأما يقوم ذلك الحكم بالإله فيكون هو الذي حكم على نفسه و هو حكم المرتبة في المعنى و لا يحكم بذلك الحكم إلا صاحب المرتبة لأن المرتبة ليست وجود عين و إنما هي أمر معقول و نسبة معلومة محكوم بها و لها الأحكام و هذا من أعجب الأمور تأثير المعدوم و أما أن يقوم ذلك الحكم بغيره في الموجود إما أمرا وجوديا و إما نسبة فلا تؤثر إلا المراتب و كذلك للعبودة أحكام كل حكم منها رتبة فأما يقوم ذلك الحكم بنفس العبد فما حكم عليه سوى نفسه فكأنه نائب عن المرتبة التي أوجبت له هذا الحكم أو يحكم على مثله أو على غيره و ما ثم إلا مثل أو غير في حق العبد و أما في الإله فما ثم إلا غير لا مثل فإنه لا مثل له فأما الأحكام التي تعود عليه من أحكام الرتبة وجوب وجوده لذاته و الحكم بغنائه عن العالم و إيجابه على نفسه بنصر المؤمنين بالرحمة و نعوت الجلال كلها التي تقتضي التنزيه و نفي المماثلة و أما الأحكام التي تقتضي بذاتها طلب الغير فمثل نعوت الخلق كلها و هي نعوت الكرم و الإفضال و الجود و الإيجاد فلا بد فيمن و على من فلا بد من الغير و ليس إلا العبد و ما منها أثر يطلب العبد إلا و لا بد أن يكون له أصل في الإله أوجبته المرتبة لا بد من ذلك و يختص تعالى بأحكام من هذه المرتبة لا تطلب الخلق كما قررنا و مرتبة العبد تطلب من كونه عبدا أحكاما لا تقوم إلا بالعبد من كونه عبدا خاصا فهي عامة في كل عبد لذاته ثم لها أحكام تطلب تلك الأحكام وجود الأمثال و وجود الحق فمنها إذا كان العبد نائبا و خليفة عن الحق أو خليفة عن عبد مثله فلا بد أن يخلع عليه من استخلفه من صفاته ما تطلبه مرتبة الخلافة لأنه إن لم يظهر بصورة من استخلفه و إلا فلا يتمشى له حكم في أمثاله و ليس ظهوره بصورة من استخلفه سوى ما تعطيه مرتبة السيادة فأعطته رتبة العبودة و رتبة الخلافة أحكاما لا يمكن أن يصرفها إلا في سيده و الذي استخلفه كما أن له أحكاما لا يصرفها إلا فيمن استخلف عليه و الخلافة صغرى و كبرى فأكبرها التي لا أكبر منها الإمامة الكبرى على العالم و أصغرها خلافته على نفسه و ما بينهما ينطلق عليها صغرى بالنسبة إلى ما فوقها و هي بعينها كبرى بالنظر إلى ما تحتها فأما تأثير رتبة العبد في سيده فهو قيام السيد بمصالح عبده ليبقى عليه حكم السيادة و من لم يقم بمصالح عبده فقد عزلته المرتبة فإن المراتب لها حكم التولية و العزل بالذات لا بالجعل كانت لمن كانت و أما التأثير الذي يكون للعبد من كونه خليفة فيمن استخلفه كان المستخلف ما كان إن يبقى له عين من استخلفه عليه لينفذ حكمه فيه و إن لم يكن كذلك فليس بخليفة و لا يصدق إذا لم يكن ثم على من و لا فيمن لأن الخليفة لا بد له من مكان يكون فيه حتى يقصد بالحاجات أ لا ترى من لا يقبل المكان كيف اقتضت المرتبة له أن يخلق سماء جعله عرشا ثم ذكر أنه استوى عليه حتى يقصد بالدعاء و طلب الحوائج و لا يبقى العبد حائرا لا يدري أين يتوجه لأن العبد خلقه الله ذا جهة فنسب الحق الفوقية لنفسه من سماء و عرش و إحاطة بالجهات كلها بقوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و بقوله ينزل ربنا إلى السماء الدنيا فيقول هل من تائب هل من داع هل من مستغفرويقول عنه رسولهإن الله في قبلة المصليهذا كله حكم المراتب إن عقلت فلو زالت المراتب من العالم لم يكن للاعيان وجود أصلا فافهم فإذا أراد الأعلى أن يعرفه الأدنى لأن الأدنى لا قدم له في العلو و الأعلى له الإحاطة بالأدنى فلا بد أن يتعرف الأعلى إلى الأدنى و لا يمكن ذلك إلا بأن يتنزل إليه الأعلى لأن الأدنى لا يمكن أن يترقى إليه لأنه تنعدم عينه إذ لا قدم له في العلو فالأدنى أبدا لا يزال في رتبته ثابتا و الأعلى له النزول و له الثبوت في رتبته و من ثبوته في رتبته حكم على نفسه بالنزول فهو ثابت في مرتبته العالية في عين نزوله لأن النزول من أحكامها و كذلك فعل الله تعالى في سفرائه الذين هم رسله إلى خلقه من خلقه فما أرسل رسولا إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فإذا أرسله عامة كانت العامة قومه فأعطاه جوامع الكلم و هو فصل الخطاب و ما كمل إلا آدم بالأسماء و كمال محمد ص بجوامع الكلم فنزل إليهم برسالة ربهم بلسانهم و لحنهم فما دعاهم إلا بهم ثم إنه ما شرع لهم من الأحكام إلا ما كانوا عليه فما زادهم في ذلك إلا كونها من عند الله فيحكمون بها على طريق القربة إلى الله لتورثهم السعادة عند الله و إنما قلنا ما شرع لهم من الأحكام إلا ما كانوا عليه لأنه لم تخل أمة من الأمم على ناموس تكون عليه لمصالح أحوالها و ليست إلا خمسة فلا بد من واجب أوجبه إمامهم و واضع ناموسهم عليهم و هو الواجب