قال الله تعالى أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ هذا الذكر على المشهد و المحتد فإن الله ما خلق الجن و الإنس إلا ليعبدوه ما علل بغير هذا خالق العالم و ما نعلم أحدا أخذ عبادة الخلق لنفسه أو لغير الله حتى يخلصها منه و قد علمنا صدق قوله في طلبه الإخلاص في العبادة فعلمنا أنه لا بد ثم من نسبة فيها إلى غير الله فلم نجد إلا نحن فنحن أصحاب الدعاوي فيما هو لله لأنه ما من شيء إلا و هو ساجد لله و السجود عبادة إلا نحن و لذلك قال وَ كَثِيرٌ من النَّاسِ و لم يعم كما عم في كل من ذكر من الأنواع أ لا تراه تعالى ما أرسل رسولا إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ فالرسالة لله و الأداء للرسول ع بلسان القوم
و لكن الله قد أبان لنا أن هوية الحق سمع العبد و بصره و جميع قواه و العبد ما هو إلا بقواه فما هو إلا بالحق فظاهره صورة خلقية محدودة و باطنه هوية الحق غير محدودة للصورة فهو من حيث الصورة من جملة من يسبح بحمده و هو من حيث باطنه كما ذكرنا فالحق يسبح نفسه و أعطى المجموع معنى دقيقا غامضا لم يعطه كل واحد على الانفراد به و أضيف إلى الصورة ما أضيف من موافقة و مخالفة و طاعة و معصية و به قيل إنه مكلف و به صحت القسمة في الصلاة بينه و بين الله فيقول العبد كذا فيقول الله كذا و لا يكون عبدا إلا بالمجموع فانظر ما حصل للحق من النعت لما وصف نفسه بأنه قوى العبد فما كان عبدا إلا به كما لم يكن الحق قواه إلا به لأن اسم العبد ما انطلق إلا على المجموع و قد أعلمنا الله من هو المجموع فيقول العبد الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و الحق لسانه و الحق سمعه فمن قال الحمد لله و من سمع قوله الحمد لله فيقول الله أثنى على عبدي و لكن بغير هذا اللسان القائل بل بهوية الحق مجردة عن الإضافة بهذا العبد في حال إضافتها إليه فلم يقل بالمجموع اثني على عبدي و ما أثنى عليه إلا بكلامه فإن الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ كلام الله فبالمعنى المعلوم كانت العبارة عنه أثنيت على نفسي بصورة عبدي حكى عبدي عني من حيث صورته الظاهرة ما أثنيت به على نفسي كما ذكر لنا في غير هذا الموضع إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده و قال لنبيه ص فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهو ما سمع إلا صوت المؤدي و هو الرسول و نحن نعلم أن كلام العالم كله ليس إلا كلامه فإن العالم كله إنسان كبير كامل فحكمه حكم الإنسان و هوية الحق باطن الإنسان و قواه التي كان بها عبدا فهوية الحق قوى العالم التي كان بها إنسانا كبيرا عبدا مسبحا ربه تعالى
لأنه القائل أَنْ يَأْتِيَهُمُ الله في ظُلَلٍ من الْغَمامِ و لما كان الأمر على ما ذكرناه في نفسه طلب منا أن نخلص العبادة له لأن بالعبادة نكون عبيدا و ما نكون عبيدا إلا بهويته فنخلص العبودية و تخليصها أن نقول له أنت هو بأنانيتك و أنت هو في أنانيتي فما ثم إلا أنت فأنت المسمى ربا و عبدا إن لم يكن الأمر كذا فما أخلصنا له عبادة فما طلب الإخلاص فيها إلا من المجموع و لا يصح لها وجود و لا نسبة إلا بالمجموع لأنه بالانفراد غني عن العالمين و بالمجموع قال أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً فقيده بالإحسان و فسر لنا ما هو الإحسان و ما فسره إلا بشهود المحدود المنصوب في القبلة فمعرفة الله بلسان الشارع المترجم عن الله غير معرفته بالنظر العقلي فللمعرفة بالله طريقان و أعني العلم بالله منا و إن شئت قلت ثلاث طرق الطريق الواحد علمنا به تعالى من حيث نظرنا الفكري و علمنا به من حيث خطابه الشرعي و علمنا به من حيث المجموع و أنا نعلم أنا لا نعلمه كما يعلم نفسه فهذا حصر المعرفة الحادثة بالله تعالى
أي تلقاه تلك العبادة و إن شئت قلت لله منه عبادة تلقاه فإنك ما أخذتها إلا به فمنه تخلصها له و أنت محل الظهور فالصورة لك و العين هويته كما قررنا في غير موضع أن الصور المعبر عنها بالعالم إحكام أعيان الممكنات في وجود الحق و لهذا يقال إن العالم ما استفاد الوجود إلا من الحق و هو الحدوث و هذا القدر كاف في تخليص العبادة لله فيكون الحق العابد من وجه المعبود من وجه بنسبتين مختلفتين وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