قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الأحد و السبعون و ثلاثمائة في معرفة منزل سر و ثلاثة أسرار لوحية

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
لو وجدنا ملكا نستعبدهأو فتى ذا كرم نسترفده
لبذلنا مهج النفس لهو اتخذناه إماما نقصده
إنما الخلق عيال كلهو الذي قام بهم لا أجحده
و كما قام بهم قاموا بهفالتفت رمزى ترى ما أقصده
و كما كنا به كان بناو بهذا القدر كنا نعبده
و إذا لم يك عيني لم يكنو إذا ما لم يكن لا أشهده
فغناه غير معلوم لناإذ تعالى و تعالى مشهده
إنما الحق الذي أعرفهوالد الكون و كوني ولده

قوله وَ ما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ اعلم أن الله هو اللطيف الخبير العلي القدير الحكيم العليم الذي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ فنزه و شبه فتخيل من لا علم له أنه شبه لكن الفظ المشترك هو الذي ضمن لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ مرجع الدرك و لما خلق الله الأشياء و ذكر أن لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ وضع الأسباب و جعلها له كالحجاب فهي توصل إليه تعالى كل من علمها حجابا و هي تصد عنه كل من اتخذها أربابا فذكرت الأسباب في إنبائها إن الله من ورائها و إنها غير متصلة بخالقها فإن الصنعة لا تعلم صانعها و لا منفصلة عن رازقها فإنها عنه تأخذ مضارها و منافعها فخلق الأرواح و الأملاك و رفع السموات قبة فوق قبة على عمد الإنسان و أدار الأفلاك و دحا الأرض ليميز بين الرفع و الخفض و عين الدنيا طريقا للآخرة و أرسل بذلك رسله تترى لما خلق في العقول من العجز و القصور عن معرفة ما خلق الله من أجرام العالم و أرواحه و لطائفه و كثائفه فإن الوضع و الترتيب ليس العلم به من حظ الفكر بل هو موقوف على خبر الفاعل لها و المنشئ لصورها و متعلق علم العقل من طريق الفكر إمكان ذلك خاصة لا ترتيبه فإن الترتيب لا يعرف إلا بالشهود في الأشخاص حتى يقول هذا فوق هذا و هذا تحت هذا و هذا قبل هذا و هذا بعد هذا و العقل يحكم بالإمكان في ذلك كله ثم إن الله تعالى قدر في العالم العلوي المقادير و الأوزان و الحركات و السكون في الحال و المحل و المكان و المتمكن فخلق السموات و جعلها كالقباب على الأرض قبة فوق قبة على الأرض كما سنوقفك في هذا الباب على شكل وضع عالم الأجرام و جعل هذه السموات ساكنة و خلق فيها نجوما جعل لها في سيرها و سباحتها في هذه السموات حركات مقدرة لا تزيد و لا تنقص و جعلها عاقلة سامعة مطيعة وَ أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها ثم إن الله لما جعل السباحة للنجوم في هذه السموات حدثت لسيرها طرق لكل كوكب طريق و هو قوله وَ السَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ فسميت تلك الطرق أفلاكا فالأفلاك تحدث بحدوث سير الكواكب و هي سريعة السير في جرم السماء الذي هو مساحتها فتخترق الهواء المماس لها فيحدث لسيرها أصوات و نغمات مطربة لكون سيرها على وزن معلوم فتلك نغمات الأفلاك الحادثة من قطع الكواكب المسافات السماوية فهي تجري في هذه الطرق بعادة مستمرة قد علم بالرصد مقادير تلك الحركات و دخول بعضها على بعض في السير و جعل سيرها للناظر بين بطء و سرعة و جعل لها تقدما و تأخرا في أماكن معلومة من السماء تعين تلك الأماكن أجرام الكواكب فإن أجرام السمواتمتماثلة الأجزاء فلو لا إضاءة الكواكب ما عرف تقدمها و لا تأخرها و هي التي يدركها البصر و يدرك سيرها و رجوعها فجعل أصحاب علم الهيئة للأفلاك ترتيبا جائزا ممكنا في حكم العقل أعطاهم علم ذلك رصد الكواكب و سيرها و تقدمها و تأخرها و بطئها و سرعتها و أضافوا ذلك إلى الأفلاك الدائرة بها و جعلوا الكواكب في السموات كالشامات على سطح جسم الإنسان أو كالبرص لبياضها و كل ما قالوه يعطي ميزان حركاتها و إن الله تعالى لو فعل ذلك كما ذكروه لكان السير السير بعينه و لذلك يصيبون في علم الكسوفات و دخول الأفلاك بعضها على بعض و كذلك الطرق يدخل بعضها على بعض في المحل الذي يحدث فيه سير السالكين فهم مصيبون في الأوزان مخطئون في إن الأمر كما رتبوه و أن السموات كالأكر و أن الأرض في جوف هذه الأكر و جعل الله لهذه الكواكب و لبعضها وقوفا معلوما مقدرا في أزمان مخصوصة لم يخرج الله العادة فيها ليعلم صاحب الرصد بعض ما أوحى الله من أمره في السماء و ذلك كله ترتيب وضعي يجوز في الإمكان خلافه مع هذه الأوزان و ليس الأمر في ذلك إلا على ما ذكرناه شهودا و كشفا ثم إن الله تعالى يحدث عند هذه الحركات الكوكبية في هذه الطرق السماوية في عالم الأركان و في المولدات أمورا مما أوحى في أمر السماء و جعل ذلك عادة مستمرة ابتلاء من الله ابتلى بها عباده فمن الناس من جعل ذلك الأثر عند هذا السير لله تعالى و من الناس من جعل ذلك لحركة الكوكب و شعاعه لما رأى أن عالم الأركان مطارح شعاعات الكواكب فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بالله فَزادَتْهُمْ إِيماناً بالله و أما الذين آمنوا بالباطل فزادتهم إيمانا بالباطل و كفروا بالله و هم الخاسرون الذين فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ ثم إن الله تعالى وكل ملائكة بالأرحام عند مساقط النطف فيقلبون النطف من حال إلى حال كما قد شرع لهم الله و قدر ذلك التنقل بالأشهر و هو قوله تعالى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ أي ما تنقص عن العدد المعتاد وَ ما تَزْدادُ على العدد المعتاد وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ فهو سبحانه يعلم شخصية كل شخص و شخصية فعله و حركاته و سكونه و ربط ذلك بالحركات الكوكبية العلوية فنسب من نسب الآثار لها و جعله الله عندها لا لها فلا يعلم ما في الأرحام و لا ما تخلق مما لم يتخلق من النطف على قدر معلوم إلا الله تعالى و من أعلمه الله تعالى من الملائكة الموكلة بالأرحام و لهذا تكون الحركة الكوكبية العلوية واحدة و يحدث عندها في الأركان و المولدات أمور مختلفة لا تنحصر و لا يبلغها نظر في جزئيات أشخاص العالم العنصري لأن الله قد وضعه على أمزجة مختلفة و إن كان عن أصل واحد كما نعلم أن الله خلق الناس من نفس واحدة و هو آدم و جعلنا مختلفين في عقولنا متفاوتين في نظرنا و الأصل واحد و منا الطيب و الخبيث و الأبيض و الأسود و ما بينهما و الواسع الخلق و الضيق الخلق الحرج