و الفرض عندنا و كذلك المندوب و المحظور و المكروه و المباح لأنه لا بد لهم من حدود في الأحكام يقفون عندها عليها و ما جاءهم الشرع من عند الله إلا بهذا الذي كانوا عليه من حكم نظرهم فيما يزعمون و هو في نفس الأمر من جعل الله ذلك في نفوسهم من حيث لا يشعرون و لذلك كان لهم بذلك أجر من الله من حيث لا يعلمون لكن إذا انقلبوا إليه وجدوا ذلك عنده فلما رأينا أنه ما أرسل رسولا إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ علمنا أنه ما تعرف إلينا حين أراد منا أن نعرفه إلا بما نحن عليه لا بما تقتضيه ذاته و إن كان تعرفه إلينا بنا مما تقتضيه ذاته و لكن يختلف اقتضاء ذاته بين ما يتميز به عنا و بين ما يتعرف به إلينا و لما كان الخلق على مراتب كثيرة و كان أكمل مرتبة فيه الإنسان كان كل صنف من العالم جزءا بالنظر إلى كمال الإنسان حتى الإنسان الحيوان جزء من الإنسان الكامل فكل معرفة لجزء من العالم بالله معرفة جزئية إلا الإنسان فإن معرفته بالله معرفة العالم كله بالله فعلمه بالله علم كلي لا علم كل إذ لو كان علما كلا لم يؤمر أن يقول رَبِّ زِدْنِي عِلْماً أ ترى ذلك علما بغير الله لا و الله بل بالله فخلق الإنسان الكامل على صورته و مكنه بالصورة من إطلاق جميع أسمائه عليه فردا فردا و بعضا بعضا لا ينطلق عليه مجموع الأسماء معا في الكلمة الواحدة ليتميز الرب من العبد الكامل فما من اسم من الأسماء الحسنى و كل أسماء الله حسني إلا و للعبد الكامل أن يدعي بها كما له أن يدعو سيده بها و من هذه الأسماء الإلهية ما يدعوه الحق تعالى بها على طريق الثناء على العبد بها و هي أسماء الرحمة و اللطف و الحنان و منها ما يدعوه بها على طريق المذمة مثل قوله تعالى ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ و كذلك كان في قومه يدعى بهذا الاسم و دعاه الحق به هنا سخرية به على جهة الذم قال تعالى فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ فلما أوجد الكامل منا على الصورة عرفه الكامل من نفسه بما أعطاه من الكمال و كان العبد الكامل حقا كله و فنى عن عينه في نفسه لأنه قابلة بذاته و قد جعل الله له مثالا في باب المحبة فعشق إليه ما عشق من العالم من أي شيء كان من فرس أو دار أو دينار أو درهم فما قابلة به إلا بالجزء المناسب ففني منه ذلك الجزء المناسب لعشقه في ذلك و بقي سائره صاحيا لا حكم له فيه إلا إذا عشق شخصا مثله من جارية أو غلام فإنه يقابله بذاته كلها و بجميع أجزائه فإذا شاهده فنى فيه بكله لا بجزء منه فيغشى عليه و ذلك لكونه قابلة بكله كذلك العبد إذا رأى الحق أو تخيله فنى فيه عند مشاهدته لأنه على صورته فيقابله بذاته فما بقي فيه جزء يصحو حتى يعقل به ما فنى منه فيه و هكذا كل جزء من العالم مع الحق إذا تجلى له خشع له و فنى فيه لأن كل ما هو عليه شيء من العالم هو صورة الحق لما أعطاه منه إذ لا يصح أن يكون شيء من العالم له وجود ليس هو صورة الحق فلا بد أن يفنى العالم في الحق إذا تجلى له و لا يفنى الحق في الخلق لأن الخلق من الحق ما هو الحق من الخلق فنسبة الحق إلى الخلق نسبة الإنسان إلى كل صنف من العالم ما عدا نوع الإنسان فتفطن لما ذكرته لك من فناء كل شيء من العالم عن نفسه عند تجليه سبحانه له و لا يفنى الحق بمشاهدة الخلق و قد جاء الشرع بتدكدك الجبل و صعق موسى ع عند التجلي الرباني فما عرفنا منالحق إلا ما نحن عليه و فينا الكامل و الأكمل فإن الله أعطى كل شيء خلقه فلما قرر الله هذه النعم على عبده و هداه السبيل إليها قال إِمَّا شاكِراً فيزيده منها لأنا قلنا إنه ما أعطاه إلا منه ما أعطاه مطلقا وَ إِمَّا كَفُوراً بنعمه فيسلبها عنه و يعذبه على ذلك فليحترز الإنسان لنفسه في أي طريق يمشي فما بعد بيان الله بيان و قال موسى ع لبني إسرائيل إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَ من في الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ينبه أن الله تعالى ما أوجد العالم إلا للعالم و ما تعبده بما تعبده به إلا ليعرفه بنفسه فإنه إذا عرف نفسه عرف ربه فيكون جزاؤه على علمه بربه أعظم الجزاء و لذلك قال إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و لا يعبدونه حتى يعرفوه فإذا عرفوه عبدوه عبادة ذاتية فإذا أمرهم عبدوه عبادة خاصة مع بقاء العبادة العامة الذاتية فجازاهم على ذلك فما خلقهم إلا لهم و لهذا قال تعالى عن نفسه إنه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و ما ذكر موسى الأرض إلا لكمالها بوجود كل شيء فيها و هو الإنسان الجامع حقائق العالم فقوله في الأرض لأنها الذلول