قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثاني و الثمانون و ثلاثمائة» في معرفة منزل الخواتم و عدد الأعر

الفتوحات المكية — المجلد الثالث — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

موسوية لزومية

علم البرازخ علم ليس يدركهإلا الذي جمع الأطراف و الوسطا
له النفوذ به في كل نازلةكونية فبه في العالمين سطا
فإن أراد بشخص نقمة قبضاو إن أراد بشخص نعمة بسطا
إن أقسط الخلق في ميزان رحمتهفي العالمين تراه فيه قد قسطا

اعلم أنه لما كانت الخواتم أعيان السوابق علمنا إن الوجود في الصور دائرة انعطف أبدها على أزلها فلم يعقل إله إلا و عقل المألوه و لا عقل رب إلا و عقل المربوب و لكل معقول رتبة ليست عين الأخرى كما نعلم أن بين الخاتمة و السابقةتميزا معقولا به يقال عن الواحدة سابقة و عن الأخرى خاتمة و إنما قلنا إن الخاتمة عين السابقة إنما ذلك في الحكم على المحكوم عليه و بالمحكوم عليه تبينت الخاتمة من السابقة و اعلم أن الأعراس على قسمين عرس لعقد و عرس لعقد و دخول و عرس بدخول و لا عقد و العقد عبارة عما يقع عليه رضي الزوجين و الدخول وطء لوجود لذة أو لإيجاد عين و دخول بلا عقد عرس الإماء و لما لم يكن في الأنكحة أفضل من نكاح الهبة لأنه لا عن عوض كالاسم الواهب الذي يعطي لينعم اختص به لفظه أفضل الخلق و هو محمد ص قال تعالى وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ و كل نكاح خارج عما ذكرناه فهو سفاح لا نكاح أي هو بمنزلة الشيء السائل الذي لا ثبات له لأنه لا عقد فيه و لا رباط و لا وثاق ثم نرجع و نقول فأما الخواتم فتعينها الآجال و لو لا ذلك ما كان لشيء خاتمة لأن الخاتمة انتهاء في الموصوف بها و لكل خاتمة سابقة و لا ينعكس فمن نظر إلى دوام تنزيل الأمر الإلهي و استرساله قال ما ثم خاتمة و من نظر إلى الفصل بين الأشياء في التنزل قال بالخواتم في الأشياء لكون الفصول تبينها مثال ذلك و لكن كل هذا في عالم الانقسام و التركيب فإذا نظرت في القرآن مثلا بين الكلمتين و الآيتين و السورتين فتقول عند وجود الفصل المميز بين الأمرين فإن وقع بين كلمتين فخاتمة الأولى حرف معين و إن كان آيتان فخاتمة الأولى كلمة معينة و إن كان سورتان فخاتمة الأولى آية معينة و إن كان أمر حادث قيل أجله كذا في الدنيا لأن كل ما في الدنيا يَجْرِي إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى فتنتهي فيه المدة بالأجل فخاتمة ذلك الشيء ما ينتهي إليه حكمه فانتهاء الأنفاس في الحيوان آخر نفس يكون منه عند انتقاله إلى البرزخ ثم تنتهي المدة في البرزخ إلى الفصل بينه و بين البعث ثم تنتهي المدة في القيامة إلى الفصل بينها و بين دخول الدارين ثم تنتهي المدة في النار في حق من هو فيها من أهل الجنة إلى الفصل الذي بين الإقامة فيها و الخروج منها بالشفاعة و المنة ثم تنتهي المدة في عذاب أهل النار الذين لا يخرجون منها إلى الفصل بين حال العذاب و بين حصول حكم الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فهم يتنعمون في النار باختلاف أمزجتهم كما قد ذكرناه ثم لا يبقى بعد ذلك أجل ظاهر بالمدة و لكن آجال خفية دقيقة و ذلك أن المحدث الدائم العين من شأنه تقلب الأحوال عليه ليلزمه الافتقار إلى دوام الوجود له دائما فلا تفارق أحواله الآجال فلا يزال في أحواله بين سابقة و خاتمة و أما الايمان فسابقته لا إله إلا الله و خاتمته إماطة الأذى عن الطريق فعبر الشارع عن السابقة بالأعلى و عن الخاتمة بالأدون فلا أعلى في الايمان من التوحيد و لا أدنى فيه من إماطة الأذى عن الطريق و من ذلك طريق التوحيد فإن الأذى الذي في طريقه الشرك الجلي و الخفي فالخفي الأسباب و هي بين خفي و أخفى فالأخفى الأسباب الباطنة و الخفي الأسباب الظاهرة و الجلي نسبة الألوهة إلى المحدثات فيميط الموحد هذه كلها عن قلبه و قلب غيره فإنها أذى في طريق التوحيد و كل أذى في طريق من طرق الايمان بحسب الصفة التي تسمى إيمانا فما يضادها يسمى أذى في طريقها فالذي يزال به الأذى من تلك الصفة المعينة هو خاتمة تلك الصفة كان ما كان و لا خاتمة لحكم الله في عباده بالجملة و الإطلاق و لا سابقة فإن العدم الذي للممكن المتقدم على وجوده لم يزل مرجحا له بفرض الوجود الإمكانى له فلا سابقة له و هو علم دقيق خفي تصوره سهل ممتنع لأنه سريع التفلت من الذهن عند التصور فليس الحدوث للممكن إلا من حيث وجوده خاصة عند جميع الأنظار و عندنا ليس كذلك