اعلم أيدك الله أن رسول الله ص قال مولى القوم منهم و الخيال من موالي النفس الناطقة فهي منها بمنزلة المولى من السيد و للمولى في السيد نوع من أنواع التحكم من أجل الملكية فإنه به و بأمثاله من الموالي يصح كون السيد مالكا و ملكا قلما لم يصح للسيد هذه المنزلة إلا بالمولى كان له بذلك يدهي التي تعطيه بعض التحكم في السيد و ما له فيه من التحكم إلا أنه يصورها في أي صورة شاء و إن كانت النفس على صورة في نفسها و لكن لا يتركها هذا الخيال عند المتخيل إلا على حسب ما يريده من الصور في تخيله و ليس للخيال قوة تخرجه عن درجة المحسوسات لأنه ما تولد و لا ظهر عينه إلا من الحس فكل تصرف يتصرفه في المعدومات و الموجودات و مما له عين في الوجود أو لا عين له فإنه يصوره في صورة محسوس له عين في الوجود أو يصور صورة ما لها بالمجموع عين في الوجود و لكن أجزاء تلك الصورة كلها أجزاء وجودية محسوسة لا يمكن له أن يصورها إلا على هذا الحد فقد جمع الخيال بين الإطلاق العام الذي لا إطلاق يشبهه فإن له التصرف العام في الواجب و المحال و الجائز و ما ثم من له حكم هذا الإطلاق و هذا هو تصرف الحق في المعلومات بوساطة هذه القوة كما إن له التقييد الخاص المنحصر فلا يقدر أن يصور أمرا من الأمور إلا في صورة حسية كانت موجودة تلك الصورة المحسوسة أو لم تكن لكن لا بد من أجزاء الصورة المتخيلة أن تكون كلها كما ذكرنا موجودة في المحسوسات أي قد أخذها من الحس حين أدركها متفرقة لكن المجموع قد لا يكون في الوجود و اعلم أن الحق لم يزل في الدنيا متجليا للقلوب دائما فتتنوع الخواطر في الإنسان عن التجلي الإلهي من حيث لا يشعر بذلك إلا أهل الله كما أنهم يعلمون أن اختلاف الصور الظاهرة في الدنيا و الآخرة في جميع الموجودات كلها ليس غير تنوعه فهو الظاهر إذ هو عين كل شيء و في الآخرة يكون باطن الإنسان ثابتا فإنه عين ظاهر صورته في الدنيا و التبدل فيه خفي و هو خلقه الجديد في كل زمان الذي هم فيه في لبس و في الآخرة يكون ظاهره مثل باطنه في الدنيا و يكون التجلي الإلهي له دائما بالفعل فيتنوع ظاهره في الآخرة كما كان يتنوع باطنه في الدنيا في الصور التي يكون فيها التجلي الإلهي فينصبغ بها انصباغا فذلك هو التضاهي الإلهي الخيالي غير أنه في الآخرة ظاهر و في الدنيا باطن فحكم الخيال مستصحب للإنسان في الآخرة و للحق و ذلك هو المعبر عنهما بالشأن الذي هو فيه الحق من قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فلم يزل و لا يزال و إنما سمي ذلك خيالا لأنا نعرف أن ذلك راجع إلى الناظر لا إلى الشيء في نفسه فالشيء في نفسه ثابت على حقيقته لا يتبدل لأن الحقائق لا تتبدل و يظهر إلى الناظر في صور متنوعة و ذلك التنوع حقيقة أيضا لا تتبدل على تنوعها فلا تقبل الثبوت على صورة واحدة بل حقيقتها الثبوت على التنوع فكل ظاهر في العالم صورة ممثلة كيانية مضاهية لصورة إلهية لأنه لا يتجلى للعالم إلا بما يناسب العالم في عين جوهر ثابت كما إن الإنسان من حيث جوهره ثابت أيضا فترى الثابت بالثابت و هو الغيب منك و منه و ترى الظاهر بالظاهر و هو المشهود و الشاهد و الشهادة منك و منه فكذا تدركه و كذا تدرك ذانك غير أنك