قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و الخمسون و خمسمائة في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب الع (بخش ۱)

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
أرى سلم الأسماء يعلو و يسفلو تجري به ريح جنوب و شمال
فيا عجبا كيف السلامة و العماشقيق الهدى و الأمر ما ليس يفصل
أ لم تر أن الله في النار يعدلو في جنة الفردوس يسدي و يفضل
فإن قلت هذا كافر قلت عادلو إن قلت هذا مؤمن قلت مفضل
فهذا دليل أن ربي واحديولي الذي شاء إلا له و يعزل
فأعياننا أسماؤه ليس غيرهاففي نفسه يقضي الأمور و يفصل

قال الله تعالى وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنىو ليست سوى الحضرات الإلهية التي تطلبها و تعينها أحكام الممكنات و ليست أحكام الممكنات سوى الصور الظاهرة في الوجود الحق «فالحضرة الإلهية» اسم لذات و صفات و أفعال و إن شئت قلت صفة فعل و صفة تنزيه و هذه الأفعال تكون عن الصفات و الأفعال أسماء و لا بد لكن منها ما أطلقها على نفسه و منها ما لم يطلق لكن جاء بلفظ فعل مثل وَ مَكَرَ الله و سَخِرَ الله و أَكِيدُ كَيْداً و الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ الذي إذا بنيت من اللفظ اسم فاعل لم يمتنع و كذلك الكنايات منها مثل سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ و هو تعالى الواقي و النائب هنا السربال و شبه ذلك و منها الضمائر من المتكلم و الغائب و المخاطب و العام مثل قول الله تعالى يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله فقد تسمى في هذه الآية بكل ما يفتقر إليه فكل ما يفتقر إليه فهو اسم لله تعالى إذ لا فقر إلا إليه و إن لم يطلق عليه لفظ من ذلك فنحن إنما نعتبر المعاني التي تفيدنا العلوم و أما التحجير و رفع التحجير في الإطلاق عليه سبحانه فذلك إلى الله فما اقتصر عليه من الألفاظ في الإطلاق اقتصرنا عليه فإنا لا نسميه إلا بما سمي به نفسه و ما منع من ذلك منعناه أدبا مع الله فإنما نحن به و له فلنذكر في هذا الباب الحضرات الإلهية التي كنى الله عنها بالأسماء الحسنى حضرة حضرة و لنقتصر منها على مائة حضرة ثم نتبع ذلك بفصول مما يرجع كل فصل منها إلى هذا الباب فمن ذلك لحضرة الإلهية و هي الاسم الله

الله الله الله الذي حكمتآياته أنه في كونه الله
سبحانه جل أن يحظى به أحدمن العباد فلا إله إلا هو
اختص باسم فلم يشركه من أحدفيه و ذلك قول القائل الله

و هي الحضرة الجامعة للحضرات كلها و لذلك ما عبد عابد لله إلا هي و بذا حكم تعالى في قوله وَ قَضىرَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و قوله أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله

فلله ما يخفى و لله ما بدا نعم بل هو الله الذي ليس إلا هو

و اعلم أنه لما كان في قوة الاسم الله بالوضع الأول كل اسم إلهي بل كل اسم له أثر في الكون يكون عن مسماه ناب مناب كل اسم لله تعالى فإذا قال قائل يا الله فانظر في حالة القائل التي بعثته على هذا النداء و انظر أي اسم إلهي يختص بتلك الحال فذلك الاسم الخاص هو الذي يناديه هذا الداعي بقوله يا الله لأن الاسم الله بالوضع الأول إنما مسماه ذات الحق عينها التي بيدها مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فلهذا ناب الاسم الدال عليها على الخصوص مناب كل اسم إلهي ثم إن لهذا المسمى من حيث رجوع الأمر كله إليه اسم كل مسمى يفتقر إليه من معدن و نبات و حيوان و إنسان و فلك و ملك و أمثال ذلك مما ينطلق عليه اسم مخلوق أو مبدع فهو تعالى المسمى بكل اسم لمسمى في العالم مما له أثر في الكون و ما ثم إلا من له أثر في الكون و أما تضمنه لأسماء التنزيه فمأخذ ذلك قريب جدا و إن كان كل اسم إلهي بهذه المثابة من حيث دلالتهعلى ذات الحق جل جلاله و عز في سلطانه لكن لما كان ما عدا الاسم الله من الأسماء مع دلالته على ذات الحق يدل على معنى آخر من سلب أو إثبات بما فيه من الاشتقاق لم يقو في أحدية الدلالة على الذات قوة هذا الاسم كالرحمن و غيره من الأسماء الإلهية الحسنى و إن كان قد ورد قوله تعالى آمرا نبيه ص قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنىفالضمير في له يعود على المدعو به تعالى فإن المسمى الأصلي الزائد على الاشتقاق ليس إلا عينا واحدة ثم إن الله تعالى قد عصم هذا الاسم العلم أن يسمى به أحد غير ذات الحق جل جلاله و لهذا قال الله عز و جل في معرض الحجة على من نسب الألوهة إلى غير هذا المسمى قُلْ سَمُّوهُمْ فبهت الذي قيل له ذلك فإنه لو سماه سماه بغير الاسم الله و أما ما فيها من الجمعية فإن مدلولات الأسماء الزائدة على مفهوم الذات مختلفة كثيرة و ما بأيدينا اسم مخلص علم للذات سوى هذا الاسم الله فالاسم الله يدل على الذات بحكم المطابقة كالاسماء الأعلام على مسمياتها و ثم أسماء تدل على تنزيه و ثم أسماء تدل على إثبات أعيان صفات و إن لم تقبل ذات الحق قيام الأعداد و هي الأسماء التي تعطي أعيان الصفات الثبوتية الذاتية كالعالم و القادر و المريد و السميع و البصير و الحي و المجيب و الشكور و أمثال ذلك و أسماء تعطي النعوت فلا يفهم منها في الإطلاق إلا النسب و الإضافات كالأول و الآخر و الظاهر و الباطن و أمثال ذلك و أسماء تعطي الأفعال كالخالق و الرازق و البارئ و المصور و أمثال ذلك من الأسماء و انحصر الأمر و جميع الأسماء الإلهية بلغت ما بلغت لا بد أن ترجع إلى واحد من هذه الأقسام أو إلى أكثر من واحد مع ثبوت دلالة كل اسم منها على الذات لا بد من ذلك فهي حضرة تتضمن جميع الحضرات فمن عرف الله عرف كل شيء و لا يعرف الله من لا يعرف شيئا واحدا أي مسمى كان من الممكنات و حكم الواحد منها حكم الكل في الدلالة على العلم بالله من حيث ما هو إله للعالم خاصة ثم إذا وقع لك الكشف بالعمل المشروع رأيت أنك ما علمته إلا به فكان عين الدليل هو عين المدلول عليه بذلك الدليل و الدال و هذه الحضرة و إن كانت جامعة للحقائق كلها فأخص ما يختص بها من الأحوال الحيرة و العبادة و التنزيه فأما التنزيه و هو رفعته عن التشبيه بخلقه فهو يؤدي إلى الحيرة فيه و كذلك العبادة فأعطانا قوة الفكر لننظر بها فيما يعرفنا بأنفسنا و به فاقتضى حكم هذه القوة أن لا مماثلة بيننا و بينه سبحانه و تعالى من وجه من الوجوه إلا استنادنا إليه في إيجاد أعياننا خاصة و غاية ما أعطى التنزيه إثبات النسب له بكسر النون بنا لما نطلبه من لوازم وجود أعياننا و هي المسمى بالصفات فإن قلنا إن تلك النسب أمور زائدة على ذاته و إنها وجودية و لا كمال له إلا بها و إن لم تكن كان ناقصا بالذات كاملا بالزائد الوجودي و إن قلنا ما هي هو و لا هي غيره كان خلفا من الكلام و قولا لا روح فيه يدل على نقص عقل قائله و قصوره في نظره أكثر من دلالته على تنزيهه و إن قلت ما هي هو و لا وجود لها و إنما هي نسب و النسب أمور عدمية جعلنا العدم له أثر في الوجود و تكثرت النسب لتكثر الأحكام التي أعطتها أعيان الممكنات و إن لم نقل شيئا من هذا كله عطلنا حكم هذه القوة النظرية و إن قلنا إن الأمور كلها لا حقيقة لها و إنما هي أوهام و سفسطة لا تحوي على طائل و لا ثقة لأحد بشيء منها لا من طريق حسي و لا فكري عقلي فإن كان هذا القول صحيحا فقد علم فما هذا الدليل الذي أوصلنا إليه و إن لم يكن صحيحا فبأي شيء علمنا أنه ليس بصحيح فإذا عجز العقل عن الوصول إلى العلم بشيء من هذه الفصول رجعنا إلى الشرع و لا نقبله إلا بالعقل و الشرع فرع عن أصل علمنا بالشارع و بأي صفة وصل إلينا وجود هذا الشرع و قد عجزنا عن معرفة الأصل فنحن عن الفرع و ثبوته أعجز فإن تعامينا و قبلنا قوله إيمانا لأمر ضروري في نفوسنا لا نقدر على دفعه سمعناه ينسب إلى الله أمورا تقدح فيها الأدلة النظرية و بأي شيء منها تمسكنا قابلة الآخر فإن تأولنا ما جاء به لنرده إلى النظر العقلي فنكون قد عبدنا عقولنا و حملنا وجوده تعالى على وجودنا و هو لا يدرك بالقياس فأدانا تنزيهنا إلهنا إلى الحيرة فإن الطرق كلها قد تشوشت فصارت الحيرة مركز إليها ينتهي النظر العقلي و الشرعي و أما العبادة فمن حيث هي ذاتية فليست سوى افتقار الممكن إلى المرجح و إنما أعني بالعبادة التكليف و التكليف لا يكون إلا لمن له الاقتدار على ما كلف به من الأفعال أو مسك النفس في المنهيات عن ارتكابها فمن وجه ننفي الأفعال عن المخلوق و نردها إلى المكلفو الشيء لا يكلف نفسه فلا بد من محل يقبل الخطاب ليصح و من وجه نثبت الأفعال للمخلوق بما تطلبه حكمة التكليف و النفي يقابل الإثبات فرمانا هذا النظر في الحيرة كما رمانا التنزيه و الحيرة لا تعطي شيئا فالنظر العقلي يؤدي إلى الحيرة و التجلي يؤدي إلى الحيرة فما ثم إلا حائرة و ما ثم حاكم إلا الحيرة و ما ثم إلا الله كان بعضهم إذا تقابلت عنده هذه الأحكام في سره يقول يا حيرة يا دهشة يا حرقا لا يتقرى و ما هذا الحكم لحضرة أخرى غير هذه الحضرة الإلهية

«الحضرة الربانية و هي الاسم الرب»

الرب مالكنا و الرب مصلحناو الرب ثبتنا لأنه الثابت
لو لا وجودي و كون الحق أوجدنيما كنت أدري بأني الكائن الفائت
فالحق أوجدني منه و أيدنيبه لذلك ادعى الناطق الصامت

و لها خمسة أحكام الثبوت على التلوين و السلطان على أهل النزاع في الحق و النظر في مصالح الممكنات و العبودة التي لا تقبل العتق و ارتباط الحياة بالأسباب المعتادة فأما الثبوت على التلوين فهو في قوله كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ و قوله يُقَلِّبُ الله اللَّيْلَ وَ النَّهارَ فما من نفس في العالم إلا و فيه حكم التقليب أ لا ترى إلى الشمس التي هي علة الليل و النهار تجري لا مستقر لها ليلا و لا نهارا أ لا ترى إلى الكواكب كُلٌّ في فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ما قال يستقرون في ثلاثمائة و ستين درجة كل درجة بل كل دقيقة بل كل ثانية بل كل جزء لا يتجزأ من الفلك إذا أنزل الله فيه أي كوكب كان من الكواكب يحدث الله عند نزوله في كل جوهر فرد من عالم الأركان ما لا يعرف ما هو إلا الله الذي أوجده و يحدث في الملإ الأوسط من الأرواح السماوية التي تحت مقعر فلك البروج من العلوم بما يستحقه الحق عز و جل من المحامد على ما وهبهم من المعارف الإلهية كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ وَ الله عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ و الذين في هذا الملإ هم أهل الجنان و في عالم الأركان و في بعض هذا الملإ هم أهل النار الذين هم أهلها و يحدث في الملإ الأعلى و هو ما فوق فلك البروج إلى معدن النفوس و العقول إلى العماء من العلوم التي تعطيها الأسماء الإلهية ما يؤديهم إلى الثناء على الله بما ينبغي له تعالى من حيث هم لا من حيث الأسماء فإن الأسماء الإلهية أعظم إحاطة مما هم عليه فإن تعلقها في تنفيذ الأحكام غير متناه و أما السلطان الذي لهذه الحضرة على أهل النزاع في الحق فهو إن المقالات اختلفت في الله اختلافا كثيرا من قوة واحدة و هي الفكر في أشخاص كثيرين مختلفي الأمزجة و الأمشاج و القوي ليس لها من يمدها إلا مزاجها الطبيعي و حظ كل شخص من الطبيعة ما يعطيه من المزاج الذي هو عليه فإذا أفرغت قوتها فيه حصل له استعداد به يقبل نفخ الروح فيه فيظهر عن النفخ و تسوية الجسم الطبيعي صورة نورية روحانية ممتزجة بين نور و ظلمة ظلمتها ظل و نورها ضوء فظلها هو الذي مده الرب فهو رباني أَ لَمْ تَرَ إِلىرَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ و نورها ضوء لأن استنارة الجسم الطبيعي إنما كان بنور الشمس و قد ذكر الله أنه جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً فلهذا جعلنا نورها ضوءا من أجل الوجه الخاص الذي لله في كل موجود أو من كون إفاضة الضوء على مرآة الجسم المسوي فظهر في الانعكاس ضوء الشمس كظهوره من القمر فلذا سمينا الروح الجزئي نورا لأن الله جعل القمر نورا فهو نور بالجعل كما كانت الشمس ضياء بالجعل و هي بالذات نور و القمر بالذات محو فللقمر الفناء و للشمس البقاء

فللقمر الفناء بكل وجهو للشمس الإضاءة و البقاء
و للوجه الجميل بكل حسنلنا منه البشاشة و اللقاء
حمينا حسنه من كل عينكما يحمى من الشجر اللحاء
نزلنا بالسماء على وجودله العرش المحيط له العماء
له الإقبال و الإدبار فيناله حكم السنا و له السناء
إذا يدنو فمجلسه رحيبو إن يعلو بنا فلنا الثناء
له حكم الإرادة في وجوديهو المختار يفعل ما يشاء

ثم تبعث القوي الروحانية و الحسية لخلق هذا الروح الجزئي المنفوخ بطريق التوحيد لأنه قال وَ نَفَخْتُ و أما روح عيسى فهو منفوخ بالجمع و الكثرة ففيه قوى جميع الأسماء و الأرواح فإنه قال فَنَفَخْنا بنون الجمع فإن جبريل ع وهبه لها بَشَراً سَوِيًّا فتجلى في صورة إنسان كامل فنفخ و هو نفخ الحق كما قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فلما تبعته هذه القوي كان منها القوة المفكرة أعطيت للإنسان لينظر بها في الآيات في الآفاق و في نفسه ليتبين له بذلك أنه الحق و اختلفت الأمزجة فلا بد أن يختلف القبول فلا بد أن يكون التفاضل في التفكر فلا بد أن يعطي النظر في كل عقل خلاف ما يعطي الآخر حتى يتميز في أمر و يشترك مع غيره في أمر فهذا سبب اختلاف المقالات فيحكم الرب بين أصحاب هذه المقالات بما يجيء به الشرع المنزل فتبقى العقول واقفة في أدلتها و رجع اختلاف نظرها في المواد الشرعية بعد ما كانت أولا ناظرة بالنظر العقلي و ذلك ليس إلا للمؤمنين و المؤمنات خاصة قالوا قفون مع حكم الرب في ذلك بين المتنازعين هم المؤمنون و لهم عين الفهم فاختلفوا مع الاتفاق فاختلافهم في المفهوم من هذا الذي حكم به الرب في حق الحق و هذا هو الحق الذي نصبه الشرع للعباد و بما سمي به نفسه نسميه و بما وصف به ذاته نصفه لا نزيد على ما أوصل إلينا و لا نخترع له أسماء من عندنا و أما نزاع غير المؤمنين في اختلاف عقائدهم فيكون الشارع واحدا منهم في كونه نزع في الحق منزعا لم ينزعوه لكونهم غير مؤمنين فالحاكم بينهما أعني بين الشرع و العقلاء غير المؤمنين إنما هو الله بصور التجلي به يقع الفيصل بينهما و لكن في الدار الآخرة لا هنا فإن في الدار الآخرة يظهر حكم الجبر فلا يبقى منازع هناك أصلا و يكون الملك هناك لله الواحد القهار و تذهب الدعاوي من أربابها و تبقي المؤمنون هنالك سادات الموقف على كل من في الموقف و أما النظر في مصالح الممكنات الذي لهذه الحضرة فاعلم أن الممكنات إذا نظرتها من حيث ذاتها لم يتعين لقبولها من الأطراف طرف تكون به أولى فيكون الرب ينظر بالأولوية في وجودها و عدمها و تقدمها في الوجود و تأخرها و مكانها و مكانتها و يناسب بينها و بين أزمنتها و أمكنتها و أحوالها فيعمد إلى الأصلح في حقها فيبرز ذلك الممكن فيه لأنه لا يبرزه إلا ليسبحه و يعرفه بالمعرفة التي تليق به مما في وسعه أن يقبلها ليس غير ذلك فلهذا ترى بعض الممكنات يتقدم على بعض و يتأخر و يعلو و يسفل و يتلون في أحوال و مراتب مختلفة من ولاية و عزل و صناعة و تجارة و حركة و سكون و اجتماع و افتراق و ما أشبه ذلك و هو تقليب ممكنات في ممكنات في غير ذلك ما تتقلبو أما العبودة التي لا تقبل العتق فهي العبودة لله فإن العبودة على ثلاثة أقسام عبودة لله و عبودة للخلق و عبودة للحال و هي العبودية فهو منسوب إلى نفسه و لا يقبل العتق من هذه الثلاثة إلا عبودة الخلق و هي على قسمين عبودة في حرية و هي عبوديتهم للأسباب فهم عبيد الأسباب و إن كانوا أحرارا و عبودية الملك و هي العبودية المعروفة في العموم التي يدخلها البيع و الشراء فيدخلها العتق فيخرجه عن ملك المخلوق و بقيت الحيرة في ملك الأسباب هل يخرج من استرقاق الأسباب أم لا فمن يرى أن الأسباب حاكمة عليه و لا بد و من المحال الخروج عنها إلا بالوهم لا في نفس الأمر قال ما يصح العتق من رق الأسباب و من قال بالوجه الخاص و هو الذي لا اشتراك فيه قال بالعتق من رق الأسباب و عتقه معرفته بذلك الوجه الخاص فإذا عرفه خرج عن رق الأسباب و أما عبودة الله و عبودة العبودية و هي عبودة الحال فلا يصح العتق فيها جملة واحدة و أما ارتباط الحياة بالأسباب المعتادة فأظهر ما يكون فيما يقع به الغذاء لكل متغذ من الغذاء المعنوي و المحسوس فالغذاء المحسوس معلوم و الغذاء المعنوي ما تتغذى به العقول و كل من حياته بالعلم كان ما كان و على أي طريق كان فكم من علم يحصل للعالم به من طريق الابتلاء و ذلك لإقامة الحجة فيمن من شأنه الطلب و هو سار في جميع الموجودات و قد بينا ذلك في عضو البطن من مواقع النجوم و لو لا التطويل بينا في هذه الحضرة ما يتعلق من الأسرار بها فلا ننبه من كل حضرة إلا على طرف منها و لهذا الاسم الرب إضافات كثيرة تجتمع في الإضافة و تفترق بحسب ما يضاف إليه فثم إضافة للعالمين و لكاف الخطاب من مفرد فَوَ رَبِّكَ و مثنى فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسىو مجموع رَبَّكُمُ و إلى الآباء و إلى ضمير الغائب ربه و ربهم و إلى السماء و السموات و إلى الأرض و إلى المشرق و المغرب و إلى المشارق و المغارب و إلى الناس و إلى الفلق و إلى ضمير المتكلم فلا تجده أبدا إلا مضافا فعلمك به منحيث من هو مضاف إليه فافهم و الكلام في هذه التفاصيل يطول وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الرحموت الاسم الرحمن الرحيم»