و إنما الحدوث عندنا في حقه كون عدمه و وجوده لم يزل مرجحا على كل حال لأنه ممكن لذاته و إن كان بعض النظار قد قال حدوثه ليس سوى إمكانه و لكن ما بين هذا البيان الذي بينته في ذلك يتطرق الاحتمال إلى كلام هذا الحاكم فإنه يحتمل أن يكون عند من أسماء الترادف فيكون كونه يسمى حادثا كونه يسمى ممكنا و يحتمل أن يريد ما أردناه من كون العدم الذي يحكم عليه به أنه لذاته هو عندنا مرجح لم يزل فإن توسعنا في العبارة مع النظار لم نقل إن عدم الممكن لنفسه لأنه لو كان العدم له صفة نفس لاستحال وجوده كما يستحيل وجود المحال و لكن كما نقول تقدم العدم له على الوجود لذاته لا العلم و بينهما فرقان عظيم و لكن ليس مذهبنا فيه إلا إن عدمه لم يزل مرجحا فوجود الممكن له سابقة لكونه لم يكن ثم كان و لكن من حيث عينه إذا كان قائما بنفسه لا من حيث صورته فلا خاتمة له في عينه و له الخواتم في صورته بالأمثال و الأضداد فكل حادث سوى الأعيان القائمة بأنفسها فله سابقة و خاتمة لكنسابقته عين خاتمته لأنه ليس له في كونه غير زمان كونه خاصة ثم ينعدم لنفسه و إنما تتميز السابقة فيه من الخاتمة بالحكم فتحكم عليه بالوجود في السابقة و بالعدم في الخاتمة و في عين سابقته عين خاتمته لأنه ليس له وجود في الزمان الثاني من زمان وجوده فافهم و اعلم أن السالك إذا وصل إلى الباب الذي يصل إليه كل سالك بالاكتساب فأخر قدم في السلوك هو خاتمة السالكين ثم يفتح الباب و تخرج العطايا و المواهب الإلهية بحكم العناية و الاختصاص لا بحكم الاكتساب و هذا الباب الإلهي قبول كله لا رد فيه البتة بخلاف أبواب المحدثات و فيه أقول

كل باب إذا وصلت إليهأمكن الرد و القبول جميعا
غير باب الإله فهو قبولللذي جاءه سميعا مطيعا
و الذي رد إذ تخيل فيهأنه الباب خر ثم صريعا
فيناديه ربه ليس بابيإن بابي لمن يريد خشوعا
لو تفطنت حين جئت إليهكنت عاينت فيك أمرا بديعا
أنت ما أنت لست أنت سوانافاسكب إن شئت للفراق دموعا

و لما وصلت في جماعة الواصلين من أهل زماني إلى هذا الباب الإلهي وجدته مفتوحا ما عليه حاجب و لا بواب فوقفت عنده إلى أن خلع على خلعة الوراثة النبوية و رأيت خوخة مغلقة فأردت قرعها فقيل لي لا تقرع فإنها لا تفتح فقلت فلأي شيء وضعت قيل لي هذه الخوخة التي اختص بها الأنبياء و الرسل ع و لما كمل الدين أغلقت و من هذا الباب كانت تخلع على الأنبياء خلع الشرائع ثم إني التفت في الباب فرأيته جسما شفافا يكشف ما وراءه فرأيت ذلك الكشف عين الفهم الذي للورثة في الشرائع و ما يؤدي إليه اجتهاد المجتهدين في الأحكام فلازمت تلك الخوخة و النظر فيما وراء ذلك الباب فجليت لي من خلفه صور المعلومات على ما هي عليه فذلك عين الفتح الذي يجده العلماء في بواطنهم و لا يعلمون من أين حصل لهم إلا إن كوشفوا على ما كشف لنا فالنبوة العامة لا تشريع معها النبوة الخاصة التي بابها تلك الخوخة هي نبوة الشرائع فبابها مغلق و العلم بما فيها محقق فلا رسول و لا نبي فشكرت الله على ما منح من المتن في السر و العلن فلما اطلعت من الباب الأول الذي يصل إليه السالكون الذي منه تخرج الخلع إليهم رأيت منه شكر الشاكرين كالصور التي تجلت لنا خلف الخوخة و الظاهر من الشكر كالخوخة فلم أر شاكرا إلا لواحد من خلف الكلمات الظاهرة فلم أجد في تلك الحالة مساعد إلى على الشكر فقلت أخاطب ربي تعالى عز و جل

إذا رمت شكرا لم أجد لك شاكراو إن أنا لم أشكر أكون كفورا
سترت عقول الخلق بالسبب الذيوضعت فلم آنس عليك غيورا
و قد بلغت عنك التراجم غيرةأمرت بها عبدا بتلك خبيرا
لذلك لم تشهد و لم تك ظاهراو لو كنت مشهودا لكنت غفورا
و قد قلت بالتلبيس في الملك الذيبعثت شخيصا للأنام بصيرا
و كيف لنا بالعلم و الأمر لم يزلعلى حالة الإمكان منك ظهيرا

فكان محمد ص عين سابقة النبوة البشرية بقوله معرفا إيانا كنت نبيا و آدم بين الماء و الطينو هو عين خاتم النبيين بقوله تعالى وَ لكِنْ رَسُولَ الله وَ خاتَمَ النَّبِيِّينَ لما ادعى فيه أنه أبو زيد نفى الله تعالى عنه أن يكون أبا لأحد من رجالنا لرفع المناسبة و تمييز المرتبة أ لا تراه ص ما عاش له ولد ذكر من ظهره تشرع تفأله لكونه سبق في علم الله أنه خاتم النبيين و قال ص إن الرسالة يعني البعثة إلى الناس بالتشريع لهم و النبوة قد انقطعتأي ما بقي من يشرع له من عند الله حكم يكون عليه ليس هو شرعنا الذي جئنا به فلا رسول بعدي يأتي بشرع يخالف شرعي إلى الناس و لا نبي يكون على