اعلم أن الله تعالى قد أبان لعباده في هذا المنزل أن له فيه حظا وافرا من حظوظ عباده و من أجل هذا قال رسول الله ص حق الله أحق بالقضاء يعني من حق المخلوق و قال في القرآن العزيز من بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِها أَوْ دَيْنٍ فقدم الوصية على الدين و الوصية حق الله لأنه الذي أوجبها علينا حين أوجبها الموصي في المال الذي له فيه تصرف و الفقهاء يقدمون الدين على الوصية خلافا لما ورد به حكم الله إلا بعض أهل الظاهر فإنهم يقدمون الوصية على الدين و به أقول و جعل الله الحظ الذي له في الصلاة على النصف و هو دون هذا الحظ الآخر فقال قسمت الصلاة بيني و بين عبدي نصفين نصفها لي و نصفها لعبدي و لعبدي ما سأل فساوى سبحانه في هذه القسمة بين الله و بين عبده إذا صلى و قال في حظه في المغنم إن له الخمس وحده من المغنم و ما بقي و هو أربعة أخماس تقسم على خمسة فلكل صنف من الحظ دون ما لله فحظ الله في هذا المقسوم أكثر من حظه في الصلاة بالنسبة إلى هذا الحال بينه و بين عبيده و إلا فحظ النصف أعظم من حظ الخمس فقسم الصلاة أكثر من قسم المغنم و بالنظر في عين الموطن و القسمة الخاصة فحظه في المغنم بالنظر إلى ما بقي من الأصناف المقسوم عليهم أعظم فأنزل الحق نفسه من عباده منزلة أنفسهم و عاملهم بما يتعاملون به و في موطن آخر يقول لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فنفى المماثلة و في موضع آخر يقول المترجم عنه إن الله خلق آدم على صورته ثم إنه جعل الإنسان محل ظهور الأسماء فيه و أطلقها عليه فللعبد التسمية بكل اسم تسمى به الحق و إن اختلفت النسب فمعقولية مدلول الاسم واحدة لا تتغير ثم إنه جعل بعضهم خليفة عنه في أرضه و جعل له الحكم في خلقه و شرع له ما يحكم به و أعطاه الأحدية فشرع إنه من نازعه في رتبته قتل المنازعفقال رسول الله ص إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما و جعل بيده التصرف في بيت المال و صرف له النظر عموما و أمرنا بالطاعة له سواء جار علينا أو عدل فينا فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و هم الخلفاء و من استخلفه الإمام من النواب فإن الله قد جعل له أن يستخلف كما استخلفه الله فبأيديهم العطاء و المنع و العقوبة و العفو كل ذلك على الميزان المشروع فلهم التولية و العزل كما أن الحق بيده الميزان يخفض القسط و يرفعه و ذلك الميزان هو الذي أنزله إلى الأرض بقوله وَ وَضَعَ الْمِيزانَ ثم قال إنه يرفع إليه عمل النهار قبل عمل الليل و عمل الليل قبل عمل النهار كذلك الخليفة نرفع إليه أعمال الرعية يرفعها إليه عماله و جباته فيقبل منها ما شاء و يرد منها ما شاء فكل ما ذكره الحق لنفسه من التصرف في خلقه و لم يعينه جعل للإمام أن يتصرف به في عباده ثم إن الله جعل له أعداء ينازعونه في ألوهيته كفرعون و أمثاله كذلك جعل الله للخلفاء منازعين في رتبتهم و جعل له أن يقاتلهم و يقتلهم إذا ظفر بمن ظفر منهم كما يفعل سبحانه مع المشركين و مدة إقامتهم كمدة إمهال الله إياهم و أخذ الخليفة و ظفره بهم كزمان الموت لهؤلاء حتى لو قابلت النسختين ما اختلفتا في حرف واحد في الحكم و كما إن الحق يحكم بسابق علمه في خلقه يحكم الخليفة بغلبة ظنه لأن الخليفة ليست له مرتبة العلم بكل ما يجري في ملكه و لا يعلم المحق من المبطل و إنما هو بحسب ما تقوله البينة كما يفعله الله مع خلقه مع علمه يقيم على خلقه يوم القيامة الشهود فلا يعاقبهم إلا بعد إقامة البينة عليهم مع علمه و بهذا قال من قال إنه ليس للحاكم أن يحكم بعلمه أما في العالم فللتهمة بما له من الغرض و أما في جانب الحق فلإقامة الحجة على المحكوم عليه حتى لا يأخذه في الآخرة إلا بما شرع له من الحكم به في الدنيا على لسان رسوله ص و لهذا يقول الرسول لربه عن أمر ربه رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ يعني بالحق الذي بعثتني به و شرعت لي أن أحكم به فيهم فإذا علمت إن الحق أنزل نفسه في خلقه منزلتهم و جعل مجلاه الأتم في الخليفة الإمام ثم قال كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته فعمت الإمامة جميع الخلق فحصل لكل شخص منهم مرتبة الإمامة فله من الحق هذا القدر و يتصرف بقدر ما ملكه الله من التصرف فيه فما ثم إنسان إلا و هو على صورة الحق غير أنه في الإمام الأكبر مجلاه أظهر و أمره أعظم و طاعته أبلغ و اعلم أن الله تعالى لما شرع لعباده ما شرع قسم ما شرعه إلى فرض أوجبه على المكلفين من عباده و هو على