اعلم أيدنا الله و إياك بروح القدس أن احتقار شيء من العالم لا يصدر من تقي يتقي الله فكيف من عالم بالله علم دليل أو علم ذوق فإنه ليس في العالم عين إلا و هو من شعائر الله من حيث ما وضعه الحق دليلا عليه و وصف من يعظم شعائر الله فقال وَ من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ أي فإن عظمتها من تقوى القلوب أو الشعائر عينها من تقوى القلوب ثم إن كان شعائر الله في دار التكليف قد حد الله لها للمكلف في جميع حركاته الظاهرة و الباطنة حدودا عمت جميع ما يتصرف فيه روحا و حسا بالحكم و جعلها حرمات له عند هذا المكلف فقال وَ من يُعَظِّمْ حُرُماتِ الله و تعظيمها أن يبقيها حرمات كما خلقها الله في الحكم فإن ثم أمورا تخرجها عن إن تكون حرمات كما تكون في الدار الآخرة في الجنة على الإطلاق من غير منع و هو قوله تعالى نَتَبَوَّأُ من الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ و لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ و قوله إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ في شُغُلٍ فاكِهُونَ و ارتفع الحجر فربما يقام العبد في دار التكليف في هذا الموطن فيريد التصرف فيه كما تعطيه حقيقته و لكن في موطنه فيسقط حرمات الله في ذلك فلا يرفع بها رأسا و لا يجد لها تعظيما فيفقد خيرها إذا لم يعظمها عند ربه كما قال وَ من يُعَظِّمْ حُرُماتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ و إنما قال هذا و لم يتوعد بسبب أن أصحاب الأحوال إذا غلبت عليهم كانوا أمثال المجانين ارتفع عنهم القلم فيفوتهم لذلك خير كثير عند الله و لهذا لا يطلب الحال أحد من الأكابر و إنما يطلب المقام و نحن في دار التكليف فما فاتنا في هذه الدار من ذلك فقد فاتنا خيره هنالك فنعلم قطعا أنا لسنا من أهل العناية عند الله بفوت هذا الخير هذا إذا لم تتعمل في تحصيل هذا الحال الذي يفوتنا هذا الخير فكيف بنا إذا اتصفنا بهذا الحكم المفوت للخير عن نظر في أصول الأمور حين نعرف بعض حقائقها فيكون في ذلك البعض المفوت لنا هذا الخير و قد رأينا منهم جماعة كثيرة من أصحاب النظر في ذلك من غير حال ذوقي الله يعيذنا منه حالا و نظرا و لما كان الدليل يشرف بشرف المدلول و العالم دليل على وجود الله فالعالم شريف كله فلا يحتقر شيء منه و لا يستهان به هذا إذا أخذناه من جهة النظر الفكري و هو في القرآن في قوله أَ فَلا يَنْظُرُونَ ... إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ الآيات النظرية كلها الواردة في القرآن و كقوله أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا في مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و قوله إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الآية و قوله أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ و قوله أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الله يَسْجُدُ لَهُالآية و كقوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ و أمثال هذه الآيات و أما عند أهل الكشف و الوجود فكل جزء في العالم بل كل شيء في العالم أوجده الله لا بد أن يكون مستندا في وجوده إلى حقيقة الإلهية فمن حقره أو استهان به فإنما حقر خالقه و استهان به و مظهره و كل ما في الوجود فإنه حكمة أوجدها الله لأنه صنعة حكيم فلا يظهر إلا ما ينبغي لما ينبغي كما ينبغي فمن عمي عن حكمة الأشياء فقد جهل ذلك الشيء و من جهل