ورد في الخبر الصحيح في صحيح مسلم عن رسول الله ص أنه قال إن الله جميل يحب الجمال و هو تعالى صانع العالم و أوجده على صورته فالعالم كله في غاية الجمال ما فيه شيء من القبح بل قد جمع الله له الحسن كله و الجمال فليس في الإمكان أجمل و لا أبدع و لا أحسن من العالم و لو أوجد ما أوجد إلى ما لا يتناهى فهو مثل لما أوجد لأن الحسن الإلهي و الجمال قد حازه و ظهر به فإنه كما قال تعالى أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فهو جماله إذ لو نقص منه شيء لنزل عن درجة كمال خلقه فكان قبيحا ثم هدى أي بين ذلك لنا بقوله أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ
و منها أيضا
فالعالم كله جماله ذاتي و حسنه عين نفسه إذ صنعه صانعه عليه و لهذا هام فيه العارفون و تحقق بمحبته المتحققون و لهذا قلنا فيه في بعض عباراتنا عنه إنه مرآة الحق فما رأى العارفون فيه إلا صورة الحق و هو سبحانه الجميل و الجمال محبوب لذاته و الهيبة له في قلوب الناظرين إليه ذاتية فأورث المحبة و الهيبة فإن الله ما كثر لنا الآيات في العالم و في أنفسنا إذ نحن من العالم إلا لنصرف نظرنا إليه ذكرا و فكرا و عقلا و إيمانا و علما و سمعا و بصرا و نهيا و لبا و ما خلقنا إلا لنعبده و نعرفه و ما أحالنا في ذلك على شيء إلا على النظر في العالم لجعله عين الآيات و الدلالات على العلم به مشاهدة و عقلا فإن نظرنا فإليه و إن سمعنا فمنه و إن عقلنا فعنه و إن فكرنا ففيه و إن علمنا فإياه و إن آمنا فبه فهو المتجلي في كل وجه و المطلوب من كل آية و المنظور إليه بكل عين و المعبود في كل معبود و المقصود في الغيب و الشهود لا يفقده أحد من خلقه بفطرته و جبلته فجميع العالم له مصل و إليه ساجد و بحمده مسبح فالألسنة به ناطقة و القلوب به هائمة عاشقة و الألباب فيه حائرة يروم العارفون أن يفصلوه من العالم فلا يقدرون و يرومون أن يجعلوه عين العالم فلا يتحقق لهم ذلك فهم يعجزون فتكل أفهامهم و تتحير عقولهم و تتناقض عنه في التعبير ألسنتهم فيقولون في وقت هو و في وقت ما هو و في وقت هو ما هو فلا تستقر لهم فيه قدم و لا يتضح لهم إليه طريق أمم لأنهم يشهدونه عين الآية و الطريق فتحول هذه المشاهدةبينهم و بين طلب غاية الطريق إذ لا تسلك الطريق إلا إلى غاياتها و المقصود معهم و هو الرفيق فلا سالك و لا مسلوك فتذهب الإشارات و ليست سواه و تطيح العبارات و ما هي إلا إياه فلا ينكر على العارف ما يهيم فيه من العالم و ما يتوهمه من المعالم و لو لا إن هذا الأمر كما ذكرناه ما أحب نبي و لا رسول أهلا و لا ولدا و لا آثر على أحد أحدا و ذلك لتفاضل الآيات و تقلب العالم هو عين الآيات و ليست غير شئون الحق التي هو فيها و قد رفع بعضها فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لأنه بتلك الصورة ظهر في أسمائه فعلمنا تفاضل بعضها على بعض بالعموم و الخصوص فهو الغني عن العالمين و هو القائل وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فأين الخالق من الغني و أين القابض منه و المانع و أين العالم في إحاطته من القادر و القاهر فهل هذا كله إلا عين ما وقع في العالم فما تصرف رسول و لا عارف إلا فيه وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ و ذلك لأن من الناس من في أذنه وقر و على بصره غشاوة و على قلبه قفل و في فكره حيرة و في علمه شبهة و بسمعه صمم و و الله ما هو هذا كله عند العارف إلا للقرب المفرط وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَ لكِنْ لا تُبْصِرُونَ و لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَ نَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ به نَفْسُهُ وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و أين الوسوسة من الإلهام و أين اسم الإنسان من اسم العالم
