قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الرابع و السبعون و ثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية و الرؤية و سوا

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

«الباب الرابع و السبعون و ثلاثمائة في معرفة منزل الرؤية و الرؤية و سوابق الأشياء في الحضرة الربية و أن للكفار قدما كما إن للمؤمنين قدما و قدوم كل طائفة على قدمها و آتية بإمامها عدلا و فضلا من الحضرة المحمدية»

من كان في ظلمة الأكوان كان لهحكم العناية دون الخلق أجمعه
و نال كشف غطاء الحس من كتبو أبصر الكل مفتوحا بموضعه
يجري على السنة البيضاء سيرتهيشاهد الحق مربوطا بمهيعه

اعلم أيدك الله بالشهود و جعلك من أهل الجمع و الوجود إن الله تعالى لما جعل العرش محل أحدية الكلمة و هو الرحمن لا غيره و خلق الكرسي فانقسمت فيه الكلمة إلى أمرين ليخلق من كل شيء زوجين ليكون أحد الزوجين متصفا بالعلو و الآخر بالسفل الواحد بالفعل و الآخر بالانفعال فظهرت الشفيعة من الكرسي بالفعل و كانت في الكلمة الواحدة بالقوة ليعلم أن الموجود الأول أنه و إن كان واحد العين من حيث ذاته فإن له حكم نسبة إلى ما ظهر من العالم عنه فهو ذات وجودية و نسبة فهذا أصل شفيعة العالم و لا بد من رابط معقول بين الذات و النسبة حتى تقبل الذات هذه النسبة فظهرت الفردية بمعقولية الرابط فكانت الثلاثة أول الأفراد و لا رابع في الأصل فالثلاثة أول الأفراد في العدد إلى ما لا يتناهى و الشفيعة المعبر عنها بالاثنين أول الأزواج إلى ما لا يتناهى في العدد فما من شفع إلا و يوتره واحد يكون بذلك فردية ذلك الشفع و ما من فرد إلا و يشفعه واحد يكون به شفعية ذلك الفرد فالأمر الذي يشفع الفرد و يفرد الشفع هو الغني الذي له الحكم و لا يحكم عليه و لا يفتقر و يفتقر إليه فتدلت إلى الكرسي القدمان لما انقسمت فيه الكلمة الرحمانية فإن الكرسي نفسه به ظهرت قسمة الكلمة لأنه الثاني بعد العرش المحيط من صور الأجسام الظاهرة في الجوهر الأصل و هما شكلان في الجسم الكل الطبيعي فتدلت إليه القدمان فاستقرت كل قدم في مكان ليس هو المكان الذي استقرت فيه الأخرى و هو منتهى استقرارهما فسمى المكان الواحد جهنما و الآخر جنة و ليس بعدهما مكان تنتقل إليه هاتان القدمان فهاتان القدمان لا يستمدان إلا من الأصل الذي منه ظهرت و هو الرحمن فلا يعطيان إلا الرحمة فإن النهاية ترجع إلى الأصل بالحكم غير أنه بين البدء و النهاية طريق ميز ذلك الطريق بين البداية و الغاية و لو لا تلك الطريق ما كان بدء و لا غاية فكان سفرا للأمر النازل بينهن و السفر مظنة التعب و الشقاء فهذا سبب ظهور ما ظهر في العالم دنيا و آخرة و برزخا من الشقاء و عند انتهاء الاستقرار يلقى عصا التسيار و تقع الراحة في دار القرار و البوار فإن قلت فكان ينبغي عند الحلول في الدار الواحدة المسماة نارا أن توجد الراحة و ليس الأمر كذلك قلنا صدقت و لكن فإنك نظر و ذلك أن المسافرين على نوعين مسافر يكون سفره كإقامة بما هو فيه من الترفه من كونه مخدوما حاصلة له جميع أغراضه في محفة محمول على أعناق الرجال محفوظ من تغير الأهواء فهذا مثله في الوصول إلى المنزل مثل أهل الجنة في الجنة و مسافر يقطع الطريق على قدميه قليل الزاد ضعيف المؤنة إذا وصل إلى المنزل بقيت معه بقية التعب و المشقة زمانا حتى تذهب عنه ثم يجد الراحة فهذا مثل من يتعذب و يشقى في النار التي هي منزله ثم تعمه الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و مسافر بينهما ليست له رفاهية صاحب الجنة و لا شظف صاحب النار فهو بين راحة و تعب فهي الطائفة التي تخرج من النار بشفاعة الشافعين و بإخراج أرحم الراحمين و هم على طبقات فلذلك يكون فيهم المتقدم و المتأخر بقدر ما يبقى معهم من التعب فيزول في النار شيئا بعد شيء فإذا انتهت مدته خرج إلى محل الراحة و هو الجنة إما بشفاعة شافع و إما بالإخراج العام و هو إخراج أرحم الراحمين فالأنبياء و المؤمنون يشفعون في أهل الايمان و أهل الايمان طائفتان منهم المؤمن عن نظر و تحصيلدليل و هم الذين علموا الآيات و الدلالات و المعجزات و هؤلاء هم الذين يشفع فيهم النبيون و منهم المؤمن تقليدا بما أعطاه أبواه إذ ربياه أو أهل الدار التي نشأ فيها فهذا النوع يشفع فيهم المؤمنون كما أنهم أعطوهم الايمان في الدنيا بالتربية و أما الملائكة فتشفع فيمن كان على مكارم الأخلاق في الدنيا و إن لم يكن مؤمنا و ما ثم شافع رابع و بقي من يخرجه أرحم الراحمين و هم الذين ما عملوا خيرا قط لا من جهة الايمان و لا بإتيان مكارم الأخلاق غير إن العناية سبقت لهم أن يكونوا من