فهي الحافظة مقام العبودة فكأنه قال إن تكفروا أنتم و كل عبد لله فإن الله غني عن العالمين و لذلك جعل الله الأرض محل الخلافة و منزلها فكأنه كنى أي إني جاعل في الأرض خليفة منهم لا يزول عن مقام عبوديته في نفسه أي لا يحجبه مرتبة الخلافة بالصفات التي أمره بها عن رتبته و لهذا جعلناه خليفة و لم نذكره بالإمامة لأن الخليفة يطلب بحكم هذا الاسم عليه من استخلفه فيعلم أنه مقهور محكوم عليه فما سماه إلا بما له فيه تذكرة لأنه مفطور على النسيان و السهو و الغفلة فيذكره اسم الخليفة لمن استخلفه فلو جعله إماما من غير أن يسميه خليفة مع الإمامة ربما اشتغل بإمامته عمن جعله إماما بخلاف خلافته لأن الإمامة ليست لها قوة التذكير في الخلافة فقال في الجماعة الكمل جَعَلَكُمْ خَلائِفَ في الْأَرْضِ فوقع هذا في مسموعهم فتصرفوا في العالم بحكم الخلافة و قال لإبراهيم ع بعد أن أسمعه خلافة آدم و من شاء الله من عباده إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً لما علم إن الخلافة قد أشربها فلا يبالي بعد ذلك أن يسميه بأي اسم شاء كما سمي يحيى بسيد و لما عرفه العارفون به تميزوا عمن عرفه بنظره فكان لهم الإطلاق و لغيرهم التقييد فيشهده العارفون به في كل شيء أو عين كل شيء و يشهده من عرفه بنظره منعزلا عنه ببعد اقتضاه له تنزيهه فجعل نفسه في جانب و الحق في جانب فيناديه من مكان بعيد و لما كانت الخلافة تطلب الظهور بصورة من استخلفه و الذي جعله خليفة عنه ذكر عن نفسه أنه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فلا بد أن يكون هذا الخليفة على صراط فنظر في الطرق فوجدها كثيرة منها صِراطِ الله و منها صِراطِ الْعَزِيزِ و منها صراط الرب و منها صراط محمد ص و منها صراط النعم و هو صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ و هو قوله لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً فاختار هذا الإمام المحمدي سبيل محمد ص و ترك سائر السبل مع تقريرها و إيمانه بها و لكن ما تعبد نفسه إلا بصراط محمد ص و لا تعبد رعاياه إلا به و رد جميع الأوصاف التي لكل صراط إليه لأن شريعته عامة فانتقل حكم الشرائع كلها إلى شرعه فشرعه يتضمنها و لا تتضمنه فمنها صِراطِ الله و هو الصراط العام الذي عليه تمشي جميع الأمور فيوصلها إلى الله فيدخل فيه كل شرع إلهي و موضوع عقلي فهو يوصل إلى الله فيعم الشقي و السعيد ثم إنه لا يخلو الماشي عليه إما أن يكون صاحب شهود إلهي أو محجوبا فإن كان صاحب شهود إلهي فإنه يشهد أنه مسلوك به فهو سالك بحكم الجبر و يرى أن السالك به هو ربه تعالى و ربه عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ كذا تلاه علينا سبحانه و تعالى إن هودا ع قاله و هو رسول من رسل الله فلهذا كان مآله إلى الرحمة و إذا أدركه في الطريق النصب فتلك أعراض عرضت له من الشئون التي الحق فيها كل يوم و ذلك قوله تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و لا يمكن أن يكون الأمر إلا هكذا و ما أحد أكشف للأمور و أشهد للحقائق و أعلم بالطرق إلى الله من الرسل عليهم الصلاة و السلام و مع هذا فما سلموا من الشئون الإلهية فعرضت لهم الأمور المؤلمة النفسية من رد الدعوة في وجهه و ما يسمعه في الحق تعالى مما نزه جلاله عنه و في الحق الذي جاء به من عند الله و كذلك الأمور المؤلمة المحسوسة من الأمراض و الجراحات و الضرب في هذه الدار و هذا أمر عام له و لغيره و قد تساوى في هذه الآلام السعيد و الشقي و كُلٌّ يَجْرِي فيه إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى عند الله فمنهم من يمتد أجله إلى حين موته و يحصل في الراحة الدائمة و الرحمة العامة الشاملة و هم الذين لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ و لا يخافون على أنفسهم و لا على أممهم لأنهم كانوا مجهولين في الدنيا و الآخرةو هم الذين تغبطهم الرسل في ذلك لما هم فيه من الراحة لأن الرسل ع يخافون يوم الفزع الأكبر على أممهم و أتباعهم لا على أنفسهم و منهم من يمتد أجله إلى دخول الجنة من العرض و منهم من يمتد أجله في الآلام إلى أن يشفع فيه بالخروج من النار إلى الجنة و منهم من يمتد أجله في الآلام إلى أن يخرجه الله بنفسه لا بشفاعة شافع و هم الموحدون بطريق النظر الذين ما آمنوا و لا كفروا و لا عملوا خير القول الشارع قط فإنهم لم يكونوا مؤمنين و لكنهم وحدوا الله جل جلاله و ماتوا على ذلك و من كان له علم بالله منهم و مات عليه جنى ثمرة علمه فإن قدحت له فيه شبهة حيرته أو صرفته عن اعتقاد ما كان يظن أنه علم و هو علم في نفس الأمر ثم بدا له