قال رسول الله ص حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء و الطيب و جعلت قرة عيني في الصلاة و قال ص إن ربكم واحد و إن أباكم واحد فلا فضل لعربي على أعجمي و لا لأعجمي على عربي إلا بالتقوى ثم تلا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ يريد بالأب آدم ص و هو قوله تعالى خَلَقَكُمْ من نَفْسٍ واحِدَةٍ يعني نفس آدم يخاطب ما تفرع منه فاعلم أن الورث على نوعين معنوي و محسوس فالمحسوس منه ما يتعلق بالألفاظ و الأفعال و ما يظهر من الأحوال فأما الأفعال فإن ينظر الوارث إلى ما كان رسول الله ص بفعله مما أبيح للوارث أن يفعله اقتداء به لا مما هو مختص به ع مخلص له في نفسه و مع ربه و في عشرته لأهله و ولده و قرابته و أصحابه و جميع العالم و يتبع الوارث ذلك كله في الأخبار المروية عن رسول الله ص الموضحة لما كان عليه في أفعاله من صحيحها و سقيمها فيأتيها كلها على حد ما وردت لا يزيد عليها و لا ينقص منها و إن اختلفت فيها الروايات فليعمل بكل رواية وقتا بهذه و وقتا بهذه و لو مرة واحدة و يدوم على الرواية التي ثبتت و لا يخل بما روى من ذلك و إن لم يثبت من جهة الطريق فلا يبالي إلا أن تعلق بتحليل أو تحريم فيغلب الحرمة في حق نفسه فهو أولى به فإنه من أولي العزم و ما عدا التحليل أو التحريم فليفعل بكل رواية و إذا أفتى إن كان من أهل الفتيا و تتعارض الأدلة السمعية بالحكم من كل وجه و يجهل التأريخ و لا يقدر على الجمع فيفتي بما هو أقرب لرفع الحرج و يعمل هو في حق نفسه بالأشد فإنه في حقه الأشد و هذا من الورث اللفظي فإنه المفتى به فيصلي صلاة رسول الله ص في ليله و نهاره و على كيفيتها في أحوالها و كمياتها في أعدادها و يصوم كذلك و يعامل أهله من مزاح وجد كذلك و يكون على أخلاقه في مأكله و مشربه و ما يأكل و ما يشرب كأحمد بن حنبل فإنه كان بهذه المثابة روينا عنه أنه ما أكل البطيخ حتى مات و كان يقال له في ذلك فيقول ما بلغني كيف كان يأكله رسول الله ص و كل ما كان من فعل لم يجد فيه حديثا يبين فيه أن رسول الله ص فعله بكيفية خاصة و إن كان من الكميات بكمية خاصة و لكن ورد فيه حديث فاعمل به كصومه ص كان يصوم حتى نقول إنه لا يفطر و يفطر حتى نقول إنه لا يصوم و لم يوقت الراوي فيه توقيتا فصم أنت كذلك و أفطر كذلك و أكثر من صوم شعبان و لا تتم صوم شهر قط بوجه من الوجوه إلا شهر رمضان و كل صوم أو فعل مأمور به و إن لم يروفيه فعله فاعمل به لأمره و هذا معنى قول الله إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و ما رأينا أحدا ممن رأيناه أو سمعنا عنه عمل على هذا القدم إلا رجل كبير باليمن يقال له الحداد رآه الشيخ ربيع بن محمود المارديني الخطاب و أخبر أنه كان على هذا الحال من الاقتداء أخبرني بذلك صاحبي الخادم عبد الله بدر الحبشي عن الشيخ ربيع فلتتبعه في كل شيء لأن الله يقول لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ما لم يخصص شيئا من ذلك بنهي عن فعله و قال ص صلوا كما رأيتمونى أصلي و قال في الحج خذوا عني مناسككم و إذا حججت فإن قدرت على الهدى فأدخل به محرما بالحج أو العمرة و إن حجت مرة أخرى فأدخل أيضا إن قدرت على الهدى محرما بالحج و إن لم تجد هديا فاحذر أن تدخل محرما بالحج لكن ادخل متمتعا بعمرة مفردة فإذا طفت و سعيت فحل من إحرامك الحل كله ثم بعد ذلك أحرم بالحج و أنسك نسيكة