اعلم أيدنا الله و إياك أن البهائم أمم من جملة الأمم لهم تسبيحات تخص كل جنس و صلاة مثل ما لغيرها من المخلوقات فتسبيحهم ما يعلمونه من تنزيه خالقهم فلهم نصيب في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و أما صلاتهم فلهم مع الحق مناجاة خاصة قال تعالى وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ و قال وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي من الْجِبالِ بُيُوتاً وَ من الشَّجَرِ وَ مِمَّا يَعْرِشُونَ ثُمَّ كُلِي من كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ و هي ما شرع الله لها من السبل أن تسلكها ذللا فكل شيء من المخلوقات له كلام يخصه يعلمه الله و يسمعه من فتح الله سمعه لإدراكه و جميع ما يظهر من الحيوان من الحركات و الصنائع التي لا تظهر إلا من ذي عقل و فكر و روية و ما يرى في ذلك من الأوزان تدل على إن لهم علماء في أنفسهم بذلك كله ثم يرون منهم أمورا تدل على أنهم ما لهم ما للإنسان من التدبير العام فتعارضت عند الناظرين في أمرهم الأمور فانبهم أمرهم عليهم و ربما سموا لذلك بهائم من إبهام الأمر إلا عندنا فإنه أوضح من كل واضح و ما أتى علي من أتى عليه إلا من عدم الكشف لذلك فلا يعرفون من المخلوقات إلا قدر ما يشاهدونه منهم و كذلك من ألحقهم بدرجة المعارف و العلم بالله و بما أهلهم الله له ما ألحقهم بذلك إلا من كون الله كشف له عن أمرهم و أحوالهم أو مؤمن صادق الايمان قد بلغه عن الله في كتاب أو سنة أمرهم و ساعدنا على هذا القول شيخنا و إمامنا المتقدم حجة الله على المحققين الذي يقول فيه أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب إذا حكى عنه قولا قال عالمنا سهل بن عبد الله التستري الذي رأى قلبه يسجد و هو صغير فلم يرفع و استظهر القرآن و هو ابن ست سنين و لما دخلت الخلوة على ذكره فتح لي به من ليلتي تلك الفتح الخاص بذلك الذكر فانكشف لي بنوره ما كان عندي غيبا ثم أفل ذلك النور المكاشف به فقلت هذا مشهد خليلي فعلمت أني وارث من تلك الساعة لملة أمر الله رسوله و أمرنا باتباعها و ذلك قوله مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ من قَبْلُ و تحققت أبوته و بنوتي و قد كان شيخنا صالح البربري بإشبيلية قد قال لي يا ولدي إياك أن تذوق الخل بعد العسل فعلمت مراده و كان من أكبر من رأيته من المنقطعين إلى الله تعالى بل المقتطعين ما رأيت على قدمه مثله فجئت الشيخ بكرة و قلت له ما كان في منظوم نظمته إلهي لا عن روية و لا تعمل كما قال أبو العباس بن العريف الصنهاجى
و جاء حديث لا يمل سماعه شهى إلينا نثره و نظامه
و كان النظم الذي عملته في حالي
فسر الشيخ بهذا النفس و قال هذا من تجلى الغلس قلت له صدقت كذلك كان قال الحمد لله المنعم على كل حال لو علم الناس النعمة السارية في الأحوال ما فرقوا بين السراء و الضراء و اتحد الحمد قلت له بل توحد فقال صدقت يا ولدي و أخطأ الشيخ فقبلت يده و قبل رأسي