ما حيره فيه أو صرفه عنه فعلم يوم القيامة أن ذلك حق في نفس الأمر و هو ممن أخرجه الله إلى الجنة من النار عاد عليه ثمرة ذلك العلم و نال درجته و منهم من يمتد أجله في الآلام ممن ليس بخارج من النار و هو من أهلها القاطنين فيها و مدته معلومة عندنا ثم تعمه رحمة الله و هو في جهنم فيجعل الله له فيها نعيما بحيث إنه يتألم بنظره إلى الجنة كما يتألم أهل الجنة بنظرهم إلى النار فهؤلاء إن كان لهم علم بوجود الله و قد دخلهم شبهة في توحيد الله أو في علم مما يتعلق بجناب الله حيرته أو صرفته إلى نقيض ما كان يعتقده فإنه يوم القيامة إذا تبين له أن ذلك كان علما في نفس الأمر لا ينفعه ذلك التبين كما لم ينفع الايمان في الدنيا عند رؤية البأس فذلك العلم هو الذي يخلع على المؤمن الذي لم يكن له علم بإله له من الموحدين المؤمنين و يؤخذ جهل ذلك المؤمن الموحد و يلقي على هذا الذي هو من أهل النار فيتنعم في النار بذلك الجهل كما كان يتنعم به المؤمن الجاهل في الدنيا و يتنعم المؤمن بذلك العلم الذي خلع عليه الذي كان لهذا العالم بوجود الله لا بتوحيده و إنه لما وحده قدحت له شبهة في توحيده و علمه بالله حيرته و صرفته و هذا آخر المدد لأصحاب الآلام في النار و بعد انقضاء هذا الأجل فنعيم بكل وجه أينما تولى و لا فرق بينه و بين عمار جهنم من الخزنة و الحيوانات فهي تلدغه لما للحية و العقرب في ذلك اللدغ من النعيم و الراحة و الملدوغ يجد لذلك اللدغ لذة و استرقادا في الأعضاء و خدرا في الجوارح يلتذ بذلك التذاذا هكذا دائما أبدا فإن الرحمة سبقت الغضب فما دام الحق منعوتا بالغضب فالآلام باقية على أهل جهنم الذين هم أهلها فإذا زال الغضب الإلهي كما قدمنا و امتلأ به النار ارتفعت الآلام و انتشر ذلك الغضب فيما في النار من الحيوانات المضرة فهي تقصد راحتها بما يكون منها في حق أهل النار و يجد أهل النار من اللذة ما تجده تلك الحية من الانتقام لله لأجل ذلك الغضب الإلهي الذي في النار و كذلك النار و لا تعلم النار و لا من فيها إن أهلها يجدون لذة لذلك لأنهم لا يعلمون متى أعقبتهم الراحة و حكمت فيهم الرحمة و هذا الصراط الذي تكلمنا فيه هو الذي يقول فيه أهل الله إن الطرق إلى الله على عدد أنفاس الخلائق و كل نفس إنما يخرج من القلب بما هو عليه القلب من الاعتقاد في الله فالاعتقاد العام وجوده فمن جعله الدهر فوصوله إلى الله من اسمه الدهر فإن الله هو الجامع للأسماء المتقابلة و غير المتقابلة و قد قدمنا إنه سبحانه تسمى بكل اسم يفتقر إليه في قوله عز و جل في الكتاب العزيز يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ و إن أنكر ذلك فما أنكره الله و لا الحال و كذلك من اعتقد أنه الطبيعة فإنه يتجلى له في الطبيعة و من اعتقد أنه كذا كان ما كان فإنه يتجلى له في صورة اعتقاده و تجري الأحكام كما ذكرنا من غير مزيد فافهم و أما صراط العزة و هو قوله تعالى إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فاعلم أن هذا صراط التنزيه فلا يناله ذوقا إلا من نزه نفسه أن يكون ربا أو سيدا من وجه ما أو من كل وجه و هذا عزيز فإن الإنسان يغفل و يسهو و ينسى و يقول أنا و يرى لنفسه مرتبة سيادة في وقت غفلته على غيره من العباد فإذ و لا بد من هذا فليجتهد أن يكون عند الموت عبدا محضا ليس فيه شيء من السيادة على أحد من المخلوقين و يرى نفسه فقيرة إلى كل شيء من العالم من حيث إنه عين الحق من خلف حجاب الاسم الذي قال الله فيه لمن لا علم له بالأمر قُلْ سَمُّوهُمْ و لما كان الإنسان فقيرا بالذات احتجب الله له بالأسباب و جعل نظر هذا العبد إليها و هو من ورائها فأثبتها عينا و نفاها حكما مثل قوله تعالى لمحمد ص وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى ثم أعقب هذه الآية بقوله وَ لِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً فجعل ذلك بلاء أي اختبارا و هذا الصراط العزيز الذي ليس لمخلوق قدم في العلم به فإنه صراط الله الذي عليه ينزل إلى خلقنا و عليه يكون معنا أينما كنا و عليه نزل من العرش إلى السماء الدنيا و إلى الأرض و هو قولهوَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ و عليه يقرب من عبده أضعاف ما يتقرب إليه عبده إذا سعى إليه بالطريق التي شرع له فهو يهرول إليه إذا رآه مقبلا ليستقبله تهمما بعبده و إكراما له و لكن على صراط العزة و هو صراط نزول لا عروج لمخلوق فيه و لو كان لمخلوق فيه سلوك ما كان عزيزا و ما نزل إلينا إلا بنا فالصفة لنا لا له فنحن عين ذلك الصراط و لذلك نعته بالحميد أي بالحامد المحمود لأن فعيل إذا ورد يطلب اسم