إلى الرحمن حلي و ارتحاليلأحظي بالجلال و بالجمال
فإن الحق كان بنا رحيمارءوفا يوم يدعوني نزال

مبالغة في الرحمة الواجبة و الامتنانية قال تعالى وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و من أسماء الله تعالى الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و هو من الأسماء المركبة كبعلبك و رامهرمز و إنما قبل هذا التركيب لما انقسمت رحمته بعباده إلى واجبة و امتنان فبرحمة الامتنان ظهر العالم و بها كان مال أهل الشقاء إلى النعيم في الدار التي يعمرونها و ابتداء الأعمال الموجبة لتحصيل الرحمة الواجبة و هي الرحمة التي قال الله فيها لنبيه ص على طريق الامتنان فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ وَ ما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ رحمة امتنان و بها رزق العالم كله فعمت و الرحمة الواجبة لها متعلق خاص بالنعت و الصفات التي ذكرها الله في كتابه و هي رحمة داخلة في قوله رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فمنتهى علمه منتهى رحمته فيمن يقبل الرحمة و كل ما سوى الله قابل لها بلا شك و من عموم رحمته و رحموته نفس الرحمن و إزالة الغضب عنه الذي لم يغضب قبله مثله و لن يغضب بعده مثله إن غضب بشهادة المبلغين عنه الإرسال عليهم الصلاة و السلام في الصحيح من النقل و سميت هذه الحضرة باسم المبالغة لعمومها و دخول كل شيء فيها فلما كان لها من التعلق بعدد الممكنات على أفراد كل ممكن و بعدد المناسبات الموجبة التركيب و هي لا تتناهى فرحمة الله غير متناهية و منها صدرت الممكنات و منها صدر الغضب الإلهي و لما صدر عنها لم يرجع إليها لأنه صدر صدور فراق لتكون الرحمة خالصة محضة و لذلك تسابقا فما تسابقا إلا عن تميز و انفراد و جميع ما سوى الغضب الإلهي وجد من الرحمة في عين الرحمة فما خرج عنها

فرحمة الله لا تحدو كل ما عندها معد
و كل من ضل عن هداهافإنه نحوها يرد
فالقرب منها هو التدانيو ما لديها من بعد بعد
فلا تقل إنها تناهتفما لها في الوجود حد
بها تميزت عنه فانظرفالرب رب و العبد عبد

و من علم سبب وجود العالم و وصف الحق نفسه بأنه أحب أن يعرف فخلق الخلق و تعرف إليهم فعرفوه و لهذا سبح كل شيء بحمده علم من ذلك أول متعلق تعلقت به الرحمة فالمحب مرحوم للوازم المحبة و رسومها و اعلم أن الحكم على الله أبدا بحسب الصورة التي يتجلى فيها فما يصح لتلك الصورة من الصفة التي تقبلها فإن الحق يوصف بها و يصف بها نفسه و هذا في العموم إذا رأى الحق أحد في المنام في صورة أي صورة كانت حمل عليه ما تستلزمه تلك الصورة التي رآه فيها من الصفات و هذا ما لا ينكره أحد في النوم فمن رجال الله من يدرك تلك الصورة في حال اليقظة و لكن هي في الحضرة التي يراها فيها النائم لا غيرها و هذه المرتبة يجتمع فيها الأنبياء ع و الأولياء رضي الله عنهم و هنا يصح كون الرحمة وسعت كل شيء و هذه الصورة الإلهية في هذه الحضرة من الأشياء فلا بد أن تسعها رحمة الله إن عقلت و الانتقام من رحمة المنتقم بنفسه في الخلق وَ الله عَزِيزٌ عن مثل هذا ذُو انْتِقامٍ و الْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ الله عَلَيْها إِنْ كانَ من الصَّادِقِينَ و غَضِبَ الله عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً و إذا وفق الله عبده للتوبة فقد و فقه لما لله به فرح فإن الله يفرح بتوبة عبده في الصحيح فذلك من رحمة الله و الأخبار النبوية في ذلك أكثر من أن تحصى كثرة

«حضرة الملك و الملكوت و هو الاسم الملك»

إن المليك هو الشديد فكن بهملكا على الأعداء حتى تمتلك
فإذا ملكت النفس عن تصريفهافيما تريد تكن به نعم الملك

و أيضا

إن المليك هو الشديد فكن بهو له مليكا في القيامة تسعد
لو لم يكن من ملكه إلا الذييوم القيامة في السعادة تشهد

اعلم أن الملك و الملكوت لهما الاسم الظاهر و الباطن و هو عالم الغيب و عالم الشهادة و عالم الخلق و عالم الأمر و هو الملك المقهور فإن لم يكن مقهورا تحت سلطان الملك فليس بملك و من كان باختيار ملكه لا باختيار نفسه في تصرفه فيه فليس ذلك بملك و لا ملك بل منزلة من هو بهذه المثابة في ملكه منزلة المتنفل في العبادة فهو عبد اختيار لا عبد اضطرار يعزل ملكه إذا شاء و يوليه إذا شاء و الملك المجبور المضطر ليس كذلك فهو تحت سلطان الملك فإذا نفذ أمره في ظاهر ملكه و في باطنه فذلك الملكوت و إن اقتصر في النفوذ على الظاهر و ليس له على الباطن سبيل فذلك الملك و قد ظهرت هاتان الصفتان بوجود المؤمن و المنافق في اتباع الرسل صلوات الله عليهم فمنهم من اتبعه في ظاهره و باطنه و هو المؤمن المسلم و منهم من اتبعه في ظاهره لا في باطنه و ذلك المنافق و منهم من اتبعه في باطنه لا في ظاهره فذلك المؤمن العاصي و ما جعل الله للإنسان عينين إلا ليدرك بهما هاتين الصفتين عين حس و عين عقل بصيرة و بصر لأنه لما خلق من كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ خلق لإدراكهما عينين و لما أضاف إلى نفسه الأعين بلفظ الجمع ليدل على الكثرة فكل عين حافظة مدركة لأمر ما بأي وجه كان فهي عين الحق الذي له الحفظ و الإدراك فذلك سبب الجمع فيها

فهو الحفيظ بنفسه و بخلقه و هو العليم بما له من حقه

بل وصف نفسه تعالى بالمشيئة و الاختيار أثبت بذلك عندنا شرعا لا عقلا إن له تصرفا في نفسه و هذا حكم يحيله النظر العقلي بعين البصيرة على الله و يصححه الخبر الشرعي و العين البصري في اختلاف الصور عليه التي يتجلى فيها و به ثبت يَمْحُوا الله ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ و إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَ يَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ و لَوْ أَرادَ الله أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفىففي هذا كله وجه إلى أحدية متعلق الإرادة و وجه إلى التصرف في التعلق و التصرف في التعلق تصرف في الإرادة و الإرادة إما ذاته على مذهب نفاة الزائد و إما صفته على مذهب مثبتي الصفات زائدة و الصحيح في غير هذين القولين و هو أن الإرادة ليست بأمر زائد على الذات و لا هي عين الذات و إنما هي تعلق خاص للذات أثبته الممكن لإمكانه في القبول لأحد الأمرين على البدل لو لا معقولية هذين الأمرين و معقولية القبول من الممكن ما ثبت للإرادة و لا للاختيار حكم و لا ظهر له في العبارات اسم فمن حضر مع الحق في حضرة الملك و الملكوت و لم يعرف العالم و لا ما هو و لا عرف نسبته من الحق و لا نسبة الحق منه فما حضر في هذه الحضرة بوجه من الوجوه و لا كان له حظ في الاسم الملك

«حضرة التقديس و هو الاسم القدوس»

من طهر النفس التي لا تنجليأعلامها فينا يكن قدوسا
و يرد ملكا طاهرا ذا عفةمن كان في تصريفه إبليسا
إلى القدوس أعملت المطايالا حظي بالزكاة و بالطهور
و بالعرش المحيط و ساكنيهو بالأمر العلى من الأمور
فإن القدس ليس له نظيربه أحيى له و به نشوري
و إن الحق ليس به خفاءو صدر الحق منا في الصدور

سبوح قدوس مطهر من الأسماء النواقص و الأسماء النواقص هي التي لا تتم إلا بصلة و عائد فإن من أسمائه سبحانه الذي و ما في قوله الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و في قوله الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ و أما ما في قوله تعالى وَ السَّماءِ وَ ما بَناها في بعض وجوه ما في هذا الموضع فإن ما قد تكون هنا مصدرية و قد تكون بمعنى الذي فتكون ناقصة فتكون هنا اسما لله عز و جلفاعلم إن الله لما خلق الأسباب و جعلها الظاهرة لعباده و فعل المسببات عندها و تخيل الناظرون أنها ما خلقت إلا بها و هذا هو الذي أضل الخلق عن طريق الهدى و العلم و حجبهم عنالوجه الخاص الذي لله في كل كائن فاعلم إن ذلك اللفظ المسمى اسما ناقصا و هو ما و من و الذي و أخوات هذه الأسماء إنما مسماها السبب الذي احتجب الله به عن خلقه في خلقه هذه المسببات فهو القدوس أي المطهر عن نسبة الأسماء النواقص إليه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ فأنت بخير النظرين إما أن يكون كشفك إن الحق هو الظاهر في مظاهر الممكنات فيكون التقديس للممكنات بوجود الحق و ظهوره في أعيانها فتقدست به عما كان ينسب إليها من الإمكان و الاحتمالات و التغييرات فليس إلا أمر واحد و أعيان كثيرة كل عين في أحديتها لا تتغير عين لعين بل يظهر بعضها لبعض و يخفى بعضها عن بعض بحسب صورة الممكن و إما أن يكون الحق عين المظهر و يكون الظاهر أحكام أعيان الممكنات الثابتة أزلا التي لا يصح لها وجود فيكون التقديس للحق لأجل ما ظهر من تغير أحكام الممكنات في عين الوجود الحق أي الحق مقدس قدوس عن تغيره في نفسه بتغير هذه الأحكام كما تقول في الزجاج المتلون بألوان شتى إذا ضرب النور فيه و انبسط نور الشعاع مختلف الألوان لأحكام أعيان التلون في الزجاج و نحن نعلم أن النور ما انصبغ بشيء من تلك الألوان مع شهود الحس لتلون النور بألوان مختلفة فتقدس ذلك النور في نفسه عن قبول التلون في ذاته بل نشهد له بالبراءة من ذلك و نعلم أنه لا يمكن أن ندركه إلا هكذا فكذلك و إن نزهنا الحق عن قيام تغيير ما أعطته أحكام أعيان الممكنات فيه عن أن يقوم به تغيير في ذاته بل هو القدوس السبوح و لكن لا يكون الأمر إلا هكذا في شهود العين لأن الأعيان الثابتة في أنفسها هذه صورتها و كذلك روح القدوس تارة يتجلى في صورة دحية و غيره و تجلى و قد سد الأفق و تجلى في صورة الدر و تنوعت عليه الصور أو تنوع في الصور و نعلم أنه من حيث إنه روح القدس مطهر عن التغيير في ذاته و لكن هكذا ندركه كما أنه إذا نزل بالآيات على من نزل من عباد الله و الآيات متنوعة فإن القرآن متنوع ينطبع عند النازل عليه في قلبه بصورة ما نزل به عليه فتغير على المنزل عليه الحال لتغيير الآيات و الكلام من حيث ما هو كلام الله واحد لا يقبل التغيير و الروح من حيث ما هو لا يقبل التغيير فالكلام قدوس و الروح قدوس و التغيير موجود فتنظر في مدلول الآيات فإذا كان مدلولها الممكنات فالتقديس للحق و إذا كان مدلول الآية الحق فما هو من حيث عينه لأنه قدوس و إنما هو من حيث اسم ما إلهي من الأسماء و هذه فائدة الدلالة