أهل تلك الدار و بقي أهل هذه الدار الأخرى فيها فغلقت أبواب الدار و أطبقت و وقع الياس من الخروج فحينئذ تعم الرحمة أهلها لأنهم قد يئسوا من الخروج منها فإنهم كانوا يخافون منها الخروج لما رأوا إخراج أرحم الراحمين و هم قد جعلهم الله على مزاج بصلح لساكن تلك الدار و يتضرر بالخروج منها كما قد بيناه فلما يئسوا فرحوا فنعيمهم هذا القدر و هو أول نعيم يجدونه و حالهم فيها كما قدمناه بعد فراغ مدة الشقاء فيستعذبون العذاب فتزول الآلام و يبقى العذاب و لهذا سمي عذابا لأن المال إلى استعذابه لمن قام به كما يستحلي الجرب من يحكه فإذا حكه من غير جرب أو غير حاجة من يبوسة تطرأ على بعض بدنه تألم بالحك هكذا الأمر يقتضيه حال المزاج الذي يعرض للإنسان فافهم نعيم كل دار تسعد إن شاء الله تعالى أ لا ترى إلى صدق ما قلناه إن النار لا تزال متالمة لما فيها من النقص و عدم الامتلاء حتى يضع الجبار فيها قدمه و هي إحدى تينك القدمين المذكورتين في الكرسي و القدم الأخرى التي مستقرها الجنة قوله وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ فالاسم الرب مع هؤلاء و الجبار مع الآخرين لأنها دار جلال و جبروت و هيبة و الجنة دار جمال و أنس و تنزل إلهي لطيف فقدم الصدق إحدى قدمي الكرسي و هما قبضتان الواحدة للنار و لا يبالي و الأخرى للجنة و لا يبالي لأنهما في المال إلى الرحمة فلذلك لا يبالي فيهما و لو كان الأمر كما يتوهمه من لا علم له من عدم المبالاة ما وقع الأخذ بالجرائم و لا وصف الله نفسه بالغضب و لا كان البطش الشديد فهذا كله من المبالاة و التهمم بالمأخوذ إذ لو لم يكن له قدر ما عذب و لا استعد له و قد قيل في أهل التقوى إن الجنة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ و قال في أهل الشقاء أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً فلو لا المبالاة ما ظهر هذا الحكم فللأمور و الأحكام مواطن إذا عرفها أهلها لم يتعد بكل حكم موطنه و بهذا يعرف العالم من غير العالم فالعالم لا يزال يتأدب مع الله و يعامله في كل موطن بما يريد الحق أن يعامله به في ذلك الموطن و من لا يعلم ليس كذلك فبالقدمين أغنى و أفقر و بهما أمات و أحيا و بهما أهل و أقفر و بهما خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَ الْأُنْثى و بهما أذل و أعز و أعطى و منع و أضر و نفع و لولاهما ما وقع شيء في العالم مما وقع و لولاهما ما ظهر في العالم شرك فإن القدمين اشتركتا في الحكم في العالم فلكل واحدة منهما دار تحكم فيها و أهل تحكم فيهم بما شاء الله من الحكم و قد أومأنا إليه و إلى تفاصيله فإن الأحكام كالحدود تتغير بتغير الموجب لها فالمحدود في الافتراء يحد بحد لا يقام فيه إذا قتل بل يتولاه حد آخر خلاف هذا و المفتري هو القاتل عينه فتغيرت الحدود عليه لتغير الموجب لها فافهم فكذلك أحوال الأحكام الإلهية تتغير لتغير المواطن فالعناية الكبرى التي لله بالعالم كون استواءه على العرش المحيط بالعالم باسمه الرحمن و إليه يرجع الأمر كله و لذلك هو أرحم الراحمين لأن الرحماء في العالم لو لا رحمته ما كانوا رحماء فرحمته أسبق و لما كانت القدمان عبارة عن تقابل الأسماء الإلهية مثل الأول و الآخر و الظاهر و الباطن و مثل ذلك ظهر عنها في العالم حكم ذلك في عالم الغيب و الشهادة و الجلال و الجمال و القرب و البعد و الهيبة و الأنس و الجمع و الفرق و الستر و التجلي و الغيبة و الحضور و القبض و البسط و الدنيا و الآخرة و الجنة و النار كما إن بالواحد كان لكل معلوم أحدية يمتاز بها من غيره كما إن عن الفردية و هي الثلاثة ظهر حكم الطرفين و الواسطة و هي البرزخ و الشيء الذي هو بينهما كالحار و البارد و الفاتر و عن الفردية ظهرت الأفراد و عن الاثنين ظهرت الأشفاع و لا يخلو كل عدد أن يكون شفعا أو وترا إلى ما لا يتناهى التضعيف فيه و الواحد يضعفه أبدا فبقوة الواحد ظهر ما ظهر من الحكم في العدد و الحكم لله الواحد القهار فلو لا أنه سمي بالمتقابلين ما تسمى بالقهار لأنه من المحال أن يقاومه مخلوق أصلا فإذا ما هو قهار إلا من حيث إنه تسمى بالمتقابلين فلا يقاومه غيره فهو المعز المذل فيقع بين الاسمين حكم القاهر و المقهور بظهور أحد الحكمين في المحل فلذلك هو الواحد من حيث إنه يسمى القهار من حيث أنه يسمى بالمتقابلين و لا بد من نفوذ حكم أحد الاسمين فالنافذ الحكم هو القاهرو القهار من حيث إن أسماء التقابل له كثيرة كما ذكرناها من المحيي و المميت و الضار و النافع و ما أشبه ذلك و من هاتين القدمين ظهر في النبوة المبعوث و غير المبعوث و في المؤمنين المؤمن عن نظر و عن غير