فكل شيء في العالم يقال فيه عند أهل النظر و في العامة إنه ليس بحي و لا حيوان فإن الله عندنا قد فطره لما خلقه على المعرفة به و العلم و هو حي ناطق بتسبيح ربه يدركه المؤمن بإيمانه و يدركه أهل الكشف عينا و أما الحيوان ففطره الله على العلم به تعالى و نطقه بتسبيحه و جعل له شهوة لم تكن لغيره من المخلوقات ممن تقدم ذكره آنفا و فطر الملائكة على المعرفة و الإرادة لا الشهوة و أمرهم و أخبر أنهم لا يعصونه لما خلق لهم من الإرادة و لو لا الإرادة ما أثنى عليهم بأنهم لا يعصونه وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و فطر الجن و الإنس على المعرفة و الشهوة و هو تعلق خاص في الإرادة لأن الشهوة إرادة طبيعية فليس للانس و الجن إرادة إلهية كما للملائكة بل إرادة طبيعية تسمى شهوة و فطرهما على العقل لا لاكتساب علم و لكن جعله الله آلة للانس و الجن ليردعوا به الشهوة في هذه الدار الآخرة و لذلك قال في الدار الآخرة لأهل الجنان وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ أعلاما لنا بأن النشأة الآخرة التي ينشئنا فيها طبيعية مثل نشأة الدنيا لأن الشهوة لا تكون إلا في النفوس الطبعية و النفوس الطبعية ما لها نصيب في الإرادة فإذا استفاد الإنسان أو الجان علما من غير كشف فإن ذلك مما جعل الله فيه من قوة الفكر فكل ما أعطاه الفكر للنفس الناطقة و كان علما في نفس الأمر فهو من الفكر بالموافقة فالعلوم التي في الإنسان إنما هي بالفطرة و الضرورة و الإلهام و الكشف الذي يكون له إنما يكشف له عن العلم الذي فطره الله عليه فيرى معلومه و أما بالفكر فمحال الوصول به إلى العلم فإن قيل من أين علمت هذا و ما هو من مدركات الحس فلم يبق إلا النظر قلنا ليس كما نقول بل بقي الإلهام و الإعلام الإلهي فتتلقاه النفس الناطقة من ربها كشفا و ذوقا من الوجه الخاص التي لها و لكل موجود سوى الله فالفكر الصحيح لا يزيد على الإمكان و ما يعطي إلا هو و هذا من علم الله و إعلامه لم يدرك ذلك بالفكر كان ابن عطاء راكبا على جمل فغاصت رجل الجمل فقال ابن عطاء جل الله فقال الجمل جل الله يزيد عن إجلالك فكان الجمل أعلم بالله من ابن عطاء فاستحى ابن عطاء فهذا من علم البهائم بالله و أما رسول الله ص فإنه ذكر في الصحيح أن بقرة في زمن بنى إسرائيل حمل عليها صاحبها فقالت ما خلقت لهذا و إنما خلقت للحرث فقالت الصحابة أ بقرة تكلم فقال رسول الله ص آمنت بهذا أنا و أبو بكر و عمر و ذلك أن الروح الأمين أخبره فلو عاينها رسول الله ص لما قال آمنت فهذه بقرة من أصناف الحيوان قد علمت ما خلقت له و الإنس و الجن خلقوا ليعبدوا الله و ما علموا ذلك إلا بتعريف الله على لسان الرسول و هو في فطرتهم و لكن ما كشف لهم عما هم عليه و مر بعض أهل الله على رجل راكب على حمار و هو يضرب رأس الحمار حتى يسرع في المشي فقال له الرجل لم تضرب على رأس الحمار فقال له الحمار دعه فإنه على رأسه يضرب فهذا حمار قد علم ما تئول إليه الأمور بالفطرة لا بالفكرة فانظر يا محجوب أين مرتبتك من مرتبة البهائم البهائم تعرفك و تعرف ما يؤول إليه أمرك و تعرف ما خلقت له و أنت جهلت هذا كله و مع هذا فالبهائم في الحيرة في الله و هم مفطورون عليها إقامتها المقام الذي يصل إليه أهل النظر الصحيح في الله و أهل التجلي و لذلك قال الله فيمن لم يعرف الله إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ يعني في الضلال الذي هو الحيرة ثم قال بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا و السبيل الطريق فزاد و إضلالا أي حيرة في الطريق التي يطلبونها للوصول إلى معرفة ربهم من طريق أفكارهم فهذه حيرة زائدة على الحيرة في الله و كذلك قال فيهم حيثما قال إنما جعل الزيادة في السبيل و ليس إلا الفكر و التفكر فيما منع التفكر فيه و هو النظر في ذات الله فقال وَ من كانَ في هذِهِ أَعْمى و هو