كون ذلك الأمر حكمة فقد جهل الحكيم الواضع له و لا شيء أقبح من الجهل فإن قلت فالجهل من العالم و قد قبحته فقد قبحت من استند إليه الجهل في وجوده قلنا كان يصح هذا لو كان الجهل نسبة وجودية فالجهل إنما هو عبارة عن عدم العلم لا غير فليس بأمر وجودي و العدم هو الشر و الشر قبيح لنفسه حيثما فرضته و لهذا ورد في الخبر الصحيح أن النبي ص قال في دعائه ربه تعالى و الخير كله في يديك و الشر ليس إليك فما نسب الشر إليه فلو كان الشر أمرا وجوديا لكان إيجاده إلى الله إذ لا فاعل إلا الله فالوجود كله خير لأنه عين الخير المحض و هو الله تعالى ثم نرجع إلى أصل الباب و هو قولنا من حقر غلب فنبين ذلك في الهمم و ذلك أن أصل هذا إن كان كل شخص احتقر شيئا فإن همته تقوى على التأثير فيه و على قدر ما يعظم عنده يقل التأثير فيه أو ربما يؤدي إلى أن لا يكون له أثر فيه فإن الانفعال في الأشياء إنما هو للهمم أ لا ترى تأثير همم النساء في السحر المعروف عندهم المؤثر في المسحور و لو لا ما احتقروا المسحور و قطعوا بهمهم إن هذا الذي يفعلونه قولا أو عملا يؤثر في المسحور ما أثر فيؤثر بلا شك و من ليست له هذه الهمة في قوة ذلك الفعل و يعظم عنده من يريد أن يسحره من الناس أن يؤثر فيه ذلك العمل أو القول و عمله أو قاله فإنه لا يؤثر جملة واحدة فلهذا قلنا من حقر غلب كما قيل لنا في هذه المنازلة فإذا صدق التوجه صح الوجود أ لا ترى الأشياء الكائنة في العالم و هي من العالم تعز أن تكون أثرا عن العالم أو محكومة للعالم فإن الأمثال تأنف من حيث حقيقتها أن يكون المؤثر فيها العالم فتحقر أمثالها أعني جزئيات العالم فتعلق الهمم بإيجاد أمر ما فتنظر في السبب المعين لها على إيجاد ذلك الأمر في العالم و تبحث عنه إن كان من قبل الأفعال أو الأقوال فتشرع في ذلك العمل أو القول فإن كان مما يعز بحيث أن لا تتمكن في الأثر فيه إلا بالتوجه إلى الله فتتوجه في ذلك بالدعاء و الصدق إلى الله فتؤثر بذلك التوجه تلك الهمة فإن كان صاحب الهمة مؤمنا احتقر ذلك المؤثر فيه في جنب قوة الله و عظمته و إن لم يكن احتقره في قوة همته و ما استعان به على التأثير فيه فهو مغلوب عنده على كل حال و أصله الاحتقار فإن كل شيء في العالم بالنظر إلى عظمة الله حقير و هذا من علم النسب و كل شيء في العالم إذا نظرته بتعظيم الله لا بعظمته فهو عظيم و هو الأدب فإنه لا ينبغي أن ينسب إلى العظيم إلا ما يستعظم فإنه تعظيم عظمته في نفس من نظره بهذا النظر فإن استحقره فلم يعظم في نفسه بوجه ذلك التعظيم الذي في نفس من عظم عنده ذلك الشيء من العالم و ربما يحتج بقوله وَ ما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ فينبغي للعالم أن لا يتصور هذه الآية إلا حتى يتصور عزة ذلك الشيء على أمثاله فإذا حصلت عنده عزة ذلك الشيء حينئذ يقول وَ ما ذلِكَ عَلَى الله بِعَزِيزٍ و إن كان علينا بعزيز فيثبت العزيز للعزيز هذا هو الأدب و التعظيم فالشيء على عزته حقير بالنسبة إلى عزة الله التي لا تقبل التأثير لأجل هذا الحكم فإن احتج علينا من علم حقيقة ما كنا أومأنا إليه في حال من يسخط الله و يرضيه هل يدخل هذا الأثر الحاصل من الكون في الجناب الإلهي في هذا الباب أم لا قلنا لا يدخل فإن العالم بكل شيء بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ و تصريف كل شيء إذ هو الموجد أسباب السخط و الرضي و الإجابة في الدعاء فما خرج عنه شيء يكون لذلك الشيء أثر فيه