فالأصل فرد و الفروع كثيرة فالحق أصل و الكيان فروع

و ما خلق الله العالم الخارج عن الإنسان إلا ضرب مثال للإنسان ليعلم أن كل ما ظهر في العالم هو فيه و الإنسان هو العين المقصودة فهو مجموع الحكم و من أجله خلقت الجنة و النار و الدنيا و الآخرة و الأحوال كلها و الكيفيات و فيه ظهر مجموع الأسماء الإلهية و آثارها فهو المنعم و المعذب و المرحوم و المعاقب ثم جعل له أن يعذب و ينعم و يرحم و يعاقب و هو المكلف المختار و هو المجبور في اختياره و له يتجلى الحق بالحكم و القضاء و الفصل و عليه مدار العالم كله و من أجله كانت القيامة و به أخذ الجان و له سخر ما في السماوات و ما في الأرض ففي حاجته يتحرك العالم كله علوا و سفلا دنيا و آخرة و جعل نوع هذا الإنسان متفاوت الدرجات فسخر بعضه لبعضه و سخره لبعض العالم ليعود نفع ذلك عليه فما سخر إلا في حق نفسه و انتفع ذلك الآخر بالعرض و ما خص أحدا من خلق الله بالخلافة إلا هذا النوع الإنساني و ملكه أزمة المنع و العطاء فالسعداء خلفاء و نواب و من دون السعداء فنواب لا خلفاء ينوبون عن أسماء الله في ظهور حكم آثارها في العالم على أيديهم فهم خلفاء في الباطن نواب في الظاهر فالنائب هو الظاهر بالليل لأنه نائب لا خليفة إلهي بوضع شرعي و مستتر بالنهار فيعلم من حكمة تغير الحكم المشروع أن الشرع الإرادي في جوره مستور و لما كان الحكام في الخلق خلفاء و نوابا كما قررناه بين الله بما شرعه الحق من الباطل و ما ينفع مما يضر من الأفعال الظاهرة و الباطنة و قسم العمل بين الجوارح و القلب فجعل الله القلوب محلا للحق و الباطل و الايمان و الكفر و العلم و الجهل إلى اضمحلال و زوال لأنه حكم لا عين له في الوجود فهو عدم له حكم ظاهر و صورة معلومة فيطلب ذلك الحكم و تلك الصورة أمرا وجوديا يستندان إليه فلا يجدانه فيضمحلان و ينعدمان فلهذا يكون المآل إلى السعادة و الايمان و الحق و العلم يستندون إلى أمر وجودي في العين و هو الله عز و جل فيثبت حكمهم في العين أي في عين المحكوم عليه بهم لأن الذي يحفظ وجود هذا الحكم هو موجود بل هو عين الوجود و هو الله المسمى بهذه الأسماء المنعوت بهذه النعوت فهو الحق العالم المؤمن فيستند الايمان للمؤمن و العلم إلى العالم و الحق إلى الحق و الله تعالى ما تسمى بالباطل لوجوده و لا بالجاهل و الكافر تعالى الله عن هذه الأسماء علوا كبيرا فنزلت الكتب الإلهية و الصحف على قلوب المؤمنين الخلفاء و الرعايا و الورثة فسرت منفعتها في كل قلب كان محلا لكل طيب و أما الأمور العوارض التي ليست منزلة عن أمر إلهي مشروع فهي أهواء عرضت للنواب و الرعايا تسمى جورا و العوارض لا ثبات لها فيزول حكمها بزوالها إذا زال و العين الذي كان قبلها و اتصف بها موجود و لا بد له من حال يتصف به و قد زال عنه الشقاء لزوال موجبة إذ كان الموجب عارضا عرض فلا بد من نقيضه و هو المسمى سعادة و من دخل النار منهم فما دخلها إلا لتنفى عنه خبثه و تبقي طيبه فإذا ذهب الخبث و بقي الطيب فذلك المعبر عنه بالسعيد الذي كان سعده مستهلكا في خبثه هكذا هو الأمر في نفسه و لا يعلم قدر ما قررناه إلا ذو عينين لا ذو عين واحدة و من وقف بين النجدين فرأى غاية كل طريق فسلك طريق سعادته التي لا يتقدمها شقاء فإنها طريق سهلة بيضاء مثلي نقية لا شوب فيها و لا عوجا و لا أمتا و الطريق الأخرى و إن كانت غايتها سعادة و لكن في الطريق مفاوز و مهالك و سباع عادية و حيات مضرة فلا يصل مخلوق إلى غايتها حتى يقاسي هذه الأهوال و الطريقان متجاوران ينبعثان من أصل واحد و ينتهيان إلى أصل واحد و يفترقان ما بين الأصلين ما بين البداية و الغاية و صورتهما في الهامش كما تراه فيشاهد صاحب المحجة البيضاء ما في طريق صاحبه لأنه بصير و صاحبه أعمى فليس يرى الأعمى طريق البصير فيطرأ على البصير من مشاهدة تلك الآفات التي في طريق الأعمى مخاوف لما يرى من الأهوال و يتوهم في نفسه لو كان فيها ما كان يقاسيه و يرى الأعمى ليس عنده خبر من هذا كله لما هو عليه من العمي فلا يبصر شيئا فيسير ملتذا بسيره حتى يتردى في حفرة أو تلدغه حية من تلك الحيات فحينئذ يحس بالألم و يستغيث بصاحبه فمن الأصحاب من يغيثه و من الأصحاب من يكون قد سبقه فلا يسمعه فيبقى مضطرا ما شاء الله فيرحمه الله فيسعده و الحيوان بما هو حيوان يحس بالألم و اللذة و بما هو عاقل و هو الإنسان يعلم السبب المؤلم و السبب الملذ ذوقا من العادة حتى إن جماعة غلطت في ذلك فجعلوا الألم للسبب المؤلم ذاتيا و ليس كذلك و إنما الذي يتألم به الإنسان أو يلتذ إنما هو قيام الألم به أو اللذة به عقلا لا سببها هذا في الآلام و اللذات العادية و ثم أسباب أخر لا يستقل العقل بإدراكها فيخبره الله بها على لسان رسوله بالوحي فيعلمها فيأتي من ذلك ما أمره الله به أن يأتيه و يجتنب من ذلك ما أمره الله به أن يجتنبه و قد علم الألم و اللذة عقلا فيتذكرهما عند علمه بهذه الأسباب الشرعية الموجبة لهما فمن أطاع أطاع على بصيرة من أمره و من عصى و علم أنه عاص عصى على بصيرة من المعصية و ليس هو على بصيرة من المؤاخذة عليها كما هو على بصيرة في الطاعة من الجزاء عليها فما أجرأه على المعصية بالقدر السابق إلا كونه على غير بصيرة من المؤاخذة و لا ينبغي للمؤمن بل لا يصح أن يكون على بصيرة في المؤاخذة بالمعصية فإن الرحمة الإلهية و المغفرة ما هو الانتقام و الأخذ بأولى من المغفرة إلا ما عين الله من صفة خاصة يستحق من مات و هي به قائمة المؤاخذة و لا بد و ليس إلا الشرك و ما عدا الشرك فإن الله أدخله في المشيئة فلا يصح أن يكون أحد على بصيرة في العقاب فهذا هو الذي أجرأ النفوس على ارتكاب المحارم و الدخول في المأثم إلا من عصم الله بخوف أو رجاء أو حياء أو عصمة في علم الله به خارجة عن هذه الثلاثة و لا خامس لهذه الأربعة المانعة من وقوع المخالفة و التعرض للعقوبة و الممكن قد عهد الله على قبوله لكل ممكن بذاته فمن و في بهذا العهد مع الله فإنه يسعده بلا شك ابتداء فإن نقض عهد الله في ذلك و صير الممكن محالا أو واجبا فقد خرج عما عاهَدَ عَلَيْهُ الله و عرض بذاته لما تخيل أنه لا يصيبه و مثل هذا هو الذي رد دعوة الحق التي جاء بها الرسول من عند الله كالبراهمة و من قال بقولهم و اعلم أنه لما كان الإنسان الكامل عمد السماء الذي يُمْسِكُ الله بوجوده السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فإذا زال الإنسانالكامل و انتقل إلى البرزخ هوت السماء و هو قوله تعالى وَ انْشَقَّتِ السَّماءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ أي ساقطة إلى الأرض و السماء جسم شفاف صلب فإذا هوت السماء حلل جسمها حر النار فعادت دخانا أحمر كالدهان السائل مثل شعلة نار كما كانت أول مرة و زال ضوء الشمس فطمست النجوم فلم يبق لها نور إلا أن سباحتها لا تزول في النار لا بل انتثرت فهي على غير النظام الذي كان سيرها في الدنيا فتعطي من الأحكام في أهل النار على قدر ما أوحى فيها الله تعالى لأن الأخرى تجديد نشأة أخرى في الكل لا يعرفها العقل الأول و لا اللوح المحفوظ و لذلك قال ص إنه يحمد الله يوم القيامة في المقام المحمود بمحامد لا يعلمها الآن يعلمه الله إياها في ذلك اليوم بحسب ما يظهر في ذلك من حكم الأسماء الإلهية لا يعلمها أحد اليوم فنشأة الخلق و أحوالهم و ما يكون منهم في القيامة و الدارين على غير نشأة الدنيا و إن أشبهتها في الصورة و لذلك قال وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ أنها كانت على غير مثال كذلك ينشئكم في ما لا تَعْلَمُونَ يوم القيامة فلنذكر في هذا الباب طرفا من هيأة جهنم و هيأة الجنات و ما فيها مما لم نذكره في بابهما فيما تقدم و لنجعل ذلك كله في أمثلة ليقرب تصورها على من لا يتصور المعاني من غير ضرب مثل كما ضرب الله للقلوب مثلا بالأودية بقدرها في نزول الماء و كما ضرب المثل لنوره بالمصباح كل ذلك ليقرب إلى الأفهام الضعيفة الأمر و هو قوله خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ بما بين له فعلم كيف يبين لغيره فنقول إن الجسم لما ملأ الخلأ كان أول شكل قبله الاستدارة فسمى تلك الاستدارة فلكا و في تلك الدائرة ظهرت صور العالم كله أدناه و أعلاه و لطيفه و كثيفه و ما يتحيز منه و ما لا يتحيز فالذي ملأ الخلأ غير متحيز و لا في مكان و لا يقبل المكان و لو لا اتصاف الحق بالإحاطة ما توهم العقل انحصار هذا الجسم الكل في الخلأ و لا توهم الخلأ إلا من شهود الجسم المحسوس كما لم يتوهم انحصار الممكنات و إن كانت لا تتناهى في نفس الأمر و ما وجد منها هو متناه و يدخل في ذلك العقل الأول و كل ما لا يتحيز و لا يقبل المكان و كان ينبغي أن يقال فيما لا يتحيز أن ذلك غير متناه لأن التناهي لا يعقل إلا في المكان و الزمان الموجود و قد وجد ما لا يتحيز فكيف يعقل فيه التناهي و كذلك ما دخل في الوجود من المراتب و إن كانت عدما فإنها متوهمة الوجود فإن المراتب نسب عدمية و هي المكانة تنزل كل شيء موجود أو معدوم بالحكم في رتبته سواء كان واجب الوجود لذاته أو واجب الوجود لغيره أو محال الوجود فللعدم الخالص مرتبة و للوجود المحض مرتبة و للممكن المحض مرتبة كل مرتبة متميزة عن الأخرى فلا بد من الحصر المتوهم و المعقول و المعلومات كلها في علم الله على ما هي عليه فهو يعلم نفسه و يعلم غيره و وجوده لا يتصف بالتناهي و ما لم يدخل في الوجود فلا يتصف بالتناهي و الأجناس متناهية و هي معلومة بعلمه و العلم محيط بما يتناهى و ما لا يتناهى مع حصر العلم له و هنا حارت العقول من حيث أفكارها ثم إن الحق إن حققت الأمر قد أدخل نفسه في الوصف الذي وصف به من الظرفية فوصف نفسه بأنه في العماء و على العرش و في السماء و في الأرض و وصف نفسه بالقبل و بالمعية و بكل شيء و جعل نفسه عين كل شيء بقوله كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ثم قال لَهُ الْحُكْمُ و هو ما ظهر في عين الأشياء ثم قال وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أي مردكم من كونكم أغيارا إلي فيذهب حكم الغير فما في الوجود إلا أنا و نبين ذلك مثلا باسم الإنسان بجملة تفاصيله و اتصافه بأحكام متغايرة من حياة و حس و قوى و أعضاء مختلفة في الحركات و كل ما يتعلق بهذا المسمى إنسانا و ليست هذه الأعيان التي تظهر فيها هذه الأحكام بأمر غير الإنسان فإلى الإنسان ترجع هذه الأحكام و الأحكام في الحق صور العالم كله ما ظهر منه و ما يظهر و الأحكام منه و لهذا قال لَهُ الْحُكْمُ ثم يرجع الكل إلى أنه عينه فهو الحاكم بكل حكم في كل شيء حكما ذاتيا لا يكون إلا هكذا فسمى نفسه بأسمائه فحكم عليه بها و سمي ما ظهر به من الأحكام الإلهية في أعيان الأشياء ليميز بعضها عن بعض كما ميز جسم الإنسان عن روحه و ليس إنسانا إلا بمجموعه كما تسمى خالقا به و بخلقه فلا يقال في روح الإنسان إنها عين الإنسان و لا غيره و كذلك في حقائقه و لوازمه و عوارضه لا يقال في يد الإنسان و لا في شيء من أعضائه أنه عين الإنسان و لا غير الإنسان كذلك أعيان العالم لا يقال إنها عين الحق و لا غير الحق بل الوجود كله حق و لكن من الحق ما يتصف بأنه مخلوق و منه ما يوصف بأنه غير مخلوق لكنه كل موجود فإنه موصوف بأنه محكوم عليه بكذا فنقول في الله إنه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَفحكمنا عليه بهذا النعت و قلنا في المسمى سواه إنه فقير إلى الله فحكمنا عليه فالكل محكوم عليه كما حكمنا على كل شيء بالهلاك و حكمنا على وجهه بالاستثناء من حكم الهلاك فهو أول محكوم عليه من عين هويته فمما حكم به على هويته أن وصف نفسه بأن له نفسا بفتح الفاء و أضافه إلى الاسم الرحمن لنعلم إذا ظهرت أعياننا و بلغتنا سفراؤه هذا الأمر شمول الرحمة و عمومها و مال الناس و الخلق كله إليها فإن الرحمن لا يظهر عنه إلا المرحوم فافهم فالنفس أول غيب ظهر لنفسه فكان فيه الحق من اسمه الرب مثل العرش اليوم الذي استوى عليه بالاسم الرحمن و هو أول كثيف شفاف نوري ظهر فلما تميز عمن ظهر عنه و ليس غيره و جعله تعالى ظرفا له لأنه لا يكون ظرفا له إلا عينه فظهر حكم الخلأ بظهور هذا النفس و لو لا ذلك ما قلنا خلاء ثم أوجد في هذا العماء جميع صور العالم الذي قال فيه إنه هالك يعني من حيث صوره إِلَّا وَجْهَهُ يعني إلا من حقيقته فإنه غير هالك فالهاء في وجهه تعود على الشيء فكل شيء من صور العالم هالك إلا من حقائقه فليس بهالك و لا يتمكن أن يهلك و مثال ذلك للتقريب أن صورة الإنسان إذا هلكت و لم يبق لها في الوجود أثر لم تهلك حقيقته التي يميزها الحد و هي عين الحد له فنقول الإنسان حيوان ناطق و لا نتعرض لكونه موجودا أو معدوما فإن هذه الحقيقة لا تزال له و إن لم تكن له صورة في الوجود فإن المعلوم لا يزول من العلم فالعلم ظرف المعلومات فصورة العالم بجملته صورة دائرة فلكية ثم اختلفت فيها صور الأشكال من تربيع و تثليث و تسديس إلى ما لا يتناهى حكما لا وجودا و الملائكة الحافون من حول العرش ما لهم سباحة إلا في هذا العماء المستدير الذي ظهر فيه أيضا عين العرش على التربيع بقوائمه و حملته من صور المعاني و صور أجسامها التي هي الحروف الدالة عليها فإن المعنى لا يستدل عليه إلا من حكم صورته و هو الحرف و الحرف لا يعلم إلا من حيث معناه فهو العالم العلم المعلوم فما في الوجود إلا الواحد الكثير و فيه ظهرت الملائكة المهيمة و العقل و النفس و الطبيعية و الطبيعة هي أحق نسبة بالحق مما سواها فإن كل ما سواها ما ظهر إلا فيما ظهر منها و هو النفس بفتح الفاء و هو الساري في العالم أعني في صور العالم و بهذا الحكم يكون تجلى الحق في الصور التي ذكرها عن نفسه لمن عقل عنه ما أخبر به عن نفسه تعالى فانظر في عموم حكم الطبيعية و انظر في قصور حكم العقل لأنه في الحقيقة صورة من صور الطبيعة بل من صور العماء و العماء هو من صور الطبيعة و إنما جعل من جعل رتبة الطبيعة دون النفس و فوق الهيولى لعدم شهوده الأشياء و إن كان صاحب شهود و مشى هذه المقالة فإنه يعني بها الطبيعة التي ظهرت بحكمها في الأجسام الشفافة من العرش فما حواه فهي بالنسبة إلى الطبيعة نسبة البنت إلى المرأة التي هي الأم فتلد كما تلد أمها و إن كانت البنت مولودة عنها فلها ولادة على كل من يولد عنها و كذلك العناصر عندنا القريبة إلينا هي طبيعة ما تولد عنها و كذلك الأخلاط في جسم الحيوان فلهذا سميناها طبيعة كما نسمي البنت و البنات و الأم أنثى و نجمعها إناثا و إنما ذكرنا هذا لما نظهره من الأشكال لضرب الأمثال للتقريب على الأفهام القاصرة عن إدراك المعاني من غير مثل فإن الله ما جعل معرفة الإنسان نفسه إلا ضرب مثال لمعرفة ربه إذ لو لم يعرف نفسه لم يعرف ربه و هذا صورة العماء الذي هو الجسم الحقيقي العام الطبيعي الذي هو صورة من قوة الطبيعية تجلى لما يظهر فيه من الصور و ما فوقه رتبة إلا رتبة الربوبية التي طلبت صورة العماء من الاسم الرحمن فتنفس فكان العماء فشبهه لنا الشرع مما ذكر عنه من هذا الاسم فلما فهمنا صورته بالتقريب قال ما فوقه هواء يعلو عليه فما فوقه إلا حق و ما تحته هواء يعتمد عليه أي ما تحته شيء ثم ظهرت فيه الأشياء فالعماء أصل الأشياء و الصور كلها و هو أول فرع ظهر من أصل فهو نجم لا شجر ثم تفرعت منه أشجار إلى منتهى الأمر و الخلق و هو الأرض و ذلك بتقدير العزيز العليم فهذا المثل المضروب المشكل الممثل الذي نضربه و نشكله هو العماء و هو الدائرة المحيطة و هو فلك الإشارات و النقط التي في الدائرة مثال أعيان الأرواح المهيمة و النقطة العظمى في هذه النقط العقل و الدائرة التي إلى جانب النقطة العظمى التي في داخلها نقطتان هي النفس الكل و اللوح المحفوظ و تانك النقطتان فيهما القوتان العلمية و العملية و الأربع النقط المجاورات لدائرة النفس رتبة الطبيعة التي هي بنت الطبيعة العظمى و الدائرة التي في جوف هذه الدائرة العظمى هي جوهر الهيولى و هو الهباء و الشكل المربع فيه هو العرش و الدائرة في جوف هذا الشكل المربع هو الكرسيموضع القدمين و الدائرة التي في جوفه هي الفلك الأطلس و الدوائر الثمانية هي الجنات و الدائرة التي تحت الثمانية هو الفلك المكوكب فلك المنازل و ما تحت مقعره هو جهنم و فيما تحت مقعره انفتحت أشكال السموات و الأرض و ما بينهما من الأركان و الكواكب الثابتة كل ذلك جهنم فإذا بدلت السماء و الأرض فإنما يقع التبديل في الصور لا في الأعيان و إن كانت الأعيان صورا و لكن إذا علم المراد فلا مشاحة في الألفاظ و العبارات و الخطان اللذان تحت الشكل المربع المسمى عرشا الخط الواحد الماء و الآخر الهواء و اتصاف الدوائر التي في جوف فلك الكواكب هي السموات و الخطوط التي تستقر عليها أطراف إنصاف الدوائر الأرض و ما بين القبة التي في أول خط من خطوط الأرض ثلاثة خطوط بالحمرة هي الثلاثة الأركان الماء و الهواء و النار و المقادير المعينة في الفلك الأطلس هي البروج و المقادير المعينة في الفلك الموكب هي المنازل و كل قبة من القباب السبعة فيها نقطة حمراء هي صورة كوكب كل قبة ثم جميع ما في جوف الفلك المكوكب يستحيل في الآخرة إلى صور غير هذه الصور و في جوف الفلك المكوكب يكون الحشر و النشر و الحساب و العرش الذي يتجلى فيه الحق للفصل و القضاء و الملائكة في تلك الأرض سبعة صفوف بين يدي ذلك العرش و الناس و الجان بين العرش و صفوف الملائكة و الصراط منصوب كالخط الذي يقسم الدائرة نصفين و ينتهي إلى المرج الذي خارج سور الجنة موضع المأدبة التي يأكلها أهل الجنة قبل دخول الجنة و بعد الجواز على الصراط و سأشكل هذا كله و أمثاله و اكتب على كل شكل اسم المراد به فمن ذلك صورة العماء و ما يحوي عليه إلى عرش الاستواء فإن موضع صور الأشكال ضيق هنا لا يتسع لصور ما نريد تشكيلة واحدة فإنه لو اتسع كان أبين للناظر فيه

و من ذلك صورة عرش الاستواء و الكرسي و القدمان و الماء الذي عليه العرش و الهواء الذي يمسك الماء و الظلمة

و من ذلك صورة الفلك الأطلس و الجنات و سطح فلك الكواكب و شجرة طوبى

و من ذلك صورة الفلك المكوكب و قباب السموات و ما تستقر عليه و هو الأرض و الأركان الثلاثة و العمد الذي يمسك الله به القبة و المعدن و النبات و الحيوان و الإنسان

و من ذلك صورة أرض المحشر و ما يحوي عليه من الأعيان و المراتب و عرش الفصل و القضاء و حملته و صفوف الملائكة

و من ذلك صورة جهنم و أبوابها و منازلها و دركاتها

و من ذلك صورة حضرة الأسماء الإلهية و الدنيا و الآخرة و البرزخ

و من ذلك صورة كثيب الرؤية و مراتب الخلق فيه

و من ذلك صورة العالم كله و ترتيب طبقاته روحا و جسما و علوا و سفلا

«وصل» فلنتكلم على كل صورة صورة منها على ما هو الأمر عليه في نفسه في فصول تسعة كما رسمناها في وجوه تسعة من التصوير و ما جعلتها على الترتيب من التقديم و التأخير و لكن الكلام عليها يبين المتقدم من ذلك و المتأخر و المجمل و المفصل «الفصل الأول في ذكر العماء و ما يحوي عليه إلى عرش الاستواء» اعلم أن الله موصوف بالوجود و لا شيء معه موصوف بالوجود من الممكنات بل أقول إن الحق هو عين الوجود و هو قول رسول الله ص كان الله و لا شيء معه يقول الله موجود و لا شيء من العالم موجود فذكر عن نفسه بدء هذا الأمر أعني ظهور العالم في عينه و ذلك أن الله تعالى أحب أن يعرف ليجود على العالم بالعلم به عز و جل و علم أنه تعالى لا يعلم من حيث هويته و لا من حيث يعلم نفسه و أنه لا يحصل من العلم به تعالى في العالم إلا أن يعلم العالم أنه لا يعلم و هذا القدر يسمى علما كما قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك إذ قد علم إن في الوجود أمرا ما لا يعلم و هو الله و لا سيما للممكنات من حيث إن لها أعيانا ثابتة لا موجودة مساوقة لواجب الوجود في الأزل كما إن لنا تعلقا سمعيا ثبوتيا لا وجوديا بخطاب الحق إذا خاطبنا و أن لها قوة الامتثال كذلك لها جميع القوي من علم و بصر و غير ذلك كل أمر ثبوتي و حكم محقق غير وجودي و على تلك الأعيان و بها تتعلق رؤية من يراها من الموجودات كما ترى هي نفسها رؤية ثبوتية فلما اتصف لنا بالمحبة و المحبة حكم يوجب رحمة الموصوف بها بنفسه و لهذا يجد المتنفس راحة في تنفسه فبروز النفس من المتنفس عين رحمته بنفسه فما خرج عنه تعالى إلا الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فانسحبت على جميع العالم ما كان منه و ما لا يكون إلى ما لا يتناهىفأول صورة قبل نفس الرحمن صورة العماء فهو بخار رحماني فيه الرحمة بل هو عين الرحمة فكان ذلك أول ظرف قبله وجود الحق فكان الحق له كالقلب للإنسان كما أنه تعالى لقلب الإنسان العارف المؤمن كالقلب للإنسان فهو قلب القلب كما أنه ملك الملك فما حواه غيره فلم يكن إلا هو ثم إن جوهر ذلك العماء قبل صور الأرواح من الراحة و الاسترواح إليها و هي الأرواح المهيمة فلم تعرف غير الجوهر الذي ظهرت فيه و به و هو أصلها و هو باطن الحق و غيبه ظهر فظهر فيه و به العالم فإنه من المحال أن يظهر العالم من حكم الباطن فلا بد من ظهور حق به يكون ظهور صور العالم فلم يكن غير العماء فهو الاسم الظاهر الرحمن فهامت في نفسها ثم أيه واحدا من هذه الصور الروحية بتجل خاص علمي انتقش فيه علم ما يكون إلى يوم القيامة مما لا تعلمه الأرواح المهيمة فوجد في ذاته قوة امتاز بها عن سائر الأرواح فشاهدهم و هم لا يشاهدونه و لا يشهد بعضهم بعضا فرأى نفسه مركبا منه و من القوة التي وجدها علم بها صدوره كيف كان و علم إن في العلم حقائق معقولات سماها معقولات من حيث إنه عقلها لما تميزت عنده فلم يكن لها أن يكون كل واحدة منها عين الأخرى فهي للحق معلومات و للحق و لأنفسها معقولات و لا وجود لها في الوجود الوجودي و لا في الوجود الإمكانى فيظهر حكمها في الحق فتنسب إليه و تسمى أسماء إلهية فينسب إليها من نعوت الأزل ما ينسب إلى الحق و تنسب أيضا إلى الخلق بما يظهر من حكمها فيه فينسب إليها من نعوت الحدوث ما ينسب إلى الخلق فهي الحادثة القديمة و الأبدية الأزلية و علم عند ذلك هذا العقل أن الحق ما أوجد العالم إلا في العماء و رأى أن العماء نفس الرحمن فقال لا بد من أمرين يسميان في العلم النظري مقدمتين لإظهار أمر ثالث هو نتيجة ازدواج تينك المقدمتين و رأى أن عنده من الحق ما ليس عند الأرواح المهيمة فعلم أنه أقرب مناسبة للحق من سائر الأرواح و رأى في جوهر العماء صورة الإنسان الكامل الذي هو للحق بمنزله ظل الشخص من الشخص و رأى نفسه ناقصا عن تلك الدرجة و قد علم ما يتكون عنه من العالم إلى آخره في الدنيا و في المولدات فعلم أنه لا بد أن يحصل له درجة الكمال التي للإنسان الكامل و إن لم يكن فيها مثل الإنسان فإن الكمال في الإنسان الكامل بالفعل و هو في العقل الأول بالقوة و ما كان بالقوة و الفعل أكمل في الوجود ممن هو بالقوة دون الفعل و لهذا وجد العامل في عينه فأخرجه من القوة إلى الفعل ليتصف بكمال الاقتدار و لو كان في الإمكان إيجاد الممكنات كلها لما ترك منها واحدا منعوتا بالعدم لكن يستحيل ذلك لعدم التناهي و ما يدخل في الوجود فلا بد أن يكون متناهيا فتجلى له الحق فرأى لذاته ظلالان ذلك التجلي كان كالكلام لموسى من جانب الطور كذلك كان التجلي الإلهي لهذا العقل من الجانب الأيمن فإن لله يدين مباركتين مبسوطتين يعني فيهما الرحمة فلم يقرن بهما شيئا من العذاب فيعطي رحمة يبسطها و يعطي رحمة يقبضها فإن القبض ضم إليه و البسط انفساخ فيه فكان ذلك الظل الممتد عن ذات العقل من نور ذلك التجلي و كثافة المحدث بالنظر إلى اللطيف الخبير نفسا و هو اللوح المحفوظ و الطبيعة الذاتية مع ذلك كله و تسمى هناك حياة و علما و إرادة و قولا كما تسمى في الأجسام حرارة و برودة و يبوسة و رطوبة كما تسمى في الأركان نارا و هواء و ماء و ترابا كما تسمى في الحيوان سوداء و صفراء و بلغما و دما و العين واحدة و الحكم مختلف