حال الجهل بالله كما هو في نفس الأمر من حيث الذات فَهُوَ في الْآخِرَةِ أَعْمى كما هو في الدنيا ثم زاد فقال وَ أَضَلُّ سَبِيلًاو هو الطريق و لذلك قال عمرو بن عثمان المكي في صفة المعرفة و العارفين و كما هم اليوم كذلك يكونون غدا فاعلم إن كنت تفهم تشبيه الله أهل الضلال بالأنعام إنه تعالى ما شبههم بالأنعام نقصا بالأنعام و إنما وقع التشبيه في الحيرة لا في المحار فيه فلأشد حيرة في الله من العلماء بالله و لذلك ورد عن رسول الله ص أنه قال لربه زدني فيك تحيرا لما علم من علو مقام الحيرة لأهل التجلي لاختلاف الصور و تصديق هذا الحديث قوله لا أحصي ثناء عليك أنت كما ثنيت على نفسك و قد علمنا ما أثنى الله به على نفسه من بسط يديه بالإنفاق و فرحه بتوبة عبده و غير ذلك من أمثاله و من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و قول رسول الله ص لو يعلم البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينا فانظر في تنبيهه ص على حسن استعدادهم و سواء استعدادنا حتى أنه من كان بهذه المثابة من الفكرة في الموت فغايته أن يحصل له استعداد البهائم و هو ثناء على من حصل في هذا المقام و ارتفاع في حقه و كيف ينظر البهائم دون الإنسان في الاحتقار و غاية الثناء عليك من الله أن تشاركها في صفتها فاشحذ فؤادك وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فإن لله في خلقه أسرارا و لذلك خَلَقَكُمْ أَطْواراً و اعلم أن البهائم و إن كانت مسخرة مذللة من الله للإنسان فلا تغفل عن كونك مسخرا لها بما تقوم به من النظر في مصالحها في سقيها و علفها و ما يصلح لها من تنظيف أماكنها و مباشرة القاذورات و الأزبال من أجلها و وقايتها من الحر و البرد المؤذيات لها فهذا و أمثاله من كون الحق سخرك لها و جعل في نفسك الحاجة إليها فإنها التي تحمل أثقالك إلى بلد لم تكن تبلغه إلا بنصف ذاتك و هو شق الأنفس أي ما كنت تصل إليه إلا بالوهم و التخيل لا بالحس إلا بوساطة هذه المراكب فلا فضل لك عليها بالتسخير فإن الله أحوجك إليها أكثر مما أحوجها إليك أ لا ترى إلى غضب رسول الله ص حين سئل عن ضالة الإبل كيف قال ما لك و لها معها حذاؤها و سقاؤها ترد الماء و تأكل الشجر حتى يجدها ربها فما جعل لها إليك حاجة و جعل فيك الحاجة إليها و جميع البهائم تفر منك ممن لها آلة الفرار و ما هذا إلا لاستغنائها عنك و ما جبلت عليه من العلم بأنك ضار لها ثم طلبك لها و بذل مجهودك في تحصيل شيء منها دليل على افتقارك إليها فبالله من تكون البهائم أغنى منه كيف يحصل في نفسه أنه أفضل منها صدق القائل ما هلك امرؤ عرف قدره فو الله ما يعرف الأمور إلا من شهدها ذوقا و عاينها كشفا
لا يعرف الشوق إلا من يكابده و لا الصبابة إلا من يعانيها
ما وصل إليك خبر الفيل و حبسه و امتناعه من القدوم على خراب بيت الله ما بلغك ما فعلت الطير بأصحاب الفيل و ما رمتهم به من الحجارة التي لها خاصية في القتل دون غيرها من الأحجار أ ترى يصدر ذلك منها من غير وحي إلهي إليها بذلك فكم من فيل كان في العالم و كم من أصحاب غزاة كانوا في العالم لما ظهر مثل هذا الأمر في هؤلاء و ما ظهر في غيرهم و هل يوحي الله إلى من لا يعقل عنه و هل قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ هل ذلك إلا ليفهموا لتقوم عليهم الحجة إذا خالفوا أو يعملوا بما فهموا فيسعدوا هل سمعت في النبوة الأولى و الثانية قط إن حيوانا أو