معروف في كل صورة إنك أنت لا غيرك كما تعلم أن زيدا في تنوعه في كيفياته من خجل و وجل و مرض و عافية و رضي و غضب و كل ما يتقلب فيه من الأحوال أنه زيد لا غيره كذلك الأمر فنقول قد تغير فلان من حال إلى حال و من صورة إلى صورة و لو لا ما هو الأمر على هذا لكان إذا تبدل الحال عليه لم نعرفه و قلنا بعدمه فعلمنا إن ثم عينين كما قال تعالى أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ فعين يدرك به من يتحول و عين يدرك به التحول و هما طريقان مختلفان قد أبانهما الله لذي عينين و هو قوله وَ هَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ أي بينا له الطريقين كما قال الشاعر
نجدا على أنه طريق تقطعه للظبا عيون
فجعل قطع الطريق للعيون فكل عين لها طريق فاعلم من رأيت و ما رأيت و لهذا صح وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى فالعين التي أدركت بها إن الرمي لله غير العين التي أدركت بها إن الرمي لمحمد ص فتعلم إن لك عينين إن كنت صاحب علم فتعلم قطعا إن الرامي هو الله في صورة محمدية جسدية و ليس التمثل و التخيل غير هذا فالله قد نبهك و أنت لا تتنبه و هذه هي الآيات التي جعلها الله لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ عنه و يتفكرون فيها و ذكرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ يتقلب ف أَلْقَى السَّمْعَ لما قيل له و عرف به وَ هُوَ شَهِيدٌ لتقلبه في نفسه فيعلم إن الأمر كذلك و هؤلاء هم أولو الألباب فإن اللب يحجبه صورة القشر فلا يعلم اللب إلا من علم إن ثم لبا و لو لا ذلك ما كسر القشر فقد امتزج الأمر و ما اختلطت الحقائق و بذلك يميز الفاضل من المفضول فيتنعم العالم بعلمه به و ينعم الجاهل بجهله به و لا يعلم أنه جاهل به لأنه لا يعلم أن الأمر الذي هو على خلاف ما يعلمه أنه على خلاف ما يعلمه بل يقول ما ثم إلا هذا و لو علم إن ثم خلاف ما يعلمه و ما أدركه لتنغص كما يتنغص في الدنيا كل متنغص لما فاته مما يقتضيه مقامه من التاجر في تجارته و الفقيه في فقهه و كل عالم في طوره فتحقيق قوله عموما كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ إنما ذلك في الآخرة بخلاف الدنيا فإنه لا يعلم في الدنيا بل هو في الكثير من غير عموم فإن الإنسان لا يفرح بما عنده من العلم بما هو به متصور قبل حصوله فإنه منتظر إياه فهو في أ لم فإذا حصل عنده أيضا لم يفرح به و مال الكل في الآخرة بعد انقضاء مدة المؤاخذة إلى الفرح بما عنده و بما هو عليه و هذا المنزل هو منزل خلق الله آدم على صورته و من جعل على صورة أمر ما فكان ذلك الأمر هو عين هذه الصورة فهو هو لا هو و بهذا صح وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمى فكل ما يظهر من تلك الصورة فأصله ممن هي عليه فلا يصح له أن يبقى عن كل ما يظهر منها و لهذا جاء وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ يعني الذي هو عليه العالم بأسره و لهذا وصف الحق نفسه على ألسنة رسله بما وصف به العالم كله قدما بقدم ما اختل شيء من ذلك و لا أخل به
