«الباب الموفي ثلاثين و خمسمائة في معرفة حال قطب كان منزله يَسْتَخْفُونَ من النَّاسِ وَ لا يَسْتَخْفُونَ من الله وَ هُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضىمن الْقَوْلِ وَ كانَ الله بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً»
اعلم أيدنا الله و إياك بروح منه أن الجهل بالله إنما كان من جهلك بك فإن الله ما جعل دليلا على العلم به إلا علمك بك فجعل الآية في نفسك و قال النبي ص المترجم عنه من عرف نفسه عرف ربهو ما أحسن ما قال تعالى يَسْتَخْفُونَ من النَّاسِ فإنهم مجبولون على النسيان وَ لا يَسْتَخْفُونَ من الله الذي لا يضل و لا ينسى و كان الأولى لو صح عكس القضية إلا أنه لا يصح أن يستخفي شيء عن الله و السبب الموجب للاستخفاء عن الناس ما علموا منهم من الحب في ظهور التحكم فيهم بقدر الحال و الاستطاعة و بما فيهم من حب الثناء الحسن و طلب المحمدة فإذا اطلعوا على هذا الذي أشرنا إليه من العمل سقطت حرمة العامل من قلب الذي يراه و قام عليه لسان الذم منه و سبب ذلك الجنسية و مع كونه يعلم أن الله يحيط به علما لكن يرى هذا العامل أن الأسماء الإلهية تتحاور فيه في حال هذا العمل و لا سيما الاسم الحليم و الصبور و يعلم أن الاختفاء منه محال فلا بد من إتيان ما أتى به فإن كان مؤمنا أتاه على كره فأشبه قبض الحق بالموت نسمة المؤمن على كره فيجد في مثل هذا اتساعا يجول فيه حتى أنه ربما قال في سوية الحق في ذلك و لا يقول مثل هذا إلا غير أديب أ لا تراه يقول تعالى في تمام هذه الآية وَ كانَ الله بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً ينبه أن هذا العمل الذي هو فيه قد أحطت علما به من نفسي من حيث كرهت أشياء لا بد من أني أوجدها و أحببت أشياء و إنما قال ذلك لإقامة عذر عبده المؤمن فإنه ما يكره فعل ما يستخفي منه و يستخفي بسببه إلا المؤمن بأن هذا لا يجوز عمله شرعا فالإحاطة من الله بالأشياء مثلالذوق فينا و هو أن تعلم الأشياء منك أي إنك قد اتصفت بها ذوقا و كثير بين من يكون ذلك المعلوم حاله و بين من لا يكون فإنه ما هو منه على علم صحيح و قوله من أنه مما لا يَرْضىمن الْقَوْلِ و هو الجهر بالسوء من القول فإن الله لا يحب الْجَهْرَ بِالسُّوءِ من الْقَوْلِ فإن الحكم بكونه سوء ما علم لا من القول إذ لو لا لقول ما وصل علمه إلينا فالقول بالسوء بطريق التعريف إنه سوء قول خير يحب الجهر به لأنه تعليم حتى لا يجهر به عند الاستعمال إذا قضى الله على المكلف استعمال هذا فما في الكون حكم ظاهر في عمل إلا و له مستند إلهي يستند إليه و ذلك المستند إليه إن كان خيرا زاد له في الأعطية أَضْعافاً مُضاعَفَةً و إن كان شرا شفع فيه ذلك المستند و أقام عذره عند الله فلهذا كان مال العباد المكلفين إلى الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