«حضرة السلام الاسم الإلهي السلام»

لما تسمى بالسلام لخلقهكان السلام له المقام الشامخ
و الحكم فيهم بالذي قد شاءهو العز و المجد التليد الباذخ
إن السلام تحية من ربنافينا و من أسماء نرجو السلام
و لنا التأخر عن علو مقامهو له التقدم و التحكم و الإمام
لما تسمى بالسلام لخلقهحارت عقول الواصلين من الأنام

قال الله تعالى لَهُمْ دارُ السَّلامِ و هي دار لا يَمَسُّهُمْ فِيها نَصَبٌ فهم فيها سالمونو اعلم أن السلامة التي للعارف هي تنزيهه من دعوى الربوبية على الإطلاق إلا أن يظهر عليه نفحاتها عند ما يكون شهوده كون الحق جميع قواه فيكون دعوى فيكون سلامته عند ذلك من نفسه و بها سمي السلام سلاما لما أراد الصحابة رضي الله عنهم في التشهد أن يقولوا أو قالوا السلام على الله تحية فقال رسول الله ص لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلامفإذا حضر العبد و هو عبد السلام مع الحق في هذه الحضرة و كان الحق مرآة له فلينظر ما يرى فيها من الصور فإن رأى فيها صورة باطنة و معاينة مشكلة بشكل ظاهره فعلم أنه رأى نفسه و ما حصلت له درجة من يكون الحق جميع قواه و إن رأى صورة غير مشكلة بشكل جسدي مع تعقله أن ثم أمرا ما هو عينه فتلك صورة حق و إن العبد في ذلك الوقت قد تحقق بأن الحق قواه ليس هو و إن كان العبد في هذا الشهود هو عين المرآة و كان الحق هو المتجلي فيها فلينظر العبد من كونه مرآة ما تجلى فيه فإن تجلى فيه ما يقيد بشكله فالحكم للمرآة لا للحق فإن الرائي قد يتقيد بحقيقةشكل المرآة من طول و عرض و استدارة و انحناء و كبر و صغر فترد الرائي إليها و لها الحكم فيه فيعلم بالتقييد المناسب لشكل المرآة أن الذي رآه قد تحول في شكل صورته في أنواع ما تعطيه حقيقته في تلك الحال و إن رآه خارجا عن شكل ذاته فيعلم أنه الحق الذي هو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و بأي صورة ظهر فقد سلم من تأثير الصورة الأخرى فيه لأن حضرة السلام تعطي ذلك أ لا ترى الرجل الذي رأى الحق عند رؤية أبي يزيد فمات و قد كان يرى الحق قبل رؤية الحق في رؤية أبي يزيد فلا يتأثر فقد رأى الحق في غير صورة مرآته و مثاله رؤية الشخص نفسه في مرآة فيها صورة مرآة أخرى و ما في تلك المرآة الأخرى فيرى المرآة الأخرى في صورة مرآة نفسه و يرى الصورة التي في تلك المرآة الأخرى في صورة تلك المرآة الأخرى فبين الصورة و مرآة الرائي مرآة وسطي بينها و بين الصورة التي فيها و قد بينا و نبهنا على هذا و رغبنا في هذا المقام في رؤية الحق بالرؤية المحمدية في الصورة المحمدية فإنها أتم رؤية و أصدقها و هذه الحضرة لمن لم يشرك بالله شيئا و إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً و الجاهل من أشرك بالله خفيا كان الشرك أو جليا و ذلك لأنهم يعرفون من أين خاطبهم الجاهلون و ما حضرتهم فلو أجابوهم لانتظموا معهم في سلك الجهالة فإن كل إنسان ما يكلم إنسانا بأمر ما من الأمور ابتداء أو مجيبا حتى ينصبغ بصفة ذلك الأمر الذي يكلمه به كان ذلك ما كان و كل ذلك من الحضرات الإلهية علم ذلك من علمه و جهله من جهله فلم يتمكن لهؤلاء أن يزيدوا على قولهم سلاما شيئا و لو راموا ذلك ما استطاعوا و هذه الحضرة من أعظم الحضرات منها نقول الملائكة لأهل الجنة سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ و منها شرعت التحية فينا بالسلام على التعريف و التنكير و في الصلاة و في غير الصلاة و اعلم أن الجاهل هو الذي يقول أو يعتقد ما يصوره في نفسه و ما لذلك المصور اسم مفعول صورة في عينه زائدة على ما صوره هذا القائل و المعتقد في نفسه فكل ما تطلبه في حضرة وجودية فلا تجده إلا في نفس الذي صوره أو تلقاه عمن صوره فذلك الجهل أعني تصويره و ذلك الجاهل أعني الذي صوره و من كان من أهل هذه الحضرة السلامية فإنه عالم بالحضرات الوجودية و ما تحوي عليه من الصور فإذا لم يجد فيها صورة ما خاطبه بها هذا القائل علم أنه جاهل أو مقلد لجاهل فلا يزيده على قوله سلاما شيئا و هذا مقام عزيز ما رأيت من أهله أحدا إلى الآن أعني أهل الذوق الذين لهم فيه شهود و إن كنت رأيت من يصمت عند خطاب الجاهل فما كل من يصمت عند خطاب الجاهل يصمت من هذه الحضرة و إن علم إن القائل من الجاهلين و لكن لا يقول سلاما إلا صاحب هذه الحضرة فإن له اطلاعا على وجود تلك الصورة في نفس القائل و لا يرى لها صورة في غير محله أصلا سواء كان ذلك القائل مقلدا أو قائلا عن شبهة و كل ما لا صورة له إلا في نفس قائله فإنها تذهب من الوجود بذهاب قوله أو ذهاب تذكر ما صوره من ذلك فإنه ما ثم حضرة وجودية تضبط عليه وجوده و للحروف المنظومة الدالة عليه من المتكلم به أعني أعيانا ثابتة في حضرة الثبوت أعني في شيئية الثبوت في عين هذا القائل و في شيئية الوجود الخطابي أيضا و لكن مدلولها العدم فلا بد من ذهاب الصورة من النفس و إن بقيت لها صورة في الخطاب كائنة من حيث ما تشكلت في الهواء ملكا مسبحا يعرف أمه و هو القائل و لا يعرف له أبا في حضرة من حضرات الوجود فيبقى غريبا ما له نسب يعرفه سوى الذي تكون فيه و هو هذا الجاهل القائل و بهذا كان الصدق له الإعجاز في الكلام لأنه حق وجودي بخلاف المزور في نفسه ما ليس هو فما له شيء يستند إليه فيظهر قصوره عن غيره و لذلك نهينا أن نضرب لله الأمثال و هو يضرب الأمثال لأنه يعلم و نحن لا نعلم فهو عز و جل يضرب لنا الأمثال بما له وجود في عينه و نحن لسنا كذلك إلا بحكم المصادفة فنضرب المثل إذا ضربناه بما له وجود في عينه و بما لا وجود له إلا في تصورنا فنطلب مستندا فلا نجده فلا يبقى له عين فيزول لزواله ما ضرب له المثل لأنه لا يشبهه كما يزول نور السراج من البيت إذا ذهب السراج منه و قد رأينا جماعة من المنتمين إلى الله يتسعون في ضرب المثل من علماء الرسوم و من أهل الأذواق كما أنهم يتكلمون في ذات الحق بما يقع به التنزيه لها من كونها لو كانت كذا لزم أن تكون كذا فاذن ليست بكذا و الكلام في ذات الله عندنا محجور بقوله وَ يُحَذِّرُكُمُ الله نَفْسَهُ من باب الإشارة و إن كان له مدخل في التفسير أيضا و لا يقع في مثل هذا إلا جاهل بالأمر و في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ما يقع به الاستغناء لو فهموه و ما رأينا أحدا ممن يدعي فيه أنه من فحول العلماء من أي صنف كان من أصناف النظار إلا و قد تكلم في ذات الحق غير أهل الله من تحقق منهم بالله فإنهم ما تعرضوا لشيء من ذلك لأنهم رأوه عين الوجود كما أشهدهم فهم يتكلمون عن شهود فلا يسلبون و لا ينفون و لا يشبهون وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الأمان و هي للاسم المؤمن»

معطي الأمان المؤمن الرب الذيما زال يدعوه الورى بالمؤمن
فهو العليم بحقه و بحقناو بما له منا و ما للممكن

«و لهذا الاسم أيضا»

إذا كان الأمان لكل خائففقد حاز المشاهد و المواقف
و آتاه المنزه كل شيءعلى كتب و أشباه المعارف
فيصبح عارفا لا يعتريهقصور في الهبات و في العوارف
و لو لا غيرة الرحمن فينالا ثبت الأمان لكل عارف
و لكني سترت لكون ربييريد الستر في حق المكاشف