شيئا من غير الحيوان عصى أمر الله أو لم يقبل وحي الله أين أنت من فرار الحجر بثوب موسى ع حتى بدت لقومه سوأته ليعلموا كذبهم فيما نسبوه إليه فَبَرَّأَهُ الله مِمَّا قالُوا أ ترى فرار الحجر هل كان عن غير أمر الله إياه بذلك أ ترى إباية السموات و الأرض و الجبال عن حمل الأمانة و إشفاقهم منها عن غير علم بقدر الأمانة و ما يؤول إليه أمر من حملها فلم يحفظ حق الله فيها و علمهم بالفرق بين العرض و الأمر فلما كان عرض تخيير احتاطوا لأنفسهم و طلبوا السلامة و لما أمرهم الحق تعالى بالإتيان فقال للسماء و الأرض ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ طاعة لأمر الله و حذرا أن يؤتى بهما على كره أ ترى لو نزل القرآن على جبل فخشع و تصدع من خشية الله أ ترى ذلك منه عن غيره علم بقدر ما أنزل الله عليه و ما خاطب به من التخويفات التي تذوب لها صم الجبال الشامخات كم بين الله و رسوله لنا ما هي المخلوقات عليه من العلم بالله و الطاعة له و القيام بحقه و لا نؤمن و لا نسمع و نتناول ما ليس الأمر عليه لنكون من المؤمنين و نحن على الحقيقة من المكذبين و رجحنا حسنا على الايمان بما عرفنا به ربنا لما لم نشاهد ذلك مشاهدة عين و اعلم أنه من علم إن الموجودات كلها ما منها إلا من هو حي ناطق أو حيوان ناطق المسمى جمادا أو نباتا أو ميتا لأنه ما من شيء من قائم بنفسهو غير قائم بنفسه إلا و هو مسبح ربه بحمده و هذا نعت لا يكون إلا لمن هو موصوف بأنه حي و من كان مشهده هذا من الموجودات استحى كل الحياء في خلوته التي تسمى جلوة في العامة كما يستحي في جلوته فإنه في جلوة أبدا لأنه لا يخلو عن مكان يقله و سماء تظله و لو لم يكن في مكان لأستحى من أعضائه و رعية بدنه فإنه لا يفعل ما يفعل إلا بها فإنها آلاته و أنه لا بد أن تستشهد فتشهد و لا يستشهد الله إلا عدلا فصاحب هذه الحال لا يصح أن يكون في خلوة أبدا و من كان هذا حاله فقد لحق بدرجة البهائم و الدليل على ذلك
أن رسول الله ص قد ذكر عنه في الصحيح أنه قال إن للميت جؤار أو إن السعيد منهم يقول قدموني قدموني يعني إلى قبره و إن الشقي منهم يقول إلى أين تذهبون بي و أخبر ص أن كل شيء يسمع ذلك منه إلا الإنس و الجن فدخل تحت قوله كل شيء مما يمر عليه ذلك الميت من جماد و نبات و حيوان و ثبت أن رسول الله ص كان راكبا على بغلة فمر على قبر داثر فنفرت البغلة فقال إنها رأت صاحب هذا القبر يعذب في قبره فلذلك نفرت و قار في ناقته لما هاجر و دخل المدينة ترك زمامها فأراد بعض الصحابة أن يمسكها فقال دعوها فإنها مأمورة و لا يؤمر إلا من يعقل الأمر حتى بركت بنفسها بفناء دار أبي أيوب الأنصاري فنزل به و قال في الصحيح أن المؤذن يشهد له مدى صوته من رطب و يابس و هذا كله مباين لكل شيء و لا يشهد هذا من الإنس و الجن إلا أفراد من أفراد هذين النوعين فإن الجن يجتمعون مع الإنس في الحد فإن الجن حيوان ناطق إلا أنه اختص بهذا الاسم لاستتاره عن أبصار الإنس غالبا فهم مع الإنس كالظاهر من الإنسان وحده مع باطنه و لذلك قال تعالى في غير هذين النوعين وَ ما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ وَ لا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ و الأمثال هم الذين يشتركون في صفات النفس فكلهم حيوان ناطق ثم قال تعالى فيهم ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ يعني كما تحشرون أنتم و هو قوله تعالى وَ إِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ للشهادة يوم الفصل و القضاء ليفصل الله بينهم كما يفصل بيننا فيأخذ للجماء من القرناء كما ورد و هذا دليل على أنهم مخاطبون مكلفون من عند الله من حيث لا نعلم قال تعالى وَ إِنْ من أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ فنكر الأمة و النذير و هم من جملة الأمم و نذيرهم قد يكون لكل واحد منهم نذير في ذاته و قد يكون للنوع من جنسه لا بد من ذلك من حيث لا يعلمه و لا يشهده إلا من أشهده الله ذلك كما قال في الشيطان إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَ قَبِيلُهُ من حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ و ذكر أنهم يوحون إلى أوليائهم ليجادلونا و يظن المجادل الذي هو ولي الشيطان إن ذلك من نفسه و من نظره و علمه و هو من وحي الشيطان إليه يعرف ذلك أهل الكشف عينا و يسمعونه بآذانهم كما يسمعون كل صوت و ما من حيوان إلا و يشهد ذلك و لذلك أخرسهم الله عن تبليغ ما يشهدونه إلينا فهم أمناء بصورة الحال في حقنا و لا يكشف الله لأحد من النوع الإنساني ما يكشفه للبهائم مما ذكرناه إلا إذا رزقه الله الأمانة و هي أن يستر عن غيره ما يراه من ذلك إلا بوحي من الله بالتعريف فإن الله ما أخذ بأبصار الإنس و بأسماعهم في الأكثر و بالفهم في أصوات هبوب الرياح و خرير المياه و كل مصوت إلا ليكون ذلك مستورا فإذا أفشاه هذا المكاشف فقد أبطل حكمة الوضع إلا أن يوحى إليه بالكشف عن بعض ذلك فحينئذ يعذر في الإفشاء بذلك القدر و في هذا المنزل من العلوم علم ثناء الرحماء و علم من أظهر الشريك و هو لا يعتقده كما أنه من الموحدين من ينفي الشريك و هو يعتقده و هو الذي يرى أن من الأسباب من يفعل الشيء لذاته و الموحد في الأفعال يرى أنه لا فاعل إلا الله كمن يقول إذا اجتمع الزاج و العفص و ارتفعت الموانع الطبيعية فإنه لا بد من السواد الذي هو المداد مع كونه موحدا و الموحد من يرى إيجاد السواد لله كالأشاعرة و أمثالهم و إن الإمكان يقضي أن يكون اجتماعهما مع ارتفاع الموانع الطبيعية و لا يكون سواد إلا إن خلق الله ذلك للون فيه هذا في الطبيعيين و أما في المتكلمين الموحدين فإنهم يقولون إن الناظر إذا عثر على وجه الدليل فإن المدلول يحصل ضرورة مع تفريقهم بين وجه لدليل و المدلول و هذا لا يصح عند السليم العقل فإنه يحصل وجه الدليل و لا يحصل المدلول و لا يتمكن لهم أن يقولوا إن وجه الدليل هو عبارة عن حصول المدلول فإنهم يفرقون بين وجه الدليل و المدلول فلو زادوا مع ضرورة عادة لا عقلا لم يعترض عليهم فإنه لا فرق بين وجه الدليل و الرؤية في الرائي بل الرؤية أتم و نحن نعلم بالإيمان أن الله قد أخذ بأبصارنا مع وجود الرؤية فيناعن كثير من المبصرات لغيرنا فلم يحصل المرئي ضرورة مع وجود الرؤية و ارتفاع الموانع التي تقدح في هذه النشأة الطبيعية فيرى الإنسان الواحد ما لا يراه الآخر مع حضور المرئي لهما و اجتماعهما في سلامة حاسة البصر فهذا حجاب إلهي ليس للطبيعية و لا للكون فيه أثر و هذا كثير فكم من مشرك في الظاهر موحد في الباطن و بالعكس و فيه علم الآجال ما يعلم منها و ما لا يعلم و فيه علم كينونية الله في أينيات مختلفات بذاته و مثل ذلك مثل البياض في كل أبيض إن فهمت فإن الله تعالى ما ذكر عن نفسه حكما فيه لا يكون له مثل في الموجودات لأنه لو ذكر مثل هذا لم تحصل فائدة التعريف غير أنه يدق