شرع ينفرد به من عند ربه يكون عليه فصرح أنه خاتم نبوة التشريع و لو أراد غير ما ذكرناه لكان معارضا لقوله إن عيسى ع ينزل فينا حكما مقسطا يؤمنا بناأي بالشرع الذي نحن عليهو لا نشك فيه أنه رسول و نبي فعلمنا أنه ص أراد أنه لا شرع بعده ينسخ شرعه و دخل بهذا القول كل إنسان في العالم من زمان بعثته إلى يوم القيامة في أمته فالخضر و الياس و عيسى من أمة محمد ص الظاهرة و من آدم إلى زمان بعثة رسول الله ص من أمته الباطنة فهو النبي بالسابقة و هو النبي بالخاتمة فظهر في رسول الله ص إن السابقة عين الخاتمة في النبوة و أما خاتمية عيسى ع فله ختام دورة الملك فهو آخر رسول ظهر و ظهر بصورة آدم في نشئه حيث لم يكن عن أب بشري و لم يشبه الأبناء أعني ذرية آدم في النشء فإنه لم يلبث في البطن اللبث المعتاد فإنه لم ينتقل في أطوار النشأة الطبيعية بمرور الأزمان المعتادة بل كان انتقاله يشبه البعث أعني إحياء الموتى يوم القيامة في الزمان القليل على صورة من جاءوا عليها في الزمان الكثير فإنه داخل تحت عموم قوله كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ في التناسل و التنقل في الأطوار ثم إن عيسى إذا نزل إلى الأرض في آخر الزمان أعطاه ختم الولاية الكبرى من آدم إلى آخر نبي تشريفا لمحمد ص حيث لم يختم الله الولاية العامة في كل أمة إلا برسول تابع إياه ص و حينئذ فله ختم دورة الملك و ختم الولاية أعني الولاية العامة فهو من الخواتم في العالم و أما خاتم الولاية المحمدية و هو الختم الخاص لولاية أمة محمد الظاهرة فيدخل في حكم ختميته عيسى ع و غيره كإلياس و الخضر و كل ولي لله تعالى من ظاهر الأمة فعيسى ع و إن كان ختما فهو مختوم تحت ختم هذا الخاتم المحمدي و علمت حديث هذا الخاتم المحمدي بفأس من بلاد المغرب سنة أربع و تسعين و خمسمائة عرفني به الحق و أعطاني علامته و لا أسميه و منزلته من رسول الله ص شعرة واحدة من جسده ص و لهذا يشعر به إجمالا و لا يعلم به تفصيلا إلا من أعلمه الله به أو من صدقه إن عرفه بنفسه في دعواه ذلك فلذلك عرف بأنه شعرة من الشعور و مثال الشعور أن ترى بابا مغلقا على ميت أو صندوقا مغلقا فتحس فيه بحركة توذن أن في ذلك البيت حيوانا و لكن لا يعلم أي نوع هو من أنواع الحيوان أو يشعر أنه إنسان و لا يعرف له عينا فيفصله من غيره كما نعلم بثقل الصندوق أنه يحتوي على شيء أثقله لا يعلم ما هو عين ذلك الشيء المختزن في ذلك الصندوق فمثل هذا يسمى شعورا لهذا الخفاء و أما ختم الأسماء الإلهية فهو عين سابقتها و هو الهو و هو مثل قوله هُوَ الله الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فبدأ بهو و أتى بالاسم الله المحيط بجميع الأسماء التي تأتي مفصلة ثم بالنفي فنفى إن يكون هذه المرتبة لغيره ثم أوجبها لنفسه بقوله إِلَّا هُوَ فبدأ بهو و ختم بهو فكل ما جاء من تفصيل أعيان الأسماء الإلهية فقد دخل تحت الاسم الله أتى بعد قوله هو فإن كلمة هو أعم من كلمة الله فإنها تدل على الله و على كل غائب و كل من له هوية و ما ثم إلا من له هوية سواء كان المعلوم أو المذكور موجود أو معدوما و أما الخواتم التي على القلوب فهي خواتم الغيرة الإلهية فما ختم بها إلا الاسم الغيور و هو قوله ص في الله إنه أغير مني و من غيرته حرم الفواحش و جعل الفواحش ظاهرة و باطنة فقال تعالى لمحمد ص قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَ ما بَطَنَ فختم على كل قلب إن تدخله ربوبية الحق فتكون نعتا له فما من أحد يجد في قلبه أنه رب إله بل يعلم كل أحد من نفسه أنه فقير محتاج ذليل قال تعالى كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ فلا يدخله كبرياء إلهي أصلا فجعل البواطن كلها في كل فرد فرد مختوما عليه إن لا يدخلها تأله و لم يعصم الألسنة إن تتلفظ بالدعوى بالألوهة و لا عصم النفوس أن تعتقد الألوهة في غيرها بل هي معصومة أن تعتقدها في نفسها لا في أمثالها لأنه ما كل أحد عالم بالأمور على ما هي عليه و لا يعلم كل أحد أن الأمثال كلها حكمها في الماهية واحد فهذه الخواتم قد انحصرت في تفصيل ما ذكرناه من أنواعها و أما الأعراس الإلهية على تفصيل ما ذكرناه في أول الباب فهي مشتقة من التعريس و هو نزول المسافر في منزلة معلومة في سفره و الأسفار معنوية و حسية فالسفر المحسوس معلوم و السفر المعنوي ما يظهر للقلب من المعاني دائما أبدا على التالي و التتابع فإذا مرت بهذا القلب عرست به فكان منزلا