كما أمرت و اعزم على أن لا تخل بشيء من أفعاله و ما ظهر من أحواله مما أبيح لك من ذلك و التزم آدابه كلها جهد الاستطاعة لا تترك شيئا من ذلك إذا ورد مما أنت مستطيع عليه فإن الله ما كلفك إلا وسعك فابذله و لا تترك منه شيئا فإن النتيجة لذلك عظيمة لا يقدر قدرها و هي محبة الله إياك و قد علمت حكم الحب في المحب و أما الوارث المعنوي فما يتعلق بباطن الأحوال من تطهير النفس من مذام الأخلاق و تحليتها بمكارم الأخلاق و ما كان عليه صلى الله عليه و سلم من ذكر ربه على كل أحيانه و ليس إلا الحضور و المراقبة لآثاره سبحانه في قلبك و في العالم فلا يقع في عينك و لا يحصل في سمعك و لا يتعلق بشيء قوة من قواك إلا و لك في ذلك نظر و اعتبار إلهي تعلم موقع الحكمة الإلهية في ذلك فهكذا كان حال رسول الله ص فيما روت عنه عائشة و كذلك إن كنت من أهل الاجتهاد في الاستنباط للاحكام الشرعية فأنت وارث نبوة شرعية فإنه تعالى قد شرع لك في تقرير ما أدى إليه اجتهادك و دليك من الحكم أن تشرعه لنفسك و تفتي به غيرك إذا سألت و إن لم تسأل فلا فإن ذلك أيضا من الشرع الذي أذن الله لك فيه ما هو من الشرع الذي لم يأذن به الله و اعلم أن الاجتهاد ما هو في أن تحدث حكما هذا غلط و إنما الاجتهاد المشروع في طلب الدليل من كتاب أو سنة و إجماع و فهم عربي على إثبات حكم في تلك المسألة بذلك الدليل الذي اجتهدت في تحصيله و العلم به في زعمك هذا هو الاجتهاد فإن الله تعالى و رسوله ما ترك شيئا إلا و قد نص عليه و لم يتركه مهملا فإن الله تعالى يقول الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ و بعد ثبوت الكمال فلا يقبل الزيادة فإن الزيادة في الدين نقص من الدين و ذلك هو الشرع الذي لم يأذن به و الله و من الورث المعنوي ما يفتح عليك به من الفهم في الكتاب و في حركات العالم كله و أما الورث الإلهي فهو ما يحصل لك في ذاتك من صور التجلي الإلهي عند ما يتجلى لك فيها فإنك لا تراه إلا به فإن الحق بصرك في ذلك الموطن و لا يتكرر عليك صورة تجل فقد انتقل عنها و حصل لك نظيرها في ذاتك و في ملكك و لذلك تقول في الآخرة عموما للشيء إذا أردته كُنْ فَيَكُونُ و في الدنيا خصوصا فالحق لك في الدنيا محل تكوينك فإنه يتنوع لتنوعك و في الآخرة تتنوع لتنوعه فهو في الدنيا يلبس صورتك و أنت في الآخرة تلبس صورته فانظر ما أعجب هذا الأمر و كذلك لك في الميراث الإلهي في مراتب العدد فقد يكون الحق رابع ثلاثة فإذا جئت أنت و انضممت إلى الثلاثة فربعتهم لا يكون ذلك لك حتى ينتقل الحق إلى مرتبة الخمسة فيكون خامس أربعة بعد ما قد كان رابع ثلاثة فأخلي لك المرتبة فورثتها و كذلك في كل جماعة تنضم إليها هذا حكم الميراث في الدنيا و أما في ميراث الخصوص و في الآخرة فإنه رابع أربعة في حال كونك أنت رابع تلك الأربعة فإنك في الدنيا في الخصوص جئت بصورة حق و في الآخرة كذلك أنت صورة حق و لهذا كفر أي ستر من قال إِنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ فستر نفسه بربه لأنه هو عين ثالث الثلاثة و رأى نفسه حقا لا خلقا إلا من حيث الصورة الجسدية لا من حيث ما هي به موصوفة فهو حق في خلق فستر خلقه بما شهده من الحق القائم به المنصوص عليه في العموم بأنه جميع قوى عبده و صفاته إذا كان من أهل الخصوص فقال عن نفسه إِنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ ثم بين