و لما قال إنه جعلك على الصورة علم أنه لا بد لك من الدعوى بالملك لما أنت عليه كما أنه ذو ملك و ليس لك ملك أقرب من نفسك و هي التي تدعى الملك لأنها على صورة من له الملك فعمد إليها من كونها مؤمنة من اسمه المؤمن فاشترى من المؤمن نفسه فبقي المؤمن لا نفس له كسائر الحيوان فلم يبق من يدعي ملكا فصار الملك لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ و زال الاشتراك فالمؤمن لا نفس له فلا دعوى له في الملك فكل مؤمن ادعى ملكا حقيقة فليس بمؤمن فإن المؤمن من باع نفسه فما بقي له من يدعي لأن نفسه كانت صاحبة الدعوى لكونها على صورة من له الدعوى بالملك حقيقة و هو الله تعالى فاحفظ نفسك يا أخي من دعوى تسلب عنك الايمان فإياك إن تحامي عن نفسك التي كانت لك و إذا عزمت على أن تحامي عنها فحام عنها بحضور و علم على أنها نفس الحق لا نفسك و من هناك يحازيك ربك فإنك صادق و مؤثر و درجة الإيثار قد علمت ما تقتضيه عند الله من الرفعة فاعمل على ذلك فإذا علمت هذا فاعلم إن للإنسان وجهين وجها إلى ذاته و وجها إلى ربه و مع أي وجه توجهت إليه غبت عن الآخر غير إن هنا لطيفة أنبهك عليها و ذلك إنك إذا توجهت إلى مشاهدة وجهك غبت من وجه ربك ذي الجلال و الإكرام و وجهك هالك فإذا انقلبت إليه فنى عنك وجهك فصرت غريبا في الحضرة تستوحش فيها و تطلب وجهك الذي كنت تأنس به فلا تجده و إن توجهت إلى وجه ربك و تركت وجهك أقبل عليك و لم يكن لك مؤنس سواه و لا مشهود إلا إياه فإذا انقلبت إليه الانقلاب الخاص الذي لا بد لكل إنسان منه وجدت من كان لك قبل هذا الانقلاب أنيسا و جليسا و صاحبا ففرحت بلقائه و عاد الأنس أعظم و تتذكر الأنس الماضي فتزيد أنسا إلى أنس و ترى عنده وجه ذاتك و لا تفقده فتجمع بين الوجهين في صورة واحدة فيتحد الأنس لاتحاد الوجهين فيعظم الابتهاج و السرور و هذه حالة برزخية بين حالتين لكونها جمعت بين الطرفين فمن جمع بينهما في الدنيا حرم ذلك في الآخرة كالمنافق فإنه برزخ بين المؤمن و الكافر فإذا انقلب تخلص إلى أحد الطرفين و هو طرف الكفر و لم يتخلص للإيمان فلو تخلص هنا إلى الايمان و لم يكن برزخا كان إذا انقلب إلى الله كما ذكرناه من جمعه بين الطرفين فاحذر هنا من صفة النفاق فإنها مهلكة و لها في سوق الآخرة نفاق اقتضى ذلك الموطن و ما أخذ المنافقهنا إلا لأمر دقيق لا يشعر به كثير من المؤمنين العلماء و قد نبه الله عليه لمن أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ و ذلك أن المنافقين هنا إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا لو قالوا ذلك حقيقة لسعدوا وَ إِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ لو قالوا ذلك و سكتوا ما أثر فيهم الذم الواقع و إنما زادوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ فشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كاذبين فما أخذوا إلا بما أقروا به و إلا لو أنهم بقوا على صورة النفاق من غير زيادة لسعدوا أ لا ترى الله لما أخبر عن نفسه في مؤاخذته إياهم كيف قال الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ فما أخذهم بقولهم إِنَّا مَعَكُمْ و إنما أخذهم بما زادوا به على النفاق و هو قولهم إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ و ما عرفك الله بالجزاء