قسمين فرض أوجبه عليهم ابتداء من عنده كالصلاة و الزكاة و الصيام و الحج و الطهارة و ما أشبه ذلك مما أوجبه عليهم من عند نفسه و فرض آخر أوجبوه على أنفسهم و لم يكن ذلك فأوجبه الله عليهم ليؤجروا عليه أجر الواجب الإلهي و ليتحقق الله عندنا إن الإنسان على صورته فإن الله أوجب على نفسه نصر المؤمنين و الرحمة و أمثال ذلك هذا في حق العلماء بالله و في حق قوم أوجبه عليهم عقوبة لهم حين أوجبوه على أنفسهم كالنذر و زاحموا الربوبية في الإيجاب على نفسه فأوجبه عليهم ليعرفهم أنهم ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم فيعرفون بذلك مقدارهم فالحق تعالى لو لم يفعل ما أوجب على نفسه فعله لما تعلق به ذم و لا لوم في ذلك لأن رتبته تقتضي بأنه الفعال لما يريد و لهذا ما يتعلق بإيجابه على نفسه حد الواجب و العبد لما أوجب الله عليه ما أوجبه على نفسه تعلق به إذا لم يقم بصورة ما أوجبه على نفسه حد الواجب كالواجب الأصلي إذا لم يقم به يعاقب فأجره عظيم و العقوبة عليه عظيمة فيمن لم يقم به فجزاؤه عظيم في الواجبين معا ثم ما جاء من الأفعال زائدا على صور الواجبات سمي ذلك نافلة أي زائدا على الواجب فإن لم يكن لذلك الزائد عين صورة في الفرائض لم يكن نافلة و كان ذلك عملا مستقلا له مرتبة في الأجر ليست للنوافل ثم مزج النشأة كما مزج نشأة المكلف فجعل في نشأة الفرائض سننا و هي زوائد على الفرائض و جعل في النوافل التي تطوع العبد بها من نفسه من غير وجوب الفرائض في نشأة النوافل و لهذا إذا لم يجيء بالفرائض يوم القيامة تامة يقول الله أكملوا لعبدي فريضة من تطوعه فما نقص من الفرض الواجب كمل من الفرض الذي في النوافل و ما نقص من سنن الفرض الواجب كمل من سنن النوافل ألحق كل شيء بمثله قال لي بعض الأرواح فلم سميت الغنائم أنفالا قلنا لا شك و لا خفاء عند كل مؤمن عالم بالشرع إن الله ما جعل القتال للمؤمن إلا لتكون كلمة الله هي العليا و كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى لتتميز الكلمتان كما تميزت القدمان فإنه خلق من كل شيء زوجين ذاتا و حكما و عرفتنا التراجمة عن الله و هم رسل الله إن الله تعالى من وقت شرع الجهاد و القتال و السبي أعطى المغانم للنار طعمة أطعمها إياها و أوجبها لها و كان من طاعتها لربها أنها لا تتناول إلا ما أحل الله لها تناوله و كان قد حرم الله عليها أكل المغنم إذا وقع فيه غلول من المجاهدين فكانت لا نأكل المغنم إذا غل فيه حتى يرد إليه ما كان أخذ منه ليخلص العمل للمجاهد فلما جاء الشرع المحمدي زاد الله المغانم لأمة محمد ص طعمة على ما أطعمهم من غير ذلك فكانت تلك الطعمة التي أخذناها من النار نافلة لهذه الأمة و ما أعطاها إياهم لكونهم جاهدوا إذ لو كان ذلك حقا لهم على الجهاد ما وقعت لأحد لم يجاهد معهم فيها الشركة فما هي فريضة للمجاهدين و إنما هي طعمة أطعمها الله من ذكر و جعل لنفسه نصيبا لكونه نصرهم فله نصيب في الجهاد فلما كان السبب لكون الله جعل لنفسه فيها نصيبا لنصرته دين الله اندرج في نصيب الله كل من نصر دين الله و هم الغزاة فليس لهم إذا اعتبرت الآية إلا الخمس من المغنم ثم تبقي أربعة أخماس فتقسم فخمسة أيضا واحد الخمسة لرسول الله ص و بعد الرسول إذا فقد الخليفة الزمان و الخمس الثاني لأهل البيت قرابة رسول الله ص و الخمس الثالث لليتامى و الخمس الرابع للمساكين و الخمس الخامس لابن السبيل و قد ورد عن بعض العلماء و أظنه ابن أبي ليلى أن الحظ الذي هو الخمس من الأصل كان رسول الله ص يقبضه و يخرجه للكعبة و يقول هذا الله ثم يقسم ما بقي فلما كانت هذه الطعمة للنار نقلها الله لهذه الأمة كما جعلفي مال الإنسان الزكاة حقا لأصناف مذكورين فأوجب على أصحاب الأموال على وجه مخصوص إخراجها و أوجب على الإمام أخذها و لم يوجب على الأصناف أخذها فهم مخيرون في أخذ حقهم و في تركه كسائر الحقوق فمن أخذها منهم أخذ حقه و من ترك أخذها ترك حقه و له ذلك و اعلم أن الإمام هو المطلوب بعلم هذه التقاسيم و القيام بها