و هي لعبد المؤمن فإن كل حضرة لها عبد كما لها اسم إلهي فأول حضرة تكلمنا فيها هي لعبد الله و يتلوها عبد ربه لا عبد الرب فإنه ما أتى هذا الاسم في كلام الله إلا مضافا ثم عبد الرحمن ثم عبد الملك ثم عبد القدوس ثم عبد السلام ثم عبد المؤمن و له هذه الحضرة و تحققت بهذه العبودية بعد دخولي هذا الطريق بسنة أو سنتين تحققا لم ينله في علمي أحد في زماني غيري و لا ابتلي فيه أحد ما ابتليت فيه فقطعته بحيث إنه ما فاتني منه شيء وصفا لي الجو و لم يحل بيني و بين خبر السماء و عصمني الله من التفكر في الله فلم أعرفه إلا من قوله و خبره و شهوده و بقي فكري معطلا في هذه الحضرة و شكرني فكري على ذلك و قال لي الفكر الحمد لله الذي عصمني بك عن التصرف و التعب فيما لا ينبغي لي أن أتصرف فيه فصرفته في الاعتبار و بايعني على أني لا أصرفه إلا في الشغل الذي خلق له متى صرفته فأجبته إلى ذلك فما قصرت في حق قواي كلها حيث ما تعديت بها ما خلقت له و حصل لها الأمان من جهتنا في ذلك فأرجو أنها تشكرني عند الله و أعني القوي الروحانية التي خلق الله فينا و اعلم أن هذه الحضرة ما لها في الكون سلطان إلا في الأخبار الإلهية و هي على قسمين عند من دخل إلى هذه الحضرة و تحقق بها القسم الواحد الخبر الإلهي الآتي من عند الله المسمى صحفا أو توراة أو إنجيلا أو قرآنا أو زبور أو كل خبر أخبر به عن الله ملك أو رسول بشري أو كلم الله به بشرا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ هذا الذي عليه أهل الايمان و أهل الله و القسم الآخر يقول به طائفة من أهل الله أكابر في كل خبر في الكون من كل قائل و أصحاب هذا القسم يحتاجون إلى حضور دائم و علم بمواقع الأخبار و أعني بالعلم العلم بمواقع الأخبار و هو أنهم يعرفون الخطاب الوارد على لسان قائل ما ممن له نطق في الوجود أين موقعه من العالم أو من الحق فيبرزون له آذانا منهم واعية لا يسمعونه إلا بتلك الآذان فيتلقونه و يطلبون به متعلقة حتى ينزلوه عليه و لا يتعدوه به و هذا لا يقدر عليه إلا من حصر أعيان الموجودات أعني أعيان المراتب لا أعيان الأشخاص فيلحقون ذلك الخبر بمرتبته فهم في تعب و مشقة فإن المتكلم مستريح في كلامه و هذا متعوب في سماعه ذلك الكلام فإنه لا يأخذه إلا من الله فينظر من يراد به فيوصله إلى محله فيكون ممن أدى الأمانة إلى أهلها و لهذا كان بعضهم يسد أذنيه بالقطن حتى لا يسمع كلام العالم و لله رجال هان عليهم مثل هذا فبنفس ما يسمعون الخطاب من الله تقوم معهم مرتبة هذا الخطاب فينزلوه فيها من غير مشقة و الحمد لله الذي رزقنا الراحة في هذا المقام فإنه كشف لطيف و ذلك أن الخطاب الإلهي العام في السنة القائلين من جميع الموجودات مرتبة ذلك القول معه يصحبه فإنه قول إلهي في نفس الأمر و إن كان لا يعلمه إلا القليل فعند ما يسمعه الكامل من رجال الله تعالى يشهد معسماعه مرتبته فيجمع بين السماع و شهود الرتبة فيلحقه بها عن كشف من غير مشقة و لقد رأينا جماعة من أهل الله يتعبون في هذا المقام يطلب المناسبات بين الأخبار و بين المراتب حتى يعثروا عليها و حينئذ يلحقوا ذلك الخبر بأهله فتفوتهم أخبار إلهية كثيرة و أما إعطاء هذه الحضرة الأمان فليس ذلك إلا للمتحققين بالخوف فلا تزال المراتب تنظر إلى الأخبار التي ترد على ألسنة القائلين و تعلم أنها لها و تعلم أن الآخذين بها هم السامعون و إن السامعين قد يأخذونها على غير المعنى الذي قصد بها فيلحقونها بغير مراتبها فتلك المرتبة التي ألحقوها بها تنكرها و لا تقبلها و مرتبتها تعرفها و قد حيل بينها و بينها بسوء فهم السامع فإذا علموا من السامع أنه على صحة السمع و الصدق فيه و أنه لا يتعدى بالخطاب مرتبته كانت المرتبة في أمان من جهة هذا السامع فيما هو لها فتعلم إن حقها يصل إليها فهي معه مستريحة آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل سامع بهذه المثابة فلهذا للسامع أجر الأمان و هو أجر عظيم في الإلهيات فيهزأ الإنسان في كلامه و يسخر و يكفر و يقصد به ما لم يوضع له و هذا السامع الكامل يأخذه من حيث عينه لا من حيث قصد المتكلم به فإنه ما كل متكلم من المخلوقين عالم بما تكلم به من حيث هو خطاب حق فيتكلم به من حيث قصده و يأخذه السامع الكامل من حيث رتبته في الوجود فقد أعطى هذا السامع الأمان للجانبين الجانب الواحد الحاقة برتبته و الجانب الآخر ما حصل لمن قصد به المتكلم به من الأمان من حصوله عنده من جهة هذا السامع الكامل فإنه في الزمن الواحد يكون له سامعان مثلا الواحد هذا الذي ذكرناه و الآخر على النقيض منه ما يفهم منه إلا ما قصده المتكلم المخلوق فيلحقه بهذه الرتبة في الوقت الذي يأخذه عنها السامع الكامل فهي تحت و جل من هذا السامع الناقص التابع للمتكلم و في أمان من هذا السامع الكامل فلا و الله ما يستوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ ما قلناه أُولُوا الْأَلْبابِ الغواصون على درر الكلام

«حضرة الشهادة و هي للاسم المهيمن»

إن المهيمن يشهد الأسرارافينا و فيه و يستر الأنوارا
عنا و عنه بنا إذا ما نورهيعمى البصائر فيه و الأبصارا
و لذاك ما اتخذ الحجاب لنفسهو الجند و الأعوان و الأنصارا
جاءت به الإرسال من عرش العماليحير الألباب و الأفكارا
و يفوز أهل الذكر من ملكوتهبالذكر حين يشاهدوا الأخبارا

صاحبها عبد المهيمن المهيمن هو الشاهد على الشيء بما هو له و عليه و لله حقوق على العباد و للعباد حقوق على الله تعالى ذاتية و وضعية و من هذه الحضرة يقول الله تعالى وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ فلا بد لصاحب هذه الحضرة من العلم بما لله عليه من الحقوق و بما له عليه من الحقوق لا بد من ذلك و افترق أهل هذا المقام بعد تحصيل هذا في الحقوق التي لهم عند الله فمن قائل بها على أنها حقوق و من قائل بها لا على أنها حقوق فيأخذونها منه على جهة الامتنان و هم القائلون بأن الله لا يجب عليه شيء لكونهم حدوا الواجب بما لا يليق أن يدخل في ذلك جناب الحق و من لم يحده بذلك الحد أدخل الحق في الوجوب كما أدخل الحق نفسه فيه فقال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ و قال حرمت الظلم على نفسي و قال و أكره مساءته وَ لا يَرْضىلِعِبادِهِ الْكُفْرَ و قال إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ و قال وَ ما يَفْعَلُوا من خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ فأدخل نفسه بكل ما ذكرناه تحت حكم الأحكام التي شرعها لعباده من وجوب و حظر و ندب و كراهة و إباحة و الحق متى أقام نفسه في خطابه إيانا في صورة ما من الصور فإنا نحمل عليه أحكام تلك الصورة لأنه لذلك تجلى فيها فنشهد له على أنفسنا و نشهد عليه لأنفسنا و هذه الشهادة له و عليه لا تكون إلا في يوم الفصل و القضاء أي وقت كان فإنه ما يختص به يوم القيامة فقط بل قد يقام فيه العبد هنا في حال من الأحوال بل كل حكم يكون في الدنيا في مجلس الشرع هو من يوم الفصل و القضاء و يدخل في حكم هذه الحضرة و في غير فصل و لا قضاء لا يكون لهذه الحضرة حكم و إنما ذلك في حضرة المراقبة و سترد إن شاء الله تعالى في هذا البابو اعلم أنه من هذه الحضرة نزل هذا الكتاب المسمى قرآناخاصة دون سائر الكتب و الصحف المنزلة و ما خلق الله من أمة من أمم نبي و رسول من هذه الحضرة إلا هذه الأمة المحمدية و هي خير أمة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ و لهذا أنزل الله في القرآن في حق هذه الأمة لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً فنأتي يوم القيامة يقدمنا القرآن و نحن نقدم سائر أهل الموقف و يقدم القراء منا من ليس له من القرآن مثله فأكثرنا قرآنا أسبقنا في التقدم و الرقي في المعراج المظهر للفضل بين الناس يوم القيامة فإن للقراء منابر لكل منبر درج على عدد آي القرآن يصعد الناس فيه بقدر ما حفظوا منه في صدورهم و لهم منابر أخر لها درج على عدد آي القرآن يرقى فيها العاملون بما حققوه من القرآن فمن عمل بمقتضى كل آية بقدر ما تعطيه في أي شيء نزلت رقى إليها عملا و ما من آية إلا و لها عمل في كل شخص لمن تدبر القرآن و في القيامة منابر على عدد كلمات القرآن و منابر على عدد حروفه يرقون فيها العلماء بالله العاملون بما أعطاهم الله من العلم بذلك فيظهرون على معارج حروف القرآن و كلماته بسور تلك الحروف و الكلمات و الآيات و السور و الحروف الصغار منه و به يتميزون على أهل الموقف في هذه الأمة لأن أناجيلهم في صدورهم فيا فرحة القرآن بهؤلاء فإنهم محل تجليه و ظهوره فإذا تلا الحق على أهل السعادة من الخلق سورة طه تلاها عليها كلاما و تجلى لهم فيها عند تلاوته صورة فيشهدون و يسمعون فكل شخص حفظها من الأمة يتحلى بها هنالك كما تحلى بها في الدنيا بالحاء المهملة فإذا ظهروا بها في وقت تجلى الحق بها و تلاوته إياها تشابهت الصور فلم يعرف المتلو عليهم الحق من الخلق إلا بالتلاوة فإنهم صامتون منصتون لتلاوته و لا يكون في الصف الأول بين يدي الحق في مجلس التلاوة إلا هؤلاء الذين أشبهوه في الصورة القرآنية الطاهية و لا يتميزون عنه إلا بالإنصات خاصة فلا يمر على أهل النظر ساعة أعظم في اللذة منها فمن استظهر القرآن هنا بجميع روايانه حفظا و علما و عملا فقد فاز بما أنزل الله له القرآن و صحت له الإمامة و كان على الصورة الإلهية الجامعة فمن استعمله القرآن هنا استعمل القرآن هناك و من تركه هنا تركه هناك و كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَ كَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسىو ورد في الخبر فيمن حفظ آية ثم نسيها عذبه الله يوم القيامة عذابا لا يعذبه أحدا من العالمينو ما أحسن ما نبه النبي ص على منزلة القرآن بقوله لا يقول أحدكم نسيت آية كذا و كذا بل نسيتها فلم يجعل لتارك القرآن أثرا في النسيان احتراما لمقام القرآن و قالت عائشة في خلق النبي ص كان خلقه القرآنو ليس إلا ما ذكرناه من الاتصاف به و التحلي على حد ما ذكرناه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة العزة و هي الاسم العزيز»