على بعض الأفهام فمن ظهر له الموجود الذي له عين ذلك الحكم علمنا أنه المخاطب من الله بذلك الحكم لا غيره كما قال تعالى لَخَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فبعض الناس قد علم ما أراد بالكبر هنا و بعضهم لا يعرف ذلك فالذي عرف ذلك هو المخاطب بهذه الآية و هكذا في كل خطاب حتى في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ خاطب به من يعلم نفي المثلية في الأشياء و فيه علم عموم تعلق العلم الإلهي بالمعلومات و من علم منا حصر المعلومات في واجب و محال و ممكن في نفس الأمر قد عم من وجه كلي و بقي الفصل بين العلماء في نفس الأمر المحكوم عليها بأحد هذه الأحكام و فيه علم ما يأتي من الممكنات و هي كلها آيات فيعرض عن النظر في كونها آية من يعرض ما السبب في إعراض واحد و عدم إعراض آخر في ذلك و فيه علم من يشكك نفسه فيما قد تبين له ما السبب الذي يدعوه إلى ذلك التشكيك و فيه علم من أي حقيقة إلهية خلق الله الالتباس في العالم هل كان ذلك لكونه يتجلى لعباده في صور مختلفة تعرف و تنكر مع أنه تعالى في نفسه على حقيقة لا تتبدل و لا يكون التجلي إلا هكذا فما في العالم إلا التباس و ذلك لكون الشارع قد أخبر أن المؤمن يظهر بصورة الكافر و هو سعيد و الكافر يظهر بصورة المؤمن و هو شقي فلا يقطع على أحد بسعادة و لا بشقاء لالتباس الأمر علينا فهذا عندنا ليس بالتباس و إنما الالتباس أن نقطع بالشقاء على السعيد و بالسعادة على الشقي حينئذ يكون الأمر قد التبس علينا و أما إذا لم نقطع فما التبس علينا شيء و فيه علم إن الحكم للرحمة يوم القيامة و أن العدل من الرحمة و يوم القيامة يوم العدل في القضاء و إنما تأتي الرحمة في القيامة ليشهد الأمر حتى إذا انتهى حكم العدل و انقضت مدته في المحكوم عليه تولت الرحمة الحكم فيه إلى غير نهاية و فيه علم ما هو لله و ما هو للخلق و أعني بما هو لله أنه مخلص و فيه علم الوصف الخالص بالله الذي لا يشركه فيه من ليس بآلة و فيه علم لم تعددت الأسماء الإلهية باختلاف معانيها فهل هي أسماء لما تحتها من المعاني أو هي أسماء لمن نسبت إليه تلك المعاني و هل تلك المعاني أمور وجودية أو نسب لا وجود لها و فيه علم الإنصاف و العدل في القضايا و الحكومات و فيه علم ما يغني من الاستحقاق بعد انقضاء مدة حكمه و ما معنى الفلاح في القضايا و الحكومات و فيه علم ما يغني من الاستحقاق بعد انقضاء مدة حكمه و ما معنى الفلاح فيه نفيه عن المستحق بالعقوبة و فيه علم جحد المشرك الشريك هل له في ذلك وجه إلى الصدق أو هو كاذب من كل وجه و ذلك أن القائل في الحقيقة ليس غير الله فلا بد أن يكون له وجه إلى الصدق من هناك ينسب أنه قول الله و إن ظهر على لسان المخلوق فإن الله قاله على لسان عبده و قد ورد عن الرسول ص في الصحيح أن الله يقول على لسان عبده و نطق القرآن بذلك فعين كلام الترجمان هو كلام المترجم عنه و فيه علم ما تعطيه الأحوال فيمن قامت به من الأحكام و فيه علم ما ينتجه القطع بوقوع أحد الممكنين من غير دليل و فيه علم ما يسخطه العارف الذي له الكشف من فعل الحق مما لا يسخطه و السخط من عمل الباطن حتى لو لم يقم به سخط في باطنه و أظهر السخط كان حاله إلى النفاق أقرب من حاله إلى الايمان و فيه علم الحث على النفاق هل يناقض التسليم و إذا اجتمع صاحب تسليم و صاحب مداراة أي الرجلين اعلم و فيه علم السبب المانع للسامع إذا نودي و لم يجب هل