نعني بالهبة عيسى روح الله من قول جبريل لمريم لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ورد في الخبر أنه قيل لرسول الله ص أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه فقال رسول الله ص كان في عماء ما فوقه هواء و ما تحته هواءو قد ذكرنا فيما تقدم حديث العماء و أن فيه انفتحت صور العالم و الذي يقوم عليه الدليل إن كل شيء سوى الله حادث و لم يكن ثم كان فينفي الدليل كون ما سوى الله في كينونة الحق الواجب الوجود لذاته فدوام الإيجاد لله تعالى و دوام الانفعال للممكنات و الممكنات هي العالم فلا يزال التكوين على الدوام و الأعيان تظهر على الدوام فلا يزال امتداد الخلأ إلى غير نهاية لأن أعيان الممكنات توجد إلى غير نهاية و لا تعمر بأعيانها إلا الخلأ و قولنا فيما تقدم إن العالم ما عمر سوى الخلأ نريد أنه ما يمكن أن يعمر ملا لأن الملأ هو العامر فلا يعمر في ملا و ما ثم إلا ملا أو خلافا لعالم في تجديد أبدا فالآخرة لا نهاية لها و لو لا نحن لما قيل دنيا و لا آخرة و إنما كان يقال ممكنات وجدت و توجد كما هو الأمر فلما عمرنا نحن من الممكنات المخلوقة أماكن معينة إلى أجل مسمى من حين ظهرت أعياننا و نحن صور من صور العالم سمينا ذلك الموطن الدار الدنيا أي الدار القريبة التي عمرناها في أول وجودنا لأعياننا و قد كان العالم و لم نكن نحن مع أن الله تعالى جعل لنا في عمارة الدار الدنيا آجالا ننتهي إليها ثم تنتقل إلى موطن آخر يسمى آخرة فيها ما في هذه الدار الدنيا و لكن متميز بالدار كما هو هنا متميز بالحال و لم يجعل لإقامتنا في تلك الدار الآخرة أجلا تنتهي إليه مدة إقامتنا و جعل تلك الدار محلا للتكوين دائما أبدا إلى غير نهاية و بدل الصفة على الدار الدنيا فصارت بهذا التبديل آخرة و العين باقية و بقي من لا علم له من الله بالأمور في حيرة فعلى الحقيقة ما ثم حيرة في حق العلماء بالله و بنسبة العالم إلى الله فالعلماء في فرحة أبدا و من عداهم في ظلم الحيرة تائهون دنيا و آخرة و لو لا تجديد الخلق مع الأنفاس لوقع الملل في الأعيان لأن الطبيعة تقتضي الملل و هذا الاقتضاء هو الذي حكم بتجديد الأعيان و لذلك قال رسول الله ص عن الله تعالى إن الله لا يمل حتى تملوا فعين ملل العالم هو ملل الحق و لا يمل من العالم إلا من لا كشف له و لا يشهد تجديد العالم مع الأنفاس على الدوام و لا يشهد الله خلاقا على الدوام و الملل لا يقع إلا بالاستصحاب فإن قلت فالدوام على تجديد الخلق استصحاب و الملل ما وقع مع وجود الاستصحاب قلنا الأحكام الذاتية لا يمكن فيها تبدل و الخلاق لذاته يخلق و العالم لذاته ينفعل فلا يصح وجود الملل فالتقليب في النعيم الجديد لا يقتضي الملل في المنقلب فيه لأنه شهود ما لم يشهد بفرح و ابتهاج و سرور و لهذا قال تعالى وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وجد و يوجد إلى غير نهاية فإن الرحمة حكم لا عين فلو كانت عينا وجوديا لانتهت و ضاقت عن حصول ما لا يتناهى فيها و إنما هي حكم يحدث في الموجودات بحدوث أعيان الموجودات من الرحمن الرحيم وَ الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ يعني في العلم بالله يَقُولُونَ آمَنَّا به كُلٌّ من عِنْدِ رَبِّنا الرحمة و المرحوم وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ و هم الغواصون الذين يستخرجون لب الأمور إلى الشهادة