فالعين واحدة و الحكم مختلف و ذاك سر لأهل العلم ينكشف

ثم صرف العقل وجهه إلى العماء فرأى ما بقي منه لم يظهر فيه صورة و قد أبصر ما ظهرت فيه الصور منه قد أنار بالصور و ما بقي دون صورة رآه ظلمة خالصة و رأى أنه قابل للصور و الاستنارة فاعلم إن ذلك لا يكون إلا بالتحامك بظلك فعمه التجلي الإلهي كما تعم لذة الجماع نفس الناكح حتى تغيبه عن كل معقول و معلوم سوى ذاتها فلما عمه نور التجلي رجع ظله إليه و اتحد به فكان نكاحا معنويا صدر عنه العرش الذي ذكر الحق أنه استوى عليه الاسم الرحمن فقال الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى فما أنكره من أنكره أعني الاسم الرحمن إلا للقرب المفرط و لم يقروا بالله إلا لما يتضمنه هذا الاسم من الرحمة و القهر فعلم و جهل الرحمن فقالوا وَ ما الرَّحْمنُ و لو قالها بلسان غير العربي لقال ما يشبه هذا المعنى و يقع الإنكار منهم أيضا فلا أقرب من الرحمة إلى الخلق لأنه ما ثم أقرب إليهم من وجودهم و وجودهم رحمة بلا شك «الفصل الثاني» في صورة العرش و الكرسي و القدمين و الماءالذي عليه العرش و الهواء الذي عليه الماء و الظلمةالتي ظهر عنها الهواء الذي يمسك الماء و يمسك عليه الجرية و الحملة و الحافين اعلم أن هذه الظلمة هي ظلمة الغيب و لهذا سميت ظلمة أي لا يظهر ما فيها فكلما برز من الغيب ظهر لنا فنحن تنظر إلى ما ظهر من صور العالم في مرآة الغيب و لا نعرف أن ذلك في مرآة غيب و هي للحق كالمرآة فإذا تجلى الحق لها انطبع فيها ما في العلم الإلهي من صور العالم و أعيانه و ما زال الحق متجليا لها فما زالت صور العالم في الغيب و كل ما ظهر لمن وجد من العالم فإنما هو ما يقابله في نظره في هذه المرآة التي هي الغيب فلو جاز أن يعلم جميع ما في علم الحق و ذلك لا يجوز فلا يجوز أن يرى من صور العالم في هذه المرآة إلا ما تراءى له منها فكان مما رآه فيها صورة العرش الذي استوى الرحمن عليه و هو سرير ذو أركان أربعة و وجوه أربعة هي قوائمه الأصلية التي لو استقبل بها لثبت عليه إلا أنه في كل وجه من الوجوه الأربعة التي له قوائم كثيرة على السواء في كل وجه معلومة عندنا إعدادها زائدة على القواعد الأربعة و جعله مجوفا محيطا بجميع ما يحوي عليه من كرسي و أفلاك و جنات و سماوات و أركان و مولدات فلما أوجده استوى عليه الرحمن واحد الكلمة لا مقابل لها فهو رحمة كله ليس فيه ما يقابل الرحمة و هو صورة في العماء فالعقل أبوه و النفس أمه و لذلك استوى عليه الرحمن فإن الأبوين لا ينظران أبدا لولدهما إلا بالرحمة و الله أرحم الراحمين و النفس و العقل موجودان كريمان على الله محبوبان لله فما استوى على العرش إلا بما تقر به أعين الأبوين و هو الرحمن فعلمنا أنه ما يصدر عنه إلا ما فيه رحمة و إن وقع ببعض العالم غصص فذلك لرحمة فيه لو لا ما جرعه إياها اقتضى ذلك مزاج الطبع و مخالفة الغرض النفسي فهو كالدواء الكرية الطعم الغير المستلذ و فيه رحمة للذي يشربه و يستعمله و إن كرهه ف باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَ ظاهِرُهُ من قِبَلِهِ الْعَذابُ و ما استوى عليه الرحمن تعالى إلا بعد ما خلق الأرض وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها و خلق السموات وَ أَوْحى في كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها و فرغ من خلق هذه الأمور كلها و رتب الأركان ترتيبا يقبل الاستحالات لظهور التكوين و التنقل من حال إلى حال و بعد هذا اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ قال تعالى فَسْئَلْ به خَبِيراً الضمير في قوله به يعود على الاستواء أي فاسأل بالاستواء خبيرا يعني كل من حصل له ذلك ذوقا كأمثالنا فإن أهل الله ما علموا الذي علموه إلا ذوقا ما هو عن فكر و لا عن تدبر فهو تعالى النازل الذي لا يفارق المنزل و لا النزول فهو مع كل شيء بحسب حال ذلك الشيء و في ليلة تقييدي هذا الوجه أراني الحق في واقعتي رجلا ربع القامة فيه شقرة فقعد بين يدي و هو ساكت فقال لي الحق هذا عبد من عبادنا أفده ليكون هذا في ميزانك فقلت له من هو فقال لي هذا أبو العباس بن جودي من ساكني البشرات و أنا ذا ذاك في دمشق فقلت له يا رب و كيف يستفيد مني و أين أنا منه فقال لي قل فإنه يستفيد منك فكما أريتك إياه أريته إياك فهو الآن يراك كما تراه فخاطبه يسمع منك و يقول هو مثل ما تقول أنت يقول أريت رجلا بالشام يقال له محمد بن العربي و سماني أفادني أمرا لم يكن عندي فهو أستاذي فقلت له يا أبا العباس ما الأمر قال كنت أجهد في الطلب و أنصب و ابذل جهدي فلما كشف لي علمت أني مطلوب فاسترحت من ذلك الكد فقلت له يا أخي من كان خيرا منك و أوصل بالحق و أتم في الشهود و أكشف للأمر قيل له و قل رب زدني علما فأين الراحة في دار التكليف ما فهمت ما قيل لك قولك علمت أني مطلوب و لم تدر بما ذا أنعم أنت مطلوب بما كنت عليه من الاجتهاد و الجد ما هذه الدار دار راحة فإذا فرغت من أمر أنت فيه فانصب في أمر يأتيك في كل نفس فأين الفراغ فشكرني على ما ذكرته به فانظر عناية الله بنا و به ثم نرجع فنقول ثم إنه تعالى خلق ملائكة من أنوار العرش يحفون بالعرش و جعل فيما خلق من الملائكة أربع حملة تحمل العرش من الأربع القوائم الذي هو العرش عليها و كل قائمة مشتركة بين كل وجهين إلى حد كل نصف وجه و جعل أركانه متفاضلة في الرتبة فأنزلني في أفضلها و جعلني من جملة حملته فإن الله و إن خلق ملائكة يحملون العرش فإن له من الصنف الإنساني أيضا صورا تحمل العرش الذي هو مستوي الرحمن أنا منهم و القائمة التي هي أفضل قوائمه هي لنا و هي خزانة الرحمة فجعلني رحيما مطلقا مع علمي بالشدائد و لكن علمت أنه ما ثم شدة إلا و فيها رخاوة و لا عذاب إلا و فيه رحمة و لا قبض إلا و فيه بسط و لا ضيق إلا و فيه سعة فعلمت الأمرين و القائمة التي على يميني قائمة رحمة أيضا لكن ما فيها علم شدة فينقص حاملها في الدرجة عن حاملالقائمة العظمى التي هي أعم القوائم و القائمة التي على يساري قائمة الشدة و القهر فحاملها لا يعلم غير ذلك و القائمة الرابعة التي تقابلني أفاضت عليها القائمة التي أنا فيها مما هي عليه فظهرت بصورتها فهي نور و ظلمة و فيها رحمة و شدة و في نصف كل وجه قائمة فهي ثمانية قوائم لا حامل لتلك الأربعة اليوم إلى يوم القيامة فإذا كان في القيامة وكل الله بها من يحملها فيكونون في الآخرة ثمانية و هم في الدنيا أربعة و ما بين كل قائمتين قوائم العرش عليها و بها زينته و عددها معلوم عندنا لا أبينه لئلا يسبق إلى الأفهام القاصرة عن إدراك الحقائق إن تلك القوائم عين ما توهموه و ليست كذلك فلهذا لم نتعرض لإيضاح كميتها و بين مقعر العرش و بين الكرسي فضاء واسع و هواء محترق و صور أعمال بعض بنى آدم من الأولياء في زوايا العرش تطير من مكان إلى مكان في ذلك الانفساح الرحماني و قوائم هذا العرش على الماء الجامد و لذلك يضاف البرد إلى الرحمة كما قال ص وجدت برد أنامله فأعطاه العلم الذي فيه الرحمة فالعرش إنما يحمله الماء الجامد و الحملة التي له إنما هي خدمة له تعظيما و إجلالا و ذلك الماء الجامد مقره على الهواء البارد و هو الذي جمد الماء و ذلك الهواء نفس الظلمة التي هي الغيب و لا يعلم أحد ما تلك الظلمة إلا الله كما قال عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً و فيها يكون الناس على الجسر إذا بدلت الأرض غير الأرض و التبدل في الصفة لا في العين فتكون أرض صلاح لا أرض فساد و تمد مد الأديم ف لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و سيأتي ذكر ذلك في فصله من هذه الفصول إن شاء الله و خلق الكرسي في جوف هذا العرش مربع الشكل و دلى إليه القدمين فانقسمت الكلمة الواحدة التي هي في العرش واحدة فهي في العرش رحمة واحدة إليها مال كل شيء و انقسمت في الكرسي إلى رحمة و غضب مشوب برحمة اقتضى ذلك التركيب لما يريد الله أن يظهر في العالم من القبض و البسط و الأضداد كلها فإنه المعز المذل و القابض الباسط و المعطي المانع قال تعالى أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ فهذا من انقسام الكلمة غير إن الأمر إذا كان ذاتيا لم يكن إلا هذا

انظر إلى الكون في تفصيله عجباو مرجع الكل في العقبي إلى الله
في الأصل متفق في الصور مختلفدنيا و آخرة فالحكم لله
في الله من كونه مجلى لعالمهو لا يرى الكون إلا الله بالله
فاعلم وجودك أن الجود موجدةو كن بذاك على علم من الله

فكما استوى الرحمن على العرش استوت القدمان على الكرسي و هو على شكل العرش في التربيع لا في القوائم و هو في العرش كحلقة ملقاة فالكرسي موضع راحة الاستواء فإنه ما تدلى إليه ما تدلى إلا مباسطة و القدم الثبوت فتانك قدم الصدق و قدم الجبار و قدم الجبر و قدم الاختيار و لهاتين القدمين مراتب كثيرة في العلم الإلهي لا يتسع الوقت لا يرادها لما ذهبنا إليه في هذا الكتاب من الإيجاز و الاختصار و مقر هذا الكرسي أيضا على الماء الجامد و في جوف هذا الكرسي جميع المخلوقات من سماء و أركان هي فيه كهو في العرش سواء و له ملائكة من المقسمات و لهذا انقسمت الكلمة فيه لأن هذا الصنف لا يعرفون أحدية و إن كانت فيهم فإن الله و كلهم بالتقسيم مع الأنفاس فلو أشهدهم الأحدية منهم و من الأمور كلها ربما شغلوا بها نفسا واحدا عن التقسيم الذي خلقوا له و هم المطيعون كما أخبر الله عنهم فحيل بينهم و بين مشاهدة الوحدات فآية وحدة تجلت لهم قسموها بالحكم فلا يشهدون إلا القسمة في كل شيء و لا غفلة عندهم و لا نسيان لما علموه و أما ملائكة التوحيد و الوحدات إذا جمعهم مع المقسمات مجلس إلهي و جرت بينهما مفاوضات في الأمر اختصما لأنهما على النقيض و هذا من جملة ما يختصم فيه الملأ الأعلى فيقول الصنف الواحد بالوحدة و يقول الآخر بالانقسام و الثنوية لم توجد أرواحهم إلا من هذه الأرواح و لم توجد هذه الأرواح إلا من القوتين اللتين في النفس الكلية

فالنفس لا تعرف إلا بهو الحق لا يعرف إلا بها
فكن له من ذاته منزهاو كن له من نفسه مشبها
و من يكن على الذي وصيتهكان بما أوصيته منتبها