الذي جازى به المنافق إلا لتعلم من أين أخذ من أخذ حتى تكون أنت تجتنب موارد الهلاك و قد قال ع إن مداراة الناس صدقة فالمنافق يداري الطرفين مداراة حقيقة و لا يزيد على المداراة فإنه يجني ثمرة الزائد كان ما كان فتفطن فقد نبهتك على سر عظيم من أسرار القرآن و هو واضح و وضوحه إخفاء و انظر في صورة كل منافق تجده ما أخذ إلا بما زاد على النفاق و بذلك قامت عليه الحجة و لو لم يكن كذلك الحشر على الأعراف مع أصحاب الأعراف و كان حاله حال أصحاب الأعراف وَ لكِنْ لِيَقْضِيَ الله أَمْراً كانَ مَفْعُولًا فالمؤمن المداري منافق و هو ناج فاعل خير فإنه إذا انفرد مع أحد الوجهين أظهر له الاتحاد به و لم يتعرض إلى ذكر الوجه الآخر الذي ليس بحاضر معه فإذا انقلب إلى الوجه الآخر كان معه أيضا بهذه المثابة و الباطن في الحالتين مع الله فإن المقام الإلهي هذه صورته فإنه لعباده بالصورتين فنزه نفسه و شبه فالمؤمن الكامل بهذه المثابة و هذا عين الكمال فاحذر من الزيادة على ما ذكرته لك و كن متخلقا بأخلاق الله و قد قال تعالى لنبيه ص ممتنا عليه فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ و اللين خفض الجناح و المداراة و السياسة أ لا ترى إلى الحق تعالى يرزق الكافر على كفره و يمهل له في المؤاخذة عليه و قال عز و جل لموسى و هارون في حق فرعون فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً و هذه عين المداراة فإنه يتخيل في ذلك إنك معه و من هذا المقام لما ذقته و اتحدت به اتفق لي أني صحبت الملوك و السلاطين و ما قضيت لأحد من خلق الله عند واحد منهم حاجة إلا من هذا المقام و ما زدني أحد من الملوك في حاجة التمستها منه لأحد من خلق الله و ذلك أني كنت إذا أردت أن أقضي عنده حاجة أحد أبسط له بساطا استدرجه فيه حتى يكون الملك هو الذي يسأل و يطلب قضاء تلك الحاجة مسارعا على الفور بطيب نفس و حرص لما يرى له فيها من المنفعة فكنت أقضي للسلطان حاجة بأن أقبل منه قضاء حاجة ذلك الإنسان و لقد كلمت الملك الظاهر بأمر الله صاحب حلب في حوائج كثيرة فقضى لي في يوم واحد مائة حاجة و ثمان عشرة حاجة للناس و لو كان عندي في ذلك اليوم أكثر من هذا قضاء طيب النفس راغبا و إذا حصل للإنسان هذه القوة انتفع به الناس عند الملوك فما في العالم أمر مذموم على الإطلاق و لا محمود على الإطلاق فإن الوجوه و قرائن الأحوال تقيده فإن الأصل التقييد لا الإطلاق فإن الوجود مقيد بالضرورة و لذلك يدل الدليل على إن كل ما دخل في الوجود فإنه متناه فالإطلاق الصحيح إنما يرجع لمن في قوته إن يتقيد بكل صورة و لا يطرأ عليه ضرر من ذلك التقييد و ليس هذا إلا لمن تحقق بالمداراة و هو الإمعة و الله عز و جل يقول وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فهي أشرف الحالات لمن عرف ميزانها و تحقق بها و هو واحد و أين ذلك الواحد
