قال رسول الله ص شيبتني هود و أخواتها من كل سورة فيها ذكر الاستقامة فإنه و المؤمنين مأمور بها و الحكم للعلم لا للأمر و ما الله بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فإنه ما علم تعالى إلا ما أعطته المعلومات فالعلم يتبع المعلوم و لا يظهر في الوجود إلا ما هو المعلوم عليه فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و من لم يعرف الأمر هكذا فما عنده خبر بما هو الأمر عليه فالإنسان جاهل بما يكون منه قبل كونه فإذا وقع منه ما وقع فما وقع إلا بعلم الله فيه و ما علم إلا ما كان المعلوم عليه فصح قوله وَ لا يَرْضىلِعِبادِهِ الْكُفْرَ و الرضاء إرادة فلا تناقض بين الأمر و الإرادة و إنما النقض بين الأمر و ما أعطاه العلم التابع للمعلوم فهو فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ و ما يريد إلا ما هو عليه العلم و ما لنا من الأمر الإلهي إلا صيغة الأمر و هي من جملة المخلوقات في لفظ الداعي إلى الله تعالى فهي مرادة معلومة كائنة في فم الداعي إلى الله فتنبه و اعتبر وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فمن ازداد علما ازداد حكما فانظر فيما أمرت به أو نهيت عنه من حيث إنك محل لوجود عين ما أمرت به أو نهيت عنه من حيث إنك محل لوجود عين ما أمرت به فمتعلق الأمر عند صاحب هذا النظر أن يهيئ محله بالانتظار فإذا جاء الأمر الإلهي الذي يأتي بالتكوين بلا واسطة فينظر أثره في قلبه أو لا فإن وجد الإباية قد تكونت في قلبه فيعلم أنه مخذول و أن خذلانه منه لأنه على هذه الصورة في حضرة ثبوت عينه التي أعطت العلم لله به و إن وجد غير ذلك و هو القبول فكذلك أيضا فينظر في العضو الذي تعلق به ذلك الأمر المشروع أن يتكون فيه من أذن أو عين أو يد أو رجل أو لسان أو بطن أو فرج فإنا قد فرغنا من القلب بوجود الإباية أو القبول فلا نزال نراقب حكم العلم فينا من الحق حتى نعلم ما كنا فيه فإنه لا يحكم فينا إلا بنا كما قلنا
و من كان هذا حاله في مراقبته و إن وقع منه خلاف ما أمر به فإنه لا يضره و لا ينقصه عند الله إفضالا من الله لا تحكما عليه عز و جل فإن المراد قد حصل الذي يعطي السعادة و هو المراقبة لله في تكوينه و هذا ذوق لا يمكن أن يعلم قدره إلا من كان حاله و هذا هو عين سر القدر لمن فهمه و كم منع الناس من كشفه لما يطرأ على النفوس الضعيفة الايمان من ذلك فليس سر القدر الذي يخفى عن العالم عينه إلا اتباع العلم المعلوم فلا شيء أبين منه و لا أقرب مع هذا البعد فمن كان هذا حاله فقد فاز بدرجة الاستقامة و بها أمر فإنه أمر بالمراقبة
فيتبع الحكم ما يكون و الصعب من ذلكم يهون
و لذلك لم يكن شيب رسول الله ص بالكثير و إنما كان شعرات معدودة لم تبلغ العشرين متفرقة و قال شيبتني فلو لا هذا الخاطر ما شاب رسول الله ص فلما تبين له الأمر كما قررناه وقف عنه الشيب و لم يقم به همو علم من أين وقع ما وقع فاستقام كما أمر فالله يهدينا صراط من أنعم عليه من النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