لتعريسها و إنما عرست به لتفيده حقيقة ما جاءت به و إنما نسبت إلى الله لأن الله هو الذي أسفرها و أظهرها لهذا القلب و جعله منزلا لها تعرس فيه و هي الشئون التي قال الحق عن نفسه إنه فيها جل جلاله في كل يوم فالعالم في سفر على الدوام دنيا و آخرة لأن الحق في شئون الخلق على الدوام دنيا و آخرة و القلوب محللتعريس هذه المعاني التي يسفرها الحق لقلوب عباده فتعرس فيها ليطلعه الله على ما أراد أن يعلمه ذلك القلب فما من نفس إلا و للقلب خاطر إلهي قد نزل به على أي طريق سلك لكن بعض القلوب تعرف من عرس بها من الخواطر و قد لا تعرف من أي طريق جاء لأنها ما شعرت به حتى نزل ذلك الخاطر بالقلب و بعض الناس لهم استشراف على أفواه السكك التي تأتي عليها هذه الخواطر التي تنزل بهذا القلب و تعرف كل طريق و تميزه عن صاحبه فإذا أقبل الخاطر عرف من أي طريق أقبل فإذا نزل به يقابله من الكرامة به على قدر ما يعرفه فإنه لكل طريق حكم ليس للطريق الآخر و هذا كله أعني الذي ذكرناه من المراعاة إنما ذلك في زمان التكليف فإنه الذي وضع الطريق و أوجب الأحكام فإذا ارتفع التكليف في النشأة الآخرة توحدت الطريق فلم يكون غير طريق واحدة فلا يحتاج في النازل عليه من الله المعرس بقلبه إلى تمييز أصلا فإنه ماثم عمن يتميز لأحدية الطريق فلا يكون العرس بالعقد و بما فصلناه في ذلك في أول الباب إلا في زمان التكليف و هو زمان الحياة الدنيا في أول وجوب التكليف فاعلم ذلك فإذا كان الحق منزل تعريسنا و هو ما ذكر عن نفسه إن العبد يتحرك بحركة يضحك بها ربه و يتعجب منها ربه و يتبشبش له من أجلها ربه و يفرح بها ربه و يرضي بها ربه و يسخط بها ربه و يغضب بها ربه فلما قال هذا عن نفسه و عين هذه الحركات و أمثالها حتى عرفناها من كتابه على لسان رسوله ص و عرفنا إن العبد عنده بحسب ما أنزل به من هذه الحركات الموجبة لهذه الأحكام التي وصف الحق بها نفسه أنه يظهر بها إذا أتى بها العبد و هذا حكم أثبته الحق و نفاه دليل العقل فعرفنا إن العقل قاصر عما ينبغي لله عز و جل و أنه لو ألزم نفسه الإنصاف للزم حكم الايمان و التلقي و جعل النظر و الاستدلال في الموضع الذي جعله الله و لا يعدل به عن طريقه الذي جعله الله له و هو الطريق الموصل إلى كونه إلها واحدا لا شريك له في ألوهيته و لا يتعرض لها لما هو عليه في نفسه و أما استدلاله القاصر الذي يريد أن يحكم به على ربه بقوله إنه ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث بتقسيمه في ذلك فإذا سلمناه لم يقدح فيما نريده فإنا نقول له من قال لك إن الحق بهذه المثابة و هو قولك كل ما لا يخلو عن الحوادث في نفسه فمن قال لك إن هذه في الموجودات منحصرة إنما ذلك حكم فيما لا يخلو عن الحوادث لا فيمن يخلو عن الحوادث و أما تقسيمك الآخر على هذا الجواب و هو قولك إنه إذا خلا عنها ثم قبلها فلا يخلو إما أن يقبلها لنفسه أو لأمر آخر ما هو نفسه فإن قبلها لنفسه فلا يخلو عنها و إذا لم يخل عنها فهو حادث مثلها و نقول له أما الحوادث كلها فيستحيل دخولها في الوجود لأنها لا تتناهى و أنت تعلم أن الذي يقبل الحوادث قد كان خليا عنها أي عن حادث معين مع وجود نفسه ثم قبل ذلك الحادث لنفسه لأنه لو لا ما هو على صفة يقبله ما قبله فقد عرا و خلا عن ذلك الحادث بعينه مع وجود نفسه فما من حادث تفرضه إلا و يعقل وجود نفس القابل له و ذلك الحادث غير موجود و إن لم يخل عن الحوادث فلا يلزم أن يكون حادثا مثلها مع قبوله لها لنفسه فالحق قد أخبر عن نفسه أنه يجيب عبده إذا سأله و يرضى عنه إذا أرضاه و يفرح بتوبة عبده إذا تاب فانظر يا عقل لمن تنازع و من المحال أن نصدقك و نكذب ربك و نأخذ عنك الحكم عليه و أنت عبد مثلي و نترك الأخذ عن الله و هو أعلم بنفسه فهو الذي نعت نفسه بهذا كله و نعلم حقيقة هذا كله بحده و ماهيته و لكن نجهل النسبة إلى الله في ذلك لجهلنا بذاته و قد منعنا و حذرنا و حجر علينا التفكر في ذاته و أنت يا عقل بنظرك تريد أن تعلم حقيقة ذات خالقك لا تسبح في غير ميدانك و لا تتعد في نظرك معرفة المرتبة لا تتعرض للذات جملة واحدة فإن الله قد أبان لنا أنه محل أو منزل لتعريس حركات عباده في أسفارهم بأحوالهم فتفطن إن كنت ذا عقل سليم ثم إنه ما يلزم إذا كان الأمر عندك قد حدث أن يكون ذلك الأمر حادثا في نفسه لا عقلا و لا عرفا و لا شرعا فإنك تقول قد حدث عندنا اليوم ضعيف و هو صحيح حدوثه عندكم لا حدوثه في نفسه في ذلك الوقت