قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب التاسع و العشرون و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله وَ الْبَل

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
إن الوفاق لمن طيب الأصول لماأتابه الله مما شاءه و شرع
فمن أبى فلخبث في طبيعتهيدريه من يفتح الأبواب حين قرع
له بما في غيوب الطبع من عجبمن صنعه في الذي أبداه حين صنع
كمن دعاه رسول الله حين دعافجاءه بالذي قد كان قبل جمع
و جاءه غيره بشطر ما كسبتيداه و الكل فيما في يديه طمع
و لو أكون لما قلنا بقولهماو قلت عبد دعاه ربه فسمع
و بادر الأمر لم ينظر إلى أحدو لا لمن ضر في تأخيره و نفع

اعلم أيدنا الله و إياك بروح القدس أن هذا الذكر كان لنا من الله عز و جل لما دعانا الله تعالى إليه فأجبناه إلى ما دعانا إليه مدة ثم حصلت عندنا فترة و هي الفترة المعلومة في الطريق عند أهل الله التي لا بد منها لكل داخل في الطريق ثم إذا حصلت الفترة إما أن يعقبها رجوع إلى الحال الأول من العبادة و الاجتهاد و هم أهل العناية الإلهية الذين اعتنى الله عز و جل بهم و إما أن تصحبه الفترة فلا يفلح أبدا فلما أدركتنا الفترة و تحكمت فينا رأينا الحق في الواقعة فتلا علينا هذه الآيات وَ هُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا به الْماءَ الآية ثم قال وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فعلمت أني المراد بهذه الآية و قلت ينبه بما تلاه علينا على التوفيق الأول الذي هدانا الله به على يد عيسى و موسى و محمد سلام الله على جميعهم فإن رجوعنا إلى هذا الطريق كان بمبشرة على يد عيسى و موسى و محمد ع بين يدي رحمته و هي العناية بنا حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا و هو ترادف التوفيق سُقْناهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ و هو أنا فَأَحْيَيْنا به الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها و هو ما ظهر علينا من أنوار القبول و العمل الصالح و التعشق به ثم مثل فقال كَذلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتىلَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ يشير بذلك إلى خبر ورد عن النبي ص في البعث أعني حشر الأجسام من أن الله يجعل السماء تمطر مثل مني الرجالالحديث ثم قال وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ و ليس سوى الموافقة و السمع و الطاعة لطهارة المحل وَ الَّذِي خَبُثَ و هو الذي غلبت عليه نفسه و الطبع و هو معتنى به في نفس الأمر لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً مثلقوله إن لله عبادا يقادون إلى الجنة بالسلاسلو قوله وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ من في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً فقلنا طوعا يا إلهنا و اعلم أن الله تعالى لما خلق هذه النشأة الإنسانية لعبادته و أنشأها ابتداء في ضعف و افتقار فكانت عبادتها ذاتية و ما زالت على ذلك إلى أن رزقها الله القوة و أظهر لها الأسباب الموجبة للقوة إذا استعملتها و احتجب الحق من ورائها فلم تشاهد إلا هي و غابت عن الحق تعالى فلم تشهده فناداها سبحانه من خلف تلك الأسباب بما كلفها به من الأعمال و سمي تلك الأعمال عبادة لتتنبه بذلك على أصلها فإنها لا تنكر عبوديتها لأن العبودة لها ذاتية ذوقا و بقي لمن مع معاينتها الأسباب التي تجد عندها دفع ضروراتها فهي تقبل عليها طبعا و ترى الذي دعاها إليه غيبا فتعلم إن ثم ظاهرا و باطنا و غيبا و شهادة و تنظر في نفسها فتجدها مركبة من غيب و شهادة و