يقال إنه سمع أو يقال فيه إنه لم يسمع و فيه علم الظلمة و هو العمي و الضلال و هو الحيرة و فيه علم عموم الحشر لكل ما ضمنته الدار الدنيا من معدن و نبات و حيوان و إنس و جان و سماء و أرض و فيه علم السبب الذي يدعو إلى توحيد الحق سبحانه و لا يتمكن معه إشراك و هل له حكم البقاء فيبقى حكم التوحيد أو لا بقاء له أو يبقى في حق قوم دون قوم و فيه علم عموم الايمان و لهذا يكون المال إلى الرحمة التي لا يرحم الله إلا المؤمنين فإنه من الرحمة حكم عموم الايمان و فيه علم البوادة و الهجوم و له باب في الأحوالمن هذا الكتاب و فيه علم من تكلف العلم و ليس بعالم فصادف العلم هل يقال فيه إنه عالم أم لا و فيه علم الحب لله و البغض لله هل للذي بغض لله وجه يحب فيه لله كما له من الله وجه يرزقه به على بغضه فيه و فيه علم فائدة التفصيل في المجمل و فيه علم فطرة الإنسان على العجلة في الأشياء إذا كان متمكنا منها و فيه علم الغيوب و ما يعلم منها و ما لا يعلم منها و الأسباب المجهولة مسبباتها من حيث إنها لهذه الأسباب مع العلم بها و بأسبابها إلا من حيث إنها أسباب لها و فيه علم الله شخصيات العالم و فيه علم الوفاة و البعث في الدنيا و علم الوفاة التي يكون البعث منها في الآخرة و الانتقال إلى البرزخ في الموتتين و فيه علم مراتب الأرواح الملكية في عباداتهم و فيه علم عموم نجاة العالم المشرك و غير المشرك و هو علم غريب مخصوص عليه في القرآن و لا يشعر به و فيه علم السبب الموجب لترك الفعل من القادر عليه و فيه علم لكل اسم مسمى و لا يلزم من ذلك وجود المسمى في عينه و أي مرتبة تعم جميع المعلومات بالوجود سواء كان المعلوم محال الوجود أو لا يكون و فيه علم ما يكون من الجزاء برزخا فينتج العمل به جزاء آخر و فيه علم الردة لما ذا ترجع و ما هو إلا سلوك إلى أمام كما نقول رجعت الشمس في زيادة النهار و نقصه و ما عندها رجوع بل هي على طريقها فهل هو كالنسخ في الأشياء و هو انتهاء مدة الحكم و ابتداء مدة حكم آخر و الطريق واحدة لم يكن في السالك عليها رجوع عنها و فيه علم النفخ و اختلاف أحكامه مع أحدية عينه و فيه علم المشاهدة و الفرق بينها و بين علم النظر و فيه علم الاستدلال و فيه علم لكل علم رجال و لكل مقام مقال و إن كان لا ينقال فمقالة حال و فيه علم من تشبه بمن لا يقبل التشبيه به ما الذي دعاه إلى ذلك و فيه علم الإعادة أنها على صورة الابتداء و إن لم تكن كذلك فليست بإعادة و فيه علم هل يكون الشيء محلا لضده أم لا و فيه علم إيضاح المبهمات و فيه علم حكم الليل و النهار و نسبة الولوج و الغشيان و التكوير إليهما و كونهما جديدين و ملوين و فيه علم إخراج الكثير من الواحد و كيف لا يصح ذلك إلا بالتدريج على التركيب الطبيعي الذي لا يتركب إلا بالواحد و فيه علم ما معنى الاستحالات في الأشياء و فيه علم الأحكام هل يصح كل حكم على من توجه عليه أو منها ما يصح و منها ما لا يصح و الحاكم الله فكيف يكون في الوجود حكم لا يصح على المحكوم عليه و في هذه المسألة غموض من كون الحكم بالشريك قد ظهر في الوجود و هو حكم باطل إذا نسب إلى الله إذ هو تعالى لا شريك له في ملكه و فيه علم اتساع المقالة في الله و أنه الإمهال الإلهي لا إهمال و فيه علم ما تؤثر التسمية و ما يؤثر تركها و فيه علم ما تضمنته هذه الأبيات و هي
و فيه علم ما يقع فيه التضعيف وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