بل قد كانت عينه موجودة منذ خمسين سنة و مع هذا فلا يحتاج إليه لبيانه و ظهوره فمن أراد الدخول على الله فليترك عقله و يقدم بين يديه شرعه فإن الله لا يقبل التقييد و العقل تقييد بل له التجلي في كل صورة كما له أن يركبك في أي صورة شاء فالحمد لله الذي ركبنا في الصورة التي لم تقيده سبحانه بصورة معينة و لا حصرته فيها بل جعلت له ما هو له بتعريفه أنه له و هو تحوله في الصور فما قدر الله حق قدره إلا الله و من وقف مع اللهفيما وصف به نفسه لم يدخله تحت حكم عقله من حيث نفسه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا و اعلم أن مسمى النكاح قد يكون عقد الوطء و قد يكون عقدا و وطأ معا و قد يكون وطأ و يكون نفس الوطء عين العقد لأن الوطء لا يصح إلا بعقد الزوجين و منه إلهي و روحاني و طبيعي و قد يكون مرادا للتناسل أعني للولادة و قد يكون لمجرد الالتذاذ فأما الإلهي فهو توجه الحق على الممكن في حضرة الإمكان بالإرادة الحبية ليكون معها الابتهاج فإذا توجه الحق عليه بما ذكرناه أظهر من هذا الممكن التكوين فكان الذي يولد عن هذا الاجتماع الوجود للممكن فعين الممكن هو المسمى أهلا و التوجه الإرادي الحي نكاحا و الإنتاج إيجادا في عين ذلك الممكن و وجودا إن شئت و الأعراس الفرح الذي يقوم بالأسماء الحسنى لما في هذا النكاح من الإيجاد الظاهر في أعيان الممكنات لظهور آثار الأسماء فيه إذ لا يصح لها أثر في نفسها و لا في مسماها و إنما أثرها و سلطانها في عين الممكن لما فيه من الافتقار و الحاجة إلى ما بيد الأسماء فيظهر سلطانها فيه فلهذا نسبنا الفرح و السرور و إقامة الأعراس إليها و هذا النكاح مستمر دائم الوجود لا يصح فيه انقطاع و الطلاق لهذا العقد النكاحي لا يقع في الأعيان القابلة للاعراض و الصور و إنما يقع في الصور و الأعراض و هو عدمها لنفسها في الزمان الثاني من زمان وجودها و هو خلع لأنه رد الوجود الذي أعطاها عليه لأنه بمنزلة الصداق لعين هذا الممكن الخاص فإن قلت فالحق لا يتصف بالوجود الحادث فمن قبل هذا المردود و أين خزانته و لا بد له من محل قلنا تجلى الحق في الصور و تحوله الذي جاء به الشرع إلينا و رأيناه كشفا عموما و خصوصا هو عين ما ردته الممكنات الصورية و العرضية من الوجود حين انعدمت فالحق له نسبتان في الوجود نسبة الوجود النفسي الواجب له و نسبة الوجود الصوري و هو الذي يتجلى فيه لخلقه إذ من المحال أن يتجلى في الوجود النفسي الواجب له لأنه لا عين لنا ندركه بها إذ نحن في حال عدمنا و وجودنا مرجحين لم يزل عنا حكم الإمكان فلا نراه إلا بنا أي من حيث تعطيه حقائقنا فلا بد أن يكون تجليه في الوجود الصوري و هو الذي يقبل التحول و التبدل فتارة يوصف به الممكن الذي يختلع به و تارة يظهر به الحق في تجليه فانظر يا ولي في هذا الموطن فإنه موطن خفي جدا و لو لا لسان الشرع الذي أومأ إليه و نبه عليه ما أفصحنا عنه لأهل طريقنا فإن الكثير من أهل طريق الله و إن شهدوا تجلى الحق لكن لا معرفة لهم بذلك و لا بما رأوه و لا صورة ما هو الأمر عليه و من علم ما قررناه من بيان قصد الشرع فيه علم كيف صدور العالم و ما هو العالم و ما يبقى عينه من العالم و ما يفنى منه و ما يرثه الحق من العالم فإنه القائل إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها وَ إِلَيْنا يُرْجَعُونَ و ما ورث على الحقيقة إلا الوجود الذي يتجلى فيه لمن ظهر من خلقه الذي اختلعت فيه صور الممكنات و أعراضها لأن الوارث لا يكون مع وجود الموروث عنه و بقائه و إنما يكون بعد انتقاله و عدمه من هذا الموطن و هو اتصافه بالعدم و ليس ذلك إلا للصور و الأعراض فهو وارث على الدوام و الاختلاع واقع على الدوام و القبول حاصل على الدوام و النكاح لازم على الدوام و هذا معنى الديمومة المنسوبة إلى الحق فهو تعالى يعمل مع كونه لم يزل موجدا للعالم و لم يزل العالم محدثا فالعالم له حكم الحدوث في عين القدم فلا يعقل له طرف ينتهي إليه لأنه من ذاته لم يزل تحت حكم الترجيح الإلهي له إما بالعدم أو بالوجود و إذا تقرر هذا في النسبة الإلهية فلنذكر حكم النسبة الروحانية في هذه المسألة و ذلك أن الوجود الذي ذكرناه في النسبة الإلهية هو الوجه الخاص الذي لكل ممكن من الله سواء كان هناك سبب وضعي أو لم يكن فالله الإيجاد على كل حال و بكل وجه علوا و سفلا و أما النكاح الروحاني فحضرته الطبيعة و هي الأهل الأصلي في النكاح الإلهي فإذا ولدت في النكاح الأول