أن الداعي منها إلى الحاجة غيب منها فإن تقوت عليها مناسبة الغيب على الشهادة كانت البلد الطيب الذي يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ فسارعت إلى إجابة الداعي و هي من النفوس الذين يُسارِعُونَ في الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ لأنها رأت الأسباب مختلفة و أي سبب حضر منها أغناها عن سبب آخر فعلمت أنها مفتقرة بالذات إلى أمر ما غير معين فتعتمد عليه و هي قد شاهدت الأسباب و علمت قيام بعضها عن بعض و تستغني ببعضها عن بعض و يغيب في وقت فلا يقدر عليه و يحضر في وقت فخطر لها ما خطر لإبراهيم الخليل ع إني لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ و رأت أيضا أنها تخلق بعض أسبابها الموجبة استعمالها لدفع ضروراتها بما تتكلفه من الأعمال الموجبة لوجود ذلك السبب الذي تركن إليه فأنفت أن يتعبدها من له في وجوده افتقار إليها فأشبهها فأرادت الاستناد إلى غني لا افتقار له لعزة نفسها و شموخ أنفها و ما جعل الله في طبعها من طلب العلو في الأرض و الشفوف على الجنس فقالت أجيب هذا الداعي الغائب حتى أرى ما هو فلعله عين ما أطلبه فامتثلت أمر ما دعاها إليه و عملت عليه فأشرقت أرضها بِنُورِ رَبِّها فكانت البلد الطيب الذي يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ و نفس أخرى على النقيض منها رجحت الشهادة على الغيبو أعمتها الحاجة عن اختلاف الأسباب و قيام كل سبب عن الآخر و قالت لعل هذا الغيب الذي دعاني إليه يكون مثل الشهادة كثيرين يغني الواحد منهم عن الآخر فأبقى على حالتي و لا أتعب ذاتي في مظنون فتثبطت عن إجابة الداعي ثم إن الله بحكمته في وقت قطع عنها الأسباب كلها و اضطرها فلما لم تجد سببا تستند إليه ظاهرا جنحت إلى ذلك الغيب الذي دعاها لعل بيده فرجا يخرجها من الضيق الذي تجده فأجابته مضطرة و هو البلد الَّذِي خَبُثَ ف لا يَخْرُجُ نباته إِلَّا نَكِداً قال تعالى وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في الْبَحْرِ فنبه على موضع انقطاع الأسباب ضَلَّ من تَدْعُونَ يعني الأسباب إِلَّا إِيَّاهُ فكان هو السبب الذي ينجي فلما نجاه الله و أغاثه و استقل قال هذا أيضا من جملة الأسباب التي يقوم بعضها عن بعض فيما نريده فجعله واحدا من الأسباب و هو المشرك فما خرج إلا نكدا و لهذا سارع في الرجعة إلى السبب الظاهر فتميز الفريقان و إنما كان فريقان في العالم بهذه المثابة لما حكم به الأصل فإن الأصل فيه جبر و اختيار فبالاختيار لم يزل يسقط من الخمسين صلاة عشرا عشرا حتى انتهى إلى خمسة و بعدم الاختيار أثبتها خمسة و قال ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ و كان المجبر له ما أعطاه المعلوم فلم يتعد علمه فيه و الذين يلجئون فيه إلى الله في حال الاضطرار الكلي استنادهم من حيث لا يعلمون إلى هذا الأصل في الحكم و الفريق الآخر استناده إلى حكم الاختيار في أنه تعالى فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فأهل الضرورة في الرجعة أحق و أهل الاختيار في الرجعة أوفق و أسعد فالذي خرج نكدا له من الأحوال الإلهية قوله تعالى ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نسمة المؤمن يكره الموت و أكره مساءته و لا بد له من لقائييقول لا بد أن أميته على كره مني و هو المعلوم الذي جعلني في هذا لأني علمت منه وقوع هذا فلو لا حصول العلم عنده من الممكنات كما هي في أنفسها عليه ما صح تردد و لا فعل ما فعله أو بعض ما فعله على كره فانظر فيما أعطاه هذا الذكر من العلم القريب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