اعلم أن الاثني عشر منتهى البسائط من الأعداد أصابع و عقد فالأصابع منها تسعة و العقد ثلاثة فالمجموع اثنا عشر و لكل واحد من هؤلاء الاثني عشر حكم ليس للآخر و مشهد إلهي لا يكون لسواه و لكل واحد من هذا العدد رجل من عباد الله له حكم ذلك العدد فالواحد منهم ليس من العدد و لهذا كان و تر رسول الله صإحدى عشرة ركعة لأن الواحد ليس من العدد و لو كان الواحد من العدد ما صحت الوترية جملة واحدة لا في العدد و لا في المعدود فكان وتر رسول الله ص إحدى عشرة ركعة كل ركعة منها نشأة رجل من أمته يكون قلب ذلك الرجل على صورة قلب النبي ص في تلك الركعة و أما الثاني عشر فهو الجامع للأحد عشر و الرجل الذي له مقام الاثني عشر حق كله في الظاهر و الباطن يعلم و لا يعلم و هو الواحد الأول فإن أول العدد من الاثنين فإذا انتهيت إلى الاثني عشر فإنما هي نهايتك إلى أحد عشر من العدد فإن الواحد الأول ليس منه و لا يصح وجود الاثني عشر إلا بالواحد الأول مع كونه ليس من العدد و له هذا الحكم فهو في الاثني عشر لا هو كما يقول أنت لا أنت و هؤلاء الاثني عشر هم الذين يستخرجون كنوز المعارف التي اكتنزت في صور العالم فللعالم علم الصور من العالم و لهؤلاء علم ما تحوي عليه هذه الصور و هو الكنز الذي فيها فيستخرجونه بالواحد الأول فهم أعلم الناس بالتوحيد و العبادة و لهم المناجاة الدائمة مع الله الذاتية لمستصحبة استصحاب الواحد للأعداد مثل قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ أي ليس لكم وجود معين دون الواحد فبالواحد تظهر أعيان الأعداد فهو مظهرها و مغنيها فالألف نعته إذا بالألف وقعت ألفة الواحد بمراتب العدد لظهوره ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و إذا ضربت الواحد في نفسه لم يظهر في الخارج بعد الضرب سوى نفسه و في أي شيء ضربت الواحد لم يتضاعف ذلك الشيء و لا زاد فإن الواحد الذي ضربته في تلك الكثرة إنما ضربته في أحديتها فلهذا لم يظهر فيها زيادة فإن الواحد لا يقبل الزائد في نفسه و لا فيما يضرب فيه فلا يتضاعف فهو واحد حيث كان فتقول واحد في مائة ألف بمائة ألف و واحد في اثنين باثنين و واحد في عشرة بعشرة لا يزيد منه في العدد المضروب شيء أصلا لأن مقام الواحد يتعالى أن يحل في شيء أو يحل فيه شيء و سواء كان من العدد الصحيح أو المكسور لا فرق فهو أعني الواحد يترك الحقائق على ما هي عليه لا تتغير عن ذاتها إذ لو تغيرت لتغير الواحد في نفسه و تغير الحق في نفسه و تغير الحقائق محال و لم يكن يثبت علم أصلا لا حقا و لا خلقا فثبت إن الحقائق لا تنقلب أصلا و لهذا يعتمد على ما يعتمد عليه و هو المسمى علما فلنذكر كل رجل من هؤلاء الأحد عشر الذين انتشوا من وتر رسول الله ص بل هذه الصور ربما جعلت رسول الله ص بوتر بإحدى عشرة ركعة في الصورة الظاهرة و هذه الصور منه ص في الباطن فإنه كان نبيا و آدم بين الماء و الطين فأنشأها لما كانت هذه صفته فلما ظهر ص بجسده استصحبه تلك الصور المعنوية فأقامت جسده ليلا لمناسبة الغيب فحكمت على ظاهره بإحدى عشرة ركعة كان يوتر بها فكانت تره فهي الحاكمة المحكومة له فمنه ص انتشئوا و فيه ص ظهروا و عليه حكموا بوجهين مختلفين فمن ذلك صورة الركعة الأولى انتشا منها رجل من رجال الله يدعى بعبد الكبير من حيث الصفة إلا أنه اسم له و هو نشأة روحانية معقولة إذا تجسدت كانت في صورة إنسان صفته ما يدعى به و هكذا هي كل صورة من صور هؤلاء الاثني عشر و اعلم أن المفاضلة في الأسماء الإلهية مثل أعلى و أجل في قول رسول الله ص حين قال المشركون في رجزهم أعل هبل أعل هبل فقال رسول الله ص قولوا فقالوا يا رسول الله و ما نقول قال قولوا الله أعلى و أجل و هم يسلمون هذا القدر فإنهم القائلون ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفى فهو عندهم أعلى و أجل فلو صدقوا رسول الله ص في أنه رسول من عند الله الذي يطلبون التقرب إليه بعبادة هؤلاء الآلهة فما سموهم آلهة إلا لكونهم جعلوهم معبودين لهم لأن الإله هو المعبود و الآلهة العبادة و قد قرئ وَ يَذَرَكَ وَ آلِهَتَكَ أي و عبادتك و إذا قال وَ آلِهَتَكَ يقول و المعبودين الذين نعبدهم فلما نسبوا الألوهية لهؤلاء الذين عبدوهم و نسبتها لي الله أتم و أعظم عندهم باعترافهم لذلك قال رسول الله ص ببنية المفاضلة في ذلك يقول لهم أي هذا قولكم و اعتقادكم و لهذا