نظر فحكمهما سار في العالم فقد بان لك الأمر فلا ينهتك الستر كما يحكمك الشفع كذا يحكمك الوتر و أما معرفة الحجاب و الرؤية و هما من أحكام القدمين و إن كان حكم الرؤية باقيا إلا أن متعلقها الحجاب فهي ترى الحجاب فما زال حكمها فما ثم قاهر لها و لا مضاد إلا أن الرائي له عرض في متعلق خاص إذا لم تتعلق رؤيته به هناك يظهر حكم الحجاب فالغرض هو المقهور لا الرؤية فمن أراد أن يزول عنه حكم القهر فليصحب الله بلا غرض و لا تشوف بل ينظر كل ما وقع في العالم و في نفسه يجعله كالمراد له فيلتذ به و يتلقاه بالقبول و البشر و الرضي فلا يزال من هذه حاله مقيما في النعيم الدائم لا يتصف بالذلة و لا بأنه مقهور فتدركه الآلام لذلك و عزيز صاحب هذا المقام و ما رأيت له ذائقا لأنه يجهل الطريق إليه فإن الإنسان لا يخلو نفسا واحدا عن طلب يقوم به لأمر ما و إذا كانت حقيقة الإنسان ظهور الطلب فيه فليجعل متعلق طلبه مجهولا غير معين إلا من جهة واحدة و هو أن يكون متعلق طلبه ما يحدثه الله في العالم في نفسه أو في غيره فما وقعت عليه عينه أو تعلق به سمعه أو وجده في نفسه أو عامله به أحد فليكن ذلك عين مطلوبه المجهول قد عينه له الوقوع فيكون قد و في حقيقة كونه طالبا و تحصل له اللذة بكل واقع منه أو فيه أو من غيره أو في غيره فإن اقتضى ذلك الواقع التغيير له تغير لطلب الحق منه التغير و هو طالب الواقع و التغير هو الواقع و ليس بمقهور فيه بل هو ملتذ في تغييره كما هو ملتذ في الموت للتغير و ما ثم طريق إلى تحصيل هذا المقام إلا ما ذكرناه فلا نقل كما قال من جهل الأمر فطلب المحال فقال أريد أن لا أريد و إنما الطلب الصحيح الذي تعطيه حقيقة الإنسان أن يقول أريد ما تريد و أما طريقتها في العموم فسهل على أهل الله و ذلك أن الإنسان لا يخلو من حالة يكون عليها و يقوم فيها عن إرادة منه و عن كره بأن يقام فيها من غير إرادة و لا بد أن يحكم لتلك الحال حكم شرعي يتعلق بها فيقف عند حكم الشرع فيريد ما أراده الشرع فيتصف بالإرادة لما أراد الشرع خاصة فلا يبقى له غرض في مراد معين و كذلك من قال إن العبد ينبغي أن يكون مع الله بغير إرادة لا يصح و إنما يصح لو قال إن العبد من يكون متعلق إرادته ما يريد الحق به إذ لا يخلو عن إرادة فمن طلب رؤية الحق عن أمر الحق فهو عبد ممتثل أمر سيده و من طلب رؤية الحق عن غير أمر الحق فلا بد أن يتألم إذا لم يقع له وجدان لما تعلقت به إرادته فهو الجاني على نفسه فإن خالق الأشياء و المرادات و الحوادث يحكم و لا يحكم عليه فليكن العبد معه على ما يريده فإنه يجوز بهذا الراحة المعجلة في الدنيا و قد ورد في الأخبار الإلهية يا عبدي أريد و تريد و لا يكون إلا ما أريد فهذا تنبيه على دواء إذا استعمله الإنسان زال عنه الألم الذي ذكرناه و لذلك ورد في الإلهيات عن كعب الأحبار أن الله تعالى يقول يا ابن آدم إن رضيت بما قسمت لك أرحت قلبك و بدنك و هو موضع إرادة العبد و أنت محمود و إن لم ترض بما قسمت لك سلطت عليك الدنيا حتى تركض فيها ركض الوحش في البرية ثم و عزتي و جلالي لا تنال منها إلا ما قدرت لك و أنت مذموم و هذا أيضا دواء و أما قوله تعالى وَ ما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ الله فهو عزاء أفاد علما ليثبت به العبد في القيامة حكما فهو تلقين حجة و رحمة من الله و فضل و اعلم أنه كل ما ينال بسعاية فليس فيه امتنان و الطلب سعاية و الرؤية امتنان فلا يصح أن يطلب فإذا وقع ما وقع من الرؤية عن طلب فليست هي الرؤية على الحقيقة الحاصلة عن الطلب فإن مطلوبه من المرئي أن يراه إنما هو أن يراه على ما هو له و هو لا يتجلى له إلا في صورة علمه به لأنه إن لم يكن كذلك أنكره فما تجلى له إلا في غير ما طلب فكانت الرؤية إحسانا فإنه ما جاءه عين ما طلب و هو يتخيل أن ذلك عين ما طلب و ليس هو فإذا وقع له الالتذاذ بما رآه و تخيل أنه مطلوبه تجلى له بعد ذلك من غير طلب فكان ذلك التجلي أيضا امتنانا إلهيا أعطاه من العلم به ما لم يكن عنده و لا خطر على باله فإذا فهمت ما ذكرته لك علمت أن رؤية الله لا تكون بطلب و لا تنال جزاء كما تنال النعم بالجنان و هذه مسألة ما في علمي أن أحدا نبه عليها من خلق الله إلا الله مع أن رجال الله يعلمونها و ما نبهوا عليها لتخيلهم إن هذه المسألة قريبة المأخذ سهلة المتناول أو وقوعها من المحال لا بد من أحد الحكمين فإن الله ما سوى بين الخلق في العلم به فلا بد من التفاضل في ذلك بين عباد الله فإن المعتزلي يمنع الرؤية و الأشعري يجوزها عقلاو يثبتها شرعا في مقتضى نظره و الفيلسوف ينفيها عقلا إذ لا قدم له في الشرع و الايمان و أهل الله يثبتونها كشفا و ذوقا و لو كان قبل الكشف ما كان فإن الكشف يرده لما أعطاه ما يبقيه على ما كان عليه إلا إن كان ممن يقول بما جاء به أهل الكشف فإنه لا يتغير عليه الحال إلا بقدر ما بين العلم و رؤية المعلوم و اعلم أن الله من حيث نفسه له أحدية الأحد و من حيث أسماؤه له أحدية الكثرة