و أما أهل الجمال العرضي و الحب العرضي فظل زائل و غرض مائل و جدار مائل بخلاف ما هو عند العلماء بالله فإن الظل عند العالم بالله ساجد و العارض للوجود مستعد و الجدار لم يمل إلا عبادة ليظهر ما تحته من كنوز المعارف التي يستغني بها العارف الواقف فخلق الله الغيرة في صورة الخضر فأقامه من انحنائه لما علم إن الأهلية ما وجدت في ذلك الوقت في رب المال فيقع التصرف فيه على غير وجهه و لتعلمن نبأه بعد حين فلو ظهر اتخذ عبثا و عاثت فيه الأيدي فسبحان واضع الحكم و ناصب الآيات و مظهر جمال الدلالات و من أجملها عينا و أكملها كونا عالم الخيال و به ضرب الله الأمثال و بين تعالى أنه المنفرد بعلمه فإنه قال ناهيا فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ إِنَّ الله يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ و ما جاء بهذه الآية إلا عند ما ضرب لنا الأمثال منه فظهر للكون و هو مقدمته أ لا ترى الرؤيا و بعينها يدرك الخيال يرى ما يكون قبل كونه و ما كان و ما هو الوقت عليه و أي حضرة تجد فيها هذه الجمعية إلا حضرة الخيال و كل من تعشق بأمر ما فما تعشق به إلا بعد أن حصله في خياله و جعل له في وهمه مثالا و طبق محبوبه على مثاله و لو لم يكن الأمر كذلك لكان إذا فارقه من تعلق بصره به أو سمعه أو شيء من حواسه فارق التعلق به و نحن لا نجد الأمر كذلك فدل على إن المحبوب عند المحب على مثال صورة و أنشأه في خياله فلزم مشاهدته فتضاعف وجده و تزايد حبه و صار ذلك المثال الذي صوره يحرض مصوره على طلب من صوره على صورته فإن ذلك الأصل هو روح هذا الخيال و به بقاؤه و هو الذي يحفظه و ما اشتد حب المحب إلا في صنعته و فعله فإن الصورة التي تعشق بها في خياله هي من صنعته فما أحب إلا ما هو راجع إليه فبنفسه تعلق و على فعله أثنى فمن علم هذا علم حب الله عباده و أنه تعالى أشد حبا فيهم منهم فيه بل لا يحبونه عينا و إنما يحبون إحسانه فإن الإحسان هو مشهودهم و من أحبه عينا فإنما أحب مثالا صوره في نفسه و تخيله و ليس إلا المشبهة خاصة فكل محب فلو لا التشبيه ما أحبه و لو لا التخيل ما تعلق به و لهذا جعله الشارع في قبلته و وسعه قلب عبده و جعله من القرب به كهو أو كبعض أجزائه فمثل هؤلاء عبدوه مثلا و شاهدوه محصلا و أما المنزهة فحائرة في عمياء يخبطون فيها عشواء لا ظل في ظلمتها و لا ما يمنعهم الدليل من التشبيه و ما ثم إيمان يفوق نوره نور الأدلة حتى يدرجها فيه فلا يزال المنزه غير قابض على شيء و لا محصل لأمر فهم أهل البيت لأن همهم متفرق و الوهم منهم بعيد فنقصهم من كمال معرفة الوجود حكم الأوهام فيهم و لا حكم للأوهام إلا في الكمل من الرجال و لهذا جاءت الشرائع في الله بما تحيله الأدلة فمن تقوى نور إيمانه على نور عقله كما تقوى نور الشمس على نور غيره من الكواكب فما أذهب عين أنوارها و إنما أدرجها في نوره فالعالم مستنير كله بنور الشمس و نور الكواكب و لكنهم لا يبصرون إلا نور الشمس و لا يبصرون المجموع كذلك الكامل منأهل الله إذا أدرج نور عقله في نور إيمانه صوب رأى المنزهة إذ ما تعدت ما كشفته لهم أنوارها و صوب رأى المشبهة إذ ما تعدت ظاهر ما أعطاها نور إيمانها