العينية بعد ما كان يستر ذلك اللب القشر الظاهر الذي كان به صونه و هذا يحوي على تسعة آلاف مقام هكذا وقع الإخبار من أهل الكشف و الوجود منها ألف مقام لطائفة خاصة و لطائفة أخرى ثلاثة آلاف مقام و لطائفة ثالثة خمسة آلاف مقام فارفع الطوائف الطائفة التي لها ألف مقام و تليها في الرفعة الطائفة التي لها ثلاثة آلاف مقام و تليها الطائفة التي لها خمسة آلاف مقام في الرفعة و أعلى الطوائف من لا مقام له و ذلك لأن المقامات حاكمة على من كان فيها و لا شك أن أعلى الطوائف من له الحكم لا من يحكم عليه و هم الإلهيون لكون الحق عينهم و هو أحكم الحاكمين و ليس ذلك لأحد من الناس إلا للمحمديين خاصة عناية إلهية سبقت لهم كما قال تعالى في أمثالهم إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ يعني النار فإن النار من جملة هذه المقامات فهم على الحقيقة عن المقامات مبعدون فأصحاب المقامات هم الذين قد انحصرت هممهم إلى غايات و نهايات فإذا وصلوا إلى تلك الغايات تجددت لهم في قلوبهم غايات أخر تكون تلك الغايات التي وصلوا إليها لهم بدايات إلى هذهالغايات الأخر فتحكم عليهم الغايات بالطلب لها و لا يزال لهم هذا الأمر دائما و أما المحمدي فما له هذا الحكم و لا هذا الحصر فاتساعه اتساع الحق و ليس للحق غاية في نفسه ينتهي إليها وجوده و الحق مشهود المحمدي فلا غاية له في شهوده و ما سوى المحمدي فإنه مشاهدا مكانه فما من حالة يقام فيها و لا مقام إلا و يجوز عنده انقضاؤه و تبدل الحال عليه أو إعدامه و يرى أن ذلك من غاية المعرفة بالله حيث و في الحكم حقه بالنظر إلى نفسه و إلى ربه و عيسى ع محمدي و لهذا ينزل في آخر الزمان و به يختم الله الولاية الكبرى و هو روح الله و كلمته و كلمات الحق لا تنفد فليس للمحمدي غاية في خاطره ينتهي إليها فاعلم إن هذه المقامات المذكورة لا تدرك إلا بعين الخيال إذا شوهدت فإن صورها إذا مثلها الله فيما شاء أن بمثلها متخيلة فتراه أشخاصا رأى العين كما ترى المحسوسات بالعين و كما ترى المعاني بعين البصيرة فإن الله إذا قلل الكثير و هو كثير في نفس الأمر أو كثر القليل و هو قليل في نفس الأمر فما تراه إلا بعين الخيال لا بعين الحس و هو البصر نفسه في الحالين كما قال تعالى وَ إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ في أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَ يُقَلِّلُكُمْ في أَعْيُنِهِمْ و قال يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ و ما كانوا مثليهم في الحس فلو لم ترهم بعين الخيال لكان ما رأيت من العدد كذبا و لكان الذي يريه غير صادق فيما أراه إياك و إذا كان الذي أراك ذلك أراكه بعين الخيال كانت الكثرة في القليل حقا و القلة في الكثرة حقا لأنه حق في الخيال و ليس بحق في الحس كما أراك اللبن في الخيال فشربته و لم يكن ذلك اللبن سوى عين العلم فما رأيته لبنا و هو علم إلا بعين الخيال و رأيت تلقينك ذلك العلم ممن تلقنته في صورة شربك اللبن كذلك في عين الخيال و العلم ليس بلبن و التلقين ليس بشرب و قد رأيته كذلك فلو رأيته بعين الحس لكان كذبا لأنك رأيت الأمر على خلاف ما هو عليه في نفسه فما رأيته إلا بعين الخيال في حال يقظتك و إن كنت لا تشعر أنت بذلك فكذلك هو في نفس الأمر لأن الله صادق فيما يعلمه و هو في الخيال صدق كما رأيته و كذلك تلقيك العلوم من الله بالضربة باليد فعلم