الفاعل و المفعول فأما إن يعطي الأمرين معا مثل هذا و إما أن يعطي الأمر الواحد لقرينة حال و قد أثنى على نفسه فهو الحامد المحمود و أعظم ثناء أثنى به على نفسه عندنا كونه خلق آدم على صورته و سماه بأمهات الأسماء التي يدخل كل اسم تحت إحاطتها و لذلك قال ص أنت كما أثنيت على نفسك فأضاف النفس الكاملة إليه إضافة ملك و تشريف لما قال من عرف نفسه عرف ربه فكل ثناء أثنى الله به على الإنسان الكامل الذي هو نفسه لكونه أوجده على صورته كان ذلك الثناء عين الثناء على الله بشهادة رسول الله ص و تعريفه إيانا فيقوله ص أنت كما أثنيت على نفسك أي كل ما أثنيت به على من خلقته على صورتك هو ثناؤك عليك و لما كان الإنسان الكامل صراط العزيز الحميد لم يكن للصراط أن يسلك فيه و لا يتصف الصراط بالسلوك فلهذا سماه بالعزيز أي ذلك ممنوع لنفسه فالحق سبحانه يختص بالنزول فيه كما أخبر عن نفسه من النزول و الهرولة و العبد العارف على الحقيقة ما يسلك إلا في الله فالله صراطه و ذلك شرعه

به رباطي و بنا رباطهفهو صراطي و أنا صراطه
فانظر مقالي فهو قول صادقمحكم محقق مناطه
فهو حبيبي و أنا به فقدحواه قلبي فإنا فسطاطه
عز فما تدركه أبصارنالقربه فقد طوى بساطه
فبعده لقربه ليس سوىهذا و ما قد قلته استنباطه

فهو على صراط عزيز لأنه الخالق فلا قدم لمخلوق فيه أروني ما ذا خلق الذين من دونه لا يجدونه أصلا لا علما و لا عينا بَلِ الظَّالِمُونَ في ضَلالٍ مُبِينٍ لأنه كل ما علم فقد بان و الله تعالى أخرجنا من ظلمة العدم إلى نور الوجود فكنا نورا بإذن ربنا إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ فنقلنا من النور إلى ظلمة الحيرة و لهذا إذا سمعناه يثني على نفسه فنرى ذلك في نفوسنا و إذا أثنى علينا فنرى ما أثنى به علينا هو ثناؤه على نفسه ثم ميزنا عنه و ميز نفسه عنا ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و بما علم و جهلناه و بما نحن عليه من الذلة و يتعالى عن هذا الوصف في نفسه فنقول نحن هو ما نحن هو بعد ما قلنا إذ أخرجنا من الظلمات إلى النور هو هو و نحن نحن فتميزنا فلما جاء بالثناء بعد وجودنا ثناء منه على نفسه و علينا و كلفنا بالثناء عليه أوقفنا في الحيرة فإن أثنينا عليه بنا فقد قيدناه و إن أطلقناه كما قال لا أحصي ثناء عليك فقد قيدناه بالإطلاق فميزناه و من تقيد فلا يوصف بالغنى فإن التقييد يربطه إذ قد أدرك المحدث إطلاقه تعالى و قد قال عن نفسه إنه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فحيرنا فلا ندري ما هو و لا ما نحن فما أظن و الله أعلم أنه أمرنا بمعرفته و أحالنا على نفوسنا في تحصيلها إلا لعلمه أنا لا ندرك و لا نعلم حقيقة نفوسنا و نعجز عن معرفتنا بنا فنعلم أنا به أعجز فيكون ذلك معرفة به لا معرفة

و غير هذا فلا يكونفإنه ظاهر مبين
فاصغ إلى قولنا تجدهعلما و قد جاءك اليقين

فالجهل صفة ذاتية للعبد و العالم كله عبد و العلم صفة ذاتية لله فخذ مجموع ما أشرت إليه في هذا تجده الصراط العزيز و أما صراط ربك فقد أشار إليه تعالى بقوله فَمَنْ يُرِدِ الله أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَ من يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ يقول كأنما يخرج عن طبعه و الشيء لا يخرج عن حقيقته كَذلِكَ يَجْعَلُ الله الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ و هذا فأشار إلى ما تقدم ذكره صِراطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً و ما ذكر إلا إرادته للشرح و الضيق فلا بد منهما في العالم لأنه ما يكون إلا ما يريد و قد وجد ثم وصف نفسه يعني بالغضب و الرضاء و التردد و الكراهة ثم أوجب فقال و مع الكراهة فلا بد له من لقائي فهذا عين قوله كَأَنَّما يَصَّعَّدُ في السَّماءِ فهو كالجبر في الاختيار فمن ارتفع عنه أحد الوصفين من عباد الله فليس بكامل أصلا و لذا قال في حق الكامل وَ لَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِما يَقُولُونَ فَاصْبِرْو هو الصبور على أذى خلقه و سمي هذا الصراط صراط الرب لاستدعائه المربوب و جعله مستقيما فمن خرج عنه فقد انحرف و خرج عن الاستقامة و لهذا شرع لنا الود في الله و البغض في الله و جعل ذلك من العمل المختص له ليس للعبد فيه حظ إلا ما يعطيه الله من الجزاء عليه و هو أن يعادي الله من عادى أولياءه و يوالي من والاهم فالسالك على صراط الرب هو القائم بالصفتين و لكن بالحق المشروع له لله لا لنفسه فإن الله لا يقوم لأحد من عباده إلا لمن قام له و لهذا قال وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ و حق الله أحق