فإن غلب على ظن الإمام أن المذكورين في قوله تعالى وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ الآية و التي في سورة الحشر التي فيها ذكر الأصناف حظهم من المغنم الخمس خاصة يقسم فيهم هكذا و ما بقي فلبيت مال المسلمين يتصرف فيه الإمام بما يراه فإن شاء أعطاه المجاهدين على ما يريده من العدل و السواء في القسمة أو بالمفاضلة كما يفعل فيما بقي من المال الموروث بعد أخذ هل الأنصباء ما عين الحق لهم أو أراد هذا الإمام أن يعود بما بقي على أولي الأرحام من أهل الميت فيعطي أصحاب الأنصباء زائدا على انصبائهم من كونهم أولي أرحام الميت و إن غلب على ظن الإمام أن الخمس الأصلي لله وحده و ما بقي فلمن سمى الله تعالى و قد جعل الله للمجاهدين في سبيل الله نصيبا في الصدقات و ما جعل لهم في المغنم إلا ما نفلة به الإمام قبل القسمة أو ما أعطاه له بقوله من قتل قتيلا فله سلبه و إنما عرض الكلام في مثل هذا في المنزل لما فيه من الحظ المنسوب إلى الله خاصة فما غرضنا ما هو الحكم في المغانم و قسمتها في علم الرسوم و إنما المغانم عندنا في هذا الطريق ما حصل للإنسان من العلوم الإلهية التي أعطانا الله إياها عن مجاهدة و جهاد نفس كما أنه للمؤمن تجارة في نفس إيمانه و هي التجارة المنجية من العذاب الأليم فكل علم حصل عن جهاد فهو مغنم و يقسم على ما يقسم عليه المغانم فالنصيب الذي لله تعالى منه ما تعلق به الإخلاص و الذي لرسول الله منه الايمان به و الذي لذي القربى منه المودة فيهم و الذي لليتامى منه هو ما حصل من العلم قبل بلوغ العامل إلى الغاية «وصل» و الغاية حدها الذي يغنيه عن إضافة العمل إليه فإن الصبي قبل البلوغ حركته و أفعاله إليه فإذا بلغ رجع حكم الأفعال منه إلى الله بعد ما كانت إليه و النبي ص يقول لا يتم بعد حلم فكل ما حصل له قبل البلوغ فهو حقه الذي له من نفسه إذ عينه لله له و الذي للمساكين فهو الحظ الذي حصل لهم بالعجز و عدم القدرة و سلب القوة فإن الله هو ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ و الذي لابن السبيل فهو الحظ الذي له من حيث إنه ابن للطريق إلى اللهفإن النبي ص يقول إن للدنيا أبناء و للآخرة أبناء فكونوا من أبناء الآخرة و هم أبناء السبيل و لا تكونوا من أبناء الدنيا فأما صورة الإخلاص في العمل فهو إن تقف كشفا على إن لعامل لذلك العمل هو الله كما هو في نفس الأمر أي عمل كان ذلك العمل مذموما أو محمود أو ما كان فذلك هو حكم الله تعالى فيه ما هو عين العمل وضح في الخبر أن الله تعالى يقول من عمل عملا أشرك فيه غيري فإنا منه بريء و هو للذي أشرك فنكر العمل و ما خص عملا من عمل و الضمير في فيه يعود على العمل و الضمير في منه يعود على الغير الذي هو الشريك و ضمير هو يعود على المشرك فإن الله لا يتبرأ من العمل فإنه العامل بلا شك و إنما يتبرأ من الشريك لأنه عدم و الله وجود فالله برأ من العدم فإنه لا يلحقه عدم و لا يتصف به فإنه واجب الوجود لذاته فالبراءة صحيحة و كذلك في قوله بَراءَةٌ من الله وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ من الْمُشْرِكِينَ فهو أيضا تبرأ من الشريك لأن الشريك ليس ثم فهو عدم لأنه قال من المشركين فهو أيضا تبرأ من الشريك فإخلاص العمل لله هو نصيب الله من العمل لأن الصورة الظاهرة في العمل إنما هي في الشخص الذي أظهر الله فيه عمله فيلتبس الأمر للصورة الظاهرة و الصورة الظاهرة لا نشك أن العمل بالشهود ظاهر منها فهي إضافة صحيحة فلهذا نقول إنه عين كل شيء من اسمه الظاهر و هنا دليل خفي و ذلك أن البصر لا يقع إلا على آلة و هي مصرفة لأمر آخر لا يقع الحس الظاهر عليه بدليل الموت و وجود الآلة و سلب العمل فاذن لآلة ما هي العامل و الحس ما أدرك إلا الآلة فكما علم الحاكم أن وراء المحسوس أمرا هو العامل بهذه الآلة و المصرف لها المعبر عنه عند علماء النظر العقلي بالنفس العاقلة الناطقة و الحيوانية فقد انتقلوا إلى معنى ليس هو من مدركات الحس فكذلك إدراك أهل الكشف و الشهود في الجمع و الوجود في النفس الناطقة ما أدرك أهل النظر في الآلة المحسوسة سواء فعرفوا ن وراء النفس الناطقة هو العامل و هو مسمى الله و النفس في هذا العمل كالآلة المحسوسة سواء عند أهل الله و عند أهل النظر العقلي و متى لم يدرك هذا الإدراك فلا يتصف عندنا بأنه أخلص في عمله جملة واحدة مع ثبوت لآلات و تصرفها لظهور صورة العمل من العامل فالعالم كله آلات الحق فيما يصدر عنه من الأفعال لقوم يعلمون و قال رسول الله ص فيما صح عنه أ تدرون ما حق الله على العباد قالوا الله و رسوله أعلم قال فإن حق الله على العباد أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا ثم قال أ تدرون ما حقهم عليه إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة فنكر ص بقوله شيئا ليدخل فيه جميع الأشياء و هو قوله تعالى فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً فنكر أحد فدخل تحته كل شيء له أحدية و ما ثم شيء إلا و له