جاء في التكبير في الصلاة لفظة الله أكبر ببنية المفاضلة لا إن الحجارة أفضل و لا ما نحتوه و لا ما نسبوا إليه الألوهية من كوكب و غيره و إنما وقعت المفاضلة في المناسبة لا في الأعيان لأنه لا مفاضلة في الأعيان لأنه ليس بين العبد و السيد و لا الرب و المربوب و لا لخالق و المخلوق مفاضلة فإن تحققت ما أومأنا إليه في نشء هذه الصورة علمت ما آل المشرك بعد المؤاخذة نشء صورة الركعة الثانية من الوتر انتشأ منها رجل من رجال الله تعالى يقال له عبد المجيب و اعلم أن الإجابة فرع عن السؤال فهذا عبد مؤثر بسؤاله و دعائه في سيده مؤثر فيه الإجابة لعبده فإن الله قد أثبت لنفسه عز و جل على لسان رسوله ص أن العبد يرضى الله فيرضى و يغضب الله فيغضب و يسخط الله فيسخط و يضحك الله فيضحك و ما أشبه ذلك مما ورد في الكتاب و السنة و الحق تعالى يؤثر في العبد السؤال ليجيب و الفعل المسخط للحق ليسخط و ذلك لتعلم إن الأمر دوري كروي و أن منتهى الدائرة ترجع لنقطة ابتدائها فينعطف الآخر على الأول ليكون هو الأول و الآخر فما أرضاه إلا هو و لا أسخطه إلا هو لأنه يتعالى أن يكون مؤثرا لغيره فافهم و ليس لله حكم في العالم إلا ما ذكرناه أ لا تراه يقول سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ و لا شغل له إلا بنا فمنا يفرغ لنا فلو زلنا لكان و لم يكن وجودا و تقديرا و لا يعقل الأمر إلا هكذا و لبطلت الإضافات و لا تبطل لأنها لنفسها هي إضافات فلا يعقل الرب لا مضافا و لذلك ما جاء في القرآن قط مطلقا من غير إضافة و إن اختلفت إضافاته فتارة يضاف إلى أسماء الضمائر و تارة يضاف إلى الأعيان و تارة يضاف إلى الأحوال و إن لم تعقل معرفتك بربك هكذا و إلا فما عرفت ربك أصلا و إنما عرفت بالتقسيم العقلي أن حكم الواجب الوجود لذاته أن يكون كذا و هل ثم واجب وجود لذاته أم لا فلا تعرفه إلا بك و ما لم نعرفه إلا بك فلا بد أن يكون العلم به موقوفا على علمك بك فوجودك موقوف على وجوده و العلم بربوبيته عليك موقوف على العلم بك فله الأصل في الوجود و لك حكم لفرع في الوجود و أنت الأصل في العلم به و له حكم الفرع في العلم نشء صورة الركعة الثالثة من الوتر انتشا منها رجل من رجال الله يدعى عبد الحميد اعلم أن الثناء على الله على نوعين مطلق و مقيد فالمطلق لا يكون إلا مع العجز مثل قوله ص لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك
قال قائلهم إذا نحن أثنينا عليك بصالح فأنت الذي نثني و فوق الذي نثني
و لا يمكن أن يحيط مخلوق بما يجب لله تعالى من الثناء عليه لأنه لا يمكن أن يدخل في الوجود جميع الممكنات و لكل ممكن وجه خاص إلى الله منه يوجده الله و منه يعرفه ذلك الممكن و منه يثنى عليه الثناء الذي لا يعرفه إلا صاحب ذلك الوجه لا يمكن أن يعلمه غيره و لا يدل عليه بلفظ و لا إشارة فهذا مطلق الثناء على الله بكل لسان مما كان و يكون و لهذا ثواب قول القائل سبحان الله عدد خلقه لا يتصور وقوعه في الوجود لكن لا يزال يوجد ثوابه حالا بعد حال على الدوام إلى ما لا يتناهى و لهذا أيضا جاء به الشرع مثلثا أن يقول العبد ذلك ثلاث مراتب ليحصل بذلك الثواب المحسوس و الثواب المتخيل و الثواب المعنوي فينعم حسا و خيالا و عقلا كما يذكر حسا و خيالا و عقلا كما يعبد حسا و خيالا و عقلا و كذلك ذكر العبد مداد الكلمات الإلهية و كذلك زنة عرشه إذا كان العرش العالم كله بمحدده و كذلك رضا نفسه فيما يفعله أهل الجنة و أهل النار فإنهم ما يفعلون و لا يتصرفون إلا في المراضي الإلهية لأن الموطن يعطيهم ذلك بخلاف موطن الدنيا و التكليف فإنهم يتصرفون في موطن الدنيا بما يرضي الله و بما يسخطه و إنما كان ذلك لكون النار جعلها الله دار من سخط عليه فلا بد أن يتحرك أهلها فيما يسخط الله في دار الدنيا فإذا سكنوا دار النار و عمروها لا يمكن أن يتحركوا إلا في مرضاة الله و لهذا يكون المال لأهلها إلى حكم الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و إن كانت دار شقاء كما يقول في الرسول الذي انتهت رسالته و فرغ منها و انقلب إلى الله أنه رسول الله و إن كان في ذلك الحال ليس برسول كذلك نقول في دار الشقاء إنها دار شقاء و إن كان أهلها فيها قد زل عنهم الشقاء و أما الثناء المقيد فالحكماء يقيدونه بصفة التنزيه لا غير و إن أثنوا عليه بصفة الفعل فبحكم الكل أو الأصالة لا يحكم لشخص