صورة من الصور كانت تلك الصورة أهلا لهذا الروح الكل فانكحه الحق إياها فبنى بها فلما واقعها ظهر عن ذلك الوقاع ولد و هو الروح الجزئي فحييت به تلك الصورة و صار هذا الولد يقوم بها و يدبرها و يسعى عليها و يسافر و يقتحم الأخطار ليكتسب ما يجود به عليها حسا و معنى أي من الأرزاق المحسوسة و المعنوية و العرس الذي يكون لهذا النكاح الروحاني إنما تقيمه القوي التي لا ظهور لها إلا في هذه الصورة الطبيعية بوجود هذا النكاح فيقع لها الالتذاذ و الفرح بما يحصل لها من الأثر بوجود هذا البناء و أما النكاح الطبيعي فهو ما تطلبه هذه الأرواح الجزئية المدبرة لهذه الصور من اجتماع الصورتين الطبيعية بالالتحامو الابتناء المسمى في عالم الحس نكاحا فيتولد عن هذا النكاح أمثال الزوجين من كل حيوان و نبات فيظهر إنسان من إنسانين و فرس من فرسين و قد يقع الالتحام من غير المثلين فيتولد بينهما شكل غريب ما يشبه عين واحد من الزوجين كالبغل بين الحمار و الفرس و كل مولد بين شكلين مختلفين لا يولد أبدا فإنه عقيم فهو الذي يولد و لا يلد فنكاح مثل هذا النوع ليس لولادة و لكن لمجرد الشهوة و الالتذاذ فيشبه النكاح الأول هذا النكاح الذي حرج عنه غير جنس الزوجين من كونه نكاحا في غير الجنس فيتولد بينهما الشكل الغريب ما يشبه واحدا منهما أعني من الزوجين فافهم و تلقيح الشجر بالرياح اللواقح من النكاح الطبيعي و أما الريح العقيم فيشبه نكاحها نكاح الشكل الغريب الذي لا يتولد عنه شيء و أعراس هذا النكاح الطبيعي ما هو المشهود في العرف المسمى عرسا في الشاهد من الولائم و الضرب بالدفوف و أما ما يتولد من النكاح الطبيعي في الشجر فهو ما يعطيه من الثمر عند هذا الحمل و صورة وقع نكاح الأشجار زمان جرى الماء في العود و هو عند طلوع السعود فهو نكاح سعيد في طالع سعيد و ما قبل ذلك فهو زمان خطبة و رسل تمشي بين الزوجين الرجل و المرأة و وقوع الولادة على قدر زمان حمل هذين النوعين من الشجر فمنه ما يولد في الربيع و منه ما يولد في الصيف كما يكون حمل الحيوان يختلف زمانه باختلاف طبيعته فإنه لا يقبل من تأثير الزمان فيه إلا بقدر ما يعطيه مزاجه و طبعه فإذا نكح الجو الأرض و أنزل الماء و دبرته في رحمها آثار الأنوار الفلكية ضحكت الأرض بالأزهار وَ أَنْبَتَتْ من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ و إنما كان زوجا من أجل ما يطلبه من النكاح إذ لا يكون إلا بين الزوجين فعين عرسه هو ما تبرزه من الأزهار و المخلقة في النبات هو ما سلم من الجوائح و غير المخلقة ما نزلت به الجائحة وَ الله عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فهذا قد ذكرنا طرفا من الخواتم و الأعراس مجملا من غير تفصيل لكن حصرنا الأمهات في ذلك و أما الأسرار الأعجمية فإنما سمينها أعجمية لأن العربية من الأسرار هي التي يدركها عين الفهم صورا كالآيات المحكمات في الكتب المنزلة و الأسرار الأعجمية ما تدرك بالتعريف لا بالتأويل و هي كالآيات المتشابهات في الكتب المنزلة فلا يعلم تأويلها إلا الله أو من أعلمه الله ليس للفكر في العلم بها دخول و لا له فيها قدم و ما يتبع استخراج السر فيها إلا الذي ذكره الله تعالى و هو الذي في قلبه زيغ أي ميل عن الحق باتباعه ما قد ذكر الله فيه أنه لا يعلم تأويله إلا الله فمن أراد أن يعلم ذلك فلا يخض في تلك الأسرار و ليتعمل في الطريق الموصلة إلى الله و هو العمل بما شرع الله له بالتقوى فإنه قال تعالى إنه ينتج لصاحبه علم الفرقان فإذا عمل به تولى الله تعليمه تلك الأسرار الأعجمية فإذا أنالها إياه صارت في حقه عربية فيعلم ما أراد الله بها و يزول عنه فيها حكم التشابه الذي كانت توصف به قبل العلم بها لأن الله جلاها متشابهة لها طرفان في الشبه فلا يدري صاحب النظر ما أراد منزلها بها في ذلك التشابه فإنه لا بد من تخليصه إلى أحد الطرفين من وجه خاص و إن جمعت بين الطرفين فلكل طرف منهما ما ليس للآخر من ذلك المخلوق أو من ذلك المنزل إن كان من صور كلام الله فالمنزل كقوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى و كقوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و كقوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ و كقوله وَ هُوَ الله في السَّماواتِ وَ في الْأَرْضِ و كقوله هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ و كقوله وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و