فتدبر القرآن من كونه فرقانا و قرآنا فللقرآن موطن و للفرقان موطن فقم في كل موطن باستحقاقه تحمدك المواطن و المواطن شهداء عدل عند الله فإنها لا تشهد إلا بصدق و قد نصحتك فاعمل و الله الموفق قلنا و في هذا المنزل من العلوم علم دقيق خفي لا يشعر به لخفائه مع ظهوره فإن العلماء بالله قد علموا شمول الرحمةو المؤمنون قد علموا اتساعها ثم يرونها مع الشمول و الاتساع ما لها صورة في بعض المواطن و مع كونها ما لها صورة ظاهرة في بعض المواطن فإن الحكم لها في ذلك الموطن الذي ما لها فيه صورة و لا يكون لها حكم إلا بوجودها و لكن هو خفي لبطونها جلي لظهور حكمها و أكثر ما يظهر ذلك في صنعة الطب و إقامة الحدود فالله يقول في إقامة الحدود في حد الزاني و الزانية وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ الله فهذا عين انتزاع الرحمة بهم و إقامة الحدود من حكم الرحمة و ما لها عين ظاهرة و كالطب إذا قطع الطبيب رجل صاحب الأكلة فإن رحمه في هذا الموطن و لم بقطع رجله هلك فحكم الرحمة حكم بقطع رجله و لا عين لها فللرحمة موطن تظهر فيه بصورتها و لها موطن تظهر فيه بحكمها فيتخيل أنها قد انتزعت من ذلك المحل و ليس كذلك و في الأحكام الشرعية في هذه المسألة خفاء إلا لمن نور الله بصيرته فإن القاتل ظلما قد نزع الله الرحمة من قلبه في حق المقتول و هو تحت حكم الرحمة في قتله ظلما و بقي حكمها في القاتل فأما إن يقاد منه و إما أن يموت فيكون في المشيئة و إن كان القائل كافرا فأما إن يسلم فتظهر فيه الرحمة بصورتها و حيثما كانت الرحمة بالصورة كانت بالحكم و قد تكون بالحكم و لا تكون بالصورة و فيه علم غريب و هو علم تقييد الحق بانتزاح الكون عنه مع كونه في قبضته و تحت سلطانه و ملكه و فيه علم السياسة في الدعوة إلى الله فإن صورتها من الداعي تختلف باختلاف صورة المدعو فثم دعاء بصفة غلظة و قهر و ثم دعاء بصفة لين و عطف و فيه علم عموم العهد الإلهي الذي أخذه على بنى آدم و فيه علم الجولان في الملكوت حسا و خيالا و عقلا بثلث النشأة الإلهية فإن النشأة الإنسانية لما أنشئت ممتزجة من الأخلاط أشبهت السنة في فصولها و ليس كمال الزمان إلا بفصول السنة ثم يعود الدور فالإنسان من حيث أخلاطه سنة فهو عين الدهر الذي هو الزمان فله جولان في الملكوت بأحد ثلاثة أمور أو بكلها أو ببعضها فأما أن يجول بحسه و هو الكشف و إما أن يجول بعقله و هو حال فكره و تفكره و إما أن يجول بخياله و السنة اثنا عشر شهرا فلكل حقيقة من هذه النشأة المشبهة بالسنة ثلث السنة فلها التثليث في التربيع و لها التربيع في التثليث فأما تثليثها في التربيع فهو ما ذكرناه من تقسيمها على ثلاثة من حس و خيال و عقل في تربيع أخلاطها و أما تربيعها في التثليث فإن حكم الأخلاط بكمالها في كل قسم من الأقسام الثلاثة و هي أربعة فلتربيعها حكم في الحس و حكم في الخيال و حكم في العقل و لا يشعر بذلك إلا أهل الحضور الناظرون الآيات في أنفسهم و فيه علم جهل الإنسان عند مسابقته لله و حجتنا قوله تعالى بادرني عبدي نفسه فيمن قتل نفسه و القول بهذا السياق هو قول أهل النظر في التشبه بالإله جهد الطاقة و أن ذلك إذا وجد هو الكمال و هذا عندنا هو عين الجهل أن يسابق الحق فيما هو له بما هو لي فإنه من المحال أن تسابقه بما هو له فإن الشيء لا يسابق نفسه و من المحال أن تسابقه بما هو لي فإنه ما ثم غاية يسابق إليها فيكون عمل في غير معمل و طمع في غير مطمع و من كان في هذه الحال فلا خفاء بجهله لو عقل نفسه و فيه علم الإعلام