ألا إن العزيز هو المنيعله ستر الورى فهو الرفيع
يعز وجوده فيعز ذاتاو لو لا الخلق ما ظهر البديع
فقل للمنكرين صحيح قوليحمى الرحمن ذلكم المنيع

الداخل فيها يدعى في الملإ الأعلى عبد العزيز لم أذق في كل ما دخلته من الحضرات ذوقا ألذ منه و لا أوقع في القلب لهذه الحضرة المنع فلها الحدود لا بل لها من الحدود ما يقع به التمييز فيقف كل محدود لا بل كل شيء على عزته فيكون كل شيء عزيزا و عبوديته فيه فهو عبد نفسه فمن هنا ظهر كل من غلبت عليه نفسه و اتبع هواها و لو لا الشرع ما ذمه بالنسبة إلى طريق خاص لما ذمه أهل الله فإن الحقائق لا تعطي إلا هذا فمن اتبع الحق فما اتبعه إلا بهوى نفسه و أعني بالهوى هنا الإرادة فلو لا حكمها عليه في ذلك ما اتبع الحق و هكذا حكم من اتبع غير الحق و أعني بالحق هنا ما أمر الشارع باتباعه و غير الحق ما نهى الشرع عن اتباعه و إن كان في نفس الأمر كل حق لكن الشارع أمر و نهى كما أنا لا نشك أن الغيبة حق و لكن نهانا الشرع عنها و لنا

و حق الهوى إن الهوى سبب الهوى و لو لا الهوى في القلب ما عبد الهوى

فبالهوى يجتنب الهوى و بالهوى يعبد الهوى و لكن الشارع جعل اسم الهوى خاصا بما ذم وقوعه من العبد و الوقوف عند الشرع أولى و لهذا بينا قصدنا بالهوى الإرادة لا غير فالأمر يقضي أن لا حاكم على الشيء إلا نفسه فيما يكون منه لا فيمايحكم عليه به من خارج لكن ذلك الحكم من خارج لا يحكم عليه إلا بما تعطيه نفسه من إمضاء الحكم فيه فكل ما في العالم من حركة و سكون فحركات نفسية و سكون نفسي فإذا حصل العبد بالذوق في هذه الحضرة فعلامته أن لا يؤثر فيه غيره بما لا يريده و لا يشتهيه فيمنع ذاته من أثر الغير فيها بما لا يريده و إنما قلنا بما لا يريده لأنه ما في الوجود نفس إلا و تقبل تأثير نفس أخرى فيها يقول الحق تعالى أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ و لا أعز من نفس الحق و قد قال عن نفسه إنه أجاب الداعي عند ما دعاه و لكن هو تعالى شرع لعبده أن يدعوه فقال ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فما أجابه إلا بإرادته لذلك و لقد نادى بعض الرعايا سلطانا كبيرا بمرسية فلم يجبه السلطان فقال الداعي كلمني فإن الله تعالى كلم موسى فقال له السلطان حتى تكون أنت موسى فقال له الداعي حتى تكون أنت الله فمسك السلطان له فرسه حتى ذكر له حاجته فقضاها كان هذا السلطان صاحب شرق الأندلس يقال له محمد بن سعد بن مردنيش الذي ولدت أنا في زمانه و في دولته بمرسية و إن كانت الحقائق تعطيه فإن حمل الأسماء على ذات الحق إنما أعطى ذلك الحمل حقائق المحدثات فلو زالت لزالت الأسماء كلها حتى الغني عن العالم إذ لو لم يتوهم العالم لم يصح الغني عنه و اسم الغني لمن اتصف بالغنى عنه فما نفاه حتى أثبته فما ثم عزة مطلقة واقعة في الوجود وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ فأوقع الاشتراك فيها وَ لكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ أن العزة للرسول و للمؤمنين و إن كان يعلم العزة و لكن تخيل أن حكمها له و لأمثاله هذا القائل فعزة الحق لذاته إذ لا إله إلا هو و عزة رسوله بالله و عزة المؤمنين بالله و برسوله و لهذا شرع له الشهادتين و لكن أولو الألباب لما سمعوا هذا الخطاب تنبهوا لما ذكر المؤمنين فلله العزة في المؤمنين فإنه المؤمن و للرسول العزة في المؤمنين فإنه منهم فعمت عزة المؤمنين عزة الله و رسوله فدخل الحق في ضمنهم و ما دخلوا في ضمنه لأحديته و جمعهم و أحدية الرسول و جمعهم فلهم الحضرة الجامعة و لكن نسبة العزة لله غير نسبتها له تعالى من حيث دخوله بالاسم المؤمن في المؤمنين فإن الحق إذا كان سمع العبد المؤمن و بصره كانت العزة لله بما كان للعبد به في هذا المقام عزيزا أ لا تراه في هذا المقام لا يمتنع عليه رؤية كل مبصر و لا مسموع و لا شيء مما تطلبه قوة من قوى هذا العبد لأن قواه هوية الحق و لله العزة و يمتنع أن يدركه من ليست له هذه القوة من المخلوقين و لهذا ما ذكر الله العزة إلا للمؤمنين ثم إن عزة الرسول بالمؤمنين إذ كانوا هم الذين يذبون عن حوزته فلا عزة إلا عزة المؤمن فبالعزة يغلب و بالعزة يمتنع فهي الحصن المنيع و هي حمى الله و حرمه و لا يعرف حمى الله و يحترمه إلا المؤمن خاصة و ليس المنع إلا في الباطن و هنالك يظهر حكم العزة و أما في الظاهر فليس يسرى حكمها عاما في المنع و لا في الغلبة فالمؤمن بالعزة يمتنع أن يؤثر فيه المخالف الذي يدعوه إلى الكفر بما هو به مؤمن و الكافر بالعزة يمتنع أن يؤثر فيه الداعي الذي يدعوه إلى الايمان و لما كان الايمان يعم و الكفر يعم تطرق إليهما الذم و الحمد فإن الله قد ذكر الذين آمنوا بالباطل و كفروا بالله فسماهم مؤمنين فهذا من حكم العزة و بقي الحكم لله في المؤاخذة بحسب ما جاء به الخبر الحق من عند الله فالحكيم إذا عرف الحقائق و إن حكم العزة و إن عم فلا يعم من كل وجه تعرض عند ذلك الوجود الأثر فيه عن إرادة منه بتأثير تكون فيه سعادته ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ لأنها علمت أنها إن لم تجب مختارة جبرت على الإتيان فجيء بها كما جيء بجهنم و ما وصفها الحق بالمجيء من ذاتها و إنما قال وَ جِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يعني يوم القيامة و إنما امتنعت من الإتيان حتى جيء بها لما علمت بما هي عليه و ما فيها من أسباب الانتقام بالعصاة من المؤمنين و ما وقعت عينها إلا على مسبح لله بحمده و فيها رحمة الله لكونها دخلت في الأشياء قال الله تعالى وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فمنعتها الرحمة القائمة بها من الإتيان و أشهدتها تسبيح الخلائق و طاعتهملله فجيء بها ليعلم من لا يدخلها ما أنعم الله عليه به بعصمته منها و يعلم من يدخلها أنه بالاستحقاق يدخلها فتجذبه بالخاصية إليها جذب المغناطيس الحديد و هو قوله ص إنه آخذ بحجز طائفة من النار و هم يتقحمون فيها تقحم الفراشفاعلم ذلك و الضابط لهذه الحضرة الحد المقوم لذات كل شيء محدود و ما ثم إلا محدود لكنه من المحدود ما يعلم حده و منه ما لا يعلم حده فكل شيء لا يكون عين الشيء الآخر كان ما كان فذلك المانع أن يكون عينه هو المسمى عز أو عزة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الجبروت و هي للاسم الجبار»

الجبر أصل يعم الكون أجمعهفما ترى غير مجبور لمجبور
العلم يجبر من كنا نعظمهو هذه نفثة من صدر مصدور
لولاه ما وجدت أعياننا و بدتأكواننا بين مطوي و منشور