و ما عدا الحكماء فيقيدون الثناء على الله بصفة الفعل و صفة التنزيه معا و هؤلاء هم الكمل لأنهم شاركوا الحكماء فيما علموا و زادوا عليهم بما جهله الحكماء و لم يعلموه لقصور همهم للشبهة التي قامت لهم و حكمت عليهم بأنه تعالى ما صدر عنه إلا الواحد المشار إليه فقط و بأنه تعالى لا يجوز عليه ما نعت به نفسه في كتابه إذ لم يثبت عندهم في نظرهم كتاب منزل و لا شخص مرسل على الوجه الذي هو الأمر في نفسه و عند أهل الكشف و الايمان انصرف و بعض عقول النظار مثل المتكلمين و غيرهم ممن يقول بذلك من جهة النظر العقلي و قد سر في العالم كله حكم صور هذه الركعات الوترية النبوية من وقت كونه نبيا ص و آدم بين الماء و الطين إلى يوم القيامة نشء صورة الركعة الرابعة من الوتر انتشا منهارجل من رجال الله يدعى عبد الرحمن اعلم أن الرحمة الإلهية التي أوجد الله في عباده ليتراحموا بها مخلوقة من الرحمة الذاتية التي أوجد الله بها العالم حين أحب أن يعرف و بها كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و هذه الرحمة المكتوبة منفعلة عن الرحمة الذاتية و الرحمة الامتنانية هي التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فرحمة الشيء لنفسه تمدها الرحمة الذاتية و تنظر إليها و فيها يقع الشهود من كل رحيم بنفسه فإن الله قد وصف نفسه بالحب و شدة الشوق إلى لقاء أحبابه فما لقيهم إلا بحكم هذه الرحمة التي يشهدها صاحب هذه الرحمة هي الرحمة التي كتبها على نفسه لا مشهد لها في الرحمة الذاتية و لا الامتنانية و أما رحمة الراحم بمن أساء إليه و ما يقتضيه شمول الإنعام الإلهي و الاتساع الجودي فلا مشهد لها إلا رحمة الامتنان و هي الرحمة التي يترجاها إبليس فمن دونه لا مشهد لهؤلاء في الرحمة المكتوبة و لا في الرحمة الذاتية و بهذا كان الله و الرحمن دون غير الرحمن من الأسماء لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فجميع الأسماء دلائل على الاسم الرحمن و على الاسم الله و لكن أكثر الناس لا يشعرون و ما رأيت أحدا من أهل الله نبه على تثليث الرحمة بهذا التقسيم فإنه تقسيم غريب كما هو في نفس الأمر فما علمناه إلا من الكشف و ما أدري لما ذا ترك التعبير عنه أصحابنا مع ظني بأن الله قد كشف لهم عن هذا و أما النبوات فقد علمت أنهم وقفوا على ذلك وقوف عين و من نور مشكاتهم عرفناه لأن الله رزقنا الاتباع الإلهي و الاتباع النبوي فأما الاتباع الإلهي فهو قوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فالله في هذه المعية يتبع العبد حيث كان فنحن أيضا تتبعه تعالى حيث ظهر بالحكم فنحن وقوف حتى يظهر بأمر يعطي ذلك الأمر حكما خاصا في الوجود فنتبعه فيه و لا نظهر في العامة بخلافه كسكوتنا عن التعريف به أنه هو إذا تجلى في صورة ينكر فيها مع معرفتنا به فهو المقدم بالتجلي و حكم الإنكار فنحن نتبعه بالسكوت و إن لم ننكر و لا نقر فهذا هو الاتباع الإلهي و أما الاتباع النبوي الذي رزقنا الله فهو قوله لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ثم إنه أتبعنا و تأسى بنا في صلاته إذا صلى بالجماعة فيكون فيها الضعيف و المريض و ذو الحاجة فيصلي بصلاتهم فهو ص المتبع و المتبع اسم مفعول و اسم فاعل ثم أمرنا أن نصلي إذا كنا أئمة بصلاة إلا ضعف فاتبعنا الرحمن بما ذكرناه فنحن التابعون و اتبعنا الرحمن بما تعطيه حقائقنا من الاحتياج و الفاقة فيمشي بما نحن عليه فنحن المتبوعون فانظر ما ذا تعطي حقائق السيادة في العبيد و حقائق العبادة و العبودية في السيادة فهذا الرجل هذه صفته في العالم و بهذه الركعة الرابعة ظهرت أحكام الأسماء الأربعة الإلهية و أحكام الطبيعة في النشأة الطبيعية و أحكام العناصر في المولدات الثلاثة التي لها هذه الرحمات الثلاثة و أحكام الأخلاط في النشأة الحيوانية فلهذا الرجل المهيمنية على هذه كلها نشء صورة الركعة الخامسة من الوتر انتشا رجل منها رجل من رجال الله يقال له عبد المعطي فتارة يكون عطاؤه وهبا فيكون المعطي عبد الوهاب و تارة يكون عطاؤه إنعاما فيكون عبد المنعم و تارة يكون عطاؤه كرما فيكون المعطي عبد الكريم و تارة يكون عطاؤه جودا فيكون المعطي عبد الجواد و تارة يكون عطاؤه سخاء فيكون المعطي عبد المقيت و عبد السخي و تارة يكون عطاؤه إيثارا فيكون المعطي عبد الغني و هذا العطاء أغمض الإعطاءات و أصبعها تصورا