الضروب بتلك الضربة علم الأولين و الآخرين و العلم لا يحصل إلا بالتعليم بالخطاب من المعلم أو بخلق في النفس ضرورة و قد حصل في حضرة الخيال بالضرب فلا بد أن يكون الضرب مخيلا و المضروب في عينه مخيلا إن كان في نوم أو يقظة لصدق الذي يرى ذلك و هو الله كما قال تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ من سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى و لم تسع في نفس الأمر و هكذا كل ما تراه على خلاف ما هو عليه في نفسه ما تراه إلا بعين الخيال حتى يكون صدقا و لهذا يعبر كل ما وقع من ذلك أي يجوز به العابر إلى المعنى الذي أراد الله بتلك الصورة فلا تغفل عن مثل هذا العلم و فرق بين الأعين و اعلم أنك لا تقدر على ذلك إلا بقوة إلهية يعطيها الله من شاء من عباده فتعرض لتحصيلها من الله فإنك مخبر بما رأيت أنك رأيته بحسك و لم يكن الأمر كذلك فتحرر في العبارة فيما تراه كما يفعله المصنف أ لا ترى الصحابة لو وفوا النظر الصحيح حقه و أعطوا المراتب حقها لم يقولوا في جبريل ع إنه دحية الكلبي و لقالوا إن لم يكن روحانيا تجسد و إلا فهو دحية الكلبي أدركناه بالعين الحسي فلم يحرروا و لا أعطوا الأمر الإلهي حقه فهم الصادقون الذين ما صدقوا فقال لهم رسول الله ص هو جبريل فحينئذ عرفوا ما رأوا و بما ذا رأوا كما قالوا فيه لما تمثل لهم في صورة أعرابي مجهول عندهم حين جاء يعلم الناس دينهم فقال رسول الله ص أ تدرون من السائل فقالوا الله و رسوله أعلم لكونه ظهر في صورة مجهولة عندهم فقال لهم هذا جبريل فإن كان هذا الحديث بعد حديث دحية فقولهم الله و رسوله أعلم يحتمل أنهم أرادوا احتمال المعنى أو الصورة الروحية أو يكون إنسانا في نفس الأمر و إن كان هذا الحديث أو لا فما جهلوا أنه إنسان و لكن جهلوا اسمه و لمن ينتسب من قبائل العرب فلا يعرف الرائي أنه أدرك ما أدركه بعين الخيال ما لم يعلم المدرك ما هو و ما في الكون أعظم شبهة من التباس الخيال بالحس فإن الإنسان إن تمكن في هذا النظر شك في العلوم الضرورية و إن لم يتمكن فيه أنزل بعض الأمور غير منزلتها فإذا أعطاه الله قوة التفصيل أبان له عن الأمور إذا رآها بأي عين رآها فيعلم ما هي إذا علم العين التي رآها به من نفسه فأكد ما على أهل علم الله هذا العلم و كثير من أهل الله من لا يجعل باله لما ذكرناه و لو لا علمه بنومه فيما يراه أنه رآه في حال نومه ما قال إنه خيال فكم يرى في حال اليقظة مثل هذا و يقول إنه رأى محسوسا بحسه أ لا تراه ص في صدق رؤياه إنه ما يجري على نفسه حال في جسده إلا و يظهر ذلك له في صورةمجسدة إذا هو نام فيحكم على محسوسه بما علمه من صورة متخيلة فقيل له في الوضوء عند ما نام و نفخ فلم يتوضأ و صلى بالوضوء الذي نام عليه إن عيني تنامان و لا ينام قلبي يقول إنه لما انقلب إلى عالم الخيال و رأى صورته هناك و هو قد نام على طهارة ما رأى أن تلك الصورة أحدثت ما يوجب الوضوء فعلم أن جسده المحسوس ما طرأ عليه ما ينقض وضوء الذي نام عليه و لهذا نقول في النوم إنه سبب للحدث و ما هو حدث فمن حصل له هذا المقام و كان بهذه الصفة و نام على طهارة و رأى نفسه في النوم فلينظر في تلك الصورة المرئية التي هي عينه فإن أحس بحدث فما يقوم بها حدث حتى يحدث بجسده النائم أي يكون منه ما ينقض الوضوء إما بعين ذلك الحدوث و إما أن يكون صورة تعريف بأنه أحدث فيتوضأ إذا قام من نومه فإن