و المتخلق بهذا الاسم يسمى عبد الجبار هذه الحضرة لها الإجبار في الأعزاء و لا أثر لها إلا فيهم فحضرتها عظيمة في الفعل و لكن لا أثر لها في الأعزاء من جهة المعنى الذي وقعت للأشياء به العزة لا أثر لها في ذلك و لكن أثرها في الأعزاء لقبولهم لما لا عزة لهم فيه و من هنالك يقبلون التأثير فاعلم ذلكاعلم أن العزيز إذا نظر إلى ما هو به عزيز و إنه من المحال قبوله للتأثير فيه من ذلك الوجه و لا يعلم عند شهوده ذلك أن فيه ما يقبل التأثير من غير هذا الوجه فيدعي المنع و أنه في حمى لا ينتهك فهنا يظهر حكم الجبروت في الملكوت فإذا أحس العزيز بالجبر نظر عند ذلك من أين أتى عليه فما ظهر له إلا من جهله بذاته و إنه مركب من حقائق تقبل التأثير و حقائق لا تقبل التأثير فإن كان عاقلا بادر ليحصل له الثناء في تلك المبادرة و يبقى الامتناع في باب الاحتمال عند الأجنبي عن مشاهدة هذه الحقائق و إن تعاظم حكم الجبر عليه فيتصرف فيه في اختياره و هو أعظم الحجب و أكثفها فمن شاهد الجبر في الاختيار علم إن المختار مجبور في اختياره فليس للجبروت حكم أعظم من هذا الحكم و من دخل هذه الحضرة و كانت حاله عظم إحسانه في العالم حتى ينفعل له جميع العالم بل ينفعل له الوجود كله اختيارا من المنفعل و هو عن جبر لا يشعر به كل أحد فهو جبر الإحسان و التواضع فإنه يدعوه إلى الانقياد إليه أحد أمرين في المخلوقين بل في الموجودات و هو الطمع أو الحياء فالطامع إذا رأى الإحسان ابتداء من غير استحقاق أطمعه في الزيادة منه إذا جاء إليه بما يمكن أن يكون معه الإحسان و إنما تفعل النفس ذلك حتى يكون الإحسان جَزاءً وِفاقاً لأنها تكره المنة عليها لما خلقت و جبلت عليه النفوس من حب النفاسة و صاحب الحياء يمنعه الحياء بما غمره من الإحسان أن يعتاص على المحسن فيما يدعوه إليه فهو مجبور بالإحسان في إتيانه و قبوله لما يريده منه هذا المحسن حياء و وفاء و ليجعل ذلك أيضا جزاء لإحسانه الأول حتى يزول عن حكم المنة و هذا من دسائس النفوس فلا جبر أعظم من جبر الإحسان لمن سلك سبيله وَ قَلِيلٌ ما هُمْ و أما الجبر بطريق القهر و المغالبة فهو و إن قبل في الظاهر و لم يقدر على الامتناع و المقاومة المجبور لضعفه فإنه لا يقبل الجبر بباطنه فلا أثر له إلا في الظاهر بخلاف جبر المحسن فإن له الأثر الحاكم في الظاهر و الباطن بحكم الطمع أو الحياء أو الجزاء كما قررنا و أما الجبر الذاتي فهو عن التجلي في العظمة الحاكمة على كل نفس فتذهل عن ذاتها و عزتها و تعلم عند ذلك أنها مجبورة بالذات فلا تجهل نفسها فالعارف هنا ينظر من الحاكم عليه فلا يجد إلا قيام العظمة به فيعلم أنه ما حكم عليه إلا ما قام به و ما قام به إلا محدث فيعظم عنده الجبر فيعلم عند ذلك جبروت الحق و أما جبروت العبد بمثل هذه الصفة فممقوت عند الله لأنه ليس له ذلك و لا يستحقه و إنما جبر المخلوق في المخلوق بالإحسان خاصة و ذلك هو الجبر المحمود شرعا و عقلا و كل عبد أظهر القهر في العالم بغير صفة الحق و أمره فهو جاهل في غاية الجهل و لهذه الحضرة الجبروتية حكمان أو وجهان كيف شئت قل الوجه الواحد العظمة و هو قول أبي طالب المكي و غيره ممن يقول بقوله و الوجه الآخر البرزخية فلهذا المقام الجمع بين الطرفين بما هو برزخ فيعلم نفسه و يعلم بطرفيه ما هو به برزخ بين شيئين فيكون جامعا من هذا الوجه عالي المقام و بين فضله على الطرفين فإن كل طرف لا يعلم منه إلا الوجه الذي يليه فهو عالم أعني الجبروت إن شاء تجلى في صورة برزخية و إن شاء تجلى في صورة إحدى طرفيها كيف شاء تجلى فيكون شبهه بالحق أتم و نسبة هذا الجبروت إلى الحق نسبة لطيفة لا يشعر بها كثير من الناس و هو أن الحق بين الخلق و بين ذاته الموصوفة بالغنى عن العالمين فالألوهة في الجبروت البرزخى فتقابل الخلق بذاتها و تقابل الذات بذاتها و لهذا لها التجلي في الصور الكثيرة و التحول فيها و التبدل فلها إلى الخلق وجه به يتجلى في صور الخلق و لها إلى الذات وجه به تظهر للذات فلا يعلم المخلوق الذات إلا من وراء هذا البرزخ و هو الألوهة و لا تحكم الذات في المخلوق بالخلق إلا بهذا البرزخ و هو الألوهة و تحققناها فماوجدناها سوى ما ندعوه به من الأسماء الحسنى فليس للذات جبر في العالم إلا بهذه الأسماء الإلهية و لا يعرف العالم من الحق غير هذه الأسماء الإلهية الحسنى و هي أعيان هذه الحضرات التي في هذه الباب فهذا قد أنبأناك بالجبروت الإلهي ما هو على الاقتصار و الاختصار وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة كسب الكبرياء و هو للاسم المتكبر»

إن التكبر من يقوم بنفسهكبر فكن عبدا به متكبرا
يزهو و يخطر في العداء بنفسهمتجردا عن كبره متبصرا
كأبي دجانة حين أشهر سيفهيمشي به بين العدا متبخترا

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد المتكبر و هو اسم غريب غير متعارف و إنما يعرف الناس عبد الكبير و قال الله عز و جل كَذلِكَ يَطْبَعُ الله عَلىكُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ لم يقل كبير فإن التكبر لا يكتسبه الكبير و إنما يكتسبه الأدنى في الرتبة فيكسب العبد الكبرياء بما هو الحق صفته فالكبرياء لله لا للعبد فهو محمود مشكور في كبريائه و تكبره و يكسب الحق هذا الاسم فإنه تعالى ذكر عن نفسه أنه متكبر و ذلك لنزوله تعالى إلى عباده في خلقه آدم بيديه و غرسه شجرة طوبى بيده و كونه يمينه الحجر الأسود و في يد المبايع بالإمامة من الرسل في قوله إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله و نزولهفي قوله جعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقني و مرضت فلم تعدنيو ما وصف الحق به نفسه مما هو عندنا من صفات المحدثات فلما تحقق بهذا النزول عندنا حتى ظن أكثر المؤمنين أن هذا له صفة استحقاق و تأولها آخرون من المؤمنين فمن اعتقد أن اتصاف الحق بهذا أن المفهوم منه ما هو المفهوم من اتصاف الخلق بهأعلم الحق هذه الطائفة خاصة إنه يتكبر عن هذا أي عن المفهوم الذي فهمه القاصرون من كون نسبته إليه تعالى على حد نسبته إلى المخلوق و به يقول أهل الظاهر أهل الجمود منهم القاصرة أفهامهم عن استحقاق كل مستحق حقه فقال عن نفسه تعالى إنه الجبار المتكبر عن هذا المفهوم و إن اتصف بما اتصف به فله تعالى الكبرياء من ذاته و له التكبر عن هذا المفهوم لا عن الاتصاف لأنه لو تكبر عما وصف به نفسه مما ذكرنا لكان كذبا و الكذب في خبره محال فالاتصاف بما وصف به نفسه حق يعلمه أولو الألباب و من هذه الحضرة يكون لبعض العباد ما يجدونه في قلوبهم من كبرياء الحق مما يفقده بعضهم من ذلك من العصاة و من له اجتراء على الله و من الناس الذين يتوبون عن بعض المخالفات فيتميز عنهم من غلب على قلبه كبرياء الحق فإنه تكبر في نفس هذا العبد اكتسبه بعد أن لم يكن موصوفا بهذه الصفة فعبيد المتكبر قليل و أما الذين أجرأهم على المخالفة ما وصف الحق به نفسه من العفو و المغفرة و نهاهم عن القنوط من رحمة الله فما عندهم رائحة من نعت التكبر الإلهي الذي هو به متكبر في قلوب عباده إذ لو كبر عندهم ما اجترءوا على شيء من ذلك و لا حكمت عليهم هذه الأسماء التي أطمعتهم فإن كبرياء الحق إذ استقر في قلب العبد و هو التكبر من المحال أن تقع منه مخالفة لأمر الحق بوجه من الوجوه فإن الحكم لصاحب المحل في وقته فدل وقوع المخالفة على عدم هذا الحاكم فالحق المتكبر إنما هو في نفس هذا الموافق الطائع عبد الله على الحقيقة و هذا أعلى الوجوه لهذه الحضرة في تكسب الكبرياء حتى إن العبد المقدر عليه وقوع المحظور إذا اتفق أن يقع منه بحكم القدر المحتوم و سلب العقل عنه و ظهور سلطان الغفلة و انتزاح الايمان منه حتى يصير عليه كالظلة يأتي هذا الأمر و قلبه و جل مع هذا كله لإيمانه إنه إلى ربه راجع يعني هذا الفعل إذا نسبه من كونه فعلا إنه راجع إلى الحق و الحكم فيه إنه معصية أو مخالفة إنما هو للعبد فيبقى العبد المقدر عليه في و جل إن نسبه إلى الحق فيرى الحكم بالذم الإلهي يتبعه فيدركه الوجل كيف ينسب إلى الله ما يناط به الذم و إن نسبه إلى نفسه من كونه محكوما عليه بالذم فإن كونه عملا ينسب إلى الله حقيقة و أنه في التكوين لمن قال له كن فلا حكم للعبد في وجود هذا العمل فيدركه الوجل أن نسبه مع هذا العلم في التكوين إلى نفسه فيكون ممن أشرك بالله و قد نهي أن يشرك بالله شيئا و سبب هذا كله كبرياء الحق الذي اكتسبه بالنظر العقلي في نفسه فما كبر الله من عصاهو لا عرف الله من لم يعصه فإنه إذا عرف الله عرف أنه ما عصى إلا صيغة الأمر لا الأمر الإلهي فإنه جاءه على لسان واحد من أبناء الجنس و رأى خطابه إياه بما خاطبه به ينقسم إلى ما تعضده الأدلة النظرية التي قد أمره الحق بها و حكم العقل باتباعها و إلى ما ترده الأدلة النظرية و إن حكمت مع الشرع باتباع ما ترده إيمانا بذلك و تصديقا و قد حكم النظر العقلي بدليله بصدق هذا المخبر و أنه لا ينطق إلا عن الله و أن الله هو القائل على لسانه لهذا السامع ما خاطبه به فإن عصاه فمن حيث هو مثل له و المثلان متقابلان فلا بد من حكم التقابل و التضاد فلا بد من المخالفة و إن أطاع و وافق فمن حيث إن المخاطب عين الحق ما هو المثل فيعظم في نفس السامع و يقبل الخطاب و ذلك هو عين كون الحق متكبرا أي في نفس هذا العبد حين عصاه من حيث نظره إلى المثل في الخطاب و أما الواقفون مع الصورة الإلهية في الخلق فإن الله إذا تسمى لهم بالمتكبر فإنه تنزيه لما هم عليه من الصورة و دواء لما يحصل لهم في نفوسهم من عظمتهم على المخلوقين و ما له دواء في نفس الخطاب إلا قوله إن الله خلق آدم على صورتهفيعلم أنه و إن حاز الصورة فهو مخلوق فقد تميز فلا يتمكن له أن يتكبر في نفسه و لكن بهذا يكبر الحق عنده في قلبه بعد أن لم يكن لهذا العبد هذا النعت فإذا أضافه إلى ما تقدم ظهر حكم اسم المتكبر و المجال واسع وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الخلق و الأمر و هي للاسم الخالق»