فهو محرك العالم ظاهرا و باطنا في كل ما يريد كونه فإنه كان ثم أثر فيه فهو الذي أثر في نفسه ما العالم أثر فيه بل غايتنا فيه إن نقول أثر في نفسه إن قلنا بذلك العالم أي بتقدم هذا السبب و هو إيجاده الأمر الموجب للسخط عليه في هذا الشخص فأسخط الله بهذا الفعل الذي أوجده في هذا العبد لشقاوة هذا العبد أو ليظهر فيه عقوبته و مغفرته و حكم رحمته على قدر ما يظهر فيه عقيب الأمر المسخط و أما قوله في المنازلة من استهين منع فقد يكون من استهين في حقه ذلك الشيء منع لأنه جاهل بما طلب فيكون من استهين ذلك المطلوب في حقه منع لما هو أعلى منه فإن الطالب قد يجهل قدر ما يطلب و يعظم عنده لعدمه إياه و هو عند الله بالنسبة إلى هذا الطالب دون هذا الطالب يمنعه مطلوبه فيتخيلالممنوع منه أن ذلك لإهانته على من بيده إعطاء ما سأل فيه و ليس كذلك فيفتح الله إن شاء عين بصيرته و يرزقه الكشف على نفسه و على حقيقة ما طلب و يريه الحق في ذلك الكشف أن الذي طلبه ما هو بذلك و يعرف شرف نفسه عن إن يتصف بالافتقار إلى الله في طلب مثل هذا فيعلم إن الله ما منعه لإهانته عليه و إنما منعه لاستهانة ذلك المطلوب بالنسبة إليه فيشكر الله على منع ذلك هذا وجه من وجوه قوله من استهين منع و الوجه الآخر أن يطلب الطالب فوق قدره حتى لو أعطيه ما قبله لأنه يضعف عن حمله فيمنع لإهانته بالنسبة إلى ما طلبه و هو عكس الأول فيكون منع الله إياه رحمة به مثل قوله وَ لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الْأَرْضِ لأنهم يضعفون عن القيام بما يستحقه بسط الرزق من الشكر و ليس في وقته إلا البغي به و الكفر و الأشر و البطر و يظهر ذلك في أرباب المناصب في الدنيا فإذا رأيت صاحب المنصب يحكم عليه المنصب فتعلم أنه دون المنصب و أنه مهان بصرفه المنصب بعزته كيف يشاء فلا يزال مذموما بكل لسان من الحق و من الخلق و إذا رأيت صاحب المنصب يصرف المنصب و يحكم على المنصب فتعلم أنه فوق المنصب فيكون محمودا بكل لسان عند الله و عند العالم فيمنع بحق و حكمة و يعطي بحق و حكمة كما قال الحق عن نفسه وَ لكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ و ذلك لعلم هذا الشخص بالأوزان فإن الله يقول إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ فيعلم على من يبسط رزقه و على من يقبض عنه ذلك القدر الذي بسطة على غيره فبغى به و لذلك ما ذكر إلا عموم البسط في العباد كلهم و أضاف البغي للكل لأنه قد بسط للبعض فوقع منهم البغي فيما بسطة له لأنه شغله عن حاجة نفسه الضرورية بحاجة نفسه التي هي غير ضرورية كملك بسط الله له في الملك فأعطاه افتقاره الأصلي أن يسعى في تحصيل ملك غيره و لم يقنع بما عنده و قد كان قبل حصول ما هو فيه عنده يشتهي أنه يحصل له بعضه و يقنع به فلما أعطاه ما قنع و تشوق إلى الزيادة مما هو في يد غيره فلم يحصل له ذلك إن حصل إلا بالبغي في الأرض فربما أداه ذلك البغي إلى زوال ما بيده فيندم عند ذلك و يعلم أنه ما عاد عليه إلا بغيه فلو كان عزيزا في طلبه غير مهان ما منع هكذا يقول عن نفسه و قد يكون منع الله ذلك في حقه و أخذ ما كان بيده سببا إلى رجوعه إلى الله و توبته ليسعده الله بذلك فالعاقل ينظر في أحواله و تصرفاته و ما أهله الله له و يعلم أن ذلك كله خطاب الحق بالسنة الأحوال فيفتح عين الفهم و سمعه لذلك الخطاب العقلي و الحالي فيعمل بمقتضى فهمه فيه فإن قلت فإن كان فهمه فيه ما تعطيه قوة ذلك المنصب