من الأحداث في النوم ما يكون له أثر في الجسد النائم كالاحتلام في بعض الأوقات و كالذي يرى أنه يبول فيبول في فراشه فيستيقظ فيجد في الحس قد وقع ما رآه في النوم و قد لا يجد لذلك أثرا فيكون تنبيها له إنه أحدث هذا يطرأ للعلماء بهذه الصفة و قد كان مثل هذا للشيخ الضرير أبي الربيع المالقي شيخ أبي عبد الله القرشي بمصر فكان يوم الإثنين خاصة إذا نام فيه تنام عيناه و لا ينام قلبه و هذا باب واسع المجال و هو عند علماء الرسوم غير معتبر و لا عند الحكماء الذين يزعمون أنهم قد علموا الحكمة و قد نقصهم علم شموخ هذه المرتبة على سائر المراتب و لا قدر لها عندهم فلا يعرف قدرها و لا قوة سلطانها إلا الله ثم أهله من نبي أو ولي مختص غير هذين فلا يعرف قدر هذه المرتبة و العلم بها أول مقامات النبوة و لهذا كان رسول الله ص إذا أصبح و جلس مجلسه بين أصحابه يقول لهم هل فيكم من رأى رؤيا و ذلك ليرى ما أحدث الله البارحة في العالم أو ما يحدثه في المستقبل و قد أوحى به إلى هذا الرائي في منامه إما صريح وحي و إما وحي في صورة يعلمها الرائي و لا يعلم ما أريد بها فيعبرها رسول الله ص لما أراد الله بها فهذا كان من اعتنائه ص بهذه المرتبة المجهولة عند العلماء و ما أحسن تنبيه الله أولي الألباب من عباده و أهل الاعتبار إذ قال هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ في الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ فمن الأرحام ما يكون خيالا فيصور فيه المتخيلات كيف يشاء عن نكاح معنوي و حمل معنوي يفتح الله في ذلك الرحم المعاني في أي صورة ما شاء ركبها فيريك الإسلام فيه و القرآن سمنا و عسلا و القيد ثبات في الدين و الدين قميصا سابغا و قصيرا درعا و مجولا و نقيا و دنسا على حسب ما يكون الرائي أو من يرى له عليه من الدين و لقد رأيت لقاضي دمشق عند ما ولي القضاء بدمشق و هو شمس الدين أحمد بن مهذب الدين خليل الجوني و فقه الله و سدده بملائكته و عصمه في أحكامه و قائل يقول له في النوم إن الله قد خلع عليك ثوبا نقيا سابغا فلا تدنسه و لا تقلصه و استيقظت و ذكرتها له فالله يجعله ممن حفظ الوصية الإلهية فالخيال من جملة الأرحام التي تظهر فيها الصور و هذه الحضرة الخيالية لما قبلت المعاني صورا قال الله فيها زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ من النِّساءِ أي في النساء فصور الحب صورة زينها لمن شاء من عباده فأحبها بنفسها ما أحبها بغيرها لأنه تعالى ما زين له إلا حب الشهوة فيما ذكره فالحب المطلق زين له ثم علقه بالشهوة فيما ذكره و علقه لمن شاء في الشهوة أيضا في أمر آخر و إنما ذكر الشهوة لأنها صورة طبيعية فإن الخيال حصرته الطبيعة ثم يحكم الخيال عليها فيجسدها إذا شاء فهذا فرع يحكم على أصله لأنه فرع كريم ما أوجد الله أعظم منه منزلة و لا أعم حكما يسرى حكمه في جميع الموجودات و المعدومات من محال و غيره فليس للقدرة الإلهية فيما أوجدته أعظم وجودا من الخيال فبه ظهرت القدرة الإلهية و الاقتدار الإلهي و به كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و أمثال ذلك و أوجب عموما و هو حضرة المجلى الإلهي في القيامة و في الاعتقادات فهو أعظم شعائر الله على الله و من قوة حكم سلطانه ما تثبته الحكماء مع كونهم لا يعلمون ما قالوه و لا يوفونه حقه و ذلك أن الخيال و إن كان من الطبيعة فله سلطان عظيم على