بما ضرب الله لها من المثل فعرفه الكامل عقلا و إيمانا فحاز درجة الكمال كما حاز الخيال درجة الحس و المعنى فلطف المحسوس و كثف المعنى فكان له الاقتدار التام و لذلك قال يعقوب لابنه لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً لما علم من علمهم بتأويل ما مثل الحق له في رؤياه إذ ما كان ما رآه و ما مثل له إلا عين إخوته و أبويه فأنشأ الخيال صور الأخوة كواكب و صور الأبوين شمسا و قمرا و كلهم لحم و دم و عروق و أعصاب فانظر هذه النقلة من عالم السفل إلى عالم الأفلاك و من ظلمة هذا الهيكل إلى نور هذا الكوكب فقد لطف الكثيف ثم عمد إلى مرتبة التقدم و علو المنزلة و المعاني المجردة فكساها صورة السجود المحسوس فكثف لطيفها و الرؤيا واحدة فلو لا قوة هذه الحضرة ما جرى ما جرى و لو لا أنها في الوسط ما حكمت على الطرفين فإن الوسط حاكم على الطرفين لأنه حد لهما كما إن الآن عين الماضي و المستقبل كما إن الإنسان الكامل جعل الله رتبته وسطا بين كينونته مستويا على عرشه و بين كينونته في قلبه الذي وسعه فله نظر إليه في قلبه فيرى أنه نقطة الدائرة و له نظر إليه في استواءه على عرشه فيرى أنه محيط الدائرة فهو بكل شيء محيط فلا يظهر خط من النقطة إلا و نهايته إلى المحيط و لا يظهر خط من المحيط من داخله إلا و نهايته إلى النقطة و ليست الخطوط سوى العالم فإنه بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و الكل في قبضته وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فالخلاء ما فرض بين النقطة و المحيط و هو الذي عمر العالم بعينه و كونه و فيه ظهرت الاستحالات من نقطة إلى محيط و من محيط إلى نقطة فما خرج عنه عز و جل شيء و لا ثم شيء خارج عن المحيط فيدخل في إحاطته بل الكل منه انبعث و إليه ينتهي و منه بدأ و إليه يعود فمحيطه أسماؤه و نقطته ذاته فلهذا هو الواحد العدد و الواحد الكثير فما كل عين له ناظر إلا عين الإنسان و لو لا الإنسان العين ما نظرت عين الإنسان فبالإنسان نظر الإنسان فبالحق ظهر الحق
أي حسنت هيأتي إذ هيت لك إذ لو لا حسن العالم ما علم حسن القديم و لا جماله و لو لا جمال الحق ما ظهر في العالم جمال فالأمر دوري و به دار الفلك فدوران الفلك سعيه و ما برح من مكانه فهو بكليته المنتقل الذي لم يفارق مكانه تنبيها من الله لعباده أو ضرب مثل أن الحق و إن أوجد العالم و وصف نفسه بما وصف ما زال في منزلة تنزيهه و تمييزه عن خالقه بذاته مع معينه بكل خلق من خلقه بخلاف الخطوط فإنها متحركة من الوسط و إلى الوسط فهي مفارقة و قاطعة منازل و حركة الوسط لم تفارق منزلتها و لا تحركت في غيرها و هي أعجوبة المسائل التي حار فيها المجيب و السائل
و لما خلق الله تعالى العالم و اقتضت ذات العالم أن يستحيل بعضه لبعضه بما ركبه الله عليه من الحقائق و الاستعداد لقبول الاستحالة طلب بذاته العوارض الإمكانية التي تراها في العالم فمن العالم من له قصد في ذلك الطلب و هو تعيين عارض خاص كقائم يطلب القعود ممن يعقل و منهم من يطلبه من غير قصد كالشجرة تطلب السقي من أجل الثمرة التي خلقت لها و طلبها لذلك ذاتي على مقدار معلوم إن زاد على ذلك كان حكمه حكم نقصانه في الهلاك و ما الماء بحكمها فلا بد من حافظ يحفظ عليها القدر المعلوم و ليس إلا خالقها و هذه الأمور العوارض التي تعرض لجوهر العالم منها ما يقال فيه صلاح و منه ما يقال فيه فساد و لكن في نفس الأمر لا يصح أن يعرض للعالم فساد لا صلاح فيه فإنه يكون خلاف ما أريد له وجوده و أما