أحدية و ذكر لقاء الله ليدل على حالة الرضي من غير احتمال كما ذكره رسول الله ص و ذلك في الجنة فإنها دار الرضوان فما كل من لقي الله سعيد فالمواطن لها الحكم في ذلك بما جعل الله فيها و كذلك قوله تعالى لَنْ يَنالَ الله لُحُومُها وَ لا دِماؤُها وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ فجعل الذي يصيبه منا التقوى فقد أعلم الحق عباده بنصيبه مما هم عليه و فيه في كل شيء و عهد إلى عباده ذلك فقال وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فحظه منكم أن تفوا له تعالى بما عاهدكم عليه و هو قوله ص في الصلوات الخمس فمن أتى بهن لم يضيع من حقهن شيئا كان له عند الله عهدا أن يدخله الجنة و الصلاة مناجاة الله على القسمة التي شرع بينه تعالى و بين عباده فمن أعطاه قسمه و منها و أخذ منها قسمه فقد أعطاه حقه و نصيبه فإذا كان الله تعالى مع اتصافه بالغنى عن العالمين قد جعل له فيما يكون للعالم و يفتقر إليه نصيبا يأخذه و قسما عينه فما ظنك بمن أصله الفقر و المسكنة في ظهور عينه لا في عينه و وجوده و ما هو فيه و إنما قلنا لا في عينه لأن أعيانها لا نفسها ما هي بجعل جاعل و إنما الأحوال التي تتصرف عليها من وجود و عدم و غير ذلك فيها يقع الفقر إلى من يظهر حكمها في هذه العين فاعلم ذلك فمن طلب حقه و استقصاه فلا يلام و لكن لما شرع لنا في بعض الحقوق إنا إذا تركناها كان أعظم لنا و جعل ذلك من مكارم الأخلاق و ناط به ما في ذلك من الأجر منه تعالى و هو قوله عز و جل فَمَنْ عَفا وَ أَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله و من طلب حقه و هو قوله تعالى وَ لَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولئِكَ ما عَلَيْهِمْ من سَبِيلٍ كان له ذلك فكذلك يفعل مع عباده فيما ضيعوه من حقه و حقوقه يعفو و يصفح و يصلح فيكون المال إلى رحمة الله في الدارين فتعمهم الرحمة حيث كانوا و لكن لا يستوون فيها قال تعالى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ كما لم يسو تعالى بين الذين يعلمون و الذين لا يعلمون فالكامل من العباد من لم يترك لله عليه و لا عنده حقا إلا وفاه إياه في كل شيء له فيه نصيب أعطاه نصيبه على حد ما شرع له فإذا وفاه رد عليه جميع ما ذكر أنه له بالشرع فإذا و في الله له بعهده فيأخذه منه امتناع و ابتداء فضل لا جزاء و لا يكون هذا إلا من العلماء بالله الذين يعلمون الأمر على ما هو عليه و هم أفراد من الخلق لا يعلمهم إلا هو فقد نبهتك على أكمل الطرق في نيل السعادة التي ما فوقها سعادة و مع هذا يا حي و بعده فالأمر عظيم و الخطب جسيم و الإشكال فيه أعظم و لهذا جعل أهل الله الغاية في الحيرة و هو العجز و هذا القدر كاف في العلم بأن الله حقا و نصيبا عند عباده يطلبه منهم بحكم الاستحقاق و يطلب منهم أيضا حقوق الغير بحكم الوكالة كما قال وَ يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ بحكم الوكالة فيربيها و يثمرها فهو وكيل في حق قوم تبرعا من نفسه رحمة بهم و إن لم يوكلوه و في حق قوم وكيل بجعلهم كما أمرهم أن يتخذوه وكيلا و إلا فليس للعبد من الجرأة أن يوكل سيده فلما تبرع بذلك لعباده و نزل إليهم عن كبريائه بلطفه الخفي اتخذوه وكيلا و أورثهم هذا النزول إدلالا و أما حديث ما يقبل الله من صلاة عبده إلا ما عقل يريد أنه يعضد أداء حق الله تعالى فيما تعين عليه و جعل أكثره النصف و هو الحد الذي عينه له من صلاة عبده و أقله العاشر فقال عشرها تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها و ما ذكر النصف إلا في الفاتحة فعلمنا المعنى فعممناه في جميع أفعال الصلاة و أقوالها بل في جميع ما كلفنا من الأعمال به فأما ما عينه فهو ما انحصرت فيه الفاتحة و هي تسعة أقسام القسم الأول بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الثاني الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ الثالث الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرابع ملك (مالِكِ) يَوْمِ الدِّينِ الخامس إِيَّاكَ نَعْبُدُ السادس وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ السابع اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَالثامن صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ التاسع غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ فالخاسر الساهي عن صلاته من لم يحضر مع الله في قسم واحد من هذه الأقسام التي ذكرناها في الفاتحة و هي التي ذكر الله