بل يمنعها الجميع إلا نحن و ما رأينا أحدا أثبت هذا العطاء في الإلهيات و ما يثبته إلا من علم معنى اسمه الغني تعالى و ذلك أنه قد ثبت في الصحيح أن العبد يصل إلى مقام يكون الحق من حيث هويته جميع قواه في قوله كنت سمعه و بصره و يده و غير ذلك من أعضائه و قواه الحديث و هو سبحانه الغني لذاته الغناء الذي لا يمكن إزالته عنه فإذا قام العبد في هذا المقام فقد أعطاه صفة الغناء عنه و عن كل شيء لأن هويته هي أعيان قوى هذا العبد و ليس ذلك في تقاسيم العطاء إلا للإيثار فقد آثر عبده بما هو لهويته قال تعالى وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ بل بهم خصاصة و لما كان عطاء الإيثار فضلا يرجع على المعطي كان الحق أولى بصفة الفضل فعطاء الإيثار أحق في حق الحق و أتم في حق العبد و هذا من علوم الأسرار التي لا يمكن بسط التعريف فيها إلا بالإيماء لأهلها أشجعهم للعمل عليها فإنهم في غاية من الخوف لقبولها فكيف للاتصاف بها و باقي الأسماء هينه الخطب نشء صورة الركعة السادسة من الوتر انتشا منها رجل من رجال الله يقال له عبد المؤمن اعلم أن الايمان إذا كان نعتا إلهيا فهو ما يظهر من الدلالات كلها على وجه صحة ما يدعيه المدعي أي مدعكان على ما كان من غير تعيين بشرط أن يكون دليلا في نفس الأمر كما يشهد له الحس إن كان الدليل محسوسا حتى لو أعطى العلم الضروري بصدق هذه الدعوى في نفس الحاكم لكان ذلك العلم الضروري عين الدليل على صدق دعوى هذا المدعي فناصب هذه الدلالات هو المصدق لصاحب هذه الدعوى فإذا صدقه من صدقه و حصل العلم بذلك في نفس من حصل عنده كان ذلك لشخص الحاصل عنده هذا الدليل مصدقا صاحب هذه الدعوى و عاد التصديق كونيا أي في الخلق كما هو في الحق فكان صاحب الدعوى بين مصدقين محصورا من أي جهة التفت لم يجد إلا مصدقا بما جاء به في دعواه فأعطاه هذا الحال الأمان في نفسه من تكذيبه من هذين الطرفين و لو جحد الكون فإنه متيقن في نفسه صدق هذا المدعي و ليس المراد إلا ذلك أعني حصول العلم بصدقه فبصورة هذه الركعة سرى التصديق في عالم الإنس و الجان في بواطنهم و ذلك حين وقعت منه هذه الركعة في باطن الأمر إذ كان نبيا و آدم بين الماء و الطين فلم يزل تسري روحا مجردا في كل مصدق حتى ركعها ص بصورة جسمه فتجسدت و ليس ذلك الروح من فعله صورة جسدية لأنها من حركات محسوسة فكان فعلها أقوى عندنا للجمع بين الصورتين كما كان تأثيره ص بظهور جسمه أقوى في بعثه منه إذ كان نبيا و آدم بين الماء و الطين فإنه نسخ بصورة بعثته جميع الشرائع كلها و لم يبق لشريعة حكم سوى ما أبقى هو منها من حيث هي شرع له لا من حيث ما هي شرع فقط نشء صورة الركعة السابعة من الوتر انتشا منها رجل من رجال الله يقال له عبد الرحيم اعلم أن الرحمة في عين القادر على إظهار حكمها تعود عذابا أليما على من قامت به لأنها من ذاتها تطلب التعدي إلى المرحوم و إظهار أثرها بالفعل فيه فإذا قامت بالقادر على تنفيذها في المرحوم كان لها أثر إن أثر في الراحم و هو ما زال عنه من الألم بحصول أثرها في المرحوم فالراحم مرحوم بها من حيث قدرته على تنفيذها و الذي نفذت فيه مرحوم أيضا بها و بقدرة الراحم على تنفيذها فأثرها فيه من وجهين و الأثر إزالة ما أدى الراحم لتعلق الرحمة بذلك المرحوم فما كل رحمة تكون نعيما إلا إذا كان الراحم قادرا على تنفيذها فللرحمة تجل في صورة العذاب في حق الراحم الذي نفيت عنه الاقتدار و لها تجل في صورة النعيم في حق الراحم و المرحوم إذا كانت في قادر على تنفيذها فقد قلبت الصورتين المتقابلتين و هذا من أعجب الأمور إن الرحمة تنتج ألما و عذابا فلو لم تقم الرحمة به لم يتصف بالألم هذا الذي لا اقتدار له ثم الذي في المسألة من العجب العجاب أن الرحمة القائمة بالموصوف بنفوذ الاقتدار قد يكون له مانع من تنفيذها من ذاته فيقوم به ألم الكراهة و ذلك حكم ذلك المانع من كونه متصفا بالاقتدار على تنفيذها و هذه المسألة من أصعب المسائل في العلم الإلهي و ظهر حكم ذلك في الصحيح من الأخبار الإلهية عن نفسه تعالى عز و جل حيث قال ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءته و لا بد له من لقائي و هو الذي جعله يكره الموت و دل على أن لقاءه تعالى لا يكون إلا بالموت و هو الخروج عن الحس المطلق إلى الحس المشترك كما تراه في النوم لكون النوم ضربا من ضروب الموت فإنه