صلاح لا فساد فيه فهو الواقع المراد لصانع العالم فإنه لذلك خلق العالم و أما الأحوال فذاتية للمعاني فإنها أحكامها و ليس لها وجود و لا هي معدومة كالأحمر لمن قامت به الحمرة و هذا حكم لا يتصف بالخلق لأنه معقول لا عين له في الوجود العيني بل المعاني كلها التي أوجبت أحكامها لمن اتصف بها نسب عدمية لا عين لها في الوجود و لها الحكم و الحال و لا عين لحكمها و لا لحالها في الوجود فصار الحاكم و المحكوم به في الحقيقة أمورا عدمية مع أنها معقولة فعلى الحقيقة لا أثر لموجود في موجود و إنما الأثر للمعدوم في الموجود و في المعدوم لأن الأثر للنسب كله و ليست النسب إلا أمورا عدمية يظهر ذلك بالبديهة في أحكام المراتب كمرتبة السلطنة و مرتبة السوقية في النوع الإنساني مثلا فيحكم السلطان في السوقة بما تريد رتبة السلطانة و ليس للسلطنة وجود عيني و إذا كان الحكم للمراتب فالأعيان التي من حقيقتها أن لا تكون على صورة طبيعية جسمية في نفسها إذا ظهرت لمن ظهرت له في صورة طبيعية جسدية في عالم التمثيل كالملك يتمثل بَشَراً سَوِيًّا و كالتجلي الإلهي في الصور فهل تقبل تلك الصورة الظاهرة في عين الرائي حكم ما لتلك الصورة في التي هي له حقيقة كصورة الإنسان و الحيوان فتحكم عليه بالتفكر و قيام الآلام و اللذات به فهل تلك الصورة التي ظهرت تشبه الحيوان أو الإنسان أو ما كان تقبل هذا الحكم في نفس الأمر أو الرائي إذا لم يعلم أنها إنسان أو حيوان ما له أن يحكم عليها بما يحكم علي من تلك الصورة عينه كيف الأمر في ذلك فاعلم إن الملك على صورة تخالف البشر في نفسه و عينه و كما تخالف البشر فقد خالفه أيضا البشر مثل جبريل ظهر بصورة أعرابي بكلامه و حركته المعتادة من تلك الصورة في الإنسان هي في الصورة الممثلة كما هي في الإنسان أو هي من الصورة كما هي الصورة متخيلة أيضا و يتبع تلك الصورة جميع أحكامها من القوي القائمة بها في الإنسان كما قام بها الكلام و الحركة و الكيفيات الظاهرة فهو في الحقيقة إنسان خيالي أعني الملك في ذلك الزمان و له حكم تلك الصورة في نفس الأمر أيضا على حد الصورة من كونها إنسانا خياليا فإذا ذهبت تلك الصورة ذهبت أحكامها لذهابها و سبب ذلك أن جوهر العالم في الأصل واحد لا يتغير عن حقيقته و أن كل صورة تظهر فيه فهي عارضة تستحيل في نفس الأمر في كل زمان فرد و الحق يوجد الأمثال على الدوام لأنه الخالق على الدوام و الممكنات في حال عدمها مهياة لقبول الوجود فمهما ظهرت صورة في ذلك الجوهر ظهرت بجميع أحكامها سواء كانت تلك الصورة محسوسة أو متخيلة فإن أحكامها تتبعها كما قال الأعرابي لما سمع رسول الله ص يصف الحق جل جلاله بالضحك قال لا نعدم خيرا من رب يضحك إذ من شأن من يضحك أن يتوقع منه وجود الخير فكما أتبع الصورة الضحك اتبعها وجود الخير منها و هذا في الجناب الإلهي فكيف في جوهر العالم و لا يهون مثل هذا عند عالم و لا يقبله متسع الخاطر إلا من عرف أن جوهر العالم هو النفس الرحماني الذي ظهرت فيه صور العالم و من لم يعلم ذلك فإنه يدركه في نفسه تكلف و مشقة في قبول ذلك في حق الحق و حق كل ظاهر في صورة يعلم أنها ما هي له حقيقة فيتأول و يتعذر عليه في أوقات التأويل فيؤمن و يسلم و لا يدري كيف الأمر بخلاف العالم المحقق الذي قد أطلعه الله تعالى على ما هي الأمور عليه في أنفسها فالعالم كله من حيث جوهره شريف لا تفاضل فيه و إن الدودة و العقل الأول على السواء في فضل الجوهر و ما ظهرت المفاضلة إلا في الصور و هي أحكام المراتب فشريف و