و اعلم علمك الله أن الوهية المخلوقين من هذه الحضرة ظهرت في العالم لما تعطيه من انقسام كل شيء فما ظهر في العالم إلا ما خلق تعالى فيه و علمه و ما اختص العلماء بالله و حصل لهم الشفوف على غيرهم إلا بمصادر الأشياء من أين ظهرت في العالم و التقابل لا نشك أنه انقسام في مقسوم فلا بد من عين جامعة تقبل القسمة و لما كان عذر العالم مقبولا في نفس الأمر لكونهم مجبورين في اختيارهم لذلك جعل الله مال الجميع إلى الرحمة فهو الغفور لما ستر من ذلك عن قلوب من لم يعلمه بصورة الأمر رحمة به لأنه الرحيم في غفرانه لعلمه بأن مزاجه لا يقبل فالمنع من القابل لتضمنه مشيئة الحق لكون العين قابلة لكل مزاج فما اختصت واحدة على التعيين بمزاج دون غيره مع كونها قابلة لكل مزاج إلا لحكم المشيئة الإلهية و إلى هذا إذا صعدت أرواح الثنوية يكون معراجها ليس لها قدم في غيره فلها طريق خاص وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ «فصل ثالث في الفلك الأطلس و البروج و الجنات و شجرة طوبى و سطح الفلك المكوكب» اعلم أن الله خلق في جوف هذا الكرسي الذي ذكرناه جسما شفافا مستديرا قسمه اثني عشر قسما سمي الأقسام بروجا و هي التي أقسم بها لنا في كتابه فقال تعالى وَ السَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ و أسكن كل برج منها ملكا هم لأهل الجنة كالعناصر لأهل الدنيا فهم ما بين مائي و ترابي و هوائي و ناري و عن هؤلاء يتكون في الجنات ما يتكون و يستحيل فيها ما يستحيل و يفسد ما يفسد أعني ينفسد بتغير نظامه إلى أمر آخر ما هو الفساد المذموم المستخبث فهذا معنى يفسد فلا تتوهم و من هنا قالت الإمامية بالاثني عشر إماما فإن هؤلاء الملائكة أئمة العالم الذي تحت إحاطتهم و من كون هؤلاء الاثني عشر لا يتغيرون عن منازلهم لذلك قالت الإمامية بعصمة الأئمة لكنهم لا يشعرون أن الإمداد يأتي إليهم من هذا المكان و إذا سعد و أسرت أرواحهم في هذه المعارج بعد الفصل و القضاء النافذ بهم إلى هذا الفلك تنتهي لا تتعداه فإنها لم تعتقد سواه فهم و إن كانوا اثني عشر فهم على أربع مراتب لأن العرش على أربع قوائم و المنازل ثلاثة دنيا و برزخ و آخرة و ما ثم رابع و لكل منزل من هذه المنازل أربعة لا بد منهم لهم الحكم في أهل هذه المنازل فإذا ضربت ثلاثة في أربعة كان الخارج من هذا الضرب اثني عشر فلذلك كانوا اثني عشر برجا و لما كانت الدار الدنيا تعود نارا في الآخرة بقي حكم الأربعة عليها التي لها و البرزخ في سوق الجنة و لا بد فيه من حكم الأربعة و الجنة لا بد فيها من حكم الأربعة فلا بد من البروج فالحمل و الأسد و القوس على مرتبة واحدة من الأربعة في مزاجهم و الثور و السنبلة و الجدي على مرتبة أخرى ولاة أيضا و الجوزاء و الميزان و الدالي على مرتبة أخرى ولاة أيضا و السرطان و العقرب و الحوت على مرتبة أخرى ولاة أيضا لأن كل واحد من كل ثلاثة على طبيعة واحدة في مزاجهم لكن منازل أحكامهم ثلاثة و هم أربعة ولاة في كل منزل و كل واحد منهم له الحكم في كل منزل من الثلاثة كما إن اليوم و الليلة لواحد من السبع الجواري الخنس الكنس هو و إليها و صاحبها الحاكم فيها و لكن للباقي من الجواري فيه حكم مع صاحب اليوم فلا يستقل دون الجماعة إلا بأول ساعة من يومه و ثامن ساعة و كذلك الليل و الآخرة مثل ذلك و إن كان لها الأسد كما كان للدنيا السرطان فلا بد لباقي البروج من حكم فيها كذلك البرزخ و إن كان له السنبلة فلا بد لكل واحد من الباقين من حكم فيها و ما ثم منزل ثالث إلا بتبدل الدنيا بالنار فإنه قد كان صاحب الدنيا بحكم الأصل السرطان فلما عادت نارا عزل السرطان و وليها برج الميزان و تبعه الباقون في الحكم فانظر ما أعجب هذا فإذا انقضى عذاب أهل النار وليها برج الجوزاء و لا بد لمن بقي من البروج حكم في ولاية هذا الوالي و إذا كان الحكم لواحد من هؤلاء في وقت نظره فيهم كان مزاج القابل في الآخرة على حكم النقيض حتى يتنعم به إذا حكم عليه هذا في المال خاصة لأن المال رحمة مطلقة عامة فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا أعني بِفَضْلِ الله وَ بِرَحْمَتِهِ فإنه خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ و لما أدار الله الفلك الأطلس بما جعل فيه من الولاة و الحكام و جعل منتهى دورته يوما كاملا لا ليل فيه و لا نهار أوجد ما فيه عند حركته و بما ألقى و أوحى به إلى النواب من الحكم في ذلك و جعللأحكامهم في كل عين مدة معلومة محصورة تتنوع تلك المدد بحسب المنزل الدنياوي و الأخراوي و البرزخى و الحكم البرزخى أسرعه مدة و أكثره حكما كذا و سنيه على قدر أيامه و الأيام متفاضلة فيوم نصف دورة و يوم دورة كاملة و يوم من ثمان و عشرين دورة و أكثر من ذلك إلى يوم المعارج و أقل من ذلك إلى يوم الشئون و ما بين هذين اليومين درجات للأيام متفاضلة و جعل لكل نائب من هؤلاء الأملاك الاثني عشر في كل برج ملكه إياه ثلاثين خزانة تحتوي كل خزانة منها على علوم شتى يهبون منها لمن نزل بهم عن قدر ما تعطيه رتبة هذا النازل و هي الخزائن التي قال الله فيها وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و هذا النازل بهم ما يصرف ما حصل له من هذه الخزائن من العلوم في نفسه فإن حظه منها حظ حصولها و يصرف ما حصل له في عالم الأركان و المولدات و الإنسان فمن النازلين من يقيم عندهم يوما في كل خزانة و ينصرف و هو أقل النازلين إقامة و أما أكثر النازلين إقامة فهو الذي يقيم عند كل خزانة ليحصل منها على قدر رتبته عند الله و ما يعطيه استعداده مائة سنة و باقي النازلين ما بين مائة سنة و اليوم و أعني باليوم قدر حركة هذا الفلك الأطلس و أعني بالمائة سنة كل سنة ثلاث مائة و ستين يوما من أيام هذه الحركة فاعلم ذلك و هذه الخزائن تسمى عند أهل التعاليم درجات الفلك و النازلون بها هم الجواري و المنازل و عيوقاتها من الثوابت و العلوم الحاصلة من هذه الخزائن الإلهية هي ما يظهر في عالم الأركان من التأثيرات بل ما يظهر من مقعر فلك الكواكب الثابتة إلى الأرض و سميت ثابتة لبطئها عن سرعة الجواري السبعة و جعل لهؤلاء الاثني عشر نظرا في الجنات و أهلها و ما فيها مخلصا من غير حجاب فما يظهر في الجنان من حكم فهو عن تولي هؤلاء الاثني عشر بنفوسهم تشريفا لأهل الجنة و أما أهل الدنيا و أهل النار فما يباشرون ما لهم فيها من الحكم إلا بالنواب و هم النازلون عليهم الذين ذكرناهم فكل ما يظهر في الجنات من تكوين و أكل و شرب و نكاح و حركة و سكون و علوم و استحالة و مأكول و شهوة فعلى أيدي هؤلاء النواب الاثني عشر من تلك الخزائن بإذن الله عز و جل الذي استخلفهم و لهذا كان بين ما يحصل عنهم بمباشرتهم و بين ما يحصل عنهم بغير مباشرتهم بل بوساطة النازلين بهم الذين هم لهم في الدنيا و النار كالحجاب و النواب بون عظيم و فرقان كبير يحصل علم ذلك الفرقان في الدنيا لمن اتقى الله و هو قوله في هذا و أمثاله إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و هو علم هذا و أمثاله وَ يُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي يستر عنكم ما يسوؤكم فلا ينالكم أ لم من مشاهدته فإن رؤية السوء إذا رآه من يمكن أن يكون محلا له و إن لم يحل به فإنه تسوءه رؤيته و ذلك لحكم الوهم الذي عنده و الإمكان العقلي و يغفر لكم أي و يستر من أجلكم ممن لكم به عناية في دعاء عام أو خاص معين فالدعاء الخاص ما تعين به شخصا بعينه أو نوعا بعينه و العام ما ترسله مطلقا على عباد الله ممن يمكن أن يحل بهم سوء وَ الله ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ بما أوجبه على نفسه من الرحمة و بما امتن به منها على من استحق العذاب كالعصاة في الأصول و الفروع و هؤلاء النواب الاثنا عشر هم الذين تولوا بناء الجنات كلها الا جنة عدن فإن الله خلقها بيده و جعلها له كالقلعة للملك و جعل فيها الكثيب إلا بيض من المسك و هو الظاهر من الصورة التي يتجلى فيها الرب لعباده عند الرؤية كالمسك بفتح الميم من الحيوان و هو الجلد و هو الغشاء الظاهر للابصار من الحيوان و جعل بأيديهم غراس الجنات إلا شجرة طوبى فإن الحق تعالى غرسها بيده في جنة عدن و أطالها حتى علت فروعها سور جنة عدن و تدلت مطلة على سائر الجنات كلها و ليس في أكمامها ثمر إلا الحلي و الحلل لباس أهل الجنة و زينتهم زائدا في الحسن و البهاء على ما تحمل أكمام شجر الجنات من ذلك لأن لشجرة طوبى اختصاص فضل بكون الله خلقها بيده فإن لباس أهل الجنة ما هو نسج ينسج و إنما تشقق عن لباسهم ثمر الجنة كما تشقق الأكمام هنا عن الورد و عن شقائق النعمان و ما شاكلهما من الأزهار كلها كما ورد في الخبر الصحيح كشفا و الحسن نقلا أن رسول الله ص كان يخطب بالناس فدخل رجل فقال يا رسول الله أو قام رجل من الحاضرين الشك مني فقال يا رسول الله ثياب أهل الجنة أ خلق تخلق أم نسج تنسج فضحك الحاضرون من كلامه فكره ذلك رسول الله ص منهم و قال أ تضحكون أن سأل جاهل عالما يا هذا و أشار إلى السائل بل تشقق عنها ثمر الجنة فحصل لهم علم لم يكونوا عرفوه و أدار بجنة عدن سائر الجنات و بين كلجنة و جنة سور يميزها عن صاحبتها و سمي كل جنة باسم معناه سار في كل جنة و إن اختصت هي بذلك الاسم فإن ذلك الاسم الذي اختصت أمكن ما هي عليه من معناه و أفضله مثل قوله ص أقضاكم علي و أعلمكم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل و أفرضكم زيد و إن كان كل واحد منهم يعلم القضاء و الحلال و الحرام و الفرائض و لكن هو بمن سمي به أخص و هي جنة عدن و جنة الفردوس و جنة النعيم و جنة المأوى و جنة الخلد و جنة السلام و جنة المقامة و الوسيلة و هي أعلى جنة في الجنات فإنها في كل جنة من جنة عدن إلى آخر جنة فلها في كل جنة صورة و هي مخصوصة برسول الله ص وحده نالها بدعاء أمته حكمة من الله حيث نال الناس السعادة ببركة بعثته و دعائه إياهم إلى الله و تبيينه ما نزل الله إلى الناس من أحكامه جَزاءً وِفاقاً و جعل أرض هذه الجنات سطح الفلك المكوكب الذي هو سقف النار و سيأتي فصله في هذه الفصول إن شاء الله تعالى و جعل في كل جنة مائة درجة بعدد الأسماء الحسنى و الاسم الأعظم المسكوت عنه لوترية الأسماء و هو الاسم الذي يتميز به الحق عن العالم هو الناظر إلى درجة الوسيلة خاصة و له في كل جنة حكم كما له حكم اسم إلهي فافهم و منازل الجنة على عدد آي القرآن ما بلغ إلينا منه نلنا تلك المنزلة بالقراءة و ما لم يبلغ إلينا نلناه بالاختصاص في جنات الاختصاص كما نلنا بالميراث جنات أهل النار الذين هم أهلها و أبواب الجنة ثمانية على عدد أعضاء التكليف و لهذا ورد في الخبر أن النبي ص قال فيمن توضأ و صلى ركعتين و لم يحدث نفسه بشيء فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء فقال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه فما عليه إن لا يدخلها من أبوابها كلها فقرر رسول الله ص قول أبي بكر و أثبته و في خبر جعله صاحب هذا الحال فلكل عضو باب و الأعضاء ثمانية العين و الأذن و اللسان و اليد و البطن و الفرج و الرجل و القلب فقد يقوم الإنسان في زمن واحد بأعمال هذه الأعضاء كلها فيدخل من أبواب الجنة الثمانية في حال دخوله من كل باب منها فإن نشأة الآخرة تشبه البرزخ و باطن الإنسان من حيث ما هو ذو خيال و أما خوخات الجنات فتسع و سبعون خوخة و هي شعب الايمان بضع و سبعون شعبة و البضع هنا تسعة فإن البضع في اللسان من واحد إلى تسعة فادنى شعب الايمان إماطة الأذى عن الطريق و أعلاه لا إله إلا الله و ما بينهما مما يتعلق من الأعمال و مكارم الأخلاق فمن أتى شيئا من مكارم الأخلاق فهو على شعبة من الايمان و إن لم يكن مؤمنا كمن يوحى إليه في المبشرات و هي جزء من أجزاء النبوة و إن لم يكن صاحب المبشرة نبيا فتفطن لعموم رحمة الله فما تطلق النبوة إلا لمن اتصف بالمجموع فذلك النبي و تلك النبوة التي حجزت علينا و انقطعت فإن من جملتها التشريع بالوحي الملكي في التشريع و ذلك لا يكون إلا لنبي خاصة فلا بد أن يكون لهذه الشعبة حكم فيمن قامت به و اتصف بها و ظهر أثرها عليه فإن الله لما أخبر بهذه الشعبة على لسان الرسول أضافها إلى الايمان إضافة إطلاق لم يقيد إيمانا بكذا بل قال الايمان و الايمان بكذا شعبة من شعب الايمان المطلق فكل شعبة إيمان كالذين آمنوا بالباطل خاصة و هو الإصلاح بين الناس بما لم يكن و الخديعة في الحرب فكان للكذب دخول في الايمان فهو في موطن شعبة من شعب الايمان و قد يوجد هذا من المؤمن و غير المؤمن على أنه ما ثم غير مؤمن فإن الله ما تركه كما أنه ما ثم غير كافر فإن الأمر محصور بين مؤمن بالله و مؤمن بالباطل و كافر بالله و كافر بالباطل فكل عبد لله فهو مؤمن كافر معا يعين إيمانه و كفره ما تقيد به فلكل شعبة من الايمان طريق إلى الجنة فأهل الجنان في كل جنة و أهل النار من حيث ما قام بهم من شعب الايمان و هم أهل النار الذين لا يخرجون منها فلهم بما كانوا فيه من شعب الايمان جميع معاني الجنات في النار إلا جنة الفردوس و الوسيلة لا قدم لهم فيهما فإن الفردوس لا عين له في النار فلهم النعيم و الخلد و المأوى و السلام و المقامة و عدن و لأهل الجنات الرؤية متى شاءوا و لأهل النار في أحيان مخصوصة الرؤية فإن الله ما أرسل الحجاب عليهم مطلقا و إنما قال يومئذ في قوله كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ لما تعود عليهم و اغلظ في حال الغضب و الربوبية لها الشفقة فإن المربي ضعيف يتعين اللطف به فلذلك كان في حال الغضب عن ربه محجوبا فافهم فأورثه ذلك الحجاب أن جعله يصلي الجحيم لأنه قال بعد قوله لَمَحْجُوبُونَ ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصالُوا الْجَحِيمِ فأتى بقوله ثم فما صلى الجحيم إلا بعد وقوع الحجاب و لذلك قيده بيومئذ كذلك أيضا لم يخل إنسان و لا مكلف أن يكون على خلق من أخلاق الله و أن للهثلاثمائة خلق فلا بد أن يكون الإنسان من مؤمن و كافر على خلق من أخلاق الله و أخلاق الله كلها حسنة حميدة فكل ذات قام بها خلق منها و صرفه في الموضع الذي يستحقه ذلك الخلق فلا بد أن تسعد به حيث كانت من نار أو جنان فإنه في كل ذي كبد رطبة أجر و لا بد أن يحنو كل إنسان على أمر ما من خلق الله فله أجر من ذلك فدركات النار هي دركات ما لم ينقطع العذاب فإذا انتهى إلى أجله المسمى عاد ذلك الدرك في حق المقيم فيه درجة للخلق الإلهي الذي كان عليه يوما ما

الله أكرم أن تنساك منته و من جيود إذا الرحمن لم يجد

و لما جعل الله تعالى في المكلف عقلا و تجلى له كان له من جهة عقله و نظره عقد و عهد لله ألزمه ذلك النظر العقلي و هو الافتقار إلى الله بالذات و أمثاله ثم بعث إليه رسولا من عنده فأخذ عليه عهدا آخر على ما تقرر في الميثاق الأول فصار الإنسان مع الله بين عهدين عهد عقلي و عهد شرعي و أمره الله بالوفاء بهما بل طلبه الحال بذلك لقبوله فلما وقفت على هذين العهدين و بلغ مني علمي بهما المبلغ الذي يبلغه من شاهده قلت

في القلب عقد حجى و عقد هدايةأ تراه يخلص من له عقدان
ربي بما أعطيتنيه علمتهما لي لما حملتنيه تران
ما كل ما كلفتنيه أطيقهمن لي بتحصيل النجاة و ذان
عقلا و شرعا بالوفاء ينادياقلبي فما لي بالوفاء يدان
إن كنت نعتي فالوفاء محصلأو كنت أنت فما هما عنياني