وفاة و انتقال من عالم الحس إلى عالم الخيال و الحس المشترك فيرى النائم ربه في نومه كما يراه الميت بعد موته غير أن رؤية الميت و لقاءه ربه لا رجعة بعد رؤيته عنه و النائم يستيقظ مرسلا إلى الأجل المسمى فإن كان اللقاء عن فناء لا عن نوم ثم رد إلى حال البقاء فحكمه حكم الميت إذا بعث يوم القيامة لا يقع له حجاب عنه فهذا الفارق بين النائم و الفاني و لذلك قال عمرو بن عثمان المكي في صفة العارفين إنهم كما هم اليوم كذلك يكونون غدا إن شاء الله تعالى فلم ير أعجب من حكم الرحمة أ لا ترى الطبيب تقوم به الرحمة بصاحب الآكلة و لا يقدر على تنفيذها فيه إلا بإيلامه فعلى قدر رحمة ذلك الطبيب بصاحب هذه العلة يكون ألمه في نفسه لعدم إنفاذها فيه من غير إيلامه فلو لا رحمته به ما تألم أ لا ترى المستشفي كيف لا يجد ألما بل يجد لذة فتدبر ما ذكرته لك في العلم الإلهي و لقد رأيته في الكشف الصحيح و المشهد الصريح و رسول الله ص معي و قد أمر تعالى بقتل الدجال لدعواه الألوهية و هو يبكي و يعتذر عنه فيما يعاقب به من أجله و أنه ما بيده في ذلك من شيء فبكاؤه مثل الألم في نفس الراحم الذي ما له اقتدار على تنفيذ رحمته للمانع فما في العلم الإلهي حيرة أعظم من هذه الحيرة و لو لا عظمها ما وصف الحق نفسه بالتردد و التردد حيرة فافهم نشء صورة الركعة الثامنة من الوتر انتشا منها رجل من رجال الله تعالى يقال لهعبد الملك اعلم أن الملك الذي أحدث هذه الحقيقة التي تسمى ملكا فإذا تسمى بها العبد و اتصف الحق بالملك لم يتصف به اتصاف المخلوق فإن المخلوق ملك على الإطلاق و الحق ملك الملك لا ملك على الإطلاق فإنه لا يكون ملكا للعبد حتى تظهر عند العبد عبوديته له تعالى و يظهر عنده كونه ملكا لمليكه و هو الله تعالى و إنما قلنا هذا الأجل طائفة أعطاها نظرها إلى الله إن الله لا يعلم الجزء على التعيين و إنما يعلم الكل الذي يتضمن الجزء بخلاف أهل الحق أهل الكشف و الوجود و لهذا كان له اسم الملك و الملك أي هذا الوصف ظهر عن شدة لكون أصحاب هذا النظر العقلي لا يثبتونه فلما لم تجتمع عليه العقول وقعت فيه المنازعة فاستخلصه الحق ملكا أي عن شدة و استخلص العبد العارف الحق ملكا له أي عن شدة لأجل المنازع فسماه ملك الملك ليفرق بينه و بين كون المخلوق ملكا لله فيتصف المخلوق بالعبودية لله في كونه ملكا له و يتصف الحق بملك الملك و لا يتصف بالعبودية له و إن كان في الحق تأثير من الخلق كما تقدم و مع هذا فلا يتصف بالعبودية لأن ذلك ليس عن ذلة لأنه تعالى الأصل في ذلك التأثير فما عاد عليه إلا ما كان منه بخلاف الخلق فإن المخلوق يعود عليه ما كان منه و يقوم به ما لم يكن منه بابتداء من الحق فاعلم ذلك نشء صورة الركعة التاسعة من الوتر انتشا منها صورة رجل من رجال الله يقال له عبد الهادي اعلم أن الهداية أثر إلهي في قوله من يُضْلِلِ الله فَلا هادِيَ لَهُ و أثر كوني في قوله وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ و يعود معناه إلى الأول فإن الهادي الكوني لا يكون إلا رسولا من عند الله فهو مبلغ لا هاد معناه لا موفق لكنه هاد بمعنى مبين قال تعالى في البيان الذي لهم و التبيان الذي أوجبه عليهم الله تعالى لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ و قال في الهداية التي هي التوفيق لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ أي ليس عليك إن توفقهم لقبول ما أرسلتك به و أمرتك بتبيانه وَ لكِنَّ الله يَهْدِي أي يوفق من يَشاءُ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي بالقابلين التوفيق فإنه على مزاج خاص أوجدهم عليه فهؤلاء الهداة هم هداة البيان لا هداة التوفيق و للهادي الذي هو الله الإبانة و التوفيق و ليس للهادي الذي هو المخلوق إلا الإبانة خاصة و إنما قلنا ذلك و استشهدنا بما استشهدنا به لما تقرر عند ما لا علم له بالحقائق إن العبد إذا صدق فيما يبلغه عن الله في بيانه أثر ذلك في نفوس السامعين و ليس كما زعموا فإنه لا أقرب إلى الله و من الله و لا أصدق في التبليغ عن الله و لا أحب في القبول فيما جاء به من عند الله من الرسل صلوات الله عليهم و سلامه و مع هذا فما عم القبول من السامعين بل قال الرسول الصادق في التبليغ و ما يزيدهم دُعائِي إِلَّا فِراراً فلما لم يعم مع تحققنا هذه الهمة علمنا إن الهمة ما لها أثر جملة واحدة