أشرف و وضيع و أوضع و من علم هذا هان عليه قبول جميع ما وردت به الشرائع من الأمور في حق الله و الدار الآخرةو الأمور الغائبة التي لا تدركها العقول بأفكارها و ليس لها مدرك إلا بالخير و ليست الصور بشيء غير أعيان الممكنات و ليس جوهر العالم سوى ما ذكرنا فللإطلاق على العالم من حيث جوهره حكم لا يكون له من حيث صورته و له حكم من حيث صورته لا يكون له من حيث جوهره فمن الناس من علم ذلك على الكشف و هم أصحابنا و الرسل و الأنبياء و المقربون و من الناس من وجد ذلك في قوته و في عقله و لم يعرف من أين جاء و لا كيف حصل له فيشرك أهل الكشف في الحكم و لا يدري على التحقق ما هو الأمر و هم القائلون بالعلة و القائلون بالدهر و القائلون بالطبيعة و ما عدى هؤلاء فلا خبر عندهم بشيء من هذا الحكم كما إن هؤلاء الطوائف لا علم لهم بما يعلمه أهل الله و إن اشتركا في هذا الحكم فلو سألت علماء طائفة منهم ما أنكر لك عين ما أبانه أهل الله من ذلك و ما حكم عليهم القول بذلك الحكم إلا ما عرفه أهل الله هم و القائلون بالعلة لا يشعرون أ لا ترى الشارع و هو المخبر عن الله ما وصف الحق بأمر فيه تفصيل إلا و هو صفة المحدث المخلوق مع قدم الموصوف به و هو الله و لا قدم للعقل في ذلك من حيث نظره و فكره و سبب ذلك لا يعرف أصله و لا يعلم أنه صورته في جوهر العالم بل يتخيل أنه عين الجوهر فإن أردت السلامة فاعبد ربا وصف نفسه بما وصف و نفى التشبيه و أثبت الحكم كما هو الأمر عليه لأن الجوهر ما هو عين الصورة فلا حكم للتشبيه عليه و لهذا قال لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لعدم المشابهة فإن الحقائق ترمي بها وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ إثباتا للصور لأنه فصل حي فمن لم يعلم ربه من خبره عن نفسه فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا مُبِيناً و أدنى درجته أن يكون مؤمنا بالخبر في صفاته كما آمن إنه ليس كمثله شيء و كلا الحكمين حق نظرا عقليا و قبولا و الله يقول إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و على كل شيء حفيظ أ تراه يحيط به و هو خارج عنه و يحفظ عليه وجوده من غير نسبة إليه فقد تداخلت الأمور و اتحدت الأحكام و تميزت الأعيان فقيل من وجه هذا ليس هذا عن زيد و عمرو و قيل من وجه هذا عين هذا عن زيد و عمرو و إنها إنسان كذلك نقول في العالم من حيث جوهره و من حيث صورته كما قال الله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و هو يعني هذا الذي ليس كمثله شيء وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و حكم السمع ما هو حكم البصر ففصل و وصل و ما انفصل و لا اتصل
«وصل إشارة و تنبيه» اعلم أن كل متلفظ من الناس بحديث فإنه لا يتلفظ به حتى تخيله في نفسه و يقيمه صورة يعبر عنها لا بد له من ذلك و لما كان الخيال لا يراد لنفسه و إنما يراد لبروزه إلى الوجود الحسي في عينه أي يظهر حكمه في الحس فإن المتخيل قد يكون مرتبة و قد يكون ما يقبل الصورة الوجودية كمن يتخيل أن يكون له ولد فيولد له ولد فيظهر في عينه شخصا قائما مثله و قد يتخيل أن يكون ملكا و هي رتبة فيكون ملكا و لا عين للمملكة في الوجود و إنما هي نسبة و إذا كان هذا و كان ما يتخيل يعبر كالرؤيا كذلك يعبر كل كلام و يتأول فما في الكون كلام لا يتأول و لذلك قال وَ لِنُعَلِّمَهُ من تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ و كل كلام فإنه حادث عند السامع فمن التأويل ما يكون إصابة لما أراده