الحق تعالى عقيب هذا القول فقال وَ ما من إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ و هو الذي ثلث الثلاثة فالاثنان من العامة و الذي ثلثهم بخلقه هو الثالث خلقا بخلقه ثم إنه قد علم أن الحق جميع قواه و أشهده الحق أنه مع الاثنين مثل ما هو معه إلا أنه حجب عنهم علم ذلك فقالوا بالخلق دون حق فقال هذا الخاص إِنَّ الله ثالِثُ ثَلاثَةٍ لأنهشاهده فيها كما شاهده في نفسه وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فرأى أن الحق جمعهم في صورة ثلاثة فصح قول القائل إنه ثالث ثلاثة في الوجهين في الخلق و الحق و صح وَ ما من إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ لأنه عين كل واحد من الثلاثة ليس غيره فهو واحد و هو ثلاثة فهذا من الورث الإلهي النبوي فإنه ما حصل لنا هذا الشهود إلا بالاقتداء و الاتباع النبوي فلما علمنا ورثناه ص و لا يصح ميراث لأحد إلا بعد انتقال الموروث إلى البرزخ و ما حصل لك من غير انتقال فليس بورث و إنما ذلك وهب و أعطية و منحة أنت فيها نائب و خليفة لا وارث فأنت من حيث العلم وارث و أنت من حيث الشهود عينه لا وارث أ لا ترى في قوله ص إن ربكم واحد كما إن أباكم واحد و ليس أبوك إلا من أنت عنه فإن عرفت عمن أنت عرفت أباك و ما ذكر النبي ص أن أبوينا اثنان كما وقع في الظاهر فإنا عن آدم و حواء مثل قوله وَ رَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ و لكن لما كانت حواء عين آدم لأنها عين ضلعه فما كان إلا أب واحد في صورتين مختلفتين كما هو التجلي فعين حواء عين آدم انفصال اليمين عن الشمال و هو عين زيد كذلك انفصال حواء عن آدم فهي عين آدم فما ثم إلا أب واحد فما صدرنا إلا عن واحد كما أن العالم كله ما صدر إلا عن إله واحد فالعين واحدة كثيرة نسب إن لم يكن الأمر كذلك و إلا فما كان يظهر لنا وجود و لا لنا وجود عين و لا لنا إيجاد حكم فكما أوجدنا عينا أوجدنا الحكم له جَزاءً وِفاقاً إن تفطنت فهو لنا موجد عين و نحن له موجد رب
ثم ما زال التوالد و التناسل في كل نوع نوع من المولدات كلها في الدنيا ما دامت الدنيا و في الآخرة إلى ما لا يتناهى و إن تنوعت أحوال التوالد كما ظهر ذلك في الدنيا في حواء و عيسى و بنى آدم و أما في آدم فباليدين و بالأركان و في النبات متنوع أيضا في غراسه و بزوره و كذلك في المعادن فانظر ما أحكم حكمة الله في خلقه و لما أطلعنا على الوجه الخاص الذي لكل موجود لم يتمكن لنا أن نضيف التوالد لنا جملة واحدة بل أضفنا كل ما ظهر في الكون إليه و هو قوله تعالى وَ ما أَمْرُنا و نحن أمره إِلَّا واحِدَةٌ فما ثم موجد إلا الله تعالى على كل وجه علم ذلك من علمه و جهله من جهله كما يقول الطبيعيون في الموجودات الطبيعية بأحدية الطبيعة فكل ما ظهر من الموجودات الطبيعية قالوا هذا عن الطبيعة فوحدوا الأمر كما وحدنا الإله في خلقه فلم يكن إلا الله و هو الذي سموه أولئك طبيعة و لا علم لهم كما سمته الدهرية بالدهر و لا علم لهم إلا أن الله تسمى لنا بالدهر و ما تسمى بالطبيعة لأن الطبيعة ليست بغير لمن وجد عنها عينا فهي عين كل موجود طبيعي و لما كان الحق له هذا الحكم و ظهر به عند الخواص من عباده و علمنا إن الاسم دلالة على المسمى فرأينا الاسم و إن دل فهو أجنبي فعلمنا أن حكم الطبيعة يخالف حكم الدهر فإن الدهر ما هو عين الكوائن و رأينا الطبيعة عين الكوائن الطبيعية و رأينا أن الحق له تنزيه ينفصل به عنا انفصال الدهر عما يكون فيه فتسمى تعالى بالدهر تنزيها و ما تسمى بالطبيعة لكون الأمر ما هو غيره بل هو عينه و المسمى لا يسمى نفسه لنفسه فلا يسمى بالطبيعة و إنما يسمى نفسه لغيره حتى إذا ذكره عرف أنه يذكره و إذا ذكر عرفه فهذا أصل وضع الأسماء