إِنَّمَا الله إِلهٌ واحِدٌو دليلي قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ
فإذا ما تهت في أسمائهفاعلم أن التيه من أجل العدد
يرجع الكل إليه كلماقرأ القارئ الله الصَّمَدُ
لَمْ يَلِدْ حقا وَ لَمْ يُولَدْ و لميكن كفوا للاله من أحد
فيحار العقل فيه عند مايغلب الوهم عليه بالمدد
ثم يأتيه مشدا أزلجاء في الشرع و يتلوه أبد
و بنا كان له الحكم بهفإذا زلنا فكون ينفرد

و هذا هو السبب الموجب لطلب تجليه تعالى في الصور المختلفة و تحوله فيها لاختلاف المعتقدات في العالم إلى هذه الكثرة فكان أصل اختلاف المعتقدات في العالم هذه الكثرة في العين الواحدة و لهذا وقع الإنكار من أهل الموقف عند ظهوره و قوله أَنَا رَبُّكُمْ فلو تجلى لهم في الصورة التي أخذ عليهم الميثاق فيها ما أنكره أحد فبعد وقوع الإنكار تحول لهم في الصورة التي أخذ عليهم فيها الميثاق فأقروا به لأنهم عرفوه و لهم إدلال إقرارهم و أما تجليه تعالى في الكثيب للرؤية فهنالك يتجلى في صور الاعتقادات لاختلافهم في ذلك في مراتبهم و لم يختلف في أخذ الميثاق فذلك هو التجلي العالم للكثرة و تجلى الكثيب هو التجلي العام في الكثرة و التجلي الذي يكون من الله لعبده و هو في ملكه هو التجلي الخاص الواحد للواحد فرؤيتنا إياه في يوم المواقف في القيامة يخالف رؤيتنا إياه في أخذ الميثاق و يخالف رؤيتنا إياه في الكثيب و يخالف رؤيتنا إياه و نحن في ملكنا و في قصورنا و أهلينا فمنه كان الخلاف الذي حكم علينا به في القرآن العزيز في قوله تعالى وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ و قوله إِلَّا من رَحِمَ رَبُّكَ فهم الذين عرفوه في الاختلاف فلم ينكروه فهم الذين أطلعهم الله على أحدية الكثرة و هؤلاء هم أهل الله و خاصته فقد خالف المرحومون بهذا الأمر الذي اختصهم الله به من سواهم من الطوائف فدخلوا بهذا النعت في حكم قوله وَ لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ لأنهم خالفوا أولئك و خالفهم أولئك فما أعطانا الاستثناء إلا ما ذكرناه فكان سبحانه أول مسألة خلاف ظهر في العالم لأن كل موجود في العالم أول ما ينظر في سبب وجوده لأنه يعلم في نفسه أنه لم يكن ثم كان بحدوثه لنفسه و اختلفت فطرهم في ذلك فاختلفوا في السبب الموجب لظهورهم ما هو فلذلك كان الحق أول مسألة خلاف في العالم و لما كان أصل الخلاف في العالم في المعتقدات و كان السبب أيضا وجود كل شيء من العالم على مزاج لا يكون للشيء الآخر لهذا كان مال الجميع إلى الرحمة لأنه خلقهم و أظهرهم في العماء و هو نفس الرحمن فهم كالحروف في نفس المتكلم في المخارج و هي مختلفة كذلك اختلف العالم في المزاج و الاعتقاد مع أحديته أنه عالم محدث أ لا تراه قد تسمى بالمدبر المفصل فقال عز و جل يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ و كل ما ذكرناه آنفا هو تفصيل الآيات فيه و فينا و دلالة عليه و علينا و كذلك نحن أدلة عليه و علينا فإن أعظم الدلالات و أوضحها دلالة الشيء على نفسه و التدبر من الله عين التفكر في المفكرين منافيا لتدبر تميز العالم بعضه من بعض و من الله و بالتفكر عرف العالم ذلك و دليله الذي فكر فيه هو عين ما شاهده من نفسه و من غيره سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أن ذلك المرئي هو الحق

إن التدبر مثل الفكر في الحدثو في المهيمن تدبير بلا نظر
فأخلص الفكر إن الفكر مهلكةبه يفرق بين الله و البشر

فتحقق ما أوردناه في هذا الباب و ما أبان الحق في هذا المنزل من علم الرؤية تنتفع بذلك في الدنيا إن كنت منأهل الشهود و الجمع و الوجود و في الآخرة و تنظيم في سلك من استثنى الله كقوله إِلَّا من رَحِمَ رَبُّكَ فإن فهم العامة فيه خلاف فهم خاصة الله و أهله و هم أهل الذكر لأنهم فهموه على مراد الله فيه أعطاهم ذلك الأهلية فثم عين تجمع و عين تفرق في عين واحدة سواء ذلك في جانب الحق أو جانب الخلق وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و في هذا المنزل من العلوم علم أصناف الكتب المنزلة و العلم بكل واحد منها بحسب الاسم الدال عليه فمن هناك تعرف رتبة ذلك الكتاب و إن كان كل اسم لكتاب صالحا لكل كتاب لأنه اسم صفة فيه و لكن ما اختص بهذا الاسم وحده على التعيين إلا لكونه هو فيه أتم