قال الله تعالى بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ أي تتركون الشرك فانتج هذا الذكر هذه الشهادة الإلهية و إذا كان الحاكم عين الشاهد بقيت الحيرة في هل يحكم الحاكم بعلمه أم لا فإن الشهادة علم و الحكم قد يكون عن غلبة ظن و عن علم و موضع الشهادة بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ ... وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ و هو قوله وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في الْبَحْرِ ضَلَّ من تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ و قوله أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ فقد شهد على نفسه لنا في دار التكليف بتوحيده في المهمات و لا يعرف الكريم إلا المسيء و لا أكرم من الله و قد نبه الله المسيء أن يقول بكرم الحق لكونه يحكم بالكرم في حقه فقال يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ هذا ليقول كرمك و ما يعني بالإنسان هنا إلا المسيء صاحب الكبيرة فإنه لا يقاوم كبير كرمه إلا بأكبر الكبائر فهناك يظهر عموم الكرم الإلهي و قوته فهو و إن لم يغفر فلا بد من الكرم الإلهي في المال و إن لم يخرج من النار لأنها موطنه و منها خلق حتى لو أخرج منها في المال لتضرر فله فيها نعيم مقيم لا يشعر به إلا العلماء بالله فلما كشف الله غطاء الجهل و العماء عمن كشفه أبصر أن أحدا من الخلق ما دعا في حال شدته إلا الله فلو لم يكن في علمه في حال الرخاء إن حل الشدائد بيد الله خاصة و هذا هو التوحيد ما أظهر ذلك الاعتقاد عند الشدائد فلم يزل المشرك موحدا بشهادة الله في حال الرخاء و الشدة غير إن المشرك في حال الرخاء لا يظهر عليه علم من إعلام التوحيد الذي هو معتقده فإذا اضطر رجع إلى علمه بتوحيد خالقه لم يظهر عليه علم من أعلام الشرك و كل ذلك في دار التكليف و أكثر علماء الرسوم غائبون عن هذا الفضل الإلهي و الكرم فيعطي هذا الذكر من العلم بكرم الله ما ليس عند أحد من خلق الله ممن ليس له هذا الذكر و الدءوب عليه و لم أسمع عن أحد تحقق به في زماني مثل الشيخ أبي مدين ببجاية رحمه الله و إذا اجتمع في دار التكليف في الشخص ظهور التوحيد في وقت و ظهور الشرك في وقت مع استصحاب التوحيد في الباطن مع وجوده في أصل الفطرة و الرجوع إليه في المال في حال الاحتضار قبل الخروج من الدنيا فكان زمانه أكثر من زمان الشرك فلو قابلنا الأمر بالزمان بينهما لكان زمان التوحيد غالبا بالفطرة و الاستصحاب في الباطن دائما علما و عقدا و كان ظهوره في وقت الشدائد بأزمانه أكثر من زمان الشرك فلا يحجبنك حكم الدار عن هذا الذي أومأنا إليه في هذاالهجير فإنه ينفعك و لو قدرت أنه لا ينفك فإنه لا يضرك فقل به على كل حال و اعتمد عليه و لا تك ممن يرد شهادة الله حين شهد لهم بذلك عندك و ما شهد عندك حتى جعلك حاكما فأنزلك منزلته في الحكم و أنزل نفسه منزلتك في الشهادة فإن لم تحكم بما قررناه فقد رددت شهادة العدل فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ ... إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ من الْجاهِلِينَ ثم قوله إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أي إن صدقتم و لا تكتمون ما تجدونه في نفوسكم من قولي إنكم ما تدعون في الشدائد إلا الله الذي ما زالت قلوبكم منطوية عليه فهم بلا شك مصدقون لعلمهم فهل يصدقون إذا سألوا أم لا
و متى لم يعلم الكاذب أنه كاذب فإنه غير مؤاخذ بكذبه فإن أخذ فما يؤاخذ إلا بتفريطه في تحصيل ما ينبغي له أن يحصله من العلم و العمل بما فيه نجاته و سعادته لا من جهة كذبه فلا يؤاخذ الكاذب إلا إذا كان عالما بكذبه في المواطن التي كلف إن يصدق فيها و هو الجاحد إذا كان هناك من يطلب منه الإقرار في ذلك الأمر المطلوب منه مثل قوله تعالى في حق من كان بهذه الصفة وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا و قد قررنا أنه إذا أخذ من لا يعلم أنه كاذب إنما يؤخذ من حيث إنه فرط في اقتناء العلم الذي يطلعه على هذا الأمر الذي كذب فيه من غير علم به أنه ليس بحق ففرق بين مؤاخذة الكاذب و متى هو كاذب و بين مؤاخذة المفرط في اقتناء العلم الذي يعرفه الصدق من الكذب و الصادق من الكاذب فينزل كل شيء منزلته بصفته و هذا عزيز في الناس قليل وجوده وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ جعلنا الله و إياكم من العلماء العاملين على كل حال و لا يحول بيننا و بين مقام الصادقين و الصديقين أنه المليء بذلك و القادر عليه آمين بعزته