أمثال هذا في الكتب المنزلة و أما أخبار الرسل المترجمين عن الحق ما أوحى به على ألسنتهم إلينا فلا تحصى كثرة من الأمور المتشابهة فلا يتبع ذلك بعد التعريف إلا من في قلبه زيغ و أما من يتبع الطرق الموصلة إلى الكشف عنها فما هو من أهل الزيغ بل هو من أهل الاستقامة فالمحمدي هو المحكم من الآيات لأنه عربي و المتشابه موسوي لأنه أعجمي فالعجمية عند أهل العجمية عربية و العربية عند الأعاجم عجمة و في الألفاظ هي مستورة بالاصطلاح و ما ثم عجمة إلا في الاصطلاح و الألفاظ و الصور الظاهرة و أما في المعاني فكلها عربية لا عجمة فيها فمن ادعى علم المعاني و قال بالشبه فلا علم له أصلا بما ادعاه أنه علمه من ذلك فإن المعاني كالنصوص عند أهل الألفاظ لأنها بسائط لا تركيب فيها و لو لا التركيب ما ظهر للعجمة صورة في الوجود و في هذا المنزل من العلوم ما لا يحصى كثرة إن ذكرناها طال الأمر فيها و لهذا المنزل السيادة على كل منزل من منازل الجمع و الوجود و قد ذكرنا حصر هذه المنازل في هذا الكتاب فيما تقدمفي هذا الباب فاعلم إن هذا المنزل هو منزل البرزخ الحقيقي فإن البرزخ يتوسع فيه الناس و ما هو كما يظنون بما هو كما عرفنا الله به في كتابه في قوله في البحرين بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فحقيقة البرزخ أن لا يكون فيه برزخ و هو الذي يلتقي ما بينهما بذاته فإن التقى الواحد منهما بوجه غير الوجه الذي يلقى به الآخر فلا بد أن يكون بين الوجهين في نفسه برزخ يفرق بين الوجهين حتى لا يلتقيان فإذا ليس ببرزخ فإذا كان عين الوجه الذي يلتقي به أحد الأمرين الذي هو بينهما عين الوجه الذي يلتقي به الآخر فذلك هو البرزخ الحقيقي فيكون بذاته عن كل ما يلتقي به فيظهر الفصل بين الأشياء و الفاصل واحد العين و إذا علمت هذا علمت البرزخ ما هو و مثاله بياض كل أبيض هو في كل أبيض بذاته ما هو في أبيض ما بوجه منه و لا في أبيض آخر بوجه آخر بل هو بعينه في كل أبيض و قد تميز الأبيضان أحد هما عن الآخر و ما قابلهما البياض إلا بذاته فعين البياض واحد في الأمرين و الأمران ما هو كل واحد عين الآخر فهذا مثال البرزخ الحقيقي و كذلك الإنسانية في كل إنسان بذاتها الواحد هو البرزخ الحقيقي و ما ينقسم لا يكون واحدا و الواحد يقسم و لا يقسم أي و لا ينقسم في نفسه فإنه إن قبل القسمة في عينه فليس بواحد و إذا لم يكن واحدا لم يقابل كل شيء من الأمرين الذي يكون بينهما بذاته و الواحد معلوم أنه ثم واحد بلا شك و البرزخ يعلم و لا يدرك و يعقل و لا يشهد ثم إن الناس جعلوا كل شيء بين شيئين برزخا توسعا و إن كان ذلك الشيء المسمى عندهم برزخا جسما كبيرا أو صغيرا لكنه لما منع أن يلتقي الأمران اللذان هو بينهما سموه برزخا فالجوهران اللذان يتجاوران و لا ينقسم كل واحد منهما عقلا و لا حسا لا بد من برزخ يكون بينهما و تجاور الجوهرين تجاور أحيازهما و ليس بين أحيازهما حيز ثالث ليس فيه جوهر و بين الحيزين و الجوهرين برزخ معقول بلا شك هو المانع أن يكون عين كل جوهر عين الآخر و عين كل حيز عين الآخر فهو قد قابل كل جوهر و كل حيز بذاته من عرف هذا عرف حكم الشارع إذ قال إن الله خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء مع حصول النجاسة فيه بلا شك و لكن لما كانت النجاسة متميزة عن الماء بقي الماء طاهرا على أصله إلا أنه يعسر إزالة النجاسة منه فما أباح الشارع من استعمال الماء الذي فيه النجاسة استعملناه و ما منع من ذلك امتنعنا منه لأمر الشرع مع عقلنا أن النجاسة في الماء و عقلنا أن الماء طهور في ذاته لا ينجسه شيء فما منعنا الشارع من استعمال الماء الذي فيه النجاسة لكونه نجسا أو تنجس و إنما منعنا من استعمال الشيء النجس لكوننا لا نقدر على فصل أجزائه من أجزاء الماء الطاهر فبين النجاسة و الماء برزخ مانع لا يلتقيان لأجله و لو التقيا لتنجس الماء فاعلم ذلك أ لا ترى الصور التي في سوق الجنة كلها برازخ تأتي أهل الجنة إلى هذا السوق من أجل هذه الصور و هي التي تتقلب فيها أعيان أهل الجنة فإذا دخلوا هذا السوق فمن اشتهى صورة دخل فيها و انصرف بها إلى أهله كما ينصرف بالحاجة يشتريها من السوق فقد يرى جماعة صورة واحدة من صور ذلك السوق فيشتهيها كل واحد من تلك الجماعة فعين شهوته فيها التبس بها و دخل فيها و حازها فيحوزها كل واحد من تلك الجماعة و من لا يشتهيها بعينه واقف ينظر إلى كل واحد من تلك الجماعة قد دخل في تلك الصورة و انصرف