الطبيعة بما أيده الله به من القوة الإلهية فإذا أراد الإنسان أن ينجب ولده فليقم في نفسه عند اجتماعه مع امرأته صورة من شاء من أكابر العلماء و إن أراد أن يحكم أمر ذلك فليصورها في صورتها التي نقلت إليه أو رآه عليها المصور و يذكر لامرأته حسن ما كانت عليه تلك الصورة و إذا صورها المصور فليصورها على صورة حسن علمه و أخلاقه و إن كانت صورته المحسوسة قبيحة المنظر فلا يصورها إلا حسنة المنظر بقدر حسن علمه و أخلاقه كأنه يجسد تلك المعاني و يحضر تلك الصورة لامرأته و لعينه عند الجماعو يستفرغان في النظر إلى حسنها فإن وقع للمرأة حمل من ذلك الجماع أثر في ذلك الحمل ما تخيلا من تلك الصورة في النفس فيخرج المولود بتلك المنزلة و لا بد حتى أنه إن لم يخرج كذلك فلأمر طرأ في نفس الوالدين عند نزول النطفة في الرحم أخرجهما ذلك الأمر عن مشاهدة تلك الصورة في الخيال من حيث لا يشعرون و تعبر عنه العامة بتوحم المرأة و قد يقع بالاتفاق عند الوقاع في نفس أحد الزوجين أو الزوجين صورة كلب أو أسد أو حيوان ما فيخرج الولد من ذلك الوقاع في أخلاقه على صورة ما وقع للوالدين من تخيل ذلك الحيوان و إن اختلفا فيظهر في الولد صورة ما تخيله الوالد و صورة ما تخيلته الأم حتى في الحس الظاهر في الصورة أو في القبح و هم مع معرفتهم بهذا السلطان لا يرفعون به رأسا في اقتناء العلوم الإلهية لأنهم لجهلهم يطمعون في غير مطمع و هو التجرد عن المواد و ذلك لا يكون أبدا لا في الدنيا و لا في الآخرة فهو أمر أعني التجرد عن المواد يعقل و لا يشهد و ليس لأهل النظر غلط أعظم من هذا و لا يشعرون بغلطهم و يتخيلون أنهم في الحاصل و هم في الفائت فيقطعون أعمارهم في تحصيل ما ليس يحصل لهم و لهذا لا يسلم عقل من حكم و هم و لا خيال و هو في عالم الملائكة و الأرواح إمكان فلا يسلم روح و لا عالم بالله من إمكان يقع له في كل ما يشهده لأن كل ما سوى الله حقيقته من ذاته الإمكان و الشيء لا يزول عن حكم نفسه فلا يرى ما يراه من قديم و محدث إلا بنفسه فيصحبه الإمكان دائما و لا يشعر به إلا من علم الأمر على ما هو عليه فيعقل التجريد و هما و لا يقدر عليه في نفسه لأنه ليس ثم و هنا زلت أقدام الكثيرين إلا أهل الله الخاصة فإنهم علموا ذلك بإعلام الله أ لا ترى إلى زكريا ع لما دخل على مريم المحراب و هي بتول محررة و قد علم زكريا ذلك و رأى عندها رزقا آتاها الله فطلب من الله عند ذلك أن يهبه ولدا حين تعشق بحالها فقال رب هب لي من لدنك يقول من عندك عندية رحمة و لين و عطف ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ و مريم في خياله من حيث مرتبتها و ما أعطاها الله من الاختصاص بالعناية الإلهية فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي في الْمِحْرابِ لأنه دخل عليها المحراب عند ما وجد عندها الرزق أَنَّ الله يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ من الله وَ سَيِّداً و هو الكمال لأن مريم كملت فكمل يحيى بالنبوة وَ حَصُوراً و هو الذي اقتطعه الله عن مباشرة النساء و هو العنين عندنا كما اقتطع مريم عن مباشرة الرجال و هي البتول فكان يحيى ع زير نساء كما كانت حنة مريم لأن المريم المنقطعة من الرجال و اسمها حنة و مريم لقب لها وصفت به لما ذكرناه آنفا فانظر ما أثر سلطان الخيال من زكريا في ابنه يحيى ع حين استفرغت قوة زكريا في حسن حال مريم ع لما أعطاها الله