الإلهي في المادة الإلهية بما ذا يكون و ما ذا يقع في إسماع السامعين من ذلك الإعلام هل يقع في كل سمع على حد واحد أو يختلف تعلق السمع عند ذلك الإعلام و فيه علم المعاملة مع الخلق على اختلاف أصنافهم بما يسرهم منك لا بما يسوءهم و هو علم عزيز صعب التناول و دقيق الوزن مجهول الميزان يحتاج صاحبه إلى كشف و حينئذ يحصل له و فيه علم ما حكم أصحاب الآجال إذا انتهت آجالهم هل يؤخرون بعد ذلك الانتهاء إلى أجل مسمى أو لا يكون لهم أجل أيضا ينتهون إليه و فيه علم ما يمكن أن يصح من الشروط و ما لا يمكن أن يصح منها و فيه علم إعطاء الأمان و لمن ينبغي أن يعطي فلا بد من علم الأحوال لهذا المتحكم و فيه علم تنوع الناس في أخلاقهم و ما هو المحمود من ذلك و ما هو المذموم منها و فيه علم علم الملائكة بالله الذي لا يعلمه أحد من البشر حتى يتجرد عن بشريته و يتجرد عن حكم ما فيه للطبيعة من حيث نشأته حتى يبقى بما فيه إلا الروح المنفوخ فحينئذ يتخلص إلى العلم بالله من حيث تعلمه الملائكة فيقوم في عبادته ربه مقام الملائكة في عبادتهم لله و هي العلامة فيمن ادعى أنه يعلم الله بصورة ما تعلمه الملائكة فمن ادعى ذلك من غير هذه العلامة فدعواه زور و بهتان فإن للملائكة علما بالله تعالى يعم الصنف و علما خالصا لكل ملك بالله لا يكون لغيره فنحن ما نطالبه في دعواه إلا بالعلم العام و هذه العلامة معلومة عندنا ذوقا لا نذكرها لأحد لئلا يظهر بها في وقت و هوكاذب في دعواه غير متحقق فلهذا أمرنا و أمثالنا بستر هذا و أمثاله و فيه علم دلالات العلماء بالله على طبقاتهم فإنهم على طبقات في العلم بالله تعالى و فيه علم إزالة العلل و أمراض النفوس و فيه علم آداب الدخول على الله و فيه علم صفات من يدعي أنه جليس الله جلوس شهود لا جلوس ذكر فإن الذاكرين أيضا جلساء الله و هم على الحقيقة جلساء الله من حيث الاسم الذي يذكرونه به و هذه مسألة لا يعرفها كثير من الناس و فيه علم ما تعطيه رحمة الرضاء و رحمة الفضل و أنواع الرحموتيات و فيه علم إقامة النعيم هل لذلك النعيم الدوام أو يتخلله حال لا نعيم فيه و لا غير ذلك و فيه علم تفاصيل الأجور عند الله عز و جل و بما ذا تتميز و فيه علم الحب الإلهي المندرج في كل حب و ما مقام من شاهد ذلك و علمه و هل يستوي من لا علم له بذلك مع العالم به أم لا و فيه علم المعتمدات و ما يجب منها و ما لا يجب و فيه علم السكائن جمع سكينة هل يجمعها أمر واحد كالإنسانية في أشخاصها أو هي متنوعة كل سكينة من نوع ليس هو عين السكينة الأخرى و فيه علم تنوع الرجوع الإلهي لتنوع حال المرجوع إليه أيضا و فيه علم درجات الأغنياء بالله في غناهم بالله جل ثناؤه و فيه علم ما السبب الموجب للطبيعة أن تستخبث و تتقذر و ما يكون منها و هي عينه و هل لها في العلم الإلهي أصل ترجع إليه مثل ما يذم من أفعال العباد و سفساف الأخلاق مع العلم بأن ذلك صورة من الصور التي تكون مجلى و فيه علم من العلوم الإلهية في تفضيل بعض النسب الإلهية على بعض و إن رفع العالم بعضه على بعض ينتج من هذا الأصل فإنه من المحال أن يكون في العالم شيء ليس له مستند إلى أمر إلهي يكون نعتا للحق تعالى كان ما كان و فيه علم ما ينبغي أن