في القبول من العشر إلى النصف فمن رأى أن بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ آية منها و لا يفصلها عنها فالقسمة على ما ذكرناه في الفاتحة فإن حكم الله في الأشياء حكم المجتهد فهو معه في اجتهاده و من أداه اجتهاده إلى الفصل ففصل البسملة عن الفاتحة و إن البسملة ليست آية منها جعل الله له الجزء التاسع وَ لا الضَّالِّينَ و البسملة أحق و أولى فإنها من القرآن بلا شك عند العلماء بالله و تكرارها في السور مثل تكرار ما يكرر في القرآن من سائر الكلمات و ما زاد على التسعة فعقله في التلاوة حروف الكلمة فقد يعقل المصلي حرفا من حروف الكلمة ثم يغفل عن الباقي فهذا معنى قوله ص العام إنه لا يقبل إلا ما عقل منها فالعاقل من أتى بها كاملة ليقبلها الله كاملة و من انتقص منها شيئا في صلاته جبرت له من قراءته الفاتحة في نوافله من الصلاة فليكثر من النوافل فإن لم تف قراءتها في النوافل بما نقصه من قراءة الفاتحة في الفريضة أكملت له من تلاوته بحضور في غير الصلاة المعينة و إن كان في جميع أفعاله في صلاة فإنه قد يكون من الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ و هم الذاكرون الله في كل أحيانهم فهم يناجونه في جميع الأحوال كلها فحظ الله من جميع ما كلف عباده به ما فرض عليهم و نصيب العباد من الله ما أوجبه الحق لهم على نفسه و النافلة للنافلة في كل ذلك و أما حظ الرسول ص من هذه المسألة بتصديقه و الايمان به و بما جاء به فمما يحققه الايمان أن خير الأزمان زمان الصلاة و الآذان و خير الشفاعة و الكلام ما أذن فيهما الرحمن هذا مما جاء به رسول الحق إلينا و وفد به مقبلا علينا فتدلى حين تجلى و ما أصعقه بل أيقظه من تجلى ليتجلى فاقبل و ما أعرض و تولى فأما التصديق به فلخبر الحق بأنه رسول منه إلينا و هو الوجيه المقرب و أما الايمان بما جاء به فلإخباره عن الحق ففرق بين إخبار الحق في الايمان به و بين إخباره عن الحق فيما جاء به فلا يؤمن به إلا من خاطبه الحق في سره و إن لم يشعر به المخاطب و لا يعرف من كلمه و إنما يجد التصديق به في قلبه و أهل الكشف و الحضور يعرفون عن سماع بأذان و قلوب كلام الحق بأن هذا رسول من عنده فيؤمنون به على بصيرة و لا يؤمن بما جاء به هذا الرسول إلا من خاطبه الرسول في سره و إن لم يشعر به المخاطب و لا يعرف من كلمه و إنما يجد التصديق بما جاء به في قلبه و أهل الكشف و الحضور يعرفون عن سماع بقلوب و آذان و أبصار كلام الرسول بأن هذا جاء من عند الله وَ لَوْ كانَ من عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فيؤمنون به على بصيرة و إنما قلنا فيما جاء به الرسول و أبصار و لم نقل ذلك في سماع كلام الحق لأن الرسول إذا رأيناه فقد رأيناه و الحق تعالى ليس كذلك إذا رأيناه فما رأيناه إلا منزلتنا و صورتنا منه فلهذا لم نقل في تصديق خبره إذا كلمنا و أبصار و ما جئنا بالقلوب و الآذان إلا لمجرد الخبر خاصة لا لكون الحق تكلم به فإن إدراك القلوب و الآذان و الأبصار للحق على السواء ما أدرك واحد من العالم أي إدراك كان من هذا و غيره إلا منزلته من الحق و صورته خاصة فما أدركه فذكرنا القلوب من كونها سامعة و الآذان للخبر خاصة تنبيها على ما ذكرناه و بيناه فإذا علمت هذا فقد وفيت الله و الرسول ما تعين عليك من الحق أن تؤديه لله و لرسوله فإن هذه المسألة غلط فيها جماعة من أهل الله إذ لم يخبروا بها عن الله فكيف علماء الرسوم فمن تكلم فيها من طريق الايمان فلا يتكلم فيها إلا بما تكلمنا به فإنه يتكلم عن ذوق و لهذا ترى شخصين بل ثلاثة أشخاص يشهدون المعجزة على يدي الرسول الذي أبرزها الحق في معرض الدلالة على صدقه فيما جاء به و التصديق به نفسه فشخص من الثلاثة يتيقن أنه الحق و جحده و الشخص الثاني لم تقم عنده تلك الدلالة لجهله بموضع الدلالة منها و الثالث آمن و صدق و المجلس واحد و النظر بالبصر واحد و الإدراك في الظاهر واحد فعلمنا إن الذي آمن و صدق لو لا تجلى الحق لقلبه و تعريفه إياه بغير واسطة ما آمن بما جاء به و لا صدق و كان مثل صاحبه و كذلك في إيمانه بما جاء به فما كل مؤمن يعرف من أين حصل له الايمان و لا سيما و قد رأينا و بلغ إلينا أن بعض من آمن برسول الله عند ما رآه و سمع دعوته و لم ير له معجزة و لا دلالة بل وجد في نفسه أنه صادق في دعواه فآمن به من حينه و ما تلكأ و لا نلعثم فما كانإلا مما ذكرناه من التجلي لقلبه و لا يشعر أن ذلك عن تجل و بهذا القدر زاد أهل الكشف على غيرهم من المؤمنين و لو