أعني قوله ص من عرف نفسه عرف ربه فقدم معرفة الإنسان نفسه لأنه عين الدليل و لا بد أن يكون العلم بالدليل مقدما على العلم بالمدلول و الدليل نحن و نحن في مقام الشفعية فلذلك عبرنا بالاثنين لوجود الشفع فنتج لنا النظر فينا وجود الحق و أحديته فهو ثالث اثنين كما هو رابع ثلاثة فلذلك قلنا و الله ثالث لهذين الاثنين و أنا حارث أي كاسب لهذا العلم بالنظر ثم إن للحق ورثا منا كما قال إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها عينا و حكما فأما في العين فقوله وَ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ فإن الأمور ترجع إلى أصولها كما ينعطف آخر الدائرة على أولها فمن أول ما تبتدئ بالدائرةإنما يطلب بذلك الرجوع إلى أصلها و هو بدؤها فإليه تنتهي فنحن لا نعلم شيئا إلا به فورث منا هذه الصفة فقال تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ كما نظرنا نحن حتى علمنا فما خلص لنا هذا الوصف من غير مشاركة فعلمنا أن علمنا عن النظر و الاستدلال بما علمناه أنه هو العالم به من حيث إن نظرنا لم يكن بنا لأنه قال إنه عين صفتنا التي بها ننظر و نبصر و نسمع و نبطش و هذا كله هو علم الأنبياء الذين ورثناهم لأنهم ما ورثونا إلا العلم على الحقيقة و هو أشرف ما يورث ثم انظر في قوله ص العلماء ورثة الأنبياء فعم الألف و اللام فيهما كل عالم و كل مخبر و لا شك أن كل مخبر فإنه متصور لما يخبر به و كل سامع ذلك الخبر فقد علمه أي علم ما تصوره ذلك المخبر سواء كان كذبا ذلك الخبر أو صدقا فهو ورث بلا شك أ لا تراه ص قد قال من حدث بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين لأنه قد ورث منه الكذب و صار حكمه حكم الكاذب كما صار حكم الوارث في المال حكم من مات عنه و خلفه و لما عمم بالألف و اللام العلماء دخل فيه قوله حَتَّى نَعْلَمَ و لما عمم بالألف و اللام الأنبياء دخل فيه كل مخبر بنطق أو بحال لأنه من ظهر لعينك بعد أن لم يكن ظاهرا فقد أخبرك بظهوره أنه ظهر لك حتى لو قال لك قد ظهرت لك لم يفدك علما بظهوره و إنما أفادك علما بقوله لك أي من أجلك ظهر لعينك فالمفهوم الأول القرب الظاهر النازل منزلة النص عند أهل الظاهر أن العلماء ورثة الأنبياء الذين هم المخبرون عن الله و بالمفهوم الثاني الذي لا يقدح فيه المفهوم الأول إن العلماء ورثة المخبرين بما أخبروا به كانوا من كانوا لكن العلم الموروث من الأنبياء ع ليس هو العلم الذي يستقل بإدراكه العقول و الحواس دون الأخبار فإن ذلك لا يكون وراثة و إنما الذي يرثه العلماء من الأنبياء ما لا تستقل العقول من حيث نظرها بإدراكه و أما ما ورثته من الأنبياء من العلم الإلهي فهو ما تحلئة العقول بأدلتها و أما ما تجوزه العقول فتعين لها الأنبياء أحد الجائزين مثل قول إبراهيم وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و أما العلم الذي ترثه من الأنبياء ع من علم الأكوان فعلم الآخرة و مال العالم لأن ذلك كله من قبيل الإمكان فالأنبياء تعين عن الله إن بعض الممكنات على