أما قولي إن كنت نعتي فهو قول رسول الله ص عن ربه إنه قال كنت سمعه و بصره و يده و مؤيدهو كذلك إن كنت أعني نفسي أنت أي أنت الفاعل و الموجد للعمل و الوفاء لا أنا إذ لا إيجاد لمخلوق في عقدنا بل الأمر كله لله فما هما يعني العقل و الشرع بحكمهما على عنياني و إنما عنيا من له خلق الأعمال و الأحوال و القدرة عليها و إنما قلنا هذا لتحقق عند السامعين صدق الله في قوله وَ كانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا و أقوى الجدال ما يجادل به الله و اعلم أن شجرة طوبى لجميع شجر الجنات كآدم لما ظهر منه من البنين فإن الله لما غرسها بيده و سواها نفخ فيها من روحه و كما فعل في مريم نفخ فيها من روحه فكان عيسى يحيي الموتى و يبرئ الأكمه و الأبرص فشرف آدم باليدين و نفخ الروح فيه فأورثه نفخ الروح فيه علم الأسماء لكونه مخلوقا باليدين فبالمجموع نال الأمر و كانت له الخلافة و الْمالُ وَ الْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا و تولى الحق غرس شجرة طوبى بيده و نفخ الروح فيها زينها بثمر الحلي و الحلل الذين فيهما زينة للابسهما فنحن أرضها فإن الله جعل ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها و أعطت في ثمر الجنة كله من حقيقتها عين ما هي عليه كما أعطت النواة النخلة و ما تحمله مع النوى الذي في ثمرها و كل من تولاه الحق بنفسه من وجهه الخاص بأمر ما من الأمور فإن له شفوفا و ميزة على من ليس له هذا الاختصاص و لا هذا التوجه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ «الفصل الرابع» في فلك المنازل و هو المكوكب و هيأة السموات و الأرض و الأركان و المولدات و العمد الذي يمسك الله السماء به أن تقع على الأرض لرحمته بمن فيها من الناس مع كفرهم بنعمته فلا تهوي السماء ساقطة واهية حتى يزول الناس منها اعلم أن الله خلق هذا الفلك المكوكب في جوف الفلك الأطلس و ما بينهما خلق الجنات بما فيها فهذا الفلك أرضها و الأطلس سماؤها و بينهما فضاء لا يعلم منتهاه إلا من أعلمه الله فهو فيه كحلقة في فلاة فيحاء و عين في مقعر هذا الفلك ثماني و عشرين منزلة مع ما أضاف إلى هذه الكواكب التي سميت منازل القطع السيارة فيها و لا فرق بينها و بين سائر الكواكب الأخر التي ليست بمنازل في سيرها و فيما تختص به من الأحكام في نزولها الذي ذكرناها في البروج قال تعالى وَ الْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ يعني هذه المنازل المعينة في هذا الفلك المكوكب و هي كالمنطقة بين الكواكب من الشرطين إلى الرشاء و هي تقديرات و فروض في هذا الجسم و لا تعرف أعيان هذه المقادر إلا بهذه الكواكب كما أنه ما عرفت أنها منازل إلا بنزول السيارة فيها و لو لا ذلك ما تميزت عن سائر الكواكب إلا بأشخاصها و من مقعر هذاالفلك إلى ما تحته هي الدار الدنيا فإنه من هناك إلى ما تحته يكون استحالة ما تراه إلى الأخرى فللأخرى صورة فيها غير صورة الدنيا فينتقل من ينتقل منها إلى الجنة من إنسان و غير إنسان و يبقى ما يبقى فيها من إنسان و غير إنسان و كل من يبقى فيها فهو من أهل النار الذين هو أهلها و جعل الله لكل كوكب من هذه الكواكب قطعا في الفلك الأطلس ليحصل من تلك الخزائن التي في بروجه و بأيدي ملائكته الاثني عشر من علوم التأثير ما تعطيه حقيقة كل كوكب و قد بينا ذلك و جعلها على طبائع مختلفة و النور الذي فيها و في سائر السيارة من نور الشمس و هو الكوكب الأعظم القلبي و نور الشمس ما هو من حيث عينها بل هو من تجل دائم لها من اسمه النور فما ثم نور إلا نور الله الذي هو نور السموات و الأرض فالناس يضيفون ذلك النور إلى جرم الشمس و لا فرق بين الشمس و الكواكب في ذلك إلا أن التجلي للشمس على الدوام فلهذا لا يذهب نورها إلى زمان تكويرها فإن ذلك التجلي المثالي النوري يستتر عنه في أعين الناظرين بالحجاب الذي بينهما و بين أعينهم و بسباحة هذه الكواكب تحدث أفلاكا في هذا الفلك أي طرقا و الهواء يعم جميع المخلوقات فهو حياة العالم و هو حار رطب فما أفرطت فيه الحرارة و السخونة سمي نارا و ما أفرطت فيه الرطوبة و قلت حرارته سمي ماء و ما بقي على حكم الاعتدال بقي عليه اسم الهواء و على الهواء أمسك الماء و به جرى و أنساب و تحرك و ليس في الأركان أقبل لسرعة الاستحالة من الهواء لأنه الأصل و هو فرع لازدواج الحرارة و الرطوبة على الاعتدال و الطريق المستقيم فهو الاسطقص الأعظم أصل الاسطقصات كلها و الماء أقرب أسطقص إليه و لهذا جعل الله منه كل شيء حي و يقبل بذاته التسخين و لا تقبل النار برودة و لا رطوبة لا بالذات و لا بالعرض بخلاف الماء «وصل» فأعظم البروج البروج الهوائية و هي الجوزاء و الميزان و الدالي و لما خلق الله الأرض سبع طباق جعل كل أرض أصغر من الأخرى لكون على كل أرض قبة سماء فلما خلق الأرض وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها و كسا الهواء صورة النحاس الذي هو الدخان فمن ذلك الدخان خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أجساما شفافة و جعلها على الأرض كالقباب على كل أرض سماء أطرافها عليها نصف كرة و الأرض لها كالبساط فهي مدحية دحاها من أجل السماء أن تكون عليها فمادت فقال بالحبال عليها فثقلت فسكنت بها و جعل في كل سماء منها كوكبا و هي الجواري منها القمر في السماء الدنيا و في السماء الثانية الكاتب و هو عطارد و في الثالثة الزهرة و في الرابعة الشمس و في الخامسة الأحمر و هو المريخ و في السادسة المشتري و هو بهرام و في السابعة زحل و هو المقاتل كما رسمناها في المثال المتقدم فلما سبحت الكواكب كلها و نزلت بالخزائن التي في البروج و وهبتها ملائكة البروج من تلك الخزائن ما وهبتها أثرت في الأركان ما تولد فيها من جماد الذي هو المعدن و نبات و حيوان و آخر موجود الإنسان الحيوان خليفة الإنسان الكامل و هو الصورة الظاهرة التي بها جمع حقائق العالم و الإنسان الكامل هو الذي أضاف إلى جمعية حقائق العالم حقائق الحق التي بها صحت له الخلافة ظهر ذلك فيمن ظهر من هذه الصور فجعل في كل صنف من المولدات نوعا كاملا من جنسها فأكمل صورة ظهرت في المعدن صورة الذهب و في النبات شجر الوقواق و في الحيوان الإنسان و جعل بين كل نوعين متوسطات كالكمأة بين المعدن و النبات و النخلة بين النبات و الحيوان و النسناس و القرد بين الحيوان و الإنسان و نفخ في كل صورة أنشأها روحا منه فحييت و تعرف إليها بها فعرفته بأمر جبلت عليه تلك الصورة و ما تعرف إليها إلا من نفسها فما تراه إلا على صورتها و كانت الصورة على أمزجة مختلفة و إن كانت خلقت من نفس واحدة كقلوب بنى آدم خلقها الله من نفس واحدة و هي مختلفة فمن الصور من بطنت حياته فأخذ الله بأبصار أكثر الناس عنها و هي على ضربين ضرب له نمو و غذاء و نوع له نمو و لا غذاء له فسمينا الصنف الواحد معدنا و حجرا و الآخر نباتا و من الصور من ظهرت حياته فسميناه حيوانا و حيا و الكل حي في نفس الأمر ذو نفس ناطقة و لا يمكن أن يكون في العالم صورة لا نفس لها و لا حياة و لا عبادة ذاتية و أمرية سواء كانت تلك الصورة مما يحدثها الإنسان من الأشكال أو يحدثها الحيوانات و من أحدثها من الخلق عن قصد و عن غير قصد فما هو إلا أن تتصور الصورة كيف تصورت و على يدي من ظهرت إلا و يلبسها الله تعالى روحا من أمره و يتعرف إليها من حينه فتعرفه منها و تشهده فيها هكذا هو الأمر دائما دنيا و آخرة يكشفه أهل الكشف فظهر الليل و النهار بطلوع الشمس و غروبها كلالأطلس كما حدث الزمان بمقارنة الحوادث عند السؤال بمتى و الزمان و اليوم و الليل و النهار و فصول السنة كلها أمور عدمية نسبية لا وجود لها في الأعيان و أوحى في كل سماء أمرها و جعل إمضاء الأمور التي أودعها السموات في عالم الأركان عند سباحة هذه الجواري و جعلهم نوابا متصرفين بأمر الحق لتنفيذ هذه الأمور التي أخذوها من خزائن البروج في السنة بكمالها و قدر لها المنازل المعلومة التي في الفلك المكوكب و جعل لها اقترابات و افتراقات كل ذلك بتقدير العزيز العليم و جعل سيرها في استدارة و لهذا سماها أفلاكا و جعل في سطح السماء السابعة الضراح و هو البيت المعمور و شكله كما رسمته في الهامش و خلق في كل سماء عالما من الأرواح و الملائكة يعمرونها فأما الملائكة فهم السفراء النازلون بمصالح العالم الذي ظهر في الأركان و المصالح أمور معلومة و ما يحدث عن حركات هذه الكواكب كلها و عن حركة الأطلس لا علم لهؤلاء السفراء بذلك حتى تحدث فلكل واحد منهم مقام معلوم لا يتعداه و باقي العالم شغلهم التسبيح و الصلاة و الثناء على الله تعالى و بين السماء السابعة و الفلك المكوكب كراسي عليها صور كصور المكلفين من الثقلين و ستور مرفوعة بأيدي ملائكة مطهرة ليس لهم إلا مراقبة تلك الصور و بأيديهم تلك الستور فإذا نظر الملك إلى الصور قد سمجت و تغيرت عما كانت عليه من الحسن أرسل الستر بينها و بين سائر الصور فلا يعرفون ما طرأ و لا يزال الملك من الله مراقبا تلك الصورة فإذا رأى تلك الصورة قد زال عنها ذلك القبح و حسنت رفع الستر فظهرت في أحسن زينة و تسبيح تلك الصور و هؤلاء الأرواح الملكية الموكلة بالستور سبحان من أظهر الجميل و ستر القبيح و أطلع أهل الكشف على هذا ليتخلقوا بأخلاق الله و يتأدبوا مع عباد الله فيظهرون محاسن العالم و يسترون مساويهم و بذلك جاءت الشرائع من عند الله فإذا رأيت من يدعي الأهلية لله و يكون مع العالم على خلاف هذا الحكم فهو كاذب في دعواه و بهذا و أمثاله تسمى سبحانه بالغافر و الغفور و الغفار و لما كون الله ملكوته مما ذكرناه خلق آدم بيديه من الأركان و جعل أعظم جزء فيه التراب لبرده و يبسه و أنزله خليفة في أرضه التي خلق منها و قد كان خلق قبله الجان من الأركان و جعل أغلب جزء فيه النار و كان من أمر آدم و إبليس و الملائكة ما وصف الله لنا في القرآن فلا يحتاج إلى ذكر ذلك و أمسك الله صورة السماء على السماء لأجل الإنسان الموحد الذي لا يمكن أن ينفي فذكره الله الله لأنه ليس في خاطره إلا الله فما عنده أمر آخر يدعي عنده ألوهية فينفيه بلا إله إلا الله فليس إلا الله الواحد الأحد و لهذا قال رسول الله ص لا تقوم الساعة حتى لا يبقى على وجه الأرض من يقول الله الله و هو الذكر الأكبر الذي قال الله فيه وَ لَذِكْرُ الله أَكْبَرُ فما قال الرسول ص من يقول لا إله الله فهذا الاسم هو هجير هذا الإمام الذي يقبض آخرا و تقوم الساعة فتنشق السماء فإن هذا و أمثاله كان العمد لأن الله ما أمسكها من أجله أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ و لذلك قال فيها إنها واهِيَةٌ أي واقعة ساقطة ثم ما زالت النواب تتحرك في طرقها و الصور تظهر بالاستحالات في عالم الأركان دنيا و برزخا و آخرة إلى أن يرث الله الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها فلا يبقى إلا ما في الآخرة و هو يوم القيامة و الداران الجنة و النار و لكل واحدة منهما ملؤها من الجن و الإنس و مما شاء الله و في الجنة قدم الصدق و في النار قدم الجبار و هما القدمان اللتان في الكرسي و قد مر من الكلام في هذا الفن من هذا الكتاب ما فيه غنية للعاقل و بلغة زاد للمسافر توصله إلى مقصوده «الفصل الخامس» في أرض الحشر و ما تحوي عليه من العالم و المراتب و عرش الفصل و القضاء و حملته و صفوف الملائكة عليها بين يدي الحكم العدل اعلم أن الله تعالى إذا نفخ في الصور و بعث ما في القبور و حشر الناس و الوحوش وَ أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها و لم يبق في بطنها سوى عينها إخراجا لا نباتا و هو الفرق بين نشأة الدنيا الظاهرة و بين نشأة الآخرة الظاهرة فإن الأولى أنبتنا فيها من الأرض فنبتنا نباتا كما ينبت النبات على التدريج و قبول الزيادة في الجرم طولا و عرضا و نشأة الآخرة إخراج من الأرض على الصورة التي يشاء الحق أن يخرجنا عليها و لذلك علق المشيئة بنشر الصورة التي أعادها في الأرض الموصوفة بأنها تنبت فتنبت على غير مثال لأنه ليس في الصور صورة تشبهها فكذلك نشأة الآخرة يظهرها الله على غير مثال صورة تقدمت تشبهها و ذلك قوله كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَوَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ و نُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ فإذا أَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقالَها و حدثت أنها ما بقي فيها مما اختزنته شيء جيء بالعالم إلى الظلمة التي دون الجسر فألقوا فيها حتى لا يرى بعضهم بعضا و لا يبصرون كيف التبديل في السماء و الأرض حتى تقع فتمد الأرض أولا مد الأديم و تبسط ف لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً و هي الساهرة فلا نوم فيها فإنه لا نوم لأحد بعد الدنيا و يرجع ما تحت مقعر الفلك المكوكب جهنم و لهذا سميت بهذا الاسم لبعد قعرها فأين المقعر من الأرض و يوضع الصراط من الأرض علوا على استقامة إلى سطح الفلك المكوكب فيكون منتهاه إلى المرج الذي خارج سور الجنة و أول جنة يدخلها الناس هي جنة النعيم و في ذلك المرج المأدبة و هو درمكة بيضاء نقية منها يأكل أهل المأدبة و هو قوله تعالى في المؤمنين إذا أقاموا التوراة و الإنجيل من بنى إسرائيل وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ من رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ وَ من تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ فنحن أمة محمد ص نقيم كل ما أنزل إلينا من ربنا بالإيمان و به نعمل من ذلك بما أمرنا من العمل به و غيرنا من الأمم منهم من آمن كما آمنا و منهم من آمن ببعض و كفر ببعض فمن نجا منهم قيل فيه لَأَكَلُوا من فَوْقِهِمْ و هو ما خرج من فروع أشجار الجنان على السور فظلل على هذا المرج فقطفه السعداء و من تحت أرجلهم هو ما أكلوه من الدر مكة البيضاء التي هم عليها و وضع الموازين في أرض الحشر لكل مكلف ميزان يخصه و ضرب بسور يسمى الأعراف بين الجنة و النار و جعله مكانا لن اعتدلت كفتا ميزانه فلم ترجح إحداهما على الأخرى و وقفت الحفظة بأيديهم الكتب التي كتبوها في الدنيا من أعمال المكلفين و أقوالهم ليس فيها شيء من اعتقادات قلوبهم إلا ما شهدوا به على أنفسهم بما تلفظوا به من ذلك فعقلوها في أعناقهم بأيديهم فمنهم من أخذ كتابه بيمينه و منهم من أخذه بشماله و منهم من أخذه من وراء ظهره و هم الذين نبذوا الكتاب في الدنيا وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا به ثَمَناً قَلِيلًا و ليس أولئك إلا الأئمة الضلال المضلون الذين ضلوا و أضلوا و جيء بالحوض يتدفق ماء عليه من الأواني على عدد الشاربين منه و لا تزيد و لا تنقص ترمي فيه أنبوبات أنبوب ذهب و أنبوب فضة و هو لزيق بالسور و من السور تنبعث هذان الأنبوبان فيشرب منه المؤمنون و يؤتى بمنابر من نور مختلفة في الإضاءة و اللون فتنصب في تلك الأرض و يؤتى بقوم فيقعدون عليها قد غشيتهم الأنوار لا يعرفهم أحد في رحمة الأبد عليهم من الخلع الإلهية ما تقر به أعينهم و يأتي مع كل إنسان قرينه من الشياطين و الملائكة و تنشر الألوية في ذلك اليوم للسعداء و الأشقياء بأيدي أئمتهم الذين كانوا يدعونهم إلى ما كانوا يدعونهم إليه من حق و باطل و تجتمع كل أمة إلى رسولها من آمن منهم به و من كفر و تحشر الأفراد و الأنبياء بمعزل من الناس بخلاف الرسل فإنهم أصحاب العساكر فلهم مقام يخصهم و قد عين الله في هذه الأرض بين يدي عرش الفصل و القضاء مرتبة عظمى امتدت من الوسيلة التي في الجنة يسمى ذلك المقام المحمود و هو لمحمد ص خاصة