حكما من غيره من الأسماء كقوله ع أقضاكم علي و أفرضكم زيد و أعلمكم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل و قد ذكرنا الكتب و أسماءها في هذا الكتاب أعني طرفا من ذلك في منزل القرآن و في كتاب مواقع النجوم في عضو اللسان فإن الله تعالى لما أشار إلينا في القرآن العزيز إلى ما أنزله علينا نارة أوقع الإشارة إلى عين الكتاب فقال ذلِكَ الْكِتابُ و تارة أشار إلى آياته و قال تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ فتارة ترك الإشارة و ذكر الكتاب من غير إشارة و لكل حكم من هذه الأحكام فهم منا يخصه لا بد من ذلك و فيه علم الفرق بين السحر و المعجزة و فيه علم ما للناس عند الله من حيث ما قام بهم من الصفات فيعلم من ذلك منزلته من ربه فإن الله ينزل على عبده منه حيث أنزل العبد ربه من نفسه فالعبد أنزل نفسه من ربه فلا يلومن إلا نفسه إذا رأى منزلة غيره تفوق رفعة منزلته هذا هو الخسران المبين حيث كان متمكنا من ذلك فلم يفعل و لذلك كان يوم القيامة يقال فيه يَوْمُ التَّغابُنِ فإنه يوم كشف الغطاء و تتبين الأمور الواقعة في الدنيا ما أثمرت هنالك فيقول الكافر و هو الجاهل يا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَياتِي لعلمه أنه كان متمكنا من ذلك فلم يفعل فعذابه ندمه و ما غبن فيه نفسه أشد عليه من أسباب العذاب من خارج و هذا هو العذاب الأكبر و فيه علم الاستدلال على الله بما ذا يكون هل بالله أو بالعالم أو بما فيه من النسب و فيه علم فائدة اختلاف الأنوار حتى كان منها الكاشف و منها المحرق و فيه علم مقادير الحركات الزمانية و حكم اسم الدهر عليها و هو اسم من أسماء الله تعالى و فيه علم اختلاف الآيات لاختلاف صفات الناظرين فيها و فيه علم ما يذم من الغفلة و ما يحمد و فيه علم الأسباب الموجبة لما يؤول إليه من أثرت فيه في الآخرة و فيه علم ما تكلم به أول إنسان في نشئه و هو الحمد لله و هو آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ فبدأ العالم بالثناء و ختم بالثناء فأين الشقاء السرمد حاشا الله أن يسبق غضبه رحمته فهو الصادق أو يخصص اتساع رحمته بعد ما أعطاها مرتبة العموم حكاية في هذا اجتمع سهل بن عبد الله بإبليس فقال له إبليس في مناظرته إياه إن الله تعالى يقول وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و كل تعطي العموم و شيء أنكر النكرات فإنا لا أقطع يأسي من رحمة الله قال سهل فبقيت حائرا ثم إني تنبهت في زعمي إلى تقييدها فقلت له يا إبليس إن الله قيدها بقوله فَسَأَكْتُبُها قال فقال لي يا سهل التقييد صفتك لا صفته فلم أجد جوابا له على ذلك و فيه علم ما يحمد من التأني و التثبط و ما يذم و علم ما يحمد من العجلة في الأمور و ما يذم و فيه علم الرجوع إلى الله عن القهر إذا رجع مثله إليه بالإحسان و هل يستوي الرجوعان أم لا يستويان و هذه مسألة حار فيها أهل الله أعني في رجوع الاضطرار و رجوع الاختيار إذ كان في الاختيار رائحة ربوبية و الاضطرار كله عبودية فهذا سبب الخلاف في أي الرجوعين أتم في حق الإنسان و فيه علم المحاضرات و المناظرات في مجالس العلماء بينهم و أن ذلك كله من محاضرات الأسماء الإلهية بعضها مع بعض ثم ظهر ذلك في الملإ الأعلى إذ يختصمون مع شغلهم بالله و أنهم ع في تسبيحهم لا يفترون و لا يسأمون فهل خصومتهم من تسبيحهم كما كان رسول الله ص يذكر الله على كل أحيانه مع كونه كان يتحدث مع الأعراب في مجالستهم و مع أهله فهل كل ذلك هو ذكر الله أم لا و أما اختلاف من خلق من الطبائع فغير منكور لأن الطبائع متضادة فكل أحد يدرك ذلك و لا ينكر المنازعة في عالم الطبيعة و ينكر و نها فيما فوق الطبيعة و أما أهل الله فلا ينكرون النزاع في الوجود أصلا لعلمهم بالأسماء الإلهية و أنها على صورة العالم بل الله أوجد العالم على صورتها لأنها الأصل و فيها المقابل و المخالف و الموافق و المساعد و فيه علم الفرق بين من كان معلمه الله و من كان معلمه نظره الفكري و من كان معلمه مخلوق مثله فأما صاحبنظر فيلحق بمعلمه و أما صاحب إلقاء إلهي فيلحق بمعلمه و لا سيما في العلم الإلهي الذي لا يعلم في الحقيقة إلا بإعلامه فإنه يعز أن يدرك بالإعلام الإلهي فكيف بالنظر الفكري و لذلك نهى رسول الله ص عن التفكر في ذات الله و قد غفل الناس عن هذا القدر فما منهم من سلم من التفكر فيها و الحكم عليها من حيث الفكر و ليس لأبي حامد الغزالي عند نازلة بحمد الله أكبر من هذه فإنه تكلم في ذات الله من حيث النظر الفكري في المضنون به على غير أهله و في غيره و لذلك أخطأ في كل ما قاله و ما أصاب و جاء أبو حامد و