من المنزلة وَ نَبِيًّا من الصَّالِحِينَ فما عصى الله قط و هو طلب الأنبياء كلهم أن يدخلهم الله برحمته في عباده الصالحين و هم الذين لم يقع منهم معصية قط كبيرة و لا صغيرة و ما رأيت أعجب من حال زكريا ع و ما رأيت من ظهر فيه سلطان الإنسانية مثله هو الذي يقول هَبْ لِي من لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً فما سأل حتى تصور الوقوع و لا بقوله رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَ امْرَأَتِي عاقِرٌ فأين هذه الحالة من تلك الحالة فإن لم يكن ثم قرينة حال جعلته أن يقول مثل هذا حتى يقال له في الوحي كَذلِكَ الله يَفْعَلُ ما يَشاءُ فيكون قصده إعلام الله بذلك حتى يعلم غيره إِنَّ الله يَفْعَلُ ما يَشاءُ في المعتاد أن يخرقه كما وقع و إن كان ذلك القول من نفسه فقد أعطته الإنسانية قوتها فإن الإنسان بذاته كما ذكره الله في كتابه فما ذكره الله في موضع إلا و ذكر عند ذكره صفة نقص تدل على خلاف ما خلق له لأن الله خلق الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ و هو أنه خلقه تعالى ثم رده إلى أسفل سافلين ليكون له الرقي إلى ما خلقه الله له ليقع الثناء عليه بما ظهر منه من رقية فمن الناس من بقي في أسفل سافلين الذي رد إليه و إنما رد إليه لأنه منه خلق و لو لا ذلك ما صح رده و ليس أريد بأسفل سافلين إلا حكم الطبيعة التي منه نشأ عند ما أنشأ الله صورة جسده و روحه المدبرة له فرده إلى أصل ما خلقه منه فلم ينظر ابتداء إلا إلى طبيعته و ما يصلح جسده و أين هو من قوله بلى عن معرفة صحيحة و اعلم أن في حضرة الخيال في الدنيا يكون الحق محل تكوين العبد فلا يخطر له خاطر في أمر ما إلا و الحق يكونه في هذه الحضرة كتكوينه أعيان الممكنات إذا شاء ما يشاء منها فمشيئة العبد في هذه الحضرة من مشيئة الحق فإن العبد ما يشاء إلا أن يشاء الله فما شاء الحق إلا أن يشاء العبد في الدنيا و يقع بعض ما يشاء العبد في الدنيا في الحس و أما في الخيال فكمشيئة الحق في النفوذ فالحقمع العبد في هذه الحضرة على كل ما يشاؤه العبد كما هو في الآخرة في عموم حكم المشيئة لأن باطن الإنسان هو ظاهره في الآخرة فلذلك يتكون عن مشيئته كل شيء إذا اشتهاه فالحق في تصريف الإنسان في هذه الحضرة في الدنيا و في شهوته في الآخرة لا في الدنيا حسا فالحق تابع في هذه في الحضرة و في الآخرة لشهوة العبد كما هو العبد في مشيئته تحت مشيئته الحق فما للحق شأن إلا مراقبة العبد ليوجد له جميع ما يريد إيجاده في هذه الحضرة في الدنيا و كذلك في الآخرة و العبد تبع للحق في صور التجلي فما يتجلى الحق له في صورة إلا انصبغ بها فهو يتحول في الصور لتحول الحق و الحق يتحول في الإيجاد لتحول مشيئة العبد في هذه الحضرة الخيالية في الدنيا خاصة و في الآخرة في الجنة عموما و لما خلق الله همما فعالة في الوجود في الحس و همما غير فعالة في الوجود في الحس ظهر بذلك التفاضل في الهمم كما ظهر التفاضل في جميع الأشياء حتى في الأسماء الإلهية و الهمم الفعالة في الدنيا قد تفعل في همم غير أصحابها و قد لا نفعل مثل قوله فيما لا تفعل إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ فبعض الهمم الفعالة و المنفعلة قد لا تنفعل لهمة فعالة فيريد منه أن يريد أمرا ما فلا يريده من يريد منه أن يريده لأن الهمم تتقابل للجنسية فلهذا قد لا تؤثر فيها فإذا تعلقت بغير