قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الرابع و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله قُلِ الله ثُمَّ ذَر

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إلى الله من كوننا المهربو إياه في رفعه أرغب
ذر الكل في خوضه يلعبفليس لنا غيره مذهب
فإنك إن جئته تقربو فيه الورى كله يرغب
و لما رأيت الذي يعجبمن الله فزت بما أطلب

اعلم أيدنا الله و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن هذا الباب قريب من الذي قبله فإن الله وصف نفسه بالتعجب و الضحك و الفرح و التبشيش و أشباه هذه الصفات الخلقية و وصف نفسه ب لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ يعني فيها وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمىفخلصنا له منه أمرنا الحق أن نقول الله ثم نذرهم أي نترك ضميرهم و هو ضميرهم ضمير الجمع لا هو الذي هو ضمير الإفراد فإنا للفرد نخلص العبادة من الجمع فإن الجمع أظهر القسمة بين الله و بين عبده في العبادة و هي لله لا للمكلف من حيث صورته و إن كانت له من حيث جمعيته بالله فهنا رسخت قدم الشيخ أبي مدين رضي الله عنه و لم يتعد و غيره يتمم الآية فقال في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ فوقف أبو مدين رضي الله عنه مع قوله وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا و كل ما في العالم آياته فإنهادلائل عليه فأعرض عنهم فامتثل أمر الله فأعرض و وقف غيره مع أمره أن يتركهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ فامتثلنا أمر الله و تركنا هم فكشف الغطاء عن أبصارنا فعلمنا على الشهود من الخائض اللاعب و ما هو هذا الجمع الذي أظهره ضمير لفظة هم في قوله ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ و قد تقدم أنه ما ثم أثر إلا للأسماء الإلهية فثبت الجمع لله بأسمائه و ثبت التوحيد بهويته

فما ثم جمع و لا واحدسوى الحق فاشهد و ذر من أمر
كما قال في خوضه لاعبالحكم القضاء و حكم القدر
فما ثم فيما ترى لاعبسوى من يصرف هذي الصور
فتبصره و هو يلهو بهاكما شاءه حين يقضي الوطر
هي الصولجان و ميدانهاوجودي لتصريف هذي الكور
تجول الخيول بميدانهامراكب أرواحها في البشر
و هم في الركوب على ظهرهاو إن سلموا فوق متن الخطر

فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لكِنَّ الله قَتَلَهُمْ فهو القاتل و إن لم يرد هذا الاسم وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمىفهو الرامي بالصورة المحمدية و إن لم يرد هذا الاسم تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ من سِجِّيلٍ في صورة طير و إن لم يرد سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ و هو الواقي و إن لم يرد و السرابيل اسم

فهذا من الخوض فاعلم بهلتعلم من ذلك الخائض
و أبرم و ما أنت أبرمتهو كن ناقضا فهو الناقض
و قل للذي يجبن انهض بهفتحمد نهوضك يا ناهض
فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ و لكنههو القاتل الفارس الفارض

ليس مسمى اللعب باللعب على طريق الذم فإن اللعب مفرحة النفوس إلا أن الحق جعل لهذا اللعب مواطن فإذا تعدى العبد بلعبه تلك المواطن تعلق به الذم لا من كونه لعبا بل من كونه في ذلك الموطن ثم لتعلم إن الأمور تختلف بالقصد و إن اجتمعت في الصورة و قد بينا هذا المعنى فيما جبل عليه الإنسان في أصل خلقه من البخل و الجبن و الحرص و الشرة و هي في العامة خلق مذمومة عرفا فبين الحق لها مصارف تحمد فيه فلو لا أنها قابلة للحمد بالذات ما حمدت في المصارف الإلهية التي عين لها الحق و اللعب منها و قد أمرنا الحق أن نذر الخائض يلعب في خوضه و قد أمرنا بالنصح و تغيير المنكر بالمعروف و هو أن نبين وجه المعروف في المنكر فنزيل عنه اسم المنكر كما هو في نفس الأمر معروف فإنه ما في الوجود من يقع عليه نعت النكرة فإن كل شخص قد عينته شخصيته فأين المنكور

فإذا فهمت مقالتي فافرح بهافالقول قول الله في المخلوق
إذ كان من فهم الذي قد قلتهمن حكمة أدى إلي حقوقي

هذا ما أنتجه المقال فكيف يكون ما ينتجه العمل فإن الله ما أمرنا إلا أن نقول الله و نترك كل حرف بما عنده فارحا ما كلفني غير ذلك فقال قُلِ الله ثُمَّ ذَرْهُمْ في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ عن بصيرة فإنهم بين أن يحمدوا ذلك الخوض أو يذموه عقدا فإن حمدوه فقد قلنا إنه تعالى عند كل معتقد و إن وجدوه في تصور من تصوره لا يزول بزوال تصور من تصوره إلى تصور آخر بل يكون له أيضا وجود في ذلك التصور الآخر كما يتحول يوم القيامة في التجلي من صورة إلى صورة و ما زالت عنه تلك الصورة التي تحول عنها لأن الذي كانت معتقده فيها يراه فما هو إلا كشف منه تعالى عن عين هذا الذي يدركها لا غير فهم على بصيرة و إن ذموه فهم الذين تحول في حقهم إلى الصورة التي تحول إليها بعلامتهم فهم في ذمهم على بصيرة لأنه لذلك خلقهم كما تعبد كل مجتهد بما أداه إليه اجتهاده و حرم عليه إن يعبده باجتهاد غيره إذا كان من أهل الاجتهاد سواء فالمقلد مطلق فيما يجيء به المجتهدون و يختار ما شاء فله الاتساع في الشرع و ليس للمجتهد ذلك فإنه مقيد بدليله و إنأصاب الحق أو أخطأه كما هو نعت هذا الخائض إن حمد خوضه أو ذمه فهو في الحالتين على بصيرة و لهذا أمرنا الحق أن نتركهم في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ و لو لم يكن في هذا الذكر من الفائدة إلا كون الله يتخلق لعباده في اعتقادهم فإن الناظر في الله خالق في نفسه بنظره ما يعتقده فما عبد إلا إلها خلقه بنظره و قال له كُنْ فكان و لهذا أمرنا الناس أن يعبدوا الله الذي جاء به الرسول و نطق به الكتاب فإنك إذا عبدت ذلك الإله عبدت ما لم تخلق بل عبدت خالقك فأعطيت العبادة حقها موفى فإن العلم بالله لا يصح أن يكون علما إلا عن تقليد محال أن يكون عن دليل و لهذا منعنا عن التفكر في ذات الله و لم نمنع بل أمرنا أن نفرد الرتبة إليه فلا إله إلا هو وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