و تأتي الملائكة ملائكة السموات ملائكة كل سماء على حدة متميزة عن غيرها فيكونون سبعة صفوف أهل كل سماء صف و الروح قائم مقدم الجماعة و هو الملك الذي نزل بالشرائع على الرسل ثم يجاء بالكتب المنزلة و الصحف و كل طائفة ممن نزلت من أجلها خلفها فيمتازون عن أصحاب الفترات و عمن تعبد نفسه بكتاب لم ينزل من أجله و إنما دخل فيه و ترك ناموسه لكونه من عند الله و كان ناموسه عن نظر عقلي من عاقل مهدي ثم يأتي الله عز و جل على عرشه و الملائكة الثمانية تحمل ذلك العرش فيضعونه في تلك الأرض و الجنة عن يمين العرش و النار من الجانب الآخر و قد علمت الهيبة الإلهية و غلبت على قلوب أهل الموقف من إنسان و ملك و جان و وحش فلا يتكلمون إلا همسا بإشارة عين و خفي صوت و ترفع الحجب بين الله و بين عباده و هو كشف الساق و يأمرهم داعي الحق عن أمر الله بالسجود لله فلا يبقى أحد سجد لله خالصا على أي دين كان إلا سجد السجود المعهود و من سجد اتقاء و رياء خر على قفاه و بهذه السجدة يرجح ميزان أصحاب الأعراف لأنها سجدة تكليف فيسعدون و يدخلون الجنة و يشرع الحق في الفصل و الحكم بين عباده فيما كان بينهم و أما ما كان بينهم و بين الله فإن الكرم الإلهي قد أسقطه فلا يؤاخذ الله أحدا من عباد الله فيما لم يتعلق به حق للغير و قد ورد من أخبارالأنبياء ع في ذلك اليوم ما قد و رد على ألسنة الرسل و دون الناس فيه ما دونوا فمن أراد تفاصيل الأمور فلينظرها هنالك ثم تقع الشفاعة الأولى من محمد ص في كل شافع أن يشفع فيشفع الشافعون و يقبل الله من شفاعتهم ما شاء و يرد من شفاعتهم ما شاء لأن الرحمة في ذلك اليوم يبسطها الله في قلوب الشفعاء فمن رد الله شفاعته من الشافعين لم يردها انتقاصا بهم و لا عدم رحمة بالمشفوع فيه و إنما أراد بذلك إظهار المنة الإلهية على بعض عباده فيتولى الله سعادتهم و رفع الشقاوة عنهم فمنهم من يرفع ذلك عنه بإخراجهم من النار إلى الجنان و قد ورد و شفاعته بشفاعة أرحم الراحمين عند المنتقم الجبار فهي مراتب أسماء إلهية لا شفاعة محققة فإن الله يقول في ذلك اليوم شفت الملائكة و النبيون و المؤمنون و بقي أرحم الراحمين فدل بالمفهوم أنه لم يشفع فيتولى بنفسه إخراج من يشاء من النار إلى الجنة و نقل حال من هو من أهل النار من شقاء الآلام إلى سعادة إزالتها فذلك قدر نعيمه و قد يشاء و يملأ الله جهنم بغضبه المشوب و قضائه و الجنة برضاه فتعم الرحمة و تنبسط النعمة فيكون الخلق كما هم في الدنيا على صورة الحق فيتحولون لتحوله و آخر صورة يتحول إليها في الحكم في عباده صورة الرضاء فيتحول الحق في صورة النعيم فإن الرحيم و المعافي أول من يرحم و يعفو و ينعم على نفسه بإزالة ما كان فيه من الحرج و الغضب على من أغضبه ثم سرى ذلك في المغضوب عليه فمن فهم فقد أمناه و من لم يفهم فسيعلم و يفهم فإن المال إليه و الله من حيث يعلم نفسه و من هويته و غناه فهو على ما هو عليه و إنما هذا الذي وردت به الأخبار و أعطاه الكشف إنما ذلك أحوال تظهر و مقامات تشخص و معان تجسد ليعلم الحق عباده معنى الاسم الإلهي الظاهر و هو ما بدا من هذا كله و الاسم الإلهي الباطن و هو هويته و قد تسمى لنا بهما فكل ما هو العالم فيه من تصريف و انقلاب و تحول في صور في حق و خلق فذلك من حكم الاسم الظاهر و هو منتهى علم العالم و العلماء بالله و أما الاسم الباطن فهو إليه لا إلينا و ما بأيدينا منه سوى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ على بعض وجوه محتملاته إلا أن أوصاف التنزيه لها تعلق بالاسم الباطن و إن كان فيه تحديد و لكن ليس في الإمكان أكثر من هذا فإنه غاية الفهم عندنا الذي يعطيه استعدادنا و أما قوله تعالى وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها فإن الطريق إلى الجنة عليها فلا بد من الورود فإذا لم يبق في أرض الحشر من أهل الجنة أحد عاد كله نارا أي دار النار و إن كان فيها زمهرير فجهنم من مقعر فلك الكواكب إلى أسفل سافلين «الفصل السادس» في جهنم و أبوابها و منازلها و دركاتها اعلم أن جهنم تحوي على السموات و الأرض على ما كانت عليه السماء و الأرض إذ كانتا رتقا فرجعت إلى صفتها من الرتق و الكواكب كلها فيها طالعة و غاربة على أهل النار بالحرور و الزمهرير بالحرور على المقرورين بعد استيفاء المؤاخذة بما أجرموا و بالزمهرير على المحرورين ليجدوا في ذلك نعيما و لذة ما لهم من النعيم إلا ذلك و هو دائم عليهم أبدا و كذلك طعامهم و شرابهم بعد انقضاء مدة المؤاخذة يتناولون من شجرة الزقوم لكل إنسان بحسب ما يبرد عنه ما كان يجده أو يسخنه كالظمآن بحرارة العطش فيجد ماء باردا فيجد له من اللذة لاذهابه لحرارة العطش و كذلك ضده و أبوابها سبعة بحسب أعضاء التكليف الظاهرة لأن باب القلب مطبوع عليه لا يفتح من حين طبع الله عليه عند ما أقر له بالربوبية و على نفسه بالعبودية فللنار على الأفئدة اطلاع لا دخول لغلق ذلك الباب فهو كالجنة حفت بالمكاره فما ذكر الله من أبواب النار إلا السبعة التي يدخل منها الناس و الجان و أما الباب المغلق الذي لا يدخل عليه أحد هو في السور فباطنه فيه الرحمة بإقراره بوجود الله ربا له و عبودته لربه و ظاهره من قبله العذاب و هي النار التي تطلع على الأفئدة و أما منازلها و دركاتها و خوخاتها فعلى ما ذكرناه في الجنة على السواء لا تزيد و لا تنقص و ليس في النار نار ميراث و لا نار اختصاص و إنما ثم نار أعمال فمنهم من عمرها بنفسه و عمله الذي هو قرينه و من كان من أهل الجنة بقي عمله الذي كان في الدنيا على صورته في المكان من النار الذي لو كان من أهلها صاحب ذلك العمل لكان فيه فإنه من ذلك المكان كان وجود ذلك العمل و هو خلاف ما كلف من فعل و ترك فعاد إلى وطنه كما عاد الجسم عند الموت إلى الأرض التي خلق منها و كل شيء إلى أصله يعود و إن طالت المدة فإنها أنفاس معدودة و آجال مضروبة محدودة يبلغ الكتاب فيها أجله و يرى كل ؤمل ما أمله فإنما نحن به و له فما خرجنا عنا و لا حللنا إلا بنا حيث كنا و حشرت الوحوش كلها فيها إنعاما من الله عليها إلا الغزلان و ما استعمل من الحيوان في سبيل الله فإنهم في الجنان على صور يقتضيها ذلك الموطن و كل حيوان تغذى به أهل الجنة في الدنيا خاصة و إذا لم يبق في النار أحد إلا أهلها و هم في حال العذاب يجاء بالموت على صورة كبش أملح فيوضع بين الجنة و النار ينظر إليه أهل الجنة و أهل النار فيقال لهم تعرفون هذا فيقولون نعم هذا الموت فيضجعه الروح الأمين و يأتي يحيى ع و بيده الشفرة فيذبحه و يقول الملك لساكني الجنة و النار خلود فلا موت و يقع الياس لأهل النار من الخروج منها و يرتفع الإمكان من قلوب أهل الجنة من وقوع الخروج منها و تغلق الأبواب و هي عين فتح أبواب الجنة فإنها على شكل الباب الذي إذا انفتح انسد به موضع آخر فعين غلقه لمنزل عين فتحه منزلا آخر و أما أسماء أبوابها السبعة فباب جهنم باب الجحيم باب السعير باب سقر باب لظى و باب الحطمة و باب سجين و الباب المغلق و هو الثامن الذي لا يفتح فهو الحجاب و أما خوخات شعب الايمان فمن كان على شعبة منها فإن له منها تجليا بحسب تلك الشعبة كانت ما كانت و منها ما هي خلق في العبد جبل عليه و منها ما هي مكتسبة و كل خير فإنها عن الخير المحض فمن عمل خيرا على أي وجه كان فإنه يراه و يجازى به و من عمل شرا فلا بد أن يراه و قد يجازي به و قد يعفى عنه و يبدل له بخير إن كان في الدنيا قد تاب و إن مات عن غير توبة فلا بد أن يبدل بما يقابله بما تقتضيه ندامته يوم يبعثون و يرى الناس أعمالهم و الجان و كل مكلف فما كان يستوحش منه المكلف عند رؤيته يعود له أنس له به و تختلف الهيئات في الدارين مع الأنفاس باختلاف الخواطر هنا في الدنيا فإن باطن الإنسان في الدنيا هو الظاهر في الدار الآخرة و قد كان غيبا هنا فيعود شهادة هناك و تبقي العين غيبا باطن هذه الهيئات و الصور لا تتبدل و لا تتحول فما ثم إلا صور و هيئات تخلع عنه و عليه دائما أبدا إلى غير نهاية و لا انقضاء «الفصل السابع» في حضرة الأسماء الإلهية و الدنيا و الآخرة و البرزخ اعلم أن أسماء الله الحسنى نسب و إضافات و فيها أئمة و سدنة و منها ما يحتاج إليها الممكنات احتياجا ضروريا و منها ما لا يحتاج إليها الممكنات ذلك الاحتياج الضروري و قوة نسبتها إلى الحق أوجه من طلبها للخلق فالذي لا بد للممكن منها الحي و العالم و المريد و القائل كشفا و هو في النظر العقلي القادر فهذه أربعة يطلبها الخلق بذاته و إلى هذه الأربعة تستند الطبيعة كما تستند الأركان إلى الطبيعة كما تستند الأخلاط إلى الأركان و إلى الأربعة تستند في ظهورها أمهات المقولات و هي الجوهر و العرض و الزمان و المكان و ما بقي من الأسماء فكالسدنة لهذه الأسماء ثم يلي هذه الأسماء اسمان المدبر و المفصل ثم الجواد و المقسط فعن هذين الاسمين كان عالم الغيب و الشهادة و الدار الدنيا و الآخرة و عنهما كان البلاء و العافية و الجنة و النار و عنهما خلق من كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ و السراء و الضراء و عنهما صدر التحميدان في العالم التحميد الواحد الحمد لله المنعم المفضل و التحميد الآخر الحمد لله على كل حال و عن هذين الاسمين ظهرت القوتان في النفس القوة العلمية و القوة العملية و القوة و الفعل و الكون و الاستحالة و الملإ الأعلى و الملإ الأسفل و الخلق و الأمر و لما كانت الأسماء الإلهية نسبا تطلبها الآثار لذلك لا يلزم ما تعطل حكمه منها ما لم يتعطل و إنما يقدح ذلك لو اتفق أن تكون أمرا وجوديا فالله إله سواء وجد العالم أو لم يوجد فإن بعض المتوهمين تخيل أن الأسماء للمسمى تدل على أعيان وجودية قائمة بذات الحق فإن لم يكن حكمها يعم و إلا بقي منها ما لا أثر له معطلا فلذلك قلنا إنه سبحانه لو رحم العالم كله لكان و لو عذب العالم كله لكان و لو رحم بعضه و عذب بعضه لكان و لو عذبه إلى أجل مسمى لكان فإن الواجب الوجود لا يمتنع عنه ما هو ممكن لنفسه و لا مكره له على ما ينفذه في خلقه بل هو الفعال لما يريد فلما خلق الله العالم رأيناه ذا مراتب و حقائق مختلفة تطلب كل حقيقة منه من الحق نسبة خاصة فلما أرسل تعالى رسله كان مما أرسلهم به لأجل تلك النسب أسماء تسمى بها لخلقه يفهم منها دلالتها على ذاته تعالى و على أمر معقول لا عين له في الوجود له حكم هذا الأثر و الحقيقة الظاهرة في العالم من خلق و رزق و نفع و ضر و إيجاد و اختصاص و أحكام و غلبة و قهر و لطف و تنزل و استجلاب و محبة و بغض و قرب و بعد و تعظيم و تحقير و كل صفة ظاهرة في العالم تستدعي نسبة خاصة لها اسم معلوم عندنا من الشرع فمنها مشتركة و إن كان لكل واحد من المشتركة معنى إذا تبين ظهر أنها متباينة فالأصل في الأسماء التباين و الاشتراك فيه لفظي و منها متباينةو منها مترادفة و مع ترادفها فلا بد أن يفهم من كل واحد معنى لا يكون في الآخر فعلمنا ما سمي به نفسه و اقتصرنا عليها فأوجد الدار الدنيا و أسكن فيها الحيوان و جعل الإنسان الكامل فيها إماما و خليفة أعطاه علم الأسماء لما تدل عليه من المعاني و سخر لهذا الإنسان و بنيه و ما تناسل منه جميع ما في السموات و ما في الأرض و خلق خلقا إن قلت فيه موجود صدقت و إن قلت فيه معدوم صدقت و إن قلت فيه لا موجود و لا معدوم صدقت و هو الخيال و له حالان حال اتصال و هذا الحال له بوجود الإنسان و بعض الحيوان و حال انفصال و هو ما يتعلق به الإدراك الظاهر منحازا عنه في نفس الأمر كجبريل في صورة دحية و من ظهر من عالم الستر من الجنة من ملك و غيره و خلق الجنة و المنزل الذي يكون يوم القيامة نارا فخلق من النار ما خلق و بقي منها ما بقي في القوة و جعل ذلك فيما جعل الله في هذا الوجود الطبيعي من الاستحالات فالذي هو اليوم دار دنيا يكون غدا في القيامة دار جهنم و ذلك في علم الله و قد بينا ذلك في الصورة المثالية المتقدمة في هذا الباب على التقريب «الفصل الثامن» في الكثيب و مراتب الخلق فيه اعلم أن الكثيب هو مسك أبيض في جنة عدن و جنة عدن هي قصبة الجنة و قلعتها و حضرة الملك و خواصه لا تدخلها العامة إلا بحكم الزيارة و جعل في هذا الكثيب منابر و أسرة و كراسي و مراتب لأن أهل الكثيب أربع طوائف مؤمنون و أولياء و أنبياء و رسل و كل صنف ممن ذكرنا أشخاصه يفضل بعضهم بعضا قال تعالى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ و قال وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ فتفضل منازلهم بتفاضلهم و إن اشتركوا في الدار و من هذا الباب قوله وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ يعني الخلق فدخل فيه جميع بنى آدم دنيا و آخرة فإذا أخذ الناس منازلهم في الجنة استدعاهم الحق إلى رؤيته فيسارعون على قدر مراكبهم و مشيهم هنا في طاعة ربهم فمنهم البطيء و منهم السريع و منهم المتوسط و يجتمعون في الكثيب و كل شخص يعرف مرتبته علما ضروريا يجري إليها و لا ينزل إلا فيها كما يجري الطفل إلى الثدي و الحديد إلى المغناطيس لو رام أن ينزل في غير مرتبته لما قدر و لو رام أن يتعشق بغير منزلته ما استطاع بل يرى في منزلته أنه قد بلغ منتهى أمله و قصده فهو يتعشق بما هو فيه من النعيم تعشقا طبيعيا ذاتيا لا يقوم بنفسه ما هو عنده أحسن من حاله و لو لا ذلك لكانت دار ألم و تنغيص و لم تكن جنة و لا دار نعيم غير إن الأعلى له نعيم بما هو فيه في منزلته و عنده نعيم الأدنى و أدنى الناس منزلة على أنه ليس ثم من دنى من لا نعيم له إلا بمنزلة خاصة و أعلاهم من لا أعلى منه له نعيم بالكل فكل شخص مقصور عليه نعيمه فما أعجب هذا الحكم ففي الرؤية الأولى يعظم الحجاب على أهل النار و التنغيص و العذاب بحيث إنهم لا يكون عندهم عذاب أشد عذابا من ذلك فإن الرؤية الأولى تكون قبل انقضاء أجل العذاب و عموم الرحمة الشاملة و ذلك ليعرفوا ذوقا عذاب الحجاب و في الرؤية الثانية إلى ما يكون بعد ذلك تعم الرحمة و لهم أعني لأهل الجحيم رؤية من خوخات أبواب النار على قدر ما اتصفوا به في الدنيا من مكارم الأخلاق فإذا نزل الناس في الكثيب للرؤية و تجلى الحق تعالى تجليا عاما على صور الاعتقادات في ذلك التجلي الواحد فهو واحد من حيث هو تجل و هو كثير من حيث اختلاف الصور فإذا رأوه انصبغوا عن آخرهم بنور ذلك التجلي و ظهر كل واحد منهم بنور صورة ما شاهده فمن علمه في كل معتقد فله نور كل معتقد و من علمه في اعتقاد خاص معين لم يكن له سوى نور ذلك المعتقد المعين و من اعتقد وجودا لا حكم له فيه بتنزيه و لا تشبيه بل كان اعتقاده أنه على ما هو عليه فلم ينزه و لم يشبه و آمن بما جاء من عنده تعالى على علمه فيه سبحانه فله نور الاختصاص لا يعلم إلا في ذلك الوقت فإنه في علم الله فلا يدري هل هو أعلى ممن عمم الاعتقادات كلها علمه أو مساو له و أما دونه فلا فإذا أراد الله رجوعهم إلى مشاهدة نعيمهم بتلك الرؤية في جناتهم قال لملائكة وزعة الكثيب ردوهم إلى قصورهم فيرجعون بصورة ما رأوا و يجدون منازلهم و أهليهم منصبغين بتلك الصورة فيتلذذون بها فإنهم في وقت المشاهدة كانوا في حال فناء عنهم فلم تقع لهم لذة في زمان رؤيتهم بل اللذة عند أول التجلي حكم سلطانها عليهم فأفنتهم عنها و عن أنفسهم فهم في اللذة في حال فناء لعظيم سلطانها و إذا أبصروا تلك الصورة في منازلهم و أهليهم استمرت لهم اللذة و تنعموا بتلك المشاهدة فتنعموا في هذا الموطن بعين ما أفناهم في الكثيب و يزيدون في ذلك التجلي و في تلكالرؤية علما بالله أعطاهم إياه العيان لم يكن عندهم فإن المعلوم إذا شوهد تعطي مشاهدته أمرا لا يمكن أن يحصل من غير مشاهدة كما قيل