المتكلم بحديثه و من التأويل ما يكون خطأ عن مراد المتكلم و إن كان التأويل إصابة في كل وجه سواء أخطأ مراد المتكلم أو أصاب فما من أمر لا و هو يقبل التعبير عنه و لا يلزم في ذلك فهم السامع الذي لا يفهم ذلك الاصطلاح و لا تلك العبارة فإن علوم الأذواق و الكيفيات و إن قبلت لانتقال و لكن لما كان القول بها و العبارة عنها لإفهام السامع لذلك قالوا ما ينقال و لا يلزم ما لا يفهم السامع المدرك له أن لا يصطلح مع نفسه على لفظ يدل به على ما ذاقه ليكون له ذلك اللفظ منبها و مذكرا له إذا نسي ذلك في وقت آخر و إن لم يفهم عنه من لا ذوق له فيه و التأويل عبارة عما يؤول إليه ذلك الحديث الذي حدث عنده في خياله و ما سمي الإخبار عن الأمور عبارة و لا التعبير في الرؤيا تعبير إلا لكون المخبر يعبر بما يتكلم به أي يجوز بما يتكلم به من حضرة نفسه إلى نفس السامع فهو ينقله من خيال إلى خيال لأن السامع يتخيله على قدر فهمه فقد يطابق الخيال الخيال خيال السامع مع خيال المتكلم و قد لا يطابق فإذا طابق سمي فهما عنه و إن لم يطابق فليس يفهم ثم المحدث عنه قد يحدث عنه بلفظ يطابقه كما هو عليه في نفسه فحينئذ يسمى عبارة و إن لم يطابقه كان لفظا لا عبارة لأنه ما عبر به عن محله إلى محل السامع و سواء نسب ذلك الكلام إلى من نسب و إنما قصدنا بهذه الإشارة التنبيه على عظم رتبة الخيال و أنه الحاكم المطلق في المعلومات غير إن التعبير عن غير الرؤيا رباعي و التعبير عن الرؤيا ثلاثي أي في الرؤيا و هما من طريق المعنى على السواء و عين الفعل في الماضي في تعبير الرؤيا مفتوح و في المستقبل مضموم و مخفف و هو في غير الرؤيا مضاعف في الماضي و المستقبل مفتوح العين في الماضي و تكسر في مستقبله و إنما كان التضعيف في غير الرؤيا للقوة في العبارة لأنها أضعف في الخيال من الرؤيا فإن المعبر في غير الرؤيا يعبر عن أمر متخيل في نفسه استحضره ابتداء و جعله كأنه يراه حسا فضعف عمن يعبر عن الخيال من غير فكر و لا استحضار كصاحب الرؤيا فإن الخيال هنالك أظهر له ما فيه من غير استحضار من الرائي و المتيقظ ليس كذلك فهو ضعيف التخيل بسبب حجاب الحس فاحتاج إلى القوة فضعف التعبير عنه فقيل عبر فلان عن كذا و كذا بكذا و كذا بتشديد عين الفعل أ لا ترى قولهم في عبور الوادي يقولون عبرت النهر أعبره من غير تضعيف لأن النهر هنا غير مستحضر بل هو حاضر في الحس كما كان ذلك حاضرا في الخيال من غير استحضار فاستعان بالتضعيف لما في الاستحضار من المشقة و الاستعانة تؤذن بالتضعيف أبدا حيث ظهرت لأنه لا يطلب العون إلا من ليس في قوته مقاومة ذلك الأمر الذي يطلب العون عليه فكل ما لا يمكن الاستقلال به فإن العامل له لا بد أن يطلب العون و المعين على ذلك فافهم فإنه من هنا تعرف رتبة ما لا يمكن وجوده للموجد له إلا بمساعدة أمر آخر ما هو عين الموجد فذلك الأمر الآخر معين له على إظهار ذلك الأمر و هنا يظهر معنى قوله حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله إذا أراد الحق إيصاله إلى أذن السامع بالأصوات و الحروف أو الإيماء و الإشارة فلا بد من الواسطة إذ يستحيل عليه تعالى قيام الحوادث به فافهم وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ و في هذا المنزل من العلوم علم ما يفتقر إليه و لا يتصل به و فيه علم بيان الجمع أنه عين الفرق و فيه علم الفرق بين علم الخبر و علم النظر العقلي و علم النظر الكشفي و هو الذي يحصل بإدراك الحواس و فيه علم تنبيه الغافل بما ذا ينبه و