بها إلى أهله و الصورة كما هي في السوق ما خرجت منه فلا يعلم حقيقة هذا الأمر الذي نص عليه الشرع و وجب به الايمان إلا من علم نشأة الآخرة و حقيقة البرزخ و تجلى الحق في صور متعددة يتحول فيهن من صورة إلى صورة و العين واحدة فيشهد بصرا تحوله في صور و يعلم عقلا أنها ما تحولت قط فكل قوة أدركت بحسب ما أعطتها ذاتها و الحق في نفسه صدق العقل في حكمه و صدق البصر في حكمه ثم له علم بنفسه ما هو عين ما حكم به العقل عليه و لا هو عين ما حكم به شهود البصر عليه و لا هو غير هذين بل هو عين ما حكما به و هو ما علمه الحق من نفسه مما لم يعلمه هذان الحاكمان فسبحان العليم القدير قدر و قضى و حكم و أمضى وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ في كل معبود و أين أبين من تحوله في صور المعبودات و لكن أكثر الناس لا يعلمون ثم شرع لنا أن لا نعبده في شيء منها و إن علمنا أنه عينها و عصى من عبده في تلك الصور و جعله مشركا و حرم على نفسه المغفرة فوجبت المؤاخذة في المشرك و لا بد ثم بعد ذلك ترتفع المؤاخذة و ما ارتفعت إلا لجهله بصورة ما عنده في الشريك بنفي تلك الصفة في الآخرة عن الشريك فلذلك عوقب و لذلك شملته الرحمة بعد العقوبة و إنلم يخرج من النار و العالم منا هنا بصورة ما عبده المشرك ما نزحزح عن علمه في الدنيا و لا في الآخرة لأنه لم تقع عينه في الدنيا و لا تعلق علمه إلا على المعبود في تلك الصورة و المشرك لم يكن حاله كذلك و إنما كان حاله شهودا لصورة فرجع المشرك عنها في الآخرة و لم يرجع العالم فلو رجع لكان من الجاحدين فلا يصح له أن يرجع

فالشرك باق و لكن ليس يعلمهإلا الذي شاهد الأعيان و الصورا
فمن يقول بتوحيد أصاب و منيقول بالشرك فيه صدق الخبرا
إن الشريك لمعدوم و ليس لهفي عين عابدة عين و لا أثرا

و في هذا المنزل من العلوم لا يعلمه نبي و لا ولي كان قبل هذه الأمة اختص بعلمه هذا الرسول محمد ص و هذه الأمة المحمدية فالكامل من هذه الأمة حصل له هذا المقام ظاهرا و باطنا و غير الكامل حصل له ظاهرا أو باطنا و لم يكمل له و لكن شمله لكونه من الأمة أمة محمد ص و لا يكاثر من أمته إلا بالمؤمنين منهم صغيرا كان المؤمن أو كبيرا فإن الذرية تابعة للآباء في الايمان و لا يتبعونهم في الكفر إن كان الآباء كفارا و لكن تعزل كفار كل أمة بمعزل عن كفار الأمة الأخرى فإن العقوبة تعظم بعظم من كفر به هذا هو المعهود إلا كفار هذه الأمة فإنهم أخف الناس عذابا لكون من كفرت برسالته التي أرسله الله بها رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ و قد أبان الله ذلك في الدنيا و جعله عنوان حكم الآخرة و ذلك أن رسول الله محمدا ص لما اشتد قيامه في الله و غيرته على الحق في قصة رعل و ذكوان و عصية جعل يدعو عليهم في كل صلاة شهرا كاملا و هو القنوت فأوحى الله تعالى إليه في ذلك لما علم من إجابته إياه إذا دعاه في أمر فنهاه عن الدعاء عليهم إبقاء لهم و رحمة بهم فقال وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أي لترحمهم فإنه مرسل إلى جميع الناس كافة ليرحمهم بأنواع وجوه الرحمة و من وجوه الرحمة أن يدعو لهم بالتوفيق و الهداية و قد صح عنه ص أنه كان يقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون و نهى عن الدعاء عليهم فإذا كان من أشرك به يعتب رسوله ص في الدعاء عليهم فكيف يكون فعله فيهم إذا تولى سبحانه الحكم فيهم بنفسه و قد علمنا أنه تعالى ما ندبنا إلى خلق كريم إلا كان هو أولى به فمن هنا يعلم ما حكمه في المشركين يوم القيامة من أمة محمد ص و إن أخذهم الله بالشرك في الآخرة إذ لا بد من المؤاخذة و لكن مؤاخذته إياهم فيها لطف إلهي لا يستوي فيه مشرك غير هذه الأمة بمشركها أعرف ذلك اللطف و لا أصرح به كما ذكر ص فيمن أصابتهم النار من هذه الأمة بذنوبهم بل من الأمم إن الله يميتهم فيها أمانة الحديث و قد مر في هذا الكتاب خرجه مسلم في صحيحه و قد رميت بك على الطريق لتعلم حكم الله في هذه الأمة المحمدية مؤمنها و الكافر بها فإن كفر الكافر منها لا يخرجه عن الدعوة فله أو عليه حكمها و لا بد فهم خير أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ المؤمن منهم بإيمانه و الكافر منهم بكفره هما خير من كل مؤمن من غير هذه الأمة و كافر و هذا الذي ذكرناه في هذا المنزل بالنظر إلى ما يحويه من العلوم جزء من ألف جزء بل من آلاف وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