و لكن للعيان لطيف معنى لذا سأل المعاينة الكليم

و هذا ذوق يعرفه كل من أقيم في هذه الحال لا يقدر على إنكاره من نفسه «الفصل التاسع» في العالم و هو كل ما سوى الله و ترتيبه و نضده روحا و جسما و علوا و سفلا اعلم أن العالم عبارة عن كل ما سوى الله و ليس إلا الممكنات سواء وجدت أو لم توجد فإنها بذاتها علامة على علمنا أو على العلم بواجب الوجود لذاته و هو الله فإن الإمكان حكم لها لازم في حال عدمها و وجودها بل هو ذاتي لها لأن الترجيح لها لازم فالمرجح معلوم و لهذا سمي عالما من العلامة لأنه الدليل على المرجح فاعلم ذلك و ليس العالم في حال وجوده بشيء سوى الصور التي قبلها العماء و ظهرت فيه فالعالم إن نظرت حقيقته إنما هو عرض زائل أي في حكم الزوال و هو قوله تعالى كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ و قال رسول الله ص أصدق بيت قالته العرب قول لبيد ا كل شيء ما خلا الله باطل يقول ما له حقيقة يثبت عليها من نفسه فما هو موجود إلا بغيره و لذلك قال ص أصدق بيت قالته العرب ألا كل شيء ما خلا الله باطل فالجوهر الثابت هو العماء و ليس إلا نفس الرحمن و العالم جميع ما ظهر فيه من الصور فهي أعراض فيه يمكن إزالتها و تلك الصور هي الممكنات و نسبتها من العماء نسبة الصور من المرآة تظهر فيها لعين الرائي و الحق تعالى هو بصر العالم فهو الرائي و هو العالم بالممكنات فما أدرك إلا ما في علمه من صور الممكنات فظهر العالم بين العماء و بين رؤية الحق فكان ما ظهر دليلا على الرائي و هو الحق فتفطن و اعلم من أنت و أما نضده على الظهور و الترتيب فأرواح نورية إلهية مهيمة في صور نورية خلقية إبداعية في جوهر نفس هو العماء من جملتها العقل الأول و هو القلم ثم النفس و هو اللوح المحفوظ ثم الجسم ثم العرش و مقره و هو الماء الجامد و الهواء و الظلمة ثم ملائكته ثم الكرسي ثم ملائكته ثم الأطلس ثم ملائكته ثم فلك المنازل ثم الجنات بما فيها ثم ما يختص بها و بهذا الفلك من الكواكب ثم الأرض ثم الماء ثم الهواء العنصري ثم النار ثم الدخان و فتق فيه سبع سماوات سماء القمر و سماء الكاتب و سماء الزهرة و سماء الشمس و سماء الأحمر و سماء المشتري و سماء المقاتل ثم أفلاكها المخلوقون منها ثم ملائكة النار و الماء و الهواء و الأرض ثم المولدات المعدن و النبات و الحيوان ثم نشأة جسد الإنسان ثم ما ظهر من أشخاص كل نوع من الحيوان و النبات و المعدن ثم الصور المخلوقات من أعمال المكلفين و هي آخر نوع هذا ترتيبه بالظهور في الإيجاد و أما ترتيبه بالمكان الوجودي أو المتوهم فالمكان المتوهم المعقولات التي ذكرناها إلى الجسم الكل ثم العرش ثم الكرسي ثم الأطلس ثم المكوكب و فيه الجنات ثم سماء رحل ثم سماء المشتري ثم سماء المريخ ثم سماء الشمس ثم سماء الزهرة ثم سماء الكاتب ثم سماء القمر ثم الأثير ثم الهواء ثم الماء ثم الأرض و أما ترتيبه بالمكانة فالإنسان الكامل ثم العقل الأول ثم الأرواح المهيمة ثم النفس ثم العرش ثم الكرسي ثم الأطلس ثم الكثيب ثم الوسيلة ثم عدن ثم الفردوس ثم دار السلام ثم دار المقامة ثم المأوى ثم الخلد ثم النعيم ثم فلك المنازل ثم البيت المعمور ثم سماء الشمس ثم القمر ثم المشتري ثم زحل ثم الزهرة ثم الكاتب ثم المريخ ثم الهواء ثم الماء ثم التراب ثم النار ثم الحيوان ثم النبات ثم المعدن و في الناس الرسل ثم الأنبياء ثم الأولياء ثم المؤمنون ثم سائر الخلق و في الأمم أمة محمد ص ثم أمة موسى ع ثم الأمم على منازل رسلها و أما ترتيبه بالتأثير فمنه المؤثر بالحال و منه ما هو المؤثر بالهمة و منه ما هو المؤثر بالقول و منه ما هو المؤثر بالفعل أعني بالآلة و منهم المؤثر بمجموع الكل و منهم المؤثر بمجموع البعض و منهم المؤثر بغير قصد لما ظهر منه من الأثر كتأثيرات الرياح بهبوبها في الرمال و غيرها و هي صورة الأشكال و ما في الوجود إلا مؤثر و مؤثر فيه مطلقا و مؤثر اسم مفعول يكون له أثر بالحال كصور تحدث فتؤثر بالحال في واهب الأرواح لها و قد ذكرنا في نضد العالم خطبة و هي هذه التي أنا ذاكرها ذكر الخطبة في نضد العالم الجدلله الذي ليس لأوليته افتتاح كما لسائر الأوليات الذي له الأسماء الحسنى و الصفات العلى الأزليات الكائن و لا عقل و لا نفس و لا بسائط و لا مركبات و لا أرض و لا سماوات العالم في العماء بجميع المعلومات القادر الذي لا يعجز عن الجائزات المريد الذي لا يقصر فتعجزه المعجزات المتكلم و لا حروف و لا أصوات السميع الذي يسمع كلامه و لا كلام مسموع إلا بالحروف و الأصوات و الآلات و النغمات البصير الذي رأى ذاته و لا مرئيات مطبوعة الذوات الحي الذي وجبت له صفات الدوام الأحدي و المقام الصمدي فتعالى بهذه السمات الذي جعل الإنسان الكامل أشرف الموجودات و أتم الكلمات المحدثات و الصلاة على سيدنا محمد خير البريات و سيد الجسمانيات و الروحانيات و صاحب الوسيلة في الجنات الفردوسيات و المقام المحمود في اليوم العظيم البليات الأليم الرزيات أما بعد فإنه لما شاء سبحانه أن يوجد الأشياء من غير موجود و إن يبرزها في أعيانها بما تقتضيه من الرسوم و الحدود لظهور سلطان الأعراض و الخواص و الفصول و الأنواع و الأجناس الدافعين شبه الشكوك و الرافعين حجب الالتباس بوسائط العبارات الشارحة و الصفات الرسمية و الذاتية النيرة النبراس فانجلى في صورة العلم صور الجواهر المتماثلات و الأعراض المختلفات و المتماثلات و المتقابلات و فصل بين هذه الذوات بين المتحيزات منها و غير المتحيزات كما انجلى في ذوات الأعراض و الجواهر صور الهيئات و الحالات بالكيفيات و صور المقادير و الأوزان المتصلات و المنفصلات بالكميات و صور الأدوار و الحركات الزمانيات و صور الأقطار و الأكوار المكانيات و الصور الحافظات الماسكات نظام العالم الحاملات أسباب المناقب و المثالب العرضيات و أسباب المدائح و المذام الشرعيات و أسباب الصلاح و الفساد الوضعيات الحكميات و صور الإضافات بين المالك و المملوك و الآباء و الأبناء و البنات و صور التمليك بالعبيد و الإماء الخارجات و الحسن و الجمال و العلم و أمثال ذلك الداخلات و صور التوجهات الفعلية القائمة بالفاعلات و صور المنفعلات التي هي بالفعل و الفاعلات مرتبطات و قال عند ما جلاها ب الشَّمْسِ وَ ضُحاها وَ الْقَمَرِ إِذا تَلاها وَ النَّهارِ إِذا جَلَّاها وَ اللَّيْلِ إِذا يَغْشاها وَ السَّماءِ وَ ما بَناها وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها هذه حقائق الآباء العلويات و الأمهات السفليات و لها البقاء بالإبقاء مع استمرار التكوينات و التلوينات بالتغيير و الاستحالات ليثبت عندها علم ما هي الحضرة الإلهية عليه من العزة و الثبات فهذا هو الذي أبرز سبحانه من المعلومات و لا يجوز غير ذلك فإنه لم يبق سوى الواجبات و المحالات فأول موجود أداره سبحانه فلك الإشارات إدارة إحاطة معنوية و هو أول الأفلاك الممكنات المحدثات المعقولات و أول صورة ظهر في هذا الفلك العمائي صور الروحانيات المهيمات الذي منها القلم الإلهي الكاتب العلام في الرسالات و هو العقل الأول الفياض في الحكميات و الإنباءات و هو الحقيقة المحمدية و الحق المخلوق به و العدل عند أهل اللطائف و الإشارات و هو الروح القدسي الكل عند أهل الكشوف و التلويحات فجعله عالما حافظا باقيا تاما كاملا فياضا كاتبا من دواة العلم تحركه يمين القدرة عن سلطان الإرادة و العلوم الجاريات إلى نهايات و هو مستوي الأسماء الإلهيات ثم أدار معدن فلك النفوس دون هذا الفلك و هو اللوح المحفوظ في النبوات و هو النفس المنفعلة عند أصحاب الإدراكات و الإشارات و المكاشفات فجعلها باقية تامة غير كاملة و فائضة غير مفيضة فيض العقل فهي في محل القصور و العجز عن بلوغ الغايات ثم أوجد الهباء في الكشف و الهيولى في النظر و الطبيعة في الأذهان لا في الأعيان فأول صورة أظهر في ذلك الهباء صور الأبعاد الثلاثة فكان المكان فوجه عليه سبحانه سلطان الأربعة الأركان فظهرت البروج الناريات و الترابيات و الهوائيات و المائيات فتميزت الأكوان و سمي هذا الجسم الشفاف اللطيف المستدبر المحيط بأجسام العالم العرش العظيم الكريم و استوى عليه باسمه الرحمن استواء منزها عن الحد و المقدار معلوم عنده غير مكيف و لا معلوم للعقول و الأذهان ثم أدار سبحانه في جوف هذا الفلك الأول فلكا ثانيا سماه الكرسي فتدلت إليه القدمان فانفرق فيه كل أمر حكيم بتقدير عزيز عليم و عنده أوجد الخيرات الحسان و المقصورات في خيام الجنان ثم رتبفيه منازل الأمور كلها و أحكمها في روحانيات سخرها و حكمها بالتأثيرات السبعية من ألف إلى ساعة عن اختلاف الملوان و جعل هذه المنازل بين وسط ممزوج و طرفي سعد مستقر و نحس مستمر بنزول المقدر المفرد الإنسان ثم أدار سبحانه في جوف هذا الفلك الثاني فلكا ثالثا و خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس مسخرا فقيرا أودع لديه كل أسود حالك و قرن به ضيق المسالك و الوعر و الحزن و الكرب و الحزن و حسرات الفوت و سكرات الموت و أسرار الظلمات و المفازات المهلكات و الأشجار و المثمرات و الأفاعي و الحيات و الحيوانات المضرات و الحشرات الموحشات و الطرق الدارسات و العناء و المشقات و خلق عند مساعدته النفس الكلية الجبال لتسكين الأرضين المدحيات و أسكن في هذا الفلك روحانية خليله إبراهيم ع عبده و رسوله ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا رابعا خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس أودع لديه النخل الباسقات و العدل في القضايا و الحكومات و أسباب الخير و السعادات و البيض الحسان المنعمات و الاعتدالات و النمامات و أسرار العبادات و القربات و الصدقات البرهانيات و الصلوات النوريات و إجابة الدعوات و الناظرين إلى الواقفين بعرفات و قبول النسك بموضع رمى الجمرات و خلق عند مساعدته النفس الكلية تحليل المياه الجامدات و اسكن في هذا الفلك روحانية نبيه موسى ع عبده و نجيه ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا خامسا خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس أودع لديه حماية المذاهب بالقواضب المرهفات و الموازن السمهريات و تجمير قدور راسيات و ملء جفون كالجوابي المستديرات و التعصبات و الحميات و إيقاع الفتن و الحروب بين أهل الهدايات و الضلالات و تقابل الشبه المضلات و الأدلة الواضحات بين أهل العقول السليمة و التخيلات و خلق عند مساعدته النفس الكل لتلطيف الأهوية السخيفات و اسكن في هذا الفلك روح رسوليه هارون و يحيى ع موضحي سبيليه ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا سادسا خلق فيه كوكبا عظيما مشرقا سابحا أودع لديه أسرار الروحانيات و الأنوار المشرقات و الضياءات اللامعات و البروق الخاطفات و الشعاعات النيرات و الأجساد المستنيرات و المراتب الكاملات و الاستواءات المعتدلات و المعارف اللؤلؤيات و اليواقيت العاليات و الجمع بين الأنوار و الأسرار الساريات و معالم التأسيسات و أنفاس النور الجاريات و خلع الأرواح المدبرات و إيضاح الأمور المبهمات و حل المسائل المشكلات و حسن إيقاع السماع في النغمات و توالي الواردات و ترادف التنزلات الغيبيات و ارتقاء المغاني الروحانيات إلى أوج الانتهاءات و دفع العلل بالعلالات النافعات و الكلمات المستحسنات و الأعراف العطريات و أمثال ذلك مما يطول ذكره قد ذكرنا منه طرفا في الباب السادس و الأربعين من كتاب التنزلات الموصليات و خلق عند مساعدته النفس الكل تحريك الفلك الأثير لتسخين العالم بهذه الحركات و اسكن في هذا الفلك إدريس النبي المخصوص بالمكان العلي ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا سابعا خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس أودع لديه التصوير التام و حسن النظام و السماع الشهي و المنظر الرائق البهي و الهيبة و الجمال و الأنس و الجلال و خلق عند مساعدته النفس الكل تقطير ماء رطب من ركن البخارات و أسكن في هذا الفلك روحانية النبي الجميل التام يوسف ع ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا ثامنا خلق فيه كوكبا سابحا من الخنس الكنس أودع لديه الأوهام و الإيهام و الوحي و الإلهام و مهالك الآراء الفاسدة و القياسات و الأحلام الرديئة و المبشرات و الاختراعات الصناعيات و الاستنباطات العمليات و ما في الأفكار من الغلطات و الإصابات و القوي الفعالات و الوهميات و الزجر و الكهانات و الفراسات و السحر و العزائم و الطلسمات و خلق عند مساعدته النفس الكل مزج البخارات الرطبة بالبخارات اليابسات و اسكن في هذا الفلك روحانية روحه و كلمته عيسى ع عبده و رسوله و ابن أمته ثم أدار في جوف هذا الفلك فلكا آخر تاسعا خلق فيه كوكبا سابحا أودع الله لديه الزيادة و النقصان و الربو و الاستحالات بالاضمحلالات و خلق عند مساعدته النفس الكل إمداد المولدات بركن العصارات و اسكن في هذا الفلك روحانية نبيه آدم ع عبده و رسوله و صفيه و اسكن هذه الأفلاك المستديرات أصناف الملائكة الصافات التاليات فمنها القائمات و القاعدات و منهاالراكعات و الساجدات كما قال تعالى إخبارا عنهم وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ فهم عمار السموات و جعل منهم الأرواح المطهرات المعتكفين بأشرف الحضرات و جعل منهم الملائكة المسخرات و الوكلاء على ما يخلقه الله من التكوينات فوكل بالأرجاء الزاجرات و بالأنباء المرسلات و بالإلهام و اللمات الملقيات و بالتفصيل و التصوير و الترتيب المقسمات و بالترغيب و الترحيب الناشرات و بالترهيب الناشطات و بالتشتيت النازعات و بالسوق السابحات و بالاعتناء السابقات و بالأحكام المدبرات ثم أدار في جوف هذا الفلك كرة الأثير أودع فيها رجوع المسترقات الطارقات ثم جعل دونه كرة الهواء أجرى فيه الذاريات العاصفات السابقات الحاملات المعصرات و موج فيه البحور الزاخرات الكائنات من البخارات المستحيلات يسمى دائرة كرة الزمهرير تتعلم منه صناعة التقطيرات و أمسك في هذه الكرة أرواح الأجسام الطائرات و أظهر في هاتين الكرتين الرعود القاصفات و البروق الخاطفات و الصواعق المهلكات و الأحجار القاتلات و الجبال الشامخات و الأرواح الناريات الصاعدات النازلات و المياه الجامدات ثم أدار في جوف هذه الكرة كرة أودع فيها سبحانه ما أخبرنا به في الآيات البينات من أسرار إحياء الموات و أجرى فيها الأعلام الجاريات و أسكنها الحيوانات الصامتات ثم أدار في جوفها كرة أخرى أودع فيه ضروب التكوينات من المعادن و النباتات و الحيوانات فأما المعادن فجعلها عز و جل ثلاث طبقات منها المائيات و الترابيات و الحجريات و كذلك النبات منها النابتات و المغروسات و المزروعات و كذلك الحيوانات منها المولدات المرضعات و الحاضنات و المعفنات ثم كون الإنسان مضاهيا لجميع ما ذكرناه من المحدثات ثم وهبه معالم الأسماء و الصفات فمهدت له هذه المخلوقات المعجزات و لهذا كان آخر الموجودات فمن روحانيته صح له سر الأولية في البدايات و من جسميته صح له الآخرية في الغايات فبه بديء الأمر و ختم إظهارا للعنايات و أقامه خليفة في الأرض لأن فيها ما في السموات و أيده بالآيات و العلامات و الدلالات و المعجزات و اختصه بأصناف الكرامات و نصب به القضايا المشروعات ليميز الله به الخبيثات من الطيبات فيلحق الخبيث بالشقاوات في الدركات و يلحق الطيب بالسعادات في الدرجات كما سبق في القبضتين اللتين هما صفتان للذات فسبحان مبدئ هذه الآيات و ناصب هذه الدلالات على أنه واحد قهار الأرض و السموات فهذا ترتيب نضد العالم على طريق خاص لبعض النظار انفرد به و سنذكر بعد القصيدة التي أذكرها بعد هذا ما وافقونا فيه و أما نظمنا فيه أيضا على طريقة أخرى في الوضع الأول فاعلم و هذه هي القصيدة