الجنس أثرت كل همة فعالة و لا بد و أما في جنسها أعني في الهمم فقد تنفعل لها بعض الهمم و قد لا تنفعل و قد ظهر ذلك في الرسل ع و أتباعهم يريد الرسول من شخص أن يريد الإسلام فيريده فيسلم و يريد من آخر إن يريد الإسلام فلا يريده فلو تعلقت همة الرسول بتحريك الألسنة بالشهادة بالتوحيد من غير إرادة الناطق بها لوقعت عموما و لكن لا تنفع صاحبها و إن كانت تنفع للسانه فإن لسانه ما عصى الله قط من حيث نفسه و إنما وقعت فيه المخالفة لا منه من حركة المريد تحريكه فهو مجبور حيث لم يعط الدفع عن نفسه لكونه من آلات النفس فهو طائع من ذاته و لو فتح الله سمع صاحبه لنطق اللسان الذاتي إذا جعلته النفس يتلفظ بمخالفة ما أراد الشرع أن يتلفظ به لبهت فلهذا قلنا إن المخالفة ظهرت فيه للجبر لا منه فإنه طائع بالذات شاهد عدل على محركه كما ورد يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ بها و كذلك كل جارحة مصرفة من سمع و بصر و فؤاد و جلد و عصب و فرج و نفس و حركة
و الناس في غفلة عما يراد بهم و في عماية عماهم عليه له
فالإنسان سعيد من حيث نشأته الطبيعية و من حيث نشأة نفسه الناطقة بانفراد كل نشأة عن صاحبتها و بالمجموع ظهرت المخالفة و ما عين المخالفة إلا التكليف فإذا ارتفع التكليف حيث ارتفع الحكم بالمخالفة و لم يبق إلا موافقة دائمة و طاعة ممكن لواجب مستمرة كما هو في نفس الأمر في وقت المخالفة مطيع للمشيئة مخالف لأمر الواسطة للحسد الذي في الجنس و في هذا المنزل من العلوم علم توحيد الحق و تصديق المخبرين عن الحق و هم التراجمة السفراء من بشر و ملك و خاطر و علم الفرقان بالعلم بما تميزت به الأشياء و هذا هو علم التوحيد العالم الذي يسرى في كل واحد واحد من العالم و علم الكشف الإلهي و فيه علم التناسل الذي لا ينقطع دنيا و لا آخرة و فيه علم الحضرة التي وقع فيها التشبيه بين الأشياء و الاشتراك في الصورة و فيه علم ما ينفرد به الحق من العلم دون الخلق مما لا يعلمه الخلق إلا بإعلام الله و فيه علم الميل و الاستقامة و فيه علم الجمع للتفصيل و فيه علم العوائد لما ذا ترجع و ما ثم تكرار و الإعادة تكرار فالأمر مشكل و سبب أشكاله ذكر الحق العادة و الإعادة و الكشف يعطي عدم الإعادة في الكون لا الإعادة في نشء الآخرة فإن تلك الإعادة حكم إلهي في حق أمر ما مخصص بمنزلة من خرج من دار ثم عاد إليها فالدار الدار و الخارج الداخل و ما ثم إلا انتقال في أحوال لا ظهور أعيان مع صحة إطلاقها أن الخارج من الدار عاد إلى داره فعلمنا متعلق الإعادة و فيه علم المفاضلة بالدار و فيه علم نعوت أهل الله و فيه علم ما يشترك فيه الحق و العالم العالم بالله و ما ثم إلا عالم بالله غير أنه من العلماء من يعلم أنه عالم بالله و من الناس من لا يعلم أنه عالم بالله و هو على علم بمن يشهد و يعاين و لا يعلم أنه الحق فلو سألته هل تعلم الله قال لا فلو سألته فيما شهده هل تعلم هذا الذي شهدته من حيث ما هو مشهود لك يقول نعم يقال له فمن هو يقول هذا الذي أشهده فيقال له فمن يقال له يقول لا أدري فإذا قيل له هو كذا أي هو فلان بالاسم الذي يعرفه به و لكن ما عرف أن هذا المشهود هو مسمى ذلك الاسم فما جهلإلا حمل هذا الاسم على هذا المشهود فقد كان موصوفا بعلم الاسم و موصوفا بعلم المشهود من حيث ما هو مشهود له و ما استفاد إلا كون هذا المشهود مسمى ذلك الاسم المعلوم و فيه علم