قال رسول الله ص موصيا لا تسألوا الإمارة فإنك إن أعطيتها من غير سؤال أعنت عليها و إن أعطيتها عن سؤال لم تعن عليها فالخيانة ثلاث أعني الذين يخانون خيانة الله و خيانة الرسول و خيانة الأمانات و ما أيه الله في هذه الخيانات إلا بالمؤمنين فإن كنت مؤمنا فأنت المخاطب فأما خيانة الله في أمانته و خيانة الرسول و خيانة الأمانات فإنا أذكرها إن شاء الله تعالى لما قال الله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها لأنها كانت عرضا لا أمرا وَ أَشْفَقْنَ مِنْها وَ حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا يريد ظلوما لنفسه جهولا بقدر ما حمل قال لنا تعالى لما حملناها إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلىأَهْلِها و ما حملها أحد من خلق الله إلا الإنسان فلا يخلو ما أن يحملها عرضا أو جبرا فإن حملها عرضا فقد خاطر بنفسه و إن حملها جبرا فإنه مؤد لها على كل حال و لا بد و اعلم أن أهل الأمانات الذين أمرنا الله أن نوديها إليهم ليس المعتبر من أعطاها و لا بد و إنما أهلها من تؤدي إليه فإن كان الذي أعطاها بنية أن تؤدي إليه في وقت آخر فهو أهلها من حيث ما تؤدي إليه لا من حيث إنه أعطاها و إن أعطاها هذا الأمين المؤتمن إلى من أعطاه إياها ليحملها إلى غيره فذلك الغير هو أهلها لا من أعطى فقد أعلمك بالأهلية فيها فإن الحق إنما هو لمن يستحقه فاعلم ذلك و اعمل عليهو اعلم بأن الله قد أعطاك أمانة أخرى لتردها إليه كما أعطاك أمانة لتوصلها إلى غيرك لا تردها إليه كالرسالة فإن الله يقول يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ و قال ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ و أما ما يرد إليه عز و جل من الأمانات فهو كل علم آمنك عليه من العلوم التي إذا ظهرت بها في العموم ضل به من لا يسمعه منك بسمع الحق فإذا حصل لك مثل هذا العلم و رأيت من كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه و ليس له هذا العلم فأداه إليه فإنه ما يسمعه منك إلا بسمع الحق فالحق على الحقيقة هو الذي سمع فرددت الأمانة إليه تعالى و هو الذي أعطاكها و حصلت لهذا الشخص الذي الحق سمعه فائدة لم يكن يعلمها و لكن حامل هذه الأمانة إن لم يكن عالما بأن هذا ممن يكون صفته أن يكون الحق سمعه و إلا فهو ممن خان الله و قد نهاه الله أن يخون الله و كذلك أيضا من خيانة من أطلعه الله على العلم بأن العالم وجوده وجود الحق ثم تصرف فيه بتعدي حد من حدود الله يعلم أنه متعد فيه فإن الله في هذا الحال هو عين الأمانة في وجوده عند أهل الحجاب سواء علم ذلك شرعا أو عقلا فقد خان الله في تصرفه باعتقاده التعدي وَ من يَتَعَدَّ حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ و حَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا و كذلك من خان الله في أهل الله فقد خان الله و كل أمر بيدك أمرك الله فيه إن ترده إليه فلم تفعل فذلك من خيانة الله و الله يقول وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و أما خيانة من خان رسول الله ص فهي فيما أعطاك الله من الآداب أن تعامل به رسول الله ص و هذه المعاملة هي عين أدائها إليه ص فإذا لم تتأدب معه فما أديت أمانته إليه فقد خنت رسول الله ص فيما أمنك الله عليه من ذلك و من خيانتك رسول الله ص ما سألك فيه من المودة في قرابته و أهل بيته فإنه و أهل بيته على السواء في مودتنا فيهم فمن كره أهل بيته فقد كرهه فإنه ص واحد من أهل البيت و لا يتبعض حب أهل البيت فإن الحب ما تعلق إلا بالأهل لا بواحد بعينه فاجعل بالك و أعرف قدر أهل البيت فمن خان أهل البيت فقد خان رسول الله ص و من خان ما سنه رسول الله ص فقد خانه ص في سنته و لقد أخبرني الثقة عندي بمكة قال كنت أكره ما تفعله الشرفاء بمكة في الناس فرأيت في النوم فاطمة بنت رسول الله ص و هي معرضة عني فسلمت عليها و سألتها عن إعراضها فقالت إنك تقع في الشرفاء فقلت لها يا سيدتي أ لا ترين إلى ما يفعلون في الناس فقالت أ ليس هم بنى فقلت لها من الآن و تبت فأقبلت علي و استيقظت
و من خيانتك رسول الله ص المفاضلة بين الأنبياء و الرسل سلام الله عليهم مع علمنا بأن الله فضل بعضهم على بعض كما قال تعالى وَ لَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلىبَعْضٍ و قال تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلىبَعْضٍ فله سبحانه أن يفضل بين عباده بما شاء و ليس لنا ذلك فإنا لا نعلم ذلك إلا بإعلامه فإن ذلك راجع إلى ما في نفس الحق سبحانه منهم و لا يعلم أحد ما في نفس الحق كما قال عيسى ع تَعْلَمُ ما في نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما في نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ و لا دخول هنا للمراتب الظاهرة و التحكم و قد نهى رسول الله ص أن نفضل بين الأنبياء و أن نفضله ص عليهم إلا بإعلامه أيضا و عين يونس ع و غيره فمن فضل من غير إعلام الله فقد خان رسول الله صو تعدى ما حده له رسول الله ص و أما خيانة الأمانات فيتناولها قوله ص لا تعطوا الحكمة غير أهلها فتظلموها و لا تمنعوها أهلها فتظلموهمو الخيانة ظلم فالحكمة أمانة و خيانتها أن تعطيها غير أهلها و أنت تعلم أنه غير أهلها فرفع الله الحرج عمن لا يعلم إلا أنه أمره بأن يتعرض لتحصيل العلم بالأمور فلا عذر له في التخلف عن ذلك فمن خان فيه قبل حصول العلم و هو متعمل في حصول العلم و دعاه الوقت إلى ذلك التصريف الخاص المسمى خيانة فإنه غير مؤاخذ بتلك الخيانة و لا بالتفريط فإنه في حال التعمل لتحصيل العلم و الوقت حكم بما وقع به التصرف فمن كان له هذا الذكر فإنه تحصل له به العصمة من الخيانة و يطلعه على العلم بالأهلية في كل أمانة بعناية هذا الذكر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