لا كشفهم للأمور ما فصلوها إلى كذا و إلى كذا فحظ الرسول أن يلحقه بربه في نفسه و فيما جاء به من عنده و أما حظ اليتامى من هذا العلم فإنه على الحقيقة أوان بلوغ الخروج عن الدعوى فيما كان لك فحظك قبل مجيء هذا الزمان إن تضاف أفعالك لك و لا يعترض عليك و لا تسلب عنك و لا تحجير عليك فإذا بلغ أوان الحلم صرت محجورا عليك و وقع التقييد في جميع حركاتك و توجهت عليها أحكام الحق لأنها أفعاله ظهرت فيك و لو لا ما ظهرت فيك ما تعلق بها هذا الخطاب و لا هذا التحكيم و معنى طهرت فيك هو عين دعواك أن الأفعال لك فأراد الحق بالتحجير بما كلفك إن يعرفك بأن هذه الأفعال لو كانت لك ملكا محققا ما جاز لي أن أتصرف فيما لك و ليس لي و سبب ذلك أن أوان بلوغ العقل قد حل و استحكام العقل و النظر قد حصل فكان ينبغي لك بما أعطاك الله من العقل أن ترى أفعالك التي أنت محل لظهورها منك لله تعالى ليست لك فلو حصل لك هذا ابتداء ما كلفك و لا حجرها عليك في هذه الدار أ لا ترى من لم يستحكم عقله ما حجر عليه و لا كلفه و هو المجنون الذي ستر عنه عقله إن يكون له حكم فيه و كذلك النائم و كل من لم يتصف بالعقل و لما وصل في هذه الدار إلى الحد الذي أوجب عليه التكليف بقيام هذه الصفة إذا كشف عنه الغطاء في هذه الدار لم يرتفع عنه التحجير و لا خطاب الشرع لحكم الدار لا لحكم الحال لأنه كان يعطي القياس ارتفاع التحجير عمن هو بهذه الصفة و لكن لا بد للدار من حكم كما يفعل بأطفال المشركين و الكفار نلحقهم بآبائهم للدار و إن علمنا أنهم على الفطرة و ما أشركوا و لا كفروا فللدار حكم فإذا جاء وعد الآخرة و انتقلنا إليها خرجنا عن حكم الدار فارتفع عنا حكم التكليف في دار الرضوان و أختها كذلك من أطلعه الله هنا في هذه الدار على سعادته و أطلع آخر على شقاوته لم تسقط هذه المطالعة عنهما التحجير و لا التكليف لأن أصل وضع النواميس في هذه الدار إنما هو لمصلحة الدنيا و الآخرة فمن المحال رفع التحجير ما دامت الدنيا و دام من فيها فلو لا هذا لكان من كشف عنه الغطاء ارتفع عنه التحجير لأنه لا يرى فاعلا إلا الله و الشيء لا يحجر على نفسه و إن أوجب على نفسه ما أوجب فذلك تأنيس لنا فيما توجبه على أنفسنا لنا فإن أوجبناه له أوجبه علينا لنتميز فنعصي بتركه و لو ترك الحق ما أوجبه على نفسه لم يكن له هذا الحكم فإن هذا الحكم لا يتعلق بمن تعلق به إلا من حيث إن الغير أوجبه فلو لا ما أوجبه الحق علينا حين أوجبناه على أنفسنا لم نكن عصاة إذا تركناه فإذا وفى به من لم يوجبه عليه غيره فمنة منه و فضل و مكارم أخلاق فإن قلت هذا إذا كان في الخير فإن كان شرا قلنا ما ثم الأخير و الخير على قسمين خير محض و هو الذي لا شر فيه و خير ممتزج و هو الذي فيه ضرب من الشر كما بيناه من شرب الدواء المكره و كالمؤمن إذا عصى و أطاع فإن المؤمن لا تخلص له معصية دون طاعة أصلا فإن الايمان بكونها معصية طاعة و في هذا تنبيه لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ فيرجع الأمر في الآخرة إلى الأمر الذي كان عليه اليتيم قبل البلوغ و إنما قلنا في اليتيم و كل صبي دون البلوغ كذلك مع كونه ليس بيتيم لأن اليتيم في تدبير وليه و الولي الله لأنه ولي المؤمنين و غير اليتيم في تدبير أبيه فلا ينظر إليه مع وجود أبيه لأن الفرع يستمد من أصله الأقرب أ لا ترى الثمرة لا تعرف لها أصلا إلا فرع الشجرة لأنها من الفرع تستمد و الفرع يعرف الأصل الذي تجهله الثمرة و اليتيم قد علم إن أباه قد اندرج فانكسر قلبه و لم يكن له أصل يدل عليه فعرفه العلماء بالله أنه ليس له إلا من كان لأبيه و هو الله فيرجع إلى الله في أموره فلما كان حال اليتيم مع الله في نفسه بهذه المثابة جعل الله له حظا في المغنم ليتوفر عليه ما هو له و هو ما يرى الصبي من إضافة الأفعال إليه و عدم التحجير عليه فيها فمن يمسح على رأس يتيم كان له بكل شعرة حسنة و ليس ذلك لغير اليتيم و حكم المسكين حكم اليتيم من عدم الناصر الظاهر فقوى الله ضعفه أي زاده الله ضعفا إلى ضعفه فإن المخلوق ضعيف بحكم الأصالة فإذا زاده الله ضعفا إلى ضعفه كان مسكينا فما تكون له صولة فإن صال و هو مسكين فقد أبغضه الله فإنه ظهر منه ما يخالف حاله فقد كلف نفسه ما لا يقتضيه مقامه و لذلك قال رسول الله ص ثلاثة لا يُكَلِّمُهُمُ الله وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌملك كذاب و شيخ زان و عائل مستكبر أي قد بالغ في التكبر كما أن المسكين قد بالغ الله فيه بالضعف فإنه من كونه مسكينا