في المدعو و الذي قبل من السامعين ما قبل من أثر همة الداعي الذي هو المبلغ و إنما قبل من حيث ما وهبه الله في خلقه من مزاج يقتضي له قبول هذا و أمثاله و هذا المزاج الخاص لا يعلمه إلا الله الذي خلقهم عليه و هو قوله تعالى وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ فلا نقل بعد هذا إذا حضرت مجلس مذكر داع إلى الله فلم تجد أثرا لكلامه فيك إن هذا من عدم صدق المذكر لا بل هو العيب منك من ذاتك حيث ما فطرك الله في ذلك الوقت على القبول فإن المنصف ينظر فيما جاء به هذا الداعي المذكر فإن كان حقا و لم يقبله فيعلم على القطع أن العيب من السامع لا من المذكر فإذا حضر في مجلس مذكر آخر و جاء بذلك الذكر عينه و أثر فيه فيقول السامع بجهله صدق هذا المذكر فإن كلامه أثر في قلبي و العيب منك و أنت لا تدري فلتعلم إن ذلك التأثير لم يكن لقبولك الحق فإنه حق في المذكرين في نفس الأمر و إنما وقع التأثير فيك في هذا المجلس دون ذلك لنسبة بينك و بين هذا المذكر أو بينك و بين الزمان فأثر فيك هذا الذكر و الأثر لم يكن للمذكر إذ قد كان الذكر و لا أثر له فيك و إنما أثرت المناسبة التي بينتها لك الزمانية أو النسبة التي بينك و بين هذا المذكر و ربما أثر لاعتقادك فيه و لم يكن لك اعتقاد في ذلك الآخر فما أثر فيك سواك أو ما أشبه ذلك و لهذا قلنا في تفسير الهداية الإلهية بالتوفيق و البيان فقولنا بالتوفيق أي بموافقة النسبة بين السامع و المذكر لا بالبيان فإن البيان فرضناه واقعا في الحالتين من المذكرين و لم يقع القبول إلا في إحدى الحالين فاعلم ذلك و تحققه ترشد إن شاء الله و أقل فائدة في هذه المسألة سلامة المذكر من تهمتك إياه بعدم الصدق في تذكيره و رده و ردك الحق فإن السليم العقل يؤثر فيه الحق جاء على يدي من جاء و لو جاء على لسان مشرك بالله عدو لله كاذب على الله ممقوت عند الله لكن الذي جاء هو به حق فيقبله العاقل من حيث ما هو حق لا من حيث المحل الذي ظهر به و بهذا يتميز طالب الحق من غيره نشء صورة الركعة العاشرة من الوتر انتشا منها رجل منرجال الله يقال له عبد ربه اعلم أن الربوبية نعت إضافي لا ينفرد به أحد المتضايفين عن الآخر فهي موقوفة على اثنين و لا يلزم أن لا يكونا متباينين فقد يكونان متباينين و قد يكونان غير متباينين فما لك بلا ملك لا يكون وجودا و تقديرا و مليك بلا ملك لا يكون كذلك و الرب بلا مربوب لا يصح وجودا و تقديرا و هكذا كل متضايفين فنسبة العالم إلى ما تعطيه حقائق بعض الأسماء الإلهية نسبة المتضايفين من الطرفين فالعالم يطلب تلك الأسماء الإلهية و تلك الأسماء الإلهية تطلب العالم كالاسم الرب و القادر و الخالق و النافع و الضار و المحيي و المميت و القاهر و المعز و المذل إلى أمثال هذه الأسماء و ثم أسماء إلهية لا تطلب العالم و لكن يستروح منها نفس من أنفاس العالم من غير تفصيل كما يفصل بين هذه الأسماء التي ذكرناها آنفا فأسماء الاسترواح كالغني و العزيز و لقدوس و أمثال هذه الأسماء و ما وجدنا لله أسماء تدل على ذاته خاصة من غير تعقل معنى زائد على الذات فإنه ما ثم اسم إلا على أحد أمرين إما ما يدل على فعل و هو الذي يستدعي العالم و لا بد و إما ما يدل على تنزيه و هو الذي يستروح منه صفات نقص كوني تنزه الحق عنها غير ذلك ما أعطانا الله فما ثم اسم علم ما فيه سوى العلمية لله أصلا إلا إن كان ذلك في علمه أو ما استأثر الله به في غيبه مما لم يبده لنا و سبب ذلك لأنه تعالى ما أظهر أسماءه لنا إلا للثناء بها عليه فمن المحال أن يكون فيها اسم علمي أصلا لأن الأسماء الأعلام لا يقع بها ثناء على المسمى لكنها أسماء أعلام للمعاني التي تدل عليها و تلك المعاني هي التي يثنى بها على من ظهر عندنا حكمه بها فينا و هو المسمى بمعانيها و المعاني هي المسماة بهذه الأسماء اللفظية كالعالم و القادر و باقي الأسماء فلله الأسماء الحسنى و ليست إلا المعاني لا هذه الألفاظ فإن الألفاظ لا تتصف بالحسن و القبح إلا بحكم التبعية لمعانيها الدالة عليها فلا اعتبار لها من حيث ذاتها فإنها ليست بزائدة على حروف مركبة و نظم خاص يسمى اصطلاحا فافهم ذلك نشء صورة الركعة الإحدى عشرة من الوتر انتشا منها صورة رجل من رجال الله يقال له عبد الفرد اعلم أن الفردية لا يعقلها المنصف إلا بتعقل أمر آخر عنه انفرد هذا المسمى فردا بنعت لا يكون فيمن انفرد