مراتب التنبيه و فيه علم شرف العلم على شرف الرؤية فقد يرى الشخص شيئا و لا يدري ما هو فيقصه على غيره فيعلمه ذلك الغير ما هو و إن لم يره فالعلم أتم من الرؤية لأن الرؤية طريق من طرق العلم يتوصل بالسلوك فيه من هو عليه إلى أمر خاص و فيه علم ظهور الباطل في صورة الحق و هما على النقيض و من المحال أن يظهر أمر في صورة أمر آخر من غير تناسب فهو مثله في النسبة لا مثله في العين و هذا هو في صناعة النحو فعل المقاربة يقولون في ذلك كاد النعام يطير و كاد العروس يكون أميرا و الحق تعالى يظهر في عين الرائي السراب ماء و ليس بماء و هو عنده إذا جاء إليه الظمآن و كذلك المعطش إلى العلم بالله يأخذ في النظر في العلم به فيفيده تقييد تنزيه أو تشبيه فإذا كشف الغطاء و هو حال وصول الظمآن إلى السراب لم يجده كما قيده فأنكره و وجد الله عنده غير مقيد بذلك التقييد الخاص بل له الإطلاق في التقييد فَوَفَّاهُ حِسابَهُ أي تقديره فكأنه أراد صاحب هذا الحال أن يخرج الحق من التقييد فقال له الحق بقوله فَوَفَّاهُ حِسابَهُ لا يحصل لك في هذا المشهد إلا العلم بي إني مطلق في التقييد فإنا عين كل تقييد لأني أنا العالم كله مشهود و معلوم و هذا هو الكيد الإلهي من قوله وَ أَكِيدُ كَيْداً و مَكَرُوا وَ مَكَرَ الله و فيه علم ما هو مربوط بأجل لا يظهر حتى يبلغ الكتاب فيه أجله و فيه علم قيمة المثل و فيه علم تنزيه الأنبياء مما نسب إليهم المفسرون من الطامات مما لم يجيء في كتاب الله و هم يزعمون أنهم قد فسروا كلام الله فيما أخبر به عنهم نسأل الله العصمة في القول و العمل فلقد جاءوا في ذلك بالكبر الكبائر كمسألة إبراهيم الخليل ع و ما نسبوا إليه من الشك و ما نظروا في قول رسول الله ص نحن أولى بالشك من إبراهيم فإن إبراهيم ع ما شك في إحياء الموتى و لكن لما علم إن لإحياء الموتى وجودها متعددة مختلفة لم يدر بأي وجه منها يكون يحيي الله به الموتى و هو مجبول على طلب العلم فعين اللهله وجها من تلك الوجوه حتى سكن إليه قلبه فعلم كيف يحيي الله الموتى و كذلك قصة يوسف و لوط و موسى و داود و محمد ع الإلهي و كذلك ما نسبوه في قصة سليمان إلى الملكين و كل ذلك نقل عن اليهود و استحلوا أعراض الأنبياء و الملائكة بما ذكرته اليهود الذين جرحهم الله و ملئوا كتبهم في تفسير القرآن العزيز بذلك و ما في ذلك نص في كتاب و لا سنة فالله يعصمنا و إياكم من غلطات الأفكار و الأقوال و الأفعال أمين بعزته و قوته و فيه علم من قام الدليل على عصمته فله إن يثني على نفسه بما أعلمه الله أنه عليه من الصفات المحمودة فإنها من أعظم النعم الإلهية على عبده و الله يقول وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ و فيه علم التسليم و الاعتصام و فيه علم رتبة الخيال و أنه حق ما فيه شيء من الباطل إلا إن المعبر عنه يصيب و يخطئ بحسب ما يراه في نزوله بالمواطن فإن المصيب من لم يتعد بالحقائق مراتبها و فيه علم الأسماء و ما عبد منها و ما لم يعبد و فيه علم معرفة منازل الموجودات و فيه علم الستر و التجلي و فيه علم المفاضلة في العلم و فيه علم الشكر و الشاكر و فيه علم الآيات المعتادة و غير المعتادة و فيه علم التبري و التنزيه و ما هو تنزيه في حق الله عز و جل و هو تبري في حق المخلوق و لا تنزيه و فيه علم تقاسم أهل الله و طبقاتهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر السادس و العشرون من الفتوح المكي بانتهاء الباب الثاني و السبعون و ثلاثمائة
بسم الله الرحمن الرحيم