بالقضاء من حق المخلوق إذا اجتمعا فإنه ليس لمخلوق حق إلا بجعل الله فإذا تعين الحقان في وقت ما بدأ العبد الموفق بقضاء حق الله الذي هو له ثم أخذ في أداء حق المخلوق الذي أوجبه الله و هذا خلاف ما عليه اليوم الفقهاء في الوصية و الدين فإن الله تعالى قدم الوصية على الدين و الوصية حق الله و قال ص حق الله أحق أن يقضى فمن سامح في حق الله عاد عليه عمله فيسامح في حقه فإن تكلم قيل له كذلك فعلت فأجن ثمرة غرسك و صراط الرب لا يكون إلا مع التكليف فإذا ارتفع التكليف لم يبق لهذا الصراط عين وجودية و لهذا يكون المال إلى الرحمة و أزاله حكم الغضب الإلهي في العاصين و قول هود ع إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ يعني فيما شرع مع كونه تعالى آخذا بنواصي عباده إلى ما أراد وقوعه منهم و عقوبته إياهم مع هذا الجبر فاجعل بالك و تأدب و اسلك سواء السبيل و أما صراط المنعم و هو صراط الذين أنعم الله عليهم و هو قوله تعالى شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى و ذكر الأنبياء و الرسل ثم قال أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و هذا هو الصراط الجامع لكل نبي و رسول و هو إقامة الدين و أن لا يتفرق فيه و أن يجتمع عليه و هو الذي بوب عليه البخاري باب ما جاء أن الأنبياء دينهم واحد و جاء بالألف و اللام في الدين للتعريف لأنه كله من عند الله و إن اختلفت بعض أحكامه فالكل مأمور بإقامته و الاجتماع عليه و هو المنهاج الذي اتفقوا عليه و ما اختلفوا فيه من الأحكام فهو الشرعة التي جعل الله لكل واحد من الرسل قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً وَ لَوْ شاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً فلم تختلف شرائعكم كما لم يختلف منها ما أمرتم بالاجتماع فيه و إقامته فلما كان الاختلاف منه و هو أهل العدل و الإحسان و كان في الناس الدعوى في نسبة أفعالهم إليهم و اختيارهم فيما اختاروه و لم يسندوا الأمر إلى أهله و إلى من يستحقه نزل الحكم الإلهي على الرسل بكون هذا سيئا و هذا حسنا و هذا طاعة و هذا معصية و نزل الحكم الإلهي على العقول بأن هذا في حق من لا يلائم طبعه و مزاجه أو يوافق غرضه حسن و هذا الذي لا يوافق غرضه و لا يلائم طبعه و مزاجه ليس بحسن و لم يسندوا الأمر إلى عين واحدة فجوزوا بما جوزوا لهذا الأمر فعدل فيما حكم به من الجزاء بالسوء و أحسن بعد الحكم و نفوذه بما آل إليه عباده من الرحمة و رفع الأمور الشاقة عليهم و هي الآلام فعمت رحمته كل شيء و أما الصراط الخاص و هو صراط النبي ص الذي اختص به دون الجماعة و هو القرآن حبل الله المتين و شرعه الجامع و هو قوله وَ أَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ يعني هذا الصراط المضاف إليه و ذلك أن محمدا ص كان نبيا و آدم بين الماء و الطين و هو سيد الناس يوم القيامة بإخباره إيانا بالوحي الذي أوحى به إليه و بعثته العامة إشعارا بأن جميع ما تقدمه من الشرائع بالزمان إنما هو من شرعه فنسخ ببعثته منها ما نسخ و أبقى منها ما أبقى كما نسخ ما قد كان أثبته حكما و من ذلك كونه أوتي جوامع الكلم و العالم كلمات الله فقد آتاه الله الحكم في كلماته و عم و ختم به الرسالة و النبوة كما بدأ به باطنا ختم به ظاهرا فله الأمر النبوي من قبل و من بعد فورثته الذين لهم الاجتهاد في نصب الأحكام بمنزلة الرسل الذين كانوا قبله بالزمان فمن ورث محمدا ص في جمعيته فكان له من الله تعريف بالحكم و هو مقام أعلى من الاجتهاد و هو أن يعطيه الله بالتعريف الإلهي أن حكم الله الذي جاء به رسول الله ص في هذه المسألة هو كذا فيكون في ذلك الحكم بمنزلة من سمعه من رسول الله ص و إذا جاءه الحديث عن رسول الله ص رجع إلى الله فيه فيعرف صحة الحديث من سقمه سواء كان الحديث عند أهل النقل من الصحيح أو مما تكلم فيه فإذا عرف فقد أخذ حكمه من الأصل و قد أخبر أبو يزيد بهذا المقام أعني الأخذ عن الله عن نفسه أنه ناله فقال فيما روينا عنه يخاطب علماء زمانه أخذتم علمكم ميتاعن ميت و أخذنا علمنا عن الحي الذي لا يموت و لنا بحمد الله في هذا المقام ذوق شريف فيما تعبدنا به الشرع من الأحكام و هذا مما بقي لهذه الأمة من الوحي و هو التعريف لا التشريع و أما أهل الاجتهاد فأحكامهم تشريع الشرع إذا أخطئوا فإن رسول الله ص هو المقرر لذلك الحكم فما هو تشريع لهم و إنما هو تشريع رسول الله ص و إذا أصاب المجتهد فهو صاحب نقل شرع كل ذلك في نفس الأمر فإن المخطئ من المجتهدين و المصيب واحد لا بعينه لكن المصيب في نفس الأمر ناقل و المخطئ في نفس الأمر مقرر حكم مجهول