صاحب ضعفين ضعف الأصل و ضعف الفقر فلا يقدر يرفع رأسه لهذا الضعف بخلاف رب المال فإنه يجد في نفسه قوة المال و بهذا سمي المال مالا لأنه يميل بصاحبه و لا بد إما إلى خير و إما إلى شر لا يتركه في حال اعتدال فالمسكين من سكن تحت مجاري الأقدار و نظر إلى ما يأتي به حكم الله في الليل و النهار و اطمأن بما أجرى الله به و عليه و علم أنه لا ملجأ من الله إلا إليه و أنه الفعال لما يريد و تحقق بأن قسمه من الله ما هو عليه في الحال فجبر الله كسره بقوله أنا عند المنكسرة قلوبهم فإنك إذا جئت لمن انكسر قلب ما تجد عنده جليسا إلا الله حالا و قولا فجعل له حظا عليه في المغنم و إن لم يكن له فيه تعمل فخدمه غيره و نال هو الراحة بما أوصل الله إليه من ذلك مما جهد فيه الغير و تعب كالمؤمن الذي لا علم له و هو من أهل الجنة فيرى منازل العلماء بالله و هو في الموقف فيتحسر و يندم فيعمد الله إلى من هو من أهل النار من العلماء فيخلع عنه ثوب علمه و يكسوه هذا المؤمن ليرقى به في منزلة ذلك العلم من الجنة لأنه لكل علم منزلة في الجنان لا ينزل فيها إلا من قام به ذلك العلم لأن العلم يطلب منزلته من الجنان و العالم الذي كان له هذا العلم هو من أهل النار الذين هم أهلها و العلم لا يقوم بنفسه فينزل بنفسه في تلك المنزلة فلا بد له من محل يقوم به فيخلعه الله على هذا المؤمن السعيد الذي لا علم له فيرقى به العلم إلى منزلته فما أعظمها من حسرة و لكن بقي عليك إن تعرف أي علم يسلبه هذا الذي هو من أهل النار و ذلك أنه إذا كان على علم في نفس الأمر إلا أنه قد دخلت عليه في الدنيا فيه شبهة فأما حيرته فهو في محل النظر و أما إزالته عنه مع علمه بما كان عليه غير أنه اعتقد فيه في الدنيا أنه جهل فإذا كان في الآخرة علم أنه علم فذلك العلم هو الذي يسلب و يخلع على هذا الذي ليس بعالم و هو من أهل الجنة و إذا كان الأمر على ما ذكرناه فإن الله لا يبقى في الدنيا عند الموت عند أهل النار الذين هم أهلها سوى العلم الذي يليق أن يكون عليه أهل النار و ما عدا ذلك من العلوم التي لا تصلح أن تكون إلا لأهل الجنة يدخل الله بها على العالم به في الدنيا أو عند الاحتضار شبهة يخطرها له تزيله عن العلم أو تحيره ثم يموت على ذلك و كان ذلك في نفس الأمر علما فهذا الصنف من العلم هو الذي يخلع على أهل الجنان إذا لم يتقدم لهم علم به في الدنيا و يطمع فيه من قد كان علمه من أهل النار فيقام عليه الحجة بأنه مات على شبهة فهذا حظ المسكين من المغنم فإن ذلك الذي سلب عنه في الدنيا بالشبهة جاهد نفسه و تعب فلما غنم و دخلت الشبهة كان حظ المسكين ذلك العلم و أما ابن السبيل فأبناء السبيل هم أعلى الطوائف عند الله فإن الابن لا يقدر أن ينتفي عن أبيه و إنما سمي ابن السبيل لأنه علم إن المنزل محال و أن الاستقرار على أمر واحد محال لا في حق نفسه و لا في حق تجلى ربه بل و لا في حق ربه لأنه في شأن خلقه و الأمر فيهم جديد دائما أبدا و من لم يستقر به قدم فلا بد أن يكون ماشيا أي متحركا و لا يتحرك إلا في طريق و هي السبيل و المشي له دائما دنيا و آخرة فهو ابن السبيل دنيا و آخرة و لما كان متفرغا لسبيله مشغولا به مسافرا فيه و المسافر لا بد له من زاد فجعل الله له نصيبا من المغنم فالحق يغذيه بما ليس له فيه تعمل و قد يكون ابن السبيل في هذه الآية عين المجاهد و يكون السبيل من أجل الألف و اللام اللتين للعهد و التعريف سبيل الله التي قال الله فيها وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله يعني الشهداء الذين قتلوا في الجهاد فيكون أيضا حظ المجاهد من المغنم القدر الذي عين الله لابن السبيل و هو معروف سوى ما له في الصدقات فاعلم ذلك فإنه تنبيه حسن إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ و ما أنزل الله على عبده يوم الفرقان ففرق بما أعلمه الله بين القبضتين بالكلمتين اللتين ظهرتا في الكرسي بالقدمين إذ كان أهل الله و هم أبناء الآخرة أبناء السبيل بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا إلى الله بمحصل القربة و المكانة الزلفى من الله وَ هُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى عن الله و هم أبناء الحياة الدنيا و أبناء سبيلها وَ الرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ فجعل السفل لهم إذ كانت كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى و من كان أسفل منك فأنت أعلى منه لأنكم أهل الله الذين لهم السعادة إذ كانت كلمة الله هي العليا و كل هذا بحكم الله و قضائه لا ليد تقدمت بل لعناية إلهية سبقت يقول الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ
و لما رأينا أن الله قد اختص بالخمس في مثل هذا الموطن و في قسمة هذا النوع الذي هو المغنم علمنا أن الله ما راعى من الأقسام التي تعتبر في العالم إلا مراعاة الجيش عند اللقاء من كونه عز و جل ملكا قاهرا حيث أثبت له أعداء ينازعونه و تقسيم الجيش عند اللقاء على خمسة أقسام قلب و هو موضع الإمام و هو الذي اصطفاه الله من نشأة عبده حين قال وسعني قلب عبدي و ما بقي فميمنة و ميسرة و مقدمة و ساقة فلهذا كان الخمس لله و الأربعة الأخماس الباقية لمن بقي فإن العدو الذي نصبه الله أخبر الله عنه أنه يأتي من بين أيدينا و من خلفنا فنلقاه بالمقدمة و الساقة و عن أيماننا فنلقاه بالميمنة و عن شمائلنا فنلقاه بالميسرة و ليس للعدو غرض إلا في القلب ليزيل ملك الجيش من القلب ما له غرض إلا في هذا فذب الله عن قلب العبد الذي هو موضع نظره الذي وسعه بهؤلاء الذين رتبهم في هذه الأماكن التي يدخل العدو منها فعليه يقاتل هذا الجيش و هو قوله ص إن الذي يقاتل في سبيل الله هو الذي يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا و كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى و هم الأعداء فهو يمدهم من القلب في الباطن و هم يذبون عنه من الظاهر من الجهات التي يطلب العدو و الفرصة فيها فمن هنا كان له الخمس من المغنم الذي نص عليه أنه نصيبه لأنه ناصر المؤمنين على أعدائه و الجيش ناصر دينه ذلِكَ بِأَنَّ الله مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ أَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ فما لهم قلب ينصرهم
و في هذا المنزل علم هل يتعلق العلم الواحد بجميع المعلومات أو لكل معلوم علم أو يختلف بالنسبة إلى العالم و ما هو العلم هل هو ذات العالم أو صفة قائمة به أو نسبة ما هي ذات العالم و لا صفته و فيه علم ما يؤدي إليه المناسبات بين الأشياء من التألف و الاجتماع و فيه علم من عمل بعملك فهو منك و فيه علم الاستناد و حماية المستند و مشاركته في المشقة و ترك ما يرى تركه و إن كان محبوبا لك و الايمان الذي لا يزلزله شيء و فيه علم ما توجبه مكارم الأخلاق على من قامت به و علم المقامات و ما يختص بهذا المنزل منها و فيه علم الكثير و القليل و من هو كثير بالقوة و كثير بالعدد و كذلك في القلة و في علم فيه مزلة قدم و هو أنه يعطيك أن تكون مع كل من يريد منك أمر أما أن تكون له بما يريده منك و إنما هو مزلة قدم لاختلاف الأغراض و تقييد المؤمن بما قلده من الحكم الذي قيده و فيه علم ما ينبغي أن يستعد له مما لا يستعد له و فيه علم معاملة من تجهل أمره كيف تعامله و فيه علم يعلم به أنه ما يقابلك من العالم و لا من الحق إلا صفتك و فيه علم إلحاق الرءوس بالأذناب في الحكم و هو الحال الذي يستوي فيه الرئيس و المرءوس كالنوع الوسط الذي هو نوع لما فوقه و جنس لما تحته و فيه علم التحريش ثم التبري منه هل ينفع ذلك التبري أم لا ينفع و فيه علم إدراك الخيال في صورة المحسوس في اليقظة و ما ثم شيء محسوس مخيل من خارج و لا من داخل بل هو كالسراب تراه ماء و كالصغير في السراب تراه كبيرا و كالجبل الأبيض تراه على البعد أسود فهذا خارج عن الحس و الخيال و فيه علم السبب الذي يدعو الإنسان إلى أن يدعو على نفسه بالهلاك و يطلب العلامة في نفسه بما يرديه و فيه علم ما يتوهم أنه قادر عليه و ليس بقادر عليه و لما ذا يرجع الإعجاز هل يرجع لأمر لا يقدر مخلوق عليه أو لأمر كان يقدر عليه ثم صرف عنه و فبه علم ما تنتجه التقوى في المتقي و فيه علم الفرق بين الرسول الله ص و بين المؤمنين و فيه علم ما يريده المخاطب من المخاطب إذاكلمه و فيه علم ما يظهر أنه لله و هو للكون و يظهر أنه للكون و هو لله و فيه علم الجهات و الإحاطة و السكون و الحركة و فيه علم المنافع الأخروية و فيه علم السبب الذي يوجب الأمان في موطن الخوف هل يصح ذلك أم لا و ما معنى الموطن هل هو الحال في الشخص فيكون موطنه حاله أو الموطن خارج عن الحال و فيه علم الأسباب الموجبة لوجود الأوهام الحاكمة في النفوس و هي صور من صور التجلي الإلهي و فيه علم ما يحمد من السؤال و ما يكره و فيه علم الصلاح و مراعاة الأصلح و على من يجب ذلك و فيه علم الوعد و الوعيد و مع من يجب القتال شرعا إذا تراءى الجمعان وصف الناس للقتال وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