أمثاله في ذلك بأقصى غايات الجهل و بأبلغ مناقضة لما أعلمنا الله به من ذلك و احتاجوا لما أعطاهم الفكر خلاف ما وقع به الإعلام الإلهي إلى تأويل بعيد لينصروا جانب الفكر على جانب إعلام الله عن نفسه ما ينبغي أن ينسب إليه و كيف ينبغي أن ينسب إليه تعالى فما رأيت أحدا وقف موقف أدب في ذلك إلا خاض فيه على عماية إلا القليل من أهل الله لما سمعوا ما جاءت به رسله صلوات الله عليهم فيما وصف به نفسه وكلوا علم ذلك إليه و لم يتأولوا حتى أعطاهم الله الفهم فيه بإعلام آخر أنزله في قلوبهم فكانت المسألة منه تعالى و شرحها منه تعالى فعرفوه به لا بنظرهم فالله يجعلنا من الأدباء الأمناء الأتقياء الأبرياء الأخفياء الذين اصطفاهم الحق لنفسه و خبأهم في خزائن العادات في أحوالهم و فيه علم قول المبلغ عن الله تعالى قولا بلغه عن الله لو قاله عن نفسه على مجرى العرف فيه لكان رادا على نفسه بما ادعاه أنه جاء به من عند الله فلما قاله عن أمر الله عرف بالأمر الإلهي معنى ذلك و هو قول الإنسان إذا أمر بالخير أحدا من خلق الله من سلطان أو غيره فيجني عليه ذلك الأمر بالخير ممن أمره به ضرارا في نفسه إما نفسيا و إما حسيا أو المجموع فإن الراد له و الضار عليه استهان بالله و هو أشد ما يمشي على الداعي إلى الله لأنه على بصيرة من الله فيما دعا إليه من الخير فيقول عند ذلك ليتني ما دعوته إلى شيء من هذا لما طرأ عليه من الضرر في ذلك فهي مزلة العارفين إذا قالوا مثل ذلك فإن الله يقول وَ قُلِ الْحَقُّ من رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ من شاءَ فَلْيَكْفُرْ فإذا قالها العبد عن أمر الله مثل قوله تعالى إذ قال لنبيه ع قُلْ فأمره لَوْ شاءَ الله ما تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ لا أَدْراكُمْ به و لكنه شاء فتلوته عليكم و أدراكم به يقول فهمكم إياه فعلمتهم أنه الحق كما قال وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ فإذا قالها الوارث أو من قالها على هذا الحد فهو معرف معلم ما هو الأمر عليه و لهذا أمر الله بقول مثل هذا و كثير ما يقع من الناس العتب على أهل الله إذا أمروا بخير يعقبهم ذلك ضررا في أنفسهم محسوسا و ذلك لا يقع من مؤمن و لا من قائل عن كشف فإن الرسول ع قيل له فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ و قيل له بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ و كذلك يجب على الوارث فكيف يصح منه الندم على فعل ما يجب عليه فعله لضرر قام به أو شفقة على من لم يسمع حيث زاد في شقائه لما أعلمه حين لم يصغ إلى ذلك و هذا كله حديث نفس و الدين النصيحة لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهم فلا يصرفنك عن ذلك صارف و لقد رأيت قوما ممن يدعي أنه من أهل هذا الشأن إذا رد عليهم في وجوههم ما جاءوا به عن الحق انقبضوا و قالوا فضولنا أدانا إلى ذلك و لو شاء الله ما تكلمنا بشيء من هذا مع مثال هؤلاء و نحن جنينا على أنفسنا و قد تبنا و ما نرجع نقول مثل هذا القول عند أمثال هؤلاء و يظهرون الندم على ذلك و هذا كله جهل منهم بالأمر و دليل قاطع على أنه ليس بمخبر عن الله و لا أوصل شيئا من ذلك عن إذن إلهي في ذلك فإن المخبر عن الله لا يرى في باطنه إلا النور الساطع سواء قبل قوله أو رد أو أوذى و المتكلم عن نفسه و إن قال الحق أعقبه إذا رد عليه ندم و ضيق و حرج في نفسه و جعل كلامه فضولا فرد الحق الواجب فضولا فهذا جهل على جهل فالنصيحة لعباد الله واجبة على كل مؤمن بالله و لا يبالي ما يطرأ عليه من الذي ينصحه من الضرر فإن الله يقول في الورثة وَ يَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ من النَّاسِ و هذا القول عطف على قوله وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذكر ذلك في معرض الثناء عليهم و ذم الذين لم يصغوا إلى ما بلغ الرسول و لا الوارث إليهم و أية فرحة أعظم ممن يفرح بثناء الله عليه قُلْ بِفَضْلِ الله وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ و فيه علم الصفات التي يتميز بها أهل الاستحقاق حتى يوفيهم حقوقهم من تعين ذلك عليه و من الحقوق من يقتضي الثناء الجميل على من لا يوفيه حقه من ذلك كالمجرم المستحق للعذاب بأجرامه فيعفى عنه فهذا حق قد أبطل و هو محمود كما إن الغيبة حق و هي مذمومة و من عرف هذا عرف الحقما هو و فرق بينه و بين الصدق و علم عند ذلك أن الغيبة ليست بحق و أنها صدق و لهذا يسأل الصادق عن صدقه و لا يسأل ذو الحق إذا قام به فالغيبة و النميمة و أشباههما صدق لا حق إذ الحق ما وجب و الصدق ما أخبر به على الوجه الذي هو