يضاف إلى الله و ما لا ينبغي أن يضاف و فيه علم سريان الربوبية في العالم حتى عبد من عبد من دون الله تعالى و فيه علم ما ينبغي أن يدخر من العلوم و ما ينبغي أن لا يفشي و ما ينبغي أن لا يدخر و ما ينبغي أن يفشي و فيه علم ما اصطفاه الله من الزمان من ساعاته و أيامه و لياليه و شهوره و هو علم تفاضل الدهر في نفسه و ما أصل الدهر و ما السبب لتسمية الله باسم الدهر و هو اسم أزلي له و لا دهر و هل سمي الزمان دهر الأجل هذا الاسم أو تسمى الله بهذا الاسم لعلمه أنه يخلق أمرا يقال له الدهر فإنه لم يزل خالقا و لا يزال خالقا و هل ينتهي حكم الزمان في العالم أو لا ينتهي و ما حظ حركات الأفلاك من الزمان و فيه علم من دعي إلى سعادته فتلكأ عن الإجابة مع علمه بأنه دعي إلى حق و فيه علم أسباب النصر الإلهي و فيه علم محبة الحق و فيه علم ما السبب الداعي إلى المباهت مع علمه أنه مباهت مع علمه أنه مسئول عن ذلك و الغلبة للاقوى و للحق القوة و الهوى يغالبه و قد يظهر عليه فهل ظهوره عليه بما له نصيب من الحق فلا يظهر على الحق إلا الحق و فيه علم ابتلاء الإمام أصحابه لإقامة الحجة عليهم لا يستفيد علما بذلك و فيه علم ما يقال عند كل حال يتقلب على العبد أو يتقلب العبد فيه و فيه علم الدوائر المهلكة ما هي و أسبابها الموجبة لآثارها في الكون و فيه علم ما السبب الذي يمنع من قبول العمل الخالص حتى يعمل العامل في غير معمل و فيه علم قسمة النعم على العباد و هي في أيدي العباد و ما لهم منها سوى الاختزان في نفس الأمر و هم مسئولون عنها و فيه علم الإصغاء لكل قائل و ما فائدته إذا لم يؤثر في السامع فإن كان سريع الانفعال لما يسمع فيجب عليه عقلا إن لا يصغي لقائل شر و فيه علم اختلاف الأسماء على الله عند الطوائف و المقصود واحد و فيه علم ما السبب في معاداة أشخاص النوع الواحد و موالاة الأنواع و إن عمها جنس واحد و فيه علم القدر و ما مستنده من النعت الإلهي و هل هو عين الاستدراج أو غيره و فيه علم أسباب الطرد الإلهي و الكل في قبضته فممن يكون الطرد و إلى أين و ما معنى قولهم البعد من الله و فيه علم إنزال المنازل في القوالب لأي معنى تنزل في الصور و لا تنزل معاني كما هي في نفس الأمر و فيه علم أسباب رفع الحرج في حق من ارتفع عنه فإنه محال رفعه عن العالم إذ لو ارتفع لزال العالم عن درجة الكمال و هو كامل بالمرتبة و إن قبل الزيادة بأشخاص الأنواع فلا يتصف بالنقص من أجلها و فيه علم ما لا يكفر من الايمان المعقودة إذا حنث صاحبها في صورة الأمر و هي مسألة ينكرها الفقهاء و يفتون بخلافها و فيه علم ما يعد من مذام الأخلاق و هو من مكارمها عند الله و فيه علم مخالفة الحق عبده المقرب فيما يريده منه مثل قوله تعالى إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ الله لَهُمْ و أمثاله و فيه علم حكم من خرج عن الجماعة أو أخرج يدا من طاعة إمام بعد عقد بيعته و ثبوتها و فيه علم السابقو اللاحق و فيه علم الشر و الخير و حكم الايمان و فيه علم النفوس الجزئية و فيه علم صفات المقربين و فيه علم الضلال و الهدى و فيه علم إقامة الواحد مقام الجمع وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