التعيين هو الواقع فيعلمه العالم فذلك ورث نبوي لم يكن يعلمه قبل إخبار هذا النبي به و ما عدا هذا فما هو علم موروث إلا في حق العامي الذي ما وفى عقله حقه فتلقى من النبي علما بما لو نظر فيه بعقله أدركه كتوحيد الله و وجوده و بعض ما يتعلق به من حكم الأوصاف و الأسماء فيكون ذلك في حق من لم يعلمه إلا من طريق النبي علم موروث و إنما قلنا فيه إنه علم لأن الأنبياء لا تخبر إلا بما هو الأمر عليه في نفسه فإنهم معصومون في أخبارهم عن الله أن يقولوا ما ليس هو الأمر عليه في نفسه بخلاف غير الأنبياء من المخبرين من عالم و غير عالم فإن العالم قد يتخير فيما ليس بدليل أنه دليل فيخبر بما أعطاه ذلك الدليل ثم يرجع عنه بعد ذلك فلهذا لا ينزل في درجة العلم منزلة النبي ص و قد يخبر بالعلم على ما هو عليه في نفس الأمر و لكن لا يتعين على الحقيقة لما ذكرناه من دخول الاحتمال فيه و كذلك غير العالم من العوام فقد يصادفون العلم و قد لا يصادفونه في أخبارهم و النبي ص ليس كذلك فإذا أخبر عن أمر من جهة الله فهو كما أخبر فالمحصل له عالم بلا شك كما إن ذلك الخبر علم بلا شك فلذلك قيد ص إن العلماء هم ورثة الأنبياء لأنهم إذا قبلوا ما قاله الرسول فقد علموا الأمر على ما هو عليه و من وراثته ص حب النساء و الطيب و جعلت قرة عينه في الصلاة و لكن إذا كان ذلك في الإنسان محببا إليه حينئذ يكون وارثا و أما إن أحب ذلك من غير تحبب فليس بوارث فإن العبد لما كان مخلوقا لله لا لغيره كما قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فما خلقهم إلا لعبادته و قال لموسى في الاثنتي عشرة كلمة يا ابن آدم خلقتك من أجلي الحديث ثم إن الله في ثاني حال من العبد حبب إليه أمرا ما أكثر من غيره و بقي الكلام فيمن حببه إليه هل حببه إليه طبع أو طمع أو حذر أو حببه إليه الله فإن النبي ص قال حبب إلي و لم يقل من حببه كما قال الله في حق المؤمنين وَ لكِنَّ الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ في قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ و النبي ص ما عدل إلى قوله حبب و لم يذكر من حببه إلا لمعنى لا يمكن إظهاره لضعف النفوس القابلة فالعارفون بالمواطن يعلمون من حيث ما ذكره الله و النساء و الطيب و جعل قرة العين في الصلاة لأنه مصل على شهود من وقف يناجيه بين يديهمن حضرة التمثيل و موطنه لأن فيه خطابا و ردا و قبولا و لا يكون ذلك إلا في شهود التمثيل فإنه في موطن يجمع بين الشهود و الكلام و لما كانت المناسبات تقتضي ميل المناسب إلى المناسب كان الذي حبب عين المناسب و المناسبة قد تكون ذاتية و عرضية و لما كان النساء محل التكوين و كان الإنسان بالصورة يقتضي أن يكون فعالا و لا بد له من محل يفعل و فيه و يريد لكماله أن لا يصدر عنه إلا الكمال كما كان في الأصل الذي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و هو كمال ذلك الشيء و لا أكمل من وجود الإنسان و لا يكون ذلك إلا في النساء اللاتي جعلهن الله محلا و المرأة جزء من الرجل بالانفعال الذي انفعلت عنه فحبب إلى الكامل النساء و لما كانت المرأة كما ذكرت عين ضلع الرجل فما كان محل تكوين ما كون فيها إلا نفسه فما ظهر عنه مثله إلا في عينه و نفسه فانظر ما أعجب هذا الأمر فمن حصل له مثل هذا العلم فقد ورث النبي ع في هذا التحبب بهذا الوجه و أما الطيب فإنه من الأنفاس و الأنفاس