عليه و قد يجب فيكون حقا و قد لا يجب و يكون صدقا لا حقا فلهذا يسأل الصادق عن صدقه إن كان وجب عليه نجا و إن كان لم يجب عليه بل منع من ذلك هلك فيه فمن علم الفرق بين الحق و الصدق تعين عليه أن يتكلم في الاستحقاق و فيه علم ما ينتج من ذل لغير الله على إنزاله منه منزلة ربه جهلا منه به فإن ذل للصفة من غير اعتبار المحل كان له في ذلك الذي حكم آخر و فيه علم ما يحكم على الله و هو خير الحاكمين و من هنا تعلم أن صفاته لو كانت زائدة على ذاته كما يقوله المتكلم من الأشاعرة لحكم على الذات ما هو زائد عليها و لا هو عينها و هذه مسألة زلت فيها أقدام كثيرين من العلماء و أضلهم فيها قياس الشاهد على الغائب أو طرد الدلالة شاهدا و غائبا و هذا غاية الغلط فإن الحكم على المحكوم عليه بأمر ما من غير أن يعلم ذات المحكوم عليه و حقيقته جهل عظيم من الحاكم عليه بذلك فلا تطرد الدلالة في نسبة أمر إلى شيء من غير أن تعرف حقيقة ذلك المنسوب إليه و فيه علم إن الله لا يجوز لأحد من المخلوقين التحكم عليه و لو بلغ من المنزلة ما بلغ إلى أن يأمره بذلك فيحكم عليه بأمره فيما يجوز له أن يوجبه على نفسه إن كان من العالم بخلاف الحق فإن المكلف تحت الحجر فلو أوجب على نفسه فعل ما حرم عليه فعله لم يجز له ذلك و كان كفارة ما أوجبه كفارة يمين فلم يخل عن عقوبة و إن لم يفعل ما أوجبه إذ لم يجز له ذلك و لا كفارة على من أوجب على نفسه فعل ما أبيح له فعله و لا مندوحة له إلا أن يفعله و لا بد و فيه علم المكر الخفي و تعجيل الجزاء عليه و فيه علم موجب الاضطرار في الاختيار و ما ينفع الاضطرار و فيه علم الأسباب التي تنسى العالم بأمر ما يقتضيه حكم ذلك العلم من العمل و هي كثيرة و فيه علم الحسرة و هو أن أحد لا يؤاخذه على ما جناه سوى ما جناه فهو الذي آخذ نفسه فلا يلومن إلا نفسه و من اتقى مثل هذا فقد فاز فوزا عظيما و بهذا تقوم الحجة لله على خلقه و إنه إذا تكرم عليهم بعدم تسليطهم عليهم و عفا و غفر وجب له الثناء بصفة الكرم و الإحسان و فيه علم دعوة الله عباده لما ذا يدعوهم هل إلى عمل ما كلفهم أو إلى ما ينتجه عمل ما كلفهم في الدار الآخرة و إن الله ما كلف عباده و لا دعاهم إلى تكليف قط بغير واسطة فإنه بالذات لا يدعو إلى ما فيه مشقة فلهذا اتخذ الرسل عليهم الصلاة و السلام و قال جل ثناؤه وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و فيه علم الجزاء الوفاق و إذا أعطى ما هو خارج عن الجزاء فذلك من الاسم الواهب و الوهاب و فيه علم العذاب المتخيل و فيه علم تذكر العالم ما كان نسيه إذ كان لم يعمل به فإن العامل بالعلم هو المنشئ صورته فمن المحال أن ينساه و فيه علم حسن التعليم إذ ما كل معلم يحسن التعليم و فيه علم التأسي بالله كيف يكون و هو المطلق في أفعاله و أنت المقيد و فيه علم البحث و الحث على العمل بالأولى و الأوجب و فيه علم الفرق بين العلم و الظن أعني غلبة الظن و فيه علم العصمة و الاعتصام و فيه علم ما يقال للمعاند إذا لم يرجع إلى الحق و هو ما يرجع إلى علم الإنصاف و فيه علم ما يعلم به إن أفعال العباد أفعال الحق لكن تضاف إلى العباد بوجه و إلى الحق بوجه فإن الإضافة في اللسان في اصطلاح النحاة محضة و غير محضة و من الأفعال ما هي محضة لله إذا أضيفت إليه و منها غير محضة لما فيها من الاشتراك فلم تخلص فالعبودية لله خالصة و مأمور بتخليصها كما قال تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و هو ما تعبدهم به و قوله قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي و هو ما تعبده به في هذا الموضع و قوله إِنَّ الله لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً كلمة تحقيق فإن الناس لا يملكون شيئا حتى يكون ما يأخذ منهم بغير وجه حق غاصبا فكل ما يقال فيه إنه ملك لهم فهو ملك لله و من ذلك أعمالهم ثم قال وَ لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ فكنى سبحانه عن نفسه بأنفسهم لما وقع الظلم في العالم و قيل به فكأنه قال و لكن نفسه يظلم إن كان هذا ظلما و لا بد و المالك لا يظلم نفسه في ملكه فلو كان ما عند الناس ملك لهم ما حجر الله عليهم التصرف فيه و لا حد لهم فيه حدودا متنوعة فهذا يدلك على إن أفعال المكلف ما هي له و إنما هي لله فالظلم إلى الحقيقة في الناس دعواهم فيما ليس لهم إنه لهم فما عاقبهم الله إلا على الدعوى الكاذبة و فيه علم إدراج الكثير في القليل حتى يقال فيه إنه قليل و هو كثير في نفس الأمر و فيه علم الآجال في الأشياء و معنى قوله لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ على تلك الساعةو