لم يعلم إلا عند نظر هذا المجتهد فهو معلوم عند الله قبل كونه فما قرر الشارع و هو الرسول إلا الحكم المعين المعلوم عند الله و ما هو عنده بمعلوم على التفصيل و التعيين فكان حكم المجتهد المخطئ تشريعا للتشريع و أهل الله ما لهم حكم في الشرع إلا ما هو المحكوم به على التعيين عند رسول الله ص و هم الورثة على الحقيقة فإن الوارث لا يرث إلا ما كان ملكا للموروث عنه إذا مات عنه و حكم المجتهد المخطئ ما هو ملك له عينه حتى يورث عنه فليس بوارث لأن ما عنده سوى تقرير ما أداه إليه نظره ذلك أباحه له رسول الله ص فهو كالعصبة لا نصيب لهم في الميراث على التعيين إنما لهم ما بقي بعد إلحاق الفرائض بأهلها و كتوريث أولي الأرحام و المسلمين بعد أخذ الفرائض فإن مات عن غير صاحب فريضة كرسول و نبي مات و ما اتبعه واحد فيحشر مفردا فقد يرثه في خلقه أو في حاله لا في حكمه من هذه الأمة من صادف ذلك الحال أو الحكم و أما الايمان به و قد آمن به كل من آمن بمحمد ص فأمة محمد ص المؤمنون به أتباع كل نبي و كل كتاب و كل صحيفة جاء أو نزل من عند الله في الايمان به لا بالعمل بالحكم فما بقي نبي إلا و قد أومن به فالنبي محمد ص له الإمامة و التقدم و جميع الرسل و الأنبياء خلفه في صف و نحن خلف الرسل و خلف محمد و من الرسل من يكون له صورتان في الحشر صورة معنا و صورة مع الرسل كعيسى و جميع الأمم خلفنا غير إن لنا صورتين صورة في صف الرسل ع و ليست إلا لعلماء هذه الأمة و صورة خلف الرسل من حيث الايمان بهم و كذلك سائر الأمم لهم صورتان صورة يكونون بها خلفنا و صورة يكونون بها خلف رسلهم فوقتا يقع نظر الناظر على صورهم خلفنا و وقتا خلف رسلهم و وقتا على المجموع فهذه أحوال العلماء في الآخرة في حشرهم و أما ورثة الأفعال فهم الذين اتبعوا رسول الله ص في كل فعل كان عليه و هيأة مما أبيح لنا اتباعه حتى في عدد نكاحه و في أكله و شربه و جميع ما ينسب إليه من الأفعال التي أقامه الله فيها من أوراد و تسبيح و صلاة لا ينقص من ذلك فإن زاد عليها بعد تحصيلها فما زاد عليها إلا من حكم قوله ص فهذه وراثة أفعاله و أما وراثة أحواله فهو ذوق ما كان يجده في نفسه في مثل الوحي بالملك فيجد الوارث ذلك في اللمة الملكية و من الملك الذي يسدده و من الوجه الخاص الإلهي بارتفاع الوسائط و أن يكون الحق عين قوله و أن يقرأ القرآن منزلا عليه يجد لذة الإنزال ذوقا على قلبه عند قراءته فإن للقرآن عند قراءة كل قارئ في نفسه أو بلسانه تنزلا إلهيا لا بد منه فهو محدث التنزل و الإتيان عند قراءة كل قارئ أي قارئ كان غير إن الوارث بالحال يحس بالإنزال و يلتذ به التذاذا خاصا لا يجده إلا أمثاله فذلك صاحب ميراث الحال و قد ذقناه حالا بحمد الله و هو الذي قال فيه أبو يزيد لم أمت حتى استظهرت القرآن و هو وجود لذة الإنزال من الغيب على القلوب و ما عدا هؤلاء فإنما يقرءون القرآن من خيالهم فهم يتخيلون صور حروفه المرقومة إن كان حفظ القرآن من المصاحف و الألواح أو يتخيلون صور حروف ما تلقونه من معلمهم هذا إذا كانوا عاملين به و أما إذا قرءوه من غير إخلاص فيه فلا يتجاوز حناجرهم أي لا يقبل الله منه شيئا فيبقى في محل تلاوته و هو مخرج الصوت فلا يقرأ القرآن من قلبه إلا صاحب التنزل و هو الذوق الميراثي فمن وجد ذلك فهو صاحبه يعرف ذلك عند وجوده إياه فلا يحتاج فيه إلى معرف فإنه يفرق عند ذلك بين قراءته من خياله و بين قراءته عن تنزيل ربه مشاهدة و ما ثم أمر آخر لنبي أو رسول يقع فيه ميراث إنما هو قول أو فعل أو حال فالوارث الكامل من جمع و الوارث الناقص من اقتصر على بعض هذه المراتب و اعلم أن هذا المنزل هو منزل من اتصف بالخلة من الأنبياء ع فمن حصل له حصر له نصيب من الخلة الإلهية و ضرب له فيها بسهم و الكلام فيها طويل لا يفي الوقت بتفصيلهفلنذكر ما فيه من العلوم كسائر المنازل فنقول فيه علم رحمة الخلان و الفرق بينها و بين رحمة المحبوبين و الأبناء و الآباء و المستلذات كلها و فيه علم حلاوة التنزل و أين يحس بها من نفسه من ينزل عليه القرآن جديدا عند تلاوته و فيه علم الأغيار و الأسرار و الأنوار و الهداية و أنواع المحامد و المراتب الخاصة بكل نفس مما لا يقع لأحد معه فيها اشتراك و ذلك إنا نعلم أنه لكل نفس صفة أو حقيقة تختص بها و تتميز بها عن كل شيء في العالم لا بد من ذلك فإذا جاءها الأمر الإلهي من طريق تلك الحقيقة الخاصة فإن ذوقه ذلك مقصور عليها و هذا أدنى حظ النفس من مقام العزة الإلهية فإنه لكل نفس و إن لم تشعر به و هو كفعل الأمور الطبيعية بالخاصية كالمغناطيس و أشباهه غير أن الخاصية في الأمور الطبيعية على