انقياد الخلق للحق و أنه نتيجة عن انقياد الحق للخلق لطلب الممكن الواجب فانقاد له الواجب فيما طلبه فأوجده و لم يكن شيئا و فيه علم سبب الاختلاف الواقع في العالم مع العلم بما يوجب رفع الاختلاف فما الذي حكم على العلم مع قوة سلطانه و فيه علم الاغترار و ما سببه الذي أظهره و فيه علم ما هو العمل و الكسب و الفرق بين الكسب و الاكتساب لأن الله ميز الكسب من الاكتساب باللام و بعلي فقال لَها ما كَسَبَتْ وَ عَلَيْها ما اكْتَسَبَتْ و فيه علم الاختيار الإلهي و فيه علم متى يستند إلى الضد فيكون الضد رحمة لضده مع أنه عدو له بالطبع و فيه علم التحجير عن الخوض في الله و فيه علم الإحاطة بالأعمال إحاطة مشاهدة لا إحاطة تلبس و في أي خزانة ادخرت إلى وقت شهودها و ما حكمها بعد شهودها في نفسها و فيما يعود منها على العامل لها و فيه علم ما الحضرة التي تقلب الحقائق و لا تقلب نفسها و هي من جملة الحقائق و فيه علم المناسبات و فيه علم ما يرجع إليه في الحكم مما لا يتصف بالقول و مع ذلك فله الفصل في بعض القضايا و هو الاقتراع و أمثاله و فيه علم الغاية التي تطلبها الرسل من الله في هذه الدار و فيه علم النيابة الإلهية في التكوين و فيه علم غريب متعلق بالمحبة و هو الزهد في المحبوب من أجل المحبوب مع اتصافه بالحب في المزهود فيه و بقاء ذلك الوصف عليه و فيه علم الاعتصام و فيه علم البياض و السواد و لبعض أهل الطريق تأليف فيه سماه البياض و السواد و فيه علم فضل الأمم بعضهم على بعض و فضل هذه الأمة المحمدية على سائر الأمم و هل من أمة محمد ص من كان قبل بعثته فرآه في كشفه و آمن به و اتبعه في قدر ما كشف له منه و هل يحشر من هذه صفته في أمته أو يحشر أمة وحده أو كان صاحب هذا الكشف متبعا لشرع نبي خاص كعيسى أو موسى أو من كان من الرسل ع فرأى مشاهدة أن الشرع الذي جاء به ذلك النبي الخاص الذي هذا متبعة إنه نائب فيه عن محمد ص و أن ذلك شرعه فاتبعه على أنه شرع محمد ص و أن ذلك الرسول مبلغ عنه ما ظهر به من الشرع فهل يحشر مثل هذا في أمة محمد ص أو يكون من أمة ذلك النبي ثم إنه إذا اتفق أن يحشر في أمة ذلك الرسول ثم دخل الجنة و نال منزلته هل ينالها في منازل هذه الأمة المحمدية أو لا ينزل منها إلا في منازل أتباع ذلك الرسول و أمته أو له في منازل ذلك الرسول مع أمته منازل من حيث ما هو متبع و له منازل مع الأمة المحمدية من حيثما اتبعه بما أعطاه الكشف الذي ذكرناه آنفا و فيه علم الصحبة و من يصحبك بالصفة و من يصحبك بالوجه و من يصحبك بالوجه و من يصحبك لك و من يصحبك لنفسه و من يصحبك لله و من أولى بالصحبة و من يصحب الله و من له مقام أن يصحب و لا يصحب أحدا و الفرق بين الصحبة و المصاحبة و فيه علم المقامات و الأحوال و فيه علم نعم و بئس و فيه علم الجزاء في الدنيا و فيه علم اتصاف العالم بالاستفادة فيما هو به عالم و فيه علم أصناف المقربين و درجاتهم في القربة من كل أمة و فيه علم من يريد الله و من يريد غير الله و ما متعلق الإرادة و هل يصدق من يقول إنه يريد الله أو لا يصدق و فيه علم الالتباس في الموت و من اتصف بالضدين و فيه علم الاستدراج و فيه علم ما يقبله الحق من النعوت و لا ينبغي أن تنسب إليه لكونها في العرف و الشرع صفة نقص في الجناب الإلهي و هي شرف و رفعة في المحدث و فيه علم فنون من العلوم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