الحمد لله الذي بوجودهظهر الوجود و عالم الهيمان
و العنصر الأعلى الذي بوجودهظهرت ذوات عوالم الإمكان
من غير ترتيب فلا متقدمفيه و لا متأخر بالآن
حتى إذا شاء المهيمن إن يرىما كان معلوما من الأكوان
فتح القدير عوالم الديوانبوجود روح ثم روح ثاني
ثم الهباء كذا الهيولى ثم جسم قابللعوالم الأفلاك و الأركان
فأداره فلكا عظيما و اسمهالعرش الكريم و مستوي الرحمن
يتلوه كرسي انقسام كلامهفتلوح من أقسامه القدمان
من بعده فلك البروج و بعدهفلك الكواكب مصدر الأزمان
ثم النزول مع الخلأ لمركزليقيم فيه قواعد البنيان
فأدار أرضا ثم ماء فوقهكرة الهواء و عنصر النيران
من فوقه فلك الهلال و فوقهفلك يضاف لكاتب الديوان
من فوقه فلك لزهرة فوقهفلك الغزالة مصدر الملوان
من فوقه المريخ ثم المشتريثم الذي يعزي إلى كيوان
و لكل جسم ما يشأ كل طبعهخلق يسمى العالم النوراني
فهم الملائكة الكرام شعارهمحفظ الوجود من اسمه المحسان
فتحركت نحو الكمال فولدتعند التحرك عالم الشيطان
ثم المعادن و النبات و بعدهجاءت لنا بعوالم الحيوان
و الغاية القصوى ظهور جسومنافي عالم التركيب و الأبدان
لما استوت و تعدلت أركانهنفخ الإله لطيفة الإنسان
و كساه صورته فعاد خليفةيعنو له الأملاك و الثقلان
و بدورة الفلك المحيط و حكمهأبدى لنا في عالم الحدثان
في جوف هذا الأرض ماء أسودانتنا لأهل الشرك و الطغيان
يجري على متن الرياح و عندهاظلمات سخط القاهر الديان
دارت بصخرة مركز سلطانهالروح الإلهي العظيم الشأن

فهذا ترتيب الوضع الذي أنشأ الله عليه العالم ابتداء اعلم أن التفاضل في المعلومات على وجوده أعمها التأثير فكل مؤثر أفضل من أكثر المؤثر فيه من حيث ذلك التأثير خاصة و قد يكون المفضول أفضل منه من وجه آخر و كذلك فضل العلة على معلولها و الشرط على مشروطه و الحقيقة على المحقق و الدليل على المدلول من حيث ما هو مدلول له لا من حيث عينه و قد يكون الفضل بعموم التعلق على ما هو أخص تعلقا منه كالعالم و القادر و لما كان الوجود كله فاضلا مفضولا أدى ذلك إلى المساواة و إن يقال لا فاضل و لا مفضول بل وجود شريف كامل تام لا نقص فيه و لا سيما و ليس في المخلوقات على اختلاف ضروبها أمر إلا و هو مستند إلى حقيقة و نسبة إلهية و لا تفاضل في الله لأن الأمر لا يفضل نفسه فلا مفاضلة بين العالم من هذا الوجه و هو الذي يرجع إليه الأمر من قبل و من بعد و عليه عول أهل الجمع و الوجود و بهذا سموا أهل الجمع لأنهم أهل عين واحدة كما قال الله تعالى وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ و من كشف الأمر على ما هو عليه علم ما ذكرناه في ترتيب العالم في هذا الباب فإنه متنوع المساق ففي الخطبة ترتيب ليس في المنظوم و كذلك سائر ما ذكرناه في الباب «وصل» في ذكر ما في هذا المنزل من العلوم فمن ذلك علم الاتصال الكوني و الانفصال الإلهي و الكوني و فيه علم تنزيه الحق مع ثبوت النزول و المعية عما للنزول و المعية من الحركة و الانتقال و فيه علم الفرقان بين الكتب المنزلة من عند الله و إن كانت كلها كلام الله و لما ذا تكثرت و تعددت آياتها و سورها هل لكونها كلاما أو لكونها متكلما بها و فيه علم افتراق الناس إلى مؤمن بكذا و غير مؤمن به و فيه علم الملإ الأعلى و فيه علم الآجال و فيه علم حكمة التفضيل في العالم و فيه علم انتشاء الفروع من أصل واحد و فيه علم قول القائل

و ما على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

و هذا هو علم الإنسان الكامل الجامع حقائق العالم و صورة الحق سبحانه و تعالى و فيه علم الفرق بين المبدأ و المعاد و ما معنى المعاد هل هو أمر وجودي أو نسبة مرتبة كوال يعزل ثم يرد إلى ولايته و فيه علم السبب الذي لأجله أنكر من أنكر المعاد و ما المعاد الذي أنكر و ما صفة المنكر و فيه علم نسبة الأشياء إلى الله نسبة واحدة فكيف سبقت الرحمة الغضب حتى عمت الرحمة كل شيء فلم يبق للغضب محل يظهر فيه و فيه علم هداة الحق و فيه علم إنشاء العالم من العالم و لما ذا يرجع ما فيه من الزيادة و النقص فلا بد من العلم بكمال أو تمام به يتميز ما زاد عليه و ما نقص عنه و هل كل زيادة على التمام نقص أم لا و فيه علم هل يوجد أمران متجاوران ليس بينهما وسط مثل الغيب و الشهادة و كالنفي و الإثبات و مثل قولنا أنت ما أنت وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ و فيه علم الأمر الذي يحفظ الله به المكلف من حيث عينه و من حيث أفعاله و فيه علم كمال العالم الكمال الذي لا يحتمل الزيادة فيه فلا يظهر فيه مما لم يظهر إلا ما خرج عنه فيعود عليه فيظهر فيه أمر لم يكن فيه و هو منه فما ظهر في العالم بعد تمامه إلا العالم فأمر الله واحدة فيه و هو المعبر عنهبالاستحالات و الاستحالات متنوعة بحسب الحقائق كالماء يستحيل بخارا و الملك يستحيل إنسانا بالصورة و كذلك التجلي فمن عرف ذلك عرف الأمر على ما هو عليه و الولد على شبه أبيه فإن الولد إذا خرج على شبه أبيه برأ الأم مما يتطرق إليها من الاحتمال إذا لم يكن الشبه و من هنا تعلم أنه لا خالق إلا الله و قد نبه الشارع بحديث الصورة الكاملة الإمامية و فيه علم نفي الأسباب بإثباتها و فيه علم الأمر الذي دعا المشرك إلى إثبات الشريك و فيه علم غيرة الحق على الرتبة الإلهية و فيه علم ما يقول المتعلم من العالم إذا سأله العالم بفتح اللام و فيه علم ما هو من القول حجة و ما ليس بحجة فهل الحجة على الخصم عين القول خاصة أو ما يدل عليه القول أو في موطن يكون القول و في موطن يكون ما يدل عليه القول فإذا كان القول يعجز السامع فهو عين الحجة و فيه علم الفضل بالعلم بين المخلوقين و أنه لا رتبة أشرف من رتبة العلم و فيه علم أن الملائكة كلهم علماء بالله ليس فيهم من يجعل بخلاف الناس و لذلك قال تعالى شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ ثم قال في حق الناس وَ أُولُوا الْعِلْمِ و ما أطلق مثل ما أطلق الملائكة و هو علم التوحيد هنا لا علم الوجود فإن العالم كله عالم بالوجود لا بالتوحيد لا في الذات و لا في المرتبة و إن كان المشرك قد جعل له الرتبة العليا مع الاشتراك في معنى الرتبة و فيه علم ما لا يمكن لمخلوق جحده و هو افتقار الممكن إلى المرجح و فيه علم ما يجوز نقضه من المواثيق و العهود و ما لا يجوز و فيه علم ما يسبق إلى الوهم من تكذيب شخص من الناس يدعي أنه موجود من غير أب و لا أم عند من يؤمن بوجود آدم ع و ينكره في حق شخص ما قد أشبهه في الصورة و لا يتوقف في تكذيبه و لا في رد ما قاله و جاء به و هو ممكن في نفس الأمر و يقر به من يقول بحدوث العالم و بقدمه و فيه علم ما تقيده الملائكة من العلم إذا دخلوا على أهل السعادة في منازلهم و فيه علم فصل الدنيا من الآخرة دار أو حياة و هما دار واحدة و حياة واحدة و فيه علم القلوب و لما ذا ترجع نسبة الكون إليها هل إلى علمها باستحالة ثبوتها على أمر واحد زمانين لما علمت أن خالقها إذا تذكرت و فكرت أنه كل يوم في شأن فتقطع عند ذلك أنها لا تبقي على حال واحد لأنها محل التصريف و التقليب و فيه علم العلم الجامع و المفصل للمضار و المنافع و هل الإنسان الجاهل يقاوم بقوته قوة كلام الله حتى لا يؤثر فيه أو قوته على نفسه أن يستر ما أثر فيه كلام الله فلم يقاوم إلا نفسه لا كلام الله و فيه علم انتظار الحق بإظهار الأمور ما حكم به علمه فيها من الترتيب في الإيجاد مع الجواز و كيف يجتمع المحال و الإمكان في أمر واحد فيحكم عليه بأنه محال بالدليل العقلي ممكن بالدليل العقلي و أدلة العقول لا تتعارض إلا في هذا الموطن و فيه علم تلقين الحجة لإظهار الحق و هل للحاكم إذا علم صدق أحد الخصمين في دعواه و يعلم أنه يبطل حقه لجهله بتحرير الدعوى هل له أن يعلمه كيف يدعي حتى يثبت له الحق كما هو في نفس الأمر أو ليس له ذلك لا في حضور الخصم و لا في غيبته و هذا مع علم الحاكم بصاحب الحق و فيه علم حجج الرسل ع ليست عن نظر فكري و إنما هي عن تعليم إلهي و فيه علم ما حظ الرسول من الرسالة و فيه علم لا يعارض الحق الإلهي إلا الحق الإلهي فهو مقابلة المثلين لا مقابلة غير المثلين و إن ظهرت المعارضة من جانب المخلوق فما ظهر الحق إلا على لسان المخلوق فإن الله ما كلم عباده على رفع الحجاب لأنه يقول لا معقب لحكمه و قد وقع في الدنيا المعقب فلا بد أن يكون المعقب الله لا غيره فهو مثل النسخ في الشرائع هو الذي شرع و هو الذي رفع ما شرع بشرع آخر أنزله فالناسخ و المنسوخ من الله كذلك أمر العالم فيما جاء من الحق بالدلالة و فيما رد به ذلك الحق من غير دلالة فيعلم العالم بالله أنه من الحق فالحق يتلو بعضه بعضا فإن زمان دعوى الواحد ما هو زمان دعوى الآخر الراد له و المعارضة على الحقيقة إن لم يشتركا في الزمان فما هي معارضة فافهم و فيه علم إنزال الحق العالم بالشيء منزلة نفسه منه في ذلك العلم و لهذا تقول لا منزلة أشرف من العلم لأنه ينزلك منزلة الحق

لقد خرت كل الطيب فيما لثمتهو قد علم الأقوام من قد لثمته
و إن الذي في الكون من كل طيبمن العقل و الإحساس فيما طعمته

وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