نوعين بالإفراد و بالمجموع و في المزاج الخاص فإن الخواص الطبيعية ما تسري في كل مزاج و لا في كل صورة و خاصية أهل الله إذا وقفوا عليها ذوقا من أنفسهم سرى حكمها في كل ما في العالم و فيه علم الملكوت و المشاهدة و رؤية المعدوم في حال عدمه من غير تخيل و لا تمثل و لا بإدراك خيال بل بالبصر الحسي و فيه علم أسباب التحير و الحيرة و فيه علم ما يعلم الإنسان إلا ما يعطيه استعداده إذا استعمله أو فجأه لا يقبل فوق ذلك فإنه ليست له قوة القبول و فيه علم الرسل و الرسالة و فيه علم إن الإنسان عالم بالذات إلا أنه ينسى فكل علم يحصل له إنما هو تذكر و لا يشعر به أنه تذكر إلا أهل الله و فيه علم البلايا و النعم و فيه علم الفرقان في التعريف بين التقرير و التوبيخ و ما يكون على طريق المنة أو المطالبة و فيه علم صفات التنزيه في الأفعال و أن كل طلب في العالم أو من كل طالب إنما هو طلب ذاتي ما ثم طلب عارض لا يكون بالذات هذا لا يكون و إنما يعرض للشخص أمر ما لم يكن عنده فهذا الأمر الذي حصل عنده هو الذي يكون له الطلب الذاتي للمطلوب و انحجب الناس بمن قام به ذلك الأمر العارض و هو الذي يسمونه طالبا و ليس الطالب إلا ذلك الأمر فالطلب له ذاتي و الشخص الذي قام به هذا الأمر مستخدم له إذ قد كان موجودا و هو فاقد لهذا الطلب فعلمنا أنه طلب مستخدم في أمر ما أوجب عليه هذا الأمر الذي حل به فالطلب ذاتي لذلك الأمر و قد استخدم في تحصيله هذا الشخص الذي نزل به و لا شعور للناس بذلك و فيه علم النظر و التفكر و الاعتبار و أن العالم بعضه لبعض عبرة و فيه علم ما يختص به الله من العلوم المتفرقة في العالم و ذلك جمعيتها لا يعلم ذلك إلا الله هذا فيما دخل في الوجود منه مع علمه بما لم يدخل في الوجود و لا اتصف بالعلم به مخلوق فله من علم الدنيا علم الجمعية بما أضيف إليه من علم الأخرى و لا بد من ذلك و فيه علم الاستدلال بالمحدث على القديم و ما يحصل في النفس من ذلك فإن القديم لا يحصل في النفس و إن حصل المحدث فما هو المطلوب و كل ما حصل محدث و فيه علم ما يكون التوكل فيه شكر الله تعالى و فيه علم من قام به معنى أوجب له اسما يستحقه و من هنا تعرف أسماء الله الحسنى من أسمائه فإن أسماء الله في الكون عن آثار هذه النفوس و أسماء الكون عن المعاني القائمة به فالحق منزه في أسمائه واحد العين و الكون متكثر بأسمائه لقيام المعاني به التي أوجبت له الأسماء و فيه علم أسباب الميراث و فيه علم من ظفر و من خاب و الكل طالب و فيه علم مشاهدة الموت مع كونه نسبة عدمية و فيمن يحكم و أنه لا حكم للموت فيمن لا تركيب فيه و كل مركب بالوضع فإنه يقبل الموت فإن لم يمت فذلك لأمر آخر اقتضته المشيئة الإلهية و قد يجعل له سببا ظاهرا أو معلوما و قد لا يكون إلا حكم عين المشيئة خاصة و فيه علم الحكم على الله بما يقتضيه من حيث ما هو ممكن لا بما هو الله عليه و قد ورد في القرآن من ذلك كثير و لكن لا يعلم معنى ذلك إلا العلماء بما تعطيه حقائق الموجودات و العالمون بماهية الأشياء و فيه علم يوم القيامة و الحشر و النشر و ما يختص به ذلك اليوم من الحكم و من هو الحاكم فيه و مراتب المتصرفين فيه و فيه علم الأمر المقتضي في ذلك اليوم ما هو و فيه علم تشبيه الإنسان بالنبات من حيث ما هو شجر لا من حيث ما هو نجم و من هنا نهى أن يقرب الشجرة آدم فهو تنبيه على نهيه أن يقرب أغراض نفسه و هواها و هو قوله وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى و هو إرادة النفس ما لم يشرع لها العمل به أو تركه و فيه علم التمكين و الثبات على علم ما تعطيه الحقائق في القول و الفعل و فيه علم ما يحمد من التبديل و التلوين و ما يذم و فيه علم الإمهال و الإهمال المقصود و فيه علم حكمة التسخير الكوني و الإلهي و فيه علم أفراد ذات الحق بالألوهة و فيه علم الاقتداء و بمن ينبغي أن يقتدي و فيه علم تقييد الثناء بالحالو إطلاقه بالقول و فيه علم ما يظهر في الوجود إنه معلوم و ظاهر عن علم متعلق به أوجب له ذلك الظهور و فيه علم كون الإنسان مع علمه أن الله لا يتقيد بالجهات و هو أقرب من حَبْلِ الْوَرِيدِ و هو مع هذا كله يتوهم فيه جهة الفوق و التحديد لا تعطيه نشأته أن يخلو عن حكم الوهم على عقله فيعقل حقيقة الأمر مع حكم وهمه من غير تأخر فيجمع في الآن بين حكم العقل و الوهم كما جمع بين الأمور التي كان بها إنسانا كذلك يجمع بين أحكامها و فيه علم مراتب القرآن في الناس فيكون في حكم طائفة على غير حكمه في طائفة أخرى فهذا بعض ما يحوي عليه هذا المنزل من العلوم مجملا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