يريد قوله ص من عرف نفسه عرف ربهرأيت محمد المراكشي بمراكش و كان يكاثرني ليلا و نهارا و كان هذا هجيره دائما فما رأيته ضاق صدره من شيء قط و كانت الشدائد تمر عليه فلا يتلقاها إلا بالفرح و الضحك فتفرج عنه في نظرنا و هو ينتقل من فرح إلى فرح و من سرور إلى سرور فكنت أقول له هل تصبر على حلول هذه النوازل المكروهة طبعا فيقول لما صبرت أو لا فانتج لي ذلك الصبر على الحكم الإلهي مشاهدة العين فشغلتني عن كل حكم فما أتلقاه إلا به فهو مجني فإياه أسأل فإن النوازل به تنزل في رؤيتى و أنتم ترون حكم النازلة في صورتي و كل عند نظره ثم كان هذا الشخص من أحفظ الناس على أوقات عباداته و الله ما رأيت مثله بعده في هذا المقام و ما تحسر أحد من إخواني على فراقي حين فارقته إلى هذه البلاد مثل تحسره على فراقي و كان يقول لي و الله لو لا مشاهدة العين التي حجبتني عن نفوذ الحكم الرباني في لسافرت معك فو الله ما يغيب عني منك إلا تحول صورة الحق إلى صورة أخرى فأشهده غيبا و محضرا و هذا ذوق عجيب كان كثير الأدب كثير الكلام يكاد لا يصمت أبدا عن دلالة الناس على الله عز و جل فإذا قيل له في ذلك يقول أنا أؤدي فريضتي في كلامي و أنت بالخيار في مجالستي و الإصغاء إلى ما نورده أنا أتكلم مع من يسمع ما أتكلم مع من لا يسمعاعلم أن هذا الذكر يعطي الثبوت مع الحكم الرباني لما فيه من المصلحة و إن لم يشعر به العبد و جهله فهو في نفس الأمر مصلحة كان الحكم ما كان و هذا هو مقام الإحسان الأول الذي هو فوق الايمان فله الشهود الدائم في اختلاف الأحكام و لا بد من اختلافها لأنه تعالى كل يوم في شأن فإن كنت صاحب غرض و تحس بمرض و ألم فاحبس نفسك عن الشكوى لغير من آلمك بحكمه عليك كما فعل أيوب ع و هو الأدب الإلهي الذي علمه أنبياءه و رسله فإنه ما آلمك و حكم عليك بخلاف غرضك و غرضك من جعل حكمه فيك إلا لتسأله في رفع ذلك عنك بما جعل فيك من العرض الذي بسببه تألمت فمن لم يشك إلى الله مع الإحساس بالبلاء و عدم موافقة الغرض فقد قاوم القهر الإلهي جاع أبو يزيد البسطامي فبكى فقيل له في ذلك فقال إنما جوعني لأبكي فالأدب كل الأدب في الشكوى إلى الله في رفعه لا إلى غيره و يبقى عليه اسم الصبر كما قال تعالى في رسوله أيوب ع إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً في وقت الاضطراب و الركون إلى الأسباب فلم يضطرب و لا ركن إلى شيء غير الله إلا إلينا لا إلى سبب من الأسباب فإنه لا بد طبعا عند الإحساس من الاضطراب و تغير المزاج و لذلك لطخ الحلاج وجهه بالدم حين قطعت أطرافه لئلا يظهر إلى عين العامة تغير مزاجه غيرة منه على المقام لمعرفته بهذا كله و هو القائل في وقت هذه الحال
ما قد لي عضو و لا مفصل إلا و فيه لكم ذكر
بخلاف الآلام النفسية إذا وردت الأمور التي من شأنها أن تتألم النفوس عند ورودها فقد يتلقاها بعض عباد الله و لا أثر لها فيه على ظاهره و الأمور المؤلمة حسا إذا أحس بها نحرك لها طبعا إلا أن شغله عنها أمر يزيل إحساسه بها و إنما كلامنا في ذلك مع الإحساس كأيوب و ذي النون سلام الله عليهما و أما إلى من ليس بيده من الأمر شيء كالمعتاد في العموم و تلك حالة أكثر العالم عباد الأسباب و بها يتستر الأكابر من عباد الله عن أن يشار إليهم وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ المأمور به فذلك هو الثبوت مع الله عند نفوذ الحكم الإلهي فيه أي حكم كان من بلاء أو عافية فإن الفرح بنيل الغرض يزيل صاحبه عن الثبوت أكثر من زوال صاحب البلاء فإن حركة الفرح تدهش و تكثر اضطراب صاحبه إلا أن يكون له قوة حال أكثر من وارد الفرح و أما الهم و الغم فإنه أقرب إلى الثبوت و السكون لمن حكم عليه به من فرح الواصل إلى غرضه فهو ذكر يعم الخير و الشر معا و هما حالان و الأحوال هي الحاكمة أبدا و المحكوم عليه لا بد أن يكون تحت قهر الحاكم لنفوذ حكمه فيه و هو الذي جعله يضطرب لأن مطلوب الإنسان بالطبع الخروج من الضيق إلى الانفساح و السعة و الضياء المشرق لما يراه من ظلمة الطبع و ضيقه فلا يصبر فقيل له اثبت للحكم فإنك لا تخلو عن نفوذ حكم فيك إما بما يسوءك أو بما يسرك فإن ساءك فتحرك إلينا في رفعه عنك و إن سرك فتحرك إلينا في إبقائه عليك و الشكر على ذلك فنزيدك ما يتضاعف به سرورك و لا يضعف فأنت رابح على كل حال و ما أمرناك بالصبر إلا ليكون الصبر عبادة واجبة فتجازي جزاء من أدى الواجب فتكون عبدا مضطرا مثنيا عليك بالصبر و الرضاء و لو تركناك على التخيير و صبرت لكنت عبدا مختارا أي ذا اختيار و لم تذق طعما لسيادتنا عليك فإن المختار يولينا على نفسه إذا شاء و يعزلنا إذا شاء و يخجلنا إذا شاء و لا يخجلنا إذا شاء فنحن في الاختيار بحكمه و في الاضطرار حاكمون عليه فانظر إلى رحمة الله بك حيث أمرك بالصبر لحكم ربك ثم زاد فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أحق ما حكمنا عليك إلا بما هو الأصلح لك عندنا سواء سرك أم ساءك هذا قصده بقوله فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا أي ما أنت بحيث تجهله أو ننساه فكن أي عبد شئت بعد هذا فأنت لما قصدت وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