عنه إذ لو كان فيه ما صح له أن ينفرد به فلم يكن ينطلق عليه اسم الفرد فلا بد من ذلك الذي انفرد عنه أن يكون معقولا و ليس إلا الشفع و الأمر الذي انفرد به الفرد إنما هو التشبه بالأحدية و أول الأفراد الثلاثة فالواحد ليس بفرد فإن الله وصف بالكفر من قال إِنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ فلو قال ثالث اثنين لما كان كافرا فإنه تعالى ثالث اثنين و رابع ثلاثة و خامس أربعة بالغا ما بلغ و هو قوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فمن كان في أحديته فهو تعالى ثاني واحدة و من كان في تثنيته فهو ثالث اثنينيته و من كان في تثليثه فهو تعالى رابع ثلاثة بالغا ما بلغ فهو مع المخلوقين حيث كانوا فالخالق لا يفارقهم لأن مستند الخلق إنما هو للاسم الخالق استنادا صحيحا لا شك فيه و إن كان هذا الاسم يستدعي عدة معان فهو يطلبها أعني الاسم الخالق بذاته لكل معنى منها أثر في المخلوق لا في الخالق فالخالق لهذه المعاني كالجامع خاصة و أثرها في المخلوق لا فيه فالحق لا ينفرد في الأربعة بالرابع و إنما ينفرد في الأربعة بالخامس لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و لو كان عين الرابع من الأربعة لكان مثلها و كل واحد من الأربعة عين الرابع للأربعة من غير تخصيص و لو كان هذا لكان الواحد من الأربعة يربع الحق بوجوده و ليس الأمر كذلك و هكذا في كل عدد فمتى فرضت عددا فاجعل الحق الواحد الذي يكون بعد ذلك العدد اللاصق به و لا بد فإنه يتضمنه فالخامس للأربعة يتضمن الأربعة و لا تتضمنه فهو يخمسها و هي لا تخمسه فإنها أربعة لنفسها و هكذا في كل عدد و إنما كان هذا لحفظ العدد على المعدودات و الحفظ لا يكون إلا لله و ليس الله سوى الوحد فلا بد أن يكون الواحد أبدا له حفظ ما دونه من شفع و وتر فهو يوتر الشفع و يشفع الوتر فيقال رابع ثلاثة و خامس أربعة و لا يقال فيه خامس خمسة و لا رابع أربعة و لا عاشر عشرة فالحكماء يقولون في الفردية إنها الوتر من كل عدد من الثلاثة فصاعدا في كل وتر منها كالخامس و السابع و التاسع فبين كل فردين مقام شفعية و بين كل شفعين مقام فردية هذا عند الحكماء و عندنا ليس كذلك فإن الفردية تكون للواحد الذي يشفع الوتر و للواحد الذي يوتر الشفع الذي هو عند الحكماء فرد و لو لا ذلك ما صح أن تقول في فردية الحق إنه رابع ثلاثة و سادس خمسة و أدنى من ذلك و أكثر و هو فرد في كل نسبة فتارة ينفرد بتشفيع الوتر و تارة بإيثار الشفع و هو قوله ما يَكُونُ من نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ فما بين في فرديته بالذكر المعين إلا فردية تشفيع الوتر الذي لا يقول بهالحكماء في اصطلاح الفردية ثم قال في العام وَ لا أَدْنى من ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ سواء كان عددهم وترا أو شفعا فإن الله لا يكون واحدا من شفعيتهم و لا واحدا من وتريتهم بل هو الرقيب عليهم الحفيظ الذي هو من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ فمتى انتقل الخلق إلى المرتبة التي كانت للحق انتقل الحق إلى المرتبة التي تليها لا يمكن له الوقوف في تلك المرتبة التي كان فيها عند انتقال الخلق إليها فانظر في هذا السر الإلهي ما أدقه و ما أعظمه في التنزيه الذي لا يصح للخلق مع الحق فيه مشاركة فالخلق أبدا يطلب أن يلحق بالحق و لا يقدر على ذلك لانتقال الحق عن تلك المرتبة و لهذا كان العدد لا يتناهى فإنه لو تناهي للحق الخلق الحق و لا يكون ذلك أبدا فالخلق خلق لنفسه و الحق حق لنفسه و مثال ذلك أن يكون جماعة من ثلاثة في نجوى بينهم قد جمعهم مجلس فالله بلا شك رابع تلك الجماعة فإن رابعهم إنسان آخر فجاء و جلس إليهم انتقل الحق من المرتبة الرابعة بمجرد مجيء ذلك الرجل أو الشخص الذي ربعهم إلى المرتبة الخامسة فإن أطالوا الجلوس بحيث أن جاء من خمس القوم انتقل الحق إلى المرتبة السادسة فيكون سادس خمس و هو سادس الجماعة أعني هذه الجماعة بعد ما كان خامس الجماعة التي خمسها ذلك الواحد فاعلم فقد نبهتك على علم عظيم تشكرني عليه عند الله فإني أرجو من الله أن ينفعني بمن علم مني ما ذكرته في كلامي هذا من العلم بالله الذي لا تجده فيما تقدم من كتب المؤلفين في هذا الفن و هذا كله نقطة من كلمة من القرآن العزيز فما عندنا من الله إلا الفهم فيه من الله و هو الوحي الإلهي الذي أبقاه