رحمانية فإن رسول الله ص يقول إني لأجد نفس الرحمن فأضافه إلى الرحمن و الله يقول وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ و من أسمائه تعالى الطيب فعلمنا أن النفس الطيب لا يكون إلا من الاسم الطيب و ما ثم اسم أطيب للكون من الرحمن فإنه مبالغة في الرحمة العامة التي تعم الكون أجمعه فمن حصل له الطيب في كل شيء و إن أدركه من أدركه خبيثا بالطبع فإنه بالنعت الإلهي طيب و قد ذقنا ذلك بمكة فهو وارث على الحقيقة و ما حبب إليه الصلاة إلا لما فيها من الجمع بين الشهود و الكلام بقوله جعلت قرة عيني في الصلاة و ما تعرض لسمعه و لا للكلام لأن ذلك معروف في العموم إن الصلاة مناجاة بقوله يقول العبد كذا فيقول الله كذا و إنها منقسمة بين الله و بين عبده المصلي نصفين كما ورد في الحديث و ما كانت الصلاة كبيرة إلا على غير المشاهد و على من لم يسمع قول الحق مجيبا لما يقوله العبد في صلاته ثم نيابته في قوله سمع الله لمن حمده من أتم المقامات فإن الله ما عظم الإنسان الكامل على من عظمه إلا بالخلافة و لما كان مقامه عظيما لذلك وقع الطعن فيه ممن وقع لعظيم المرتبة و ما علم الطاعن ما أودع الله في النشأة الإنسانية من الكمال الإلهي فلو تقدم لذلك الطاعن العلم ما طعن فلما كانت الخلافة و هي النيابة عن الحق بهذه المنزلة و كان المصلي نائبا في سمع الله لمن حمده الذي لا يكون إلا في الصلاة كانت مرتبة الصلاة عظيمة فحببت إليه ص فمن رأيته يحب الصلاة على هذا الحد فهو وارث و من رأيته يحبها لغير هذا الشهود فليس بوارث و في هذا المنزل من العلوم علم صدور الكثير من الواحد أعني أحدية الكثرة لا أحدية الواحد و علم النكاح الإلهي و الكوني و علم النتائج و المقدمات و علم مفاضلة النكاح لأنه قد يراد لمجرد الالتذاذ و قد يراد للتناسل و قد يراد لهما و علم الوصايا و علم التقاسيم و علم المبادرة خوف الفوت و علم الخلطاء و علم الهبات و علم ما يعتبر من طيب النفوس و علم التصرف بالمعروف و ما هو المعروف و علم الأمانات و علم الحظوظ و علم الحقوق و علم ما ينبغي أن يقدم و ما ينبغي أن يؤخر و علم الحدود و علم الطاعة و المعصية و علم الشهادات و الأقضية و علم العشائر و هي الجماعة التي ترجع إلى عقد واحد كعقد العشرة و لهذا سمي الزوج بالعشير لأن اجتماع الزوجين كان عن عقد و المعاشرة الصحبة فالعشائر الأصحاب و المرء على دين خليله فقد عقد معه على ما هو عليه و حينئذ يكون قد عاشره قال تعالى وَ عاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ أي صاحبوهن بما يعرف أنه يدوم بينكما الصحبة به و المعاشرة و علم العزة و المنع و علم صنوف التجارات و علم فضل الرجل على المرأة بما ذا كان و ما الكمال الذي تشارك فيه المرأة الرجل و علم أصحاب الحقوق و علم التقديس و علم العناية الإلهية و علم مراتب الخلفاء و علم ما حقيقة الايمان و علم المعيبات و علم ما يرغب فيه و يتمنى تحصيله و علم الموت و علم ما هو لله و للخلق و علم الفرق بين نصيب الحسنة و نصيب السيئة و علم التوقيت و ما يوقت مما لا يدخله التوقيت و علم حرمة المؤمن و مكانته و علم الهجرة و علم إيمان الايمان و علم الرفق و علم السر و الجهر و علم ما يجتمع فيه الملك مع الكامل من البشر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و هو عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