فيه علم من ادعى عليه بدعوى كاذبة يعلم المدعي عليه إن المدعي كاذب و لم يقم له بينة فوجب عليه اليمين فهو مأمور من الله بأن يحلف و ليس له أن يرد اليمين على المدعي و لا أن ينكل عن اليمين فيعطيه ما ادعى عليه فيكون معينا له على ظلمه لنفسه و أنه في اليمين قد أحرز نفس صاحبه أن يتصرف فيما ظلمه فيه بما ادعاه فيستصحبه الإثم ما دام يتصرف فيه و اليمين مانعة من ذلك و لم يبق على المدعي من الإثم إلا إثم اليمين خاصة فإن إثم كذبه في دعواه أزاله الحلف و عاد وبال الحلف الكاذب عليه فهو بمنزلة لو حلف كاذبا فيعود عليه إثم من حلف لو كان في يمينه كاذبا كرجل ادعى على رجل مثلا بمائة دينار و هو كاذب في دعواه و لم تقم له بينة تصدق دعواه فأوجب الحاكم اليمين على المدعى عليه فإن رد المدعي عليه اليمين على المدعي و كان الحاكم ممن يرى ذلك و إن كان لا يجوز عندنا فهذا المدعى عليه ما نصح المدعي و هو مأمور بالنصيحة فإن حلف المدعي بحكم القاضي فإن عليه إثم الحلف الفاجرة و على المدعى عليه إثم ظلمه للحالف فإنه الذي جعله يحلف و ليس على الحاكم إثم فإنه مجتهد فغايته أن يكون مخطئا في اجتهاده فله أجر فإن قام المدعى عليه فأعطى المدعي ما ادعاه عليه تضاعف الإثم على المدعى عليه لأنه مكنه من التصرف في مال لا يحل له التصرف فيه و لا يزال الإثم على المدعي ما دام يتصرف في ذلك المال و فيما ينتجه ذلك المال و لا يزال الإثم على المدعى عليه كذلك من حيث إنه أعان أخاه على الظلم و لم يكن ينبغي له ذلك و من حيث إنه عصى أمر الله بترك اليمين فإن الله أوجب اليمين عليه فلو حلف عمل بما أوجب الله عليه فكان مأجورا و نوى تخليص المدعي من التصرف في الظلم فله أجر ذلك و لم يبق على المدعي بيمين المدعى عليه إلا إثم يمينه خاصة فعلى المدعي إثم يمين كاذبة و هي اليمين الغموس و هذه مسألة في الشرع لطيفة لا ينظر إليها بهذا النظر إلا من استبرأ لدينه و كان من أهل الله فإنه يحب للناس ما يحب لنفسه فلا يعين أخاه على ظلم نفسه إذا أراد ذلك و فيه علم ما يذم من القدح و ما يحمد و فيه علم المراقبة و الحضور و إنهما من أبواب العصمة و الحفظ الإلهي و تحصيل العلم النافع و فيه علم صفات أهل البشرى و أنواع المبشرات و حيث يكون و ما يسوء منها و ما يسر و فيه علم ما يظهر على من اعتز بالله من العزة و الوقاية و الحماية الإلهية و فيه علم من لم يعمل بما سمع مما يجب عليه العمل به ما سببه الذي منعه من ذلك و هل حكمه حكم من لم يسمع فيكون الله قد تفضل عليه أو يكون حكمه حكم من علم فلم يعمل فعاقبه الله فيكون الله قد عدل فيه فإنه يقول وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا فإنهم سمعوا حقيقة و فهموا فإنه خاطبهم بلسانهم فقال تعالى وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ أي حكمهم حكم من لم يسمع عندنا مع كونهم سمعوا و ما قال تعالى بما ذا يحكم فيهم و إن كان غالب الأمر من قرائن الأحوال العقوبة و لكن الإمكان لا يرتفع في نفس الأمر لما يعرف من فضل الله و تجاوزه عن سيئات أمثال هؤلاء فافهم و فيه علم ما يعطي الله المتوكل في قلبه إذا توكل على الله حق توكله و فيه علم الخلافة الإلهية و فيه علم أسباب الطبع على القلوب المؤدي إلى الشقاء و فيه علم طلب إقامة البينة من المدعي و يتضمن هذا العلم قوله تعالى وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و لم يقل حتى نبعث شخصا فلا بد أن تثبت رسالة المبعوث عند من وجه إليه فلا بد من إقامة الدلالة البينة الظاهرة عند كل شخص شخص ممن بعث إليهم فإنه رب آية يكون فيها من الغموض أو الاحتمال بحيث أن لا يدرك بعض الناس دلالتها فلا بد أن يكون للدليل من الوضوح عند كل من أقيم عليه حتى يثبت عنده أنه رسول و حينئذ إن جحد بعد ما تيقن تعينت المؤاخذة ففي هذه الآية رحمة عظيمة لما هو الخلق عليه من اختلاف الفطر المؤدي إلى اختلاف النظر و ما فعل الله ذلك إلا رحمة بعباده لمن علم شمول الرحمة الإلهية التي أخبر الله تعالى أنها وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و فيه علم ما ينتجه الكرم و ما ينتجه البخل و فيه علم رفع الإشكال في التلفظ بالإيمان حتى يعلم السامعون بأنه مؤمن علما لا يشكون فيه و هو المعبر عنه بالنصوص فإن الظاهر و إن كان ما يعلم بأول البديهة في الوضع و لكن يتطرق إليه الاحتمال و فيه علم من اعتنى الله به من عباده و فيه علم الخذلان و أهله و فيه علم ما يرجع إليه صاحب الحق إذا رد في وجهه و فيه علم أنواع الصبر في الصابرين و الشكر في الشاكرين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