الحق علينا فهذا الذي ذكرناه كان وتر رسول الله ص من صلاة الليل و أما تمام الاثنتي عشرة فذلك المسمى المهيمن الخارج عن نشء صورة الوتر القوي و هو الواحد الأول و ليس إلا الله فهو المنشئ سبحانه و تعالى في كبريائه الواحد الأحد الذي لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ «وصل» و الرجل الذي كمل به الاثني عشر كما كمل الشهور برمضان ما كملها إلا باسم من أسمائه و هو رمضان عز و جل فبه كمل كل شيء فكمال الأربعة بالخامس إذا كان الله خامس أربعة فإنه الذي يحفظ عليها أربعتها فإذا جاء من جنسها من يخمسها ذهبت الأربعة و كان الله سادس الخمسة يحفظ عليها خمستها لأنه الحفيظ فانظر ما أعجب هذا الأمر و من هنا صح الفرار الموجود و الانتقال من حال إلى حال فإن الله ينتقل في مراتب الأعداد لما ذكرناه و اسم هذا الرجل الذي كمل الله به الاثني عشر عبد الله و إنما سمي عبد الله لأن الله يتجلى له بحقيقة كل اسم من أسمائه و هو قوله وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها فإذا دعوته باسم منها تجلى مجيبا لك في عين ذلك الاسم كصوم شهر رمضان فإن صومه واجب في الاثني عشر شهرا فكل صوم في شهر من الشهور الأحد عشر إنما هو تشبيه بصوم يوم من أيام شهر رمضان لأنه نافلة و الواجب ليس إلا رمضان بالوجوب الإلهي الابتدائي و إنما قلنا الابتدائي من أجل النذر بالصوم الذي أوجبه الله عليك بإيجابك إياه على نفسك عقوبة لك و ليثبك به إذا أديته ثواب الواجب لكن الفرق بينه و بين الواجب المبتدأ أن الواجب المبتدأ تقضيه إذا مضى زمان إيجابه و و الواجب الكوني لو نسيته لكن أو مرضت فلم تقدر على أدائه و مضى زمانه لم تقضه فهذا هو الفرق بين الواجب الإلهي و الواجب الكوني فمن عرف ما ذكرناه من أمر هذه الاثني عشر فقد حصل على كنوز إلهية كما قيل في الفاتحة إن الله أعطاها نبيه محمدا صلى الله عليه و سلم خاصة دون غيره من الرسل من كنز من كنوز العرش لم توجد في كتاب منزل من عند الله و لا صحيفة إلا في القرآن خاصة و بهذا سمي قرآنا لأنه جمع بين ما نزل في الكتب و الصحف و ما لم ينزل ففيه كل ما في الكتب كلها المنزلة و فيه ما لم ينزل في كتاب و لا صحيفة و في هذا المنزل من العلوم علم الحل و العقد و فيه علم الحلال و الحرام و فيه علم ما يجمع الكافر و المؤمن و يؤلف بينهما و فيه علم إلحاق البهائم بالإنسان في حكم ما من أحكام الشرائع و فيه علم متعلق الكمال ببعض الأشخاص و ما فيه علم التقديس و أسبابه و أنواعه و فيه علم الآلاء و المنن الإلهية و فيه علم المواثيق و العهود و فيه علم نشء صور العبادات البدنية و فيه علم التعظيم الكوني و فيه علم المداينات الإلهية و فيه علم الايمان و فيه علم الإبدال و فيه علم النداء الإلهي و فيه علم التعريف و فيه علم إقامة البراهين على الدعاوي و فيه علم أصحاب الفترات ما حكمهم عند الله و فيه علم ما يخص الملك و السوقة و فيه علم النيابة في النداء و فيه علم الرد و القبول و فيه علم التفويض و التسليم في النفوس و فيه علم الستر و رد الأشياء إلى أصولها و فيه علم إقامة الواحد مقام الجميع في أي موطن يكونو فيه علم الموافقة و الخلاف و فيه علم مؤاخذة المجبور و فيه علم السماع و فيه علم النور و المعنوي و الهدى و فيه علم الأمثال و فيه علم الاتباع و الأتباع و فيه علم الشهادات و فيه علم المعاد و حكمه و فيه علم الخوف و الحذر و فيه علم التجانس بين الأشياء و فيه علم الحب و شرفه و أصناف المحبين و فيه علم خلع العذار فيه و فيه علم الاختصاص و فيه علم نسخ البواطن في العموم و الخصوص و فيه علم تشبيه الحق بالخلق و ما يجوز من ذلك و ما لا يجوز و متعلقة السمع ليس للعقل فيه دخول بما هو ناظر فيه و فيه علم الوهب و الكسب و فيه علم ما يجب على الرسول و فيه علم من سمي الله بغير اسمه ما حكمه في التوحيد و فيه علم مراتب الضلال و الإضلال و التفاوت في ذلك و فيه علم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و فيه علم تأثير الخلق في الحق و فيه علم ما شقي به أهل الكتب و فيه علم رفع الحرج و مراتب المتقين و فيه علم الاختيار و فيه علم شرف الأماكن بعضها على بعض لما ذا يرجع و فيه علم تحكم الأدنى على الأدنى و فيه علم إضافة الأشياء إلى أصولها و فيه علم التعريض بالخير وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