قلنا ليس ذلك نريد و ما غاب عنا هذا الذي دخلت علينا به و لكن الله قد وضع لنا في العالم الموازين الشرعية لنقيم لها الوزن بالقسط فإذا أعطى ذلك الأمر الذي يريد تمشيته في العالم بالوزن أخذنا منه قدر ما يدخل الميزان و تركنا منه ما لا يحتمله الميزان فإن في مقابلة كفة الموزون مقدارا في الكفة الأخرى و ذلك المقدار هو الذي يعين لنا من هذا الموزون و ما نحتاج إليه في الوقت و هذا معنى قوله يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ و هو القدر الذي في الكفة الأخرى من الميزان وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و قد يكون الميزان مكيلا فهو على قدر الكيل و الفرق بين المكيال و الميزان أن الميزان خارج عنك فنأخذ من الموزون قدر ما يقابله من الكفة الأخرى و المكيال هو عين ذاتك من حيث ما هي متصفة بحالة ما فذلك عين كيلها فلا تأخذ من الأمر إلا بقدر قبولها كما يأخذ المكيال فهو على الحقيقة كما هو في الميزان فإنه إذا رجح بأحد الكفتين فقد خرج عن أن يكون وزنا لأنه خرج عن مقدار ما يقابله إما بتطفيف أو غيره فالنبي ص لما نزل عليه من الشرائع مكيال لا ميزان و الحق لما لم يصح أن يكون محلا للأمر لم ينزل نفسه منزلة المكيال لكن وصف نفسه بأن بيده الميزان يخفض القسط و يرفعه بحسب مراتب العالم فكل خفض في ميزان الحق و رفع فهو عين الاعتدال بين الكفتين في الميزان الموضوع في العالم فإن الحق لا يزن إلا حقا فميزان الحق لا بد فيه من خفض و رفع لإحدى الكفتين و لو كان على الاعتدال ما ظهر كون في العالم أصلا و لا عدل فإذا أقيمت موازين الشرع الإلهي في العالم سرى العدل في العالم و كذلك لو أقيم الوزن الطبيعي في العالم لم يكن في العالم مرض و لا موت كما لا يكون في الجنة لأن الميزان الطبيعي في الجنة يظهر حكمه و لذلك هي دار البقاء و يرتفع فيها ميزان الشرع كما ارتفع في الدنيا ميزان الطبع فالمنع و العطاء لو لا الميزان ما كان لهما حكم في العالم و الذي يزن هو الموصوف بالمعطي و المانع و الضار و النافع وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فإن قال قائل من أهل التحقيق إن الجود الإلهيليس فيه منع قلنا صدقت قال فإذا كنت صادقا و سلمت لي قولي فما حكم الاسم الإلهي المانع و هذا المنع الواقع في العالم لما ذا يرجع فإننا لا ننكره قلنا أما الجود الإلهي فلا منع فيه و لكن لا يقبله إلا الممكن لا يقبله المحال فإذا عرفت القابل عرفت المانع و المنع فالقوابل تقبل من هذا الجود المطلق بحسب استعداداتها كالشقة و القصار في فيض الشمس نورها فتبيض الشقة و تسود وجه القصار إن كان أبيض فيقول لهما الحكيم النور واحد و لكن مزاج القصار لا يقبل من نور الشمس إلا السواد و الشقة على مزاج يقبل البياض فمزاجك منعك من قبول البياض و يقال للشقة مزاجك منعك من قبول السواد فلكل واحد من المذكورين أن يقول فالمسألة بحالها لم لم تعطني المزاج الذي يقبل السواد و القصار يقول لم لم تعطني المزاج الذي يقبل البياض قلنا لا بد في العالم من شقة و قصار فلا بد من مزاج يقبل البياض و مزاج يقبل السواد فلا بد منكما كنتما ما كنتما فإن العالم لا بد فيه من كل شيء فلا بد أن يكون فيه كل مزاج و الحق تعالى ما هو فعله مع الأغراض التي أوجدها في عباده و إنما هو مع ما تطلبه الحكمة و الذي اقتضته الحكمة هو الواقع في العالم فعين ظهوره هو عين الحكمة فإنه فعل الله لا يعلل بالحكمة بل هو عين الحكمة فإنه لو علل بالحكمة لكانت الحكمة هي الموجبة له ذلك فيكون الحق محكوما عليه و الحق تعالى لا يكون محكوما عليه فلا يوجب موجب عليه شيئا إلا ما ذكر لنا أنه أوجب على نفسه لا أنه أوجب عليه موجب غيره أمرا ما فأي محل فرضته لمزاج خاص يتصور أن يقول قد منعني غير هذا المزاج و هذا غلط لأن عين المزاج هو عين ما ظهر لا غيره و لا يصح أن يقول الشيء عن نفسه لم لم يكن غيري كما قدمنا في الباب الذي قبل هذا الباب أن التركيب ليس إلا البسائط فالتركيب نسبة و النسب عدمية و قد ظهر أمر لم يكن يظهر لو لا تركيب هذه البسائط و جمعها و ما هو هذا الظاهر غير أعيان البسائط و كذلك هذا الظاهر عن هذا المزاج ما هو غير المزاج فما ثم على الحقيقة من يقول لأي شيء منعت و إذا لم يكن ثم لم يصح المنع في الجود الإلهي فبقي المنع و المانع إنما يرجعان إلى نسب مقدرة و ما كان أحد أظهره الله على هذا العلم و أمثاله و تنزلت ألسنة الشرائع بحسب ما وقع عليه التواطؤ في ألسنة العالم و لذلك قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ فلا ينزل إلا بما تواطئوا عليه فقد يكون التواطؤ على صورة ما هي الحقائق عليه و قد لا يكون و الحق تابع لهم في ذلك كله ليفهم عنه ما أنزله في أحكامه و ما وعد به و أوعد عليه كما قد دل الدليل العقلي على استحالة حصر الحق في أينية و مع هذا جاء لسان الشرع بالأينية في حق الحق من أجل التواطؤ الذي عليه لسان المرسل إليهم فقال للسوداء أين الله فلو قالها غير الرسول لشهد الدليل العقلي بجهل القائل فإنه لا أينية له فلما قالها الرسول و بانت حكمته و علمه علمنا أنه ليس في قوة فهم هذا المخاطب أن يعقل موجدة إلا بما تصوره في نفسه فلو خاطبه بغير ما تواطأ عليه و تصوره في نفسه لارتفعت الفائدة المطلوبة و لم يحصل القبول فمن حكمته أن سأل مثل هذه بمثل هذا السؤال و بهذه العبارة و لذلك لما أشارت إلى السماء قال فيها إنها مؤمنة أي مصدقة بوجود الله و لم يقل عالمة فالعالم يصحب الجاهل في جهله بعلمه و الجاهل لا يقدر على صحبة العالم على علمه إن لم يكن العالم ينزل إليه في صورة جهله و كل ذلك حكمة إلهية في العالم و اعلم أن المهانة حقيقة العالم التي هو عليها لأنه بالذات ممكن فقير فهو ممنوع من جميع نيل أغراضه و إراداته منعا ذاتيا و لا يحجبنك وقوع بعض مراداته و نيل بعض أغراضه عما قلناه في حقه فإن ذلك ما وقع له إلا بإرادة الحق لا بإرادته فذلك المراد و إرادة العبد معا إنما هما واقعان بإرادة الحق فهو ممتنع بالذات أن يكون شيء في الوجود موجودا عن إرادة العبد و لو كان لإرادة العبد نفوذ في أمر خاص لعم نفوذها في كل شيء لو كان ذلك المراد وقع لعين إرادة الممكن فتعين إن ذلك الواقع وقع بإرادة الله عز و جل فالعالم ممنوع لذاته كما هو ممكن مهان لذاته و إنما كان مهانا لذاته لأن العبودية له لذاته و هي الذلة و كل ذليل مهين و كل مهين محتقر و كل محتقر مغلوب فصح ما جاء في المنازلة من أنه من حقر غلب و من استهين منع وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و الثمانون و ثلاثمائة في معرفة منازلة من حقر غلب و من اس
لا تحقرن عباد الله أن لهمقدرا و لو جمعت لك المقامات
أ ليس أسماؤه تبدي حقائقهمو لو تولتهم فيها الجهالات
إلا إذا انتهكوا الشرع الذي انتهكتحرمات منتهكية السمهريات
ففر من أجل حمى الرحمن أن لهعينا لمن حكمت فيه الحميات
فإن أسماءك الحسنى بأسمائهالحسنى تناط و تدنيها العنايات