إلى خالق الأرواح أعملت همتيلأحظي به و الشاهدون حضور
فيا من يراني عاملا متخلقاإلا إنني ظل لديه و نور
و إن لم يكن هذا مقالي فإننيعبيد له بالعالمين خبير
و إن لم يكن قولي و قلت نيابةفإني و رب الراقصات كفور
و إن كان قولي فالوجود محققو إني عليم بالمقال بصير

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الخالق و الخلق خلقان خلق تقدير و هو الذي يتقدم الأمر الإلهي كما قدمه الحق و أخر الأمر عنه فقال تعالى أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ و الخلق الآخر بمعنى الإيجاد و هو الذي يساوق الأمر الإلهي و إن تقدمه الأمر الإلهي بالرتبة فالأمر الإلهي بالتكوين بين خلقين خلق تقدير و خلق إيجاد فمتعلق الأمر خلق الإيجاد و ستأتي حضرته و هي حضرة الباري و متعلق خلق التقدير تعيين الوقت لإظهار عين الممكن فيتوقف الأمر عليه و قد ورد كل شيء بقضاء و قدر حتى العجز و الكيس و الوقت أمر عدمي لأنه نسبة و النسب لا أعيان لها في الوجود و إنما الأعيان الممكنات الثابتة في حال العدم مرتبة كما وقعت و تقع في الوجود ترتيبا زمانيا و كل عين تقبل تغييرات الأحوال و الكيفيات و الأعراض و أمثال ذلك عليها فإن الأمر الذي تتغير إليه إلى جانبها متلبسة به فلهذه العين القابلة لهذا الاختلاف في الثبوت أعيان متعددة لكل أمر تتغير إليه عين ثبوتية فهي تتميز في أحوالها و تتعدد بتعدد أحوالها سواء تناهي الأمر فيها أو لا يتناهى و هكذا تعلق بها علم الباري أزلا فلا يوجدها إلا بصورة ما علمه في ثبوتها في حال عدمها حالا بعد حال و حالا في أحوال في الأحوال التي لا تتقابل فإن نسبتها إلى حال ما من الأحوال المتقابلة غير نسبتها إلى الحال التي تقابلها فلا بد أن تثبت لها عين في كل حال و إذا لم تتقابل الأحوال يكون لها عين واحدة في أحوال مختلفة و كذا توجد فالأمر الإلهي يساوق الخلق الإيجادي في الوجود فعين قول كُنْ عين قبول الكائن للتكوين فَيَكُونُ فالفاء في قوله فَيَكُونُ جواب أمره كُنْ و هي فاء التعقيب و ليس الجواب و التعقيب إلا في الرتبة كما يتوهم في الحق أنه لا يقول للشيء كن إلا إذا أراده و رأيت الموجودات يتأخر وجود بعضها عن بعض و كل موجود منها لا بد أن يكون مرادا بالوجود و لا يتكون إلا بالقول الإلهي على جهة الأمر فيتوهم الإنسان أو ذو القوة الوهمية أو أمر كثيرة لكل شيء كائن أمر إلهي لم يقله الحق إلا عند إرادته تكوين ذلك الشيء فبهذا الوهم عينه يتقدم الأمر الإيجاد أي الوجود لأن الخطاب الإلهي على لسان الرسول اقتضى ذلك فلا بد من تصوره و إن كان الدليل العقلي لا يتصوره و لا يقول به و لكن الوهم يحضره و يصوره كما يصور المحال و يتوهمه صورة وجودية و إن كانت لا تقع في الوجود الحسي أبدا و لكنلها وقوع في الوهم و كذا هي مفصلة في الثبوت الإمكانى فإن قوة الخيال ما عندها محال أصلا و لا تعرفه فلها إطلاق التصرف في الواجب الوجود و المحال و كل هذا عندها قابل بالذات إمكان التصور و هذه القوة و إن كان لها هذا الحكم فيمن خلقها فهي مخلوقة و هذا الحكم لها وصف ذاتي نفسي لا يكون لها وجود عين فيمن خلقت فيه إلا و لها هذا الحكم فإنه عين نفسها و ما حازها إلا هذا النشء الإنساني و بها يرتب الإنسان الأعيان الثبوتية في حال عدمها كأنها موجودة و كذلك هي لأن لها وجودا متخيلا في الخيال و لذلك الوجود الخيالي يقول الحق له كن في الوجود العيني فيكون السامع هذا الأمر الإلهي وجودا عينيا يدركه الحس أي يتعلق به في الوجود المحسوس الحس كما تعلق به الخيال في الوجود الخيالي و هنا حارت الألباب هل الموصوف بالوجود المدرك بهذه الإدراكات العين الثابتة انتقلت من حال العدم إلى حال الوجود أو حكمها تعلق تعلقا ظهوريا بعين الوجود الحق تعلق صورة المرئي في المرآة و هي في حال عدمها كما هي ثابتة منعوتة بتلك الصفة فتدرك أعيان الممكنات بعضها بعضا في عين مرآة وجود الحق و الأعيان الثابتة على ترتيبها الواقع عندنا في الإدراك هي على ما هي عليه من العدم أو يكون الحق الوجودي ظاهرا في تلك الأعيان و هي له مظاهر فيدرك بعضها بعضا عند ظهور الحق فيها فيقال قد استفادت الوجود و ليس إلا ظهور الحق و هو أقرب إلى ما هو الأمر عليه من وجه و الآخر أقرب من وجه آخر و هو أن يكون الحق محل ظهور أحكام الممكنات غير أنها في الحكمين معدومة العين ثابتة في حضرة الثبوت و يكشف المكاشف هذين الوجهين و هو الكشف الكامل و بعضهم لا يكشف من ذلك إلا الوجه الواحد كان ما كان فنطق صاحب كل كشف بحسب ما كشف و ليس هذا الحكم إلا لأهل هذا الطريق و أما غيرهم فإنهم على قسمين طائفة تقول لا عين لممكن في حال العدم و إنما يكون له عين إذا أوجده الحق و هم الأشاعرة و من قال بقولهم و طائفة تقول إن لها أعيانا ثبوتية هي التي توجد بعد أن لم تكن و ما لا يمكن وجوده كالمحال فلا عين له ثابتة و هم المعتزلة و المحققون من أهل الله يثبتون بثبوت الأشياء أعيانا ثابتة و لها أحكام ثبوتية أيضا بها يظهر كل واحد منها في الوجود على حد ما قلناه من أن تكون مظهرا أو يكون له الحكم في عين الوجود الحق فهذا يعطيه حضرة الخلق و الأمر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ كما له الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الحضرة البارئية و هي للاسم البارئ»

برأ الله عليه خلقهفلذا كان على صورته
فهو يمشي في وجودي دائمابالذي يعلم من سيرته

يدعى صاحبها عبد البارئ فمن أصحابنا من قصرها على كل مخلوق من الأرض العنصري خاصة ما لها سوى ذلك من الخلق و ما عدا هذا الخلق المنسوب إلى أرض العنصر فخلق آخر ما هو عين هذا و من أصحابنا من عمم الأمر في كل مخلوق من أرض الطبيعة فدخل فيه كل صورة طبيعية من جوهر الهيولى إلى كل صورة تظهر فيه فلم يدخل اللوح و القلم و الملائكة المهيمة في هذا الخلق و جعل أولئك خلقا آخر و الكل خلق في العماء الذي هو نفس الرحمن القابل لصور كل ما سوى الله و قد ورد ذلك في خلق الحق نفسه فردته العقول كلها لعدم فهمها من ذلك و ما شعرت بأن كل صاحب مقالة في الله إنه يتصور في نفسه أمرا ما يقول فيه هو الله فيعبده و هو الله لا غيره و ما خلقه في ذلك المحل إلا الله فهذا معنى ذلك الخبر و اختلفت المقالات باختلاف نظر النظار فيه فكل صاحب نظر ما عبد و لا اعتقد إلا ما أوجده في محله و ما وجد في محله و قلبه إلا مخلوق و ليس هو إلا له الحق و في تلك الصورة أعني المقالة تتجلى له و إن كانت العين من حيث ما هي واحدة و لكن هكذا تدركه و هذا معنى قول عليم الأسود حين ضرب بيده الأسطوانة فصارت ذهبا في عين الرائي فلما بهت الرائي عند ذلك قال له عليم يا هذا إن الأعيان لا تنقلب و لكن هكذا تراها لحقيقتك بربك يشير إلى ظهور الحق في صورة كل اعتقاد لكل معتقد و هذا هو الحق المخلوق به في نفس كل ذي عقد من ملك و جان و إنسان مقلد أو صاحب نظر فجاءت الأنبياء في الحق على مقالة واحدة لا تتبدل و لا تتغير بل عين ما أثبته الأول أثبته كل رسول بعدهو نبي إلى آخر من يخبر عن الله و ادعوا أن ذلك مما أوحى به إليهم و لو لا ذلك لاختلفوا فيه كما اختلف أهل النظر فهم أقرب إلى الحق بل ما جاءوا إلا بالحق في ذلك ليصدق الآخر الأول و الأول الآخر و هذه مقالة لا يقتضيها النظر الفكري أصلا لكن الكشف يعطيها و على كل حال فأنجى الطوائف من اعتقد في الله ما أخبر الحق به عن نفسه على ألسنة رسله فإنا نعلم أن الحق صادق القول فلو لا إن هذا الحكم عليه صحيح بوجه ما ما وجه به إرساله إلى الكافة من عباده و لو لا إن له وجها في كل معتقد ما وصف نفسه على ألسنة رسله بالتحول في صور الاعتقادات فقد برأ في نفس كل معتقد صورة حق يقول من يجدها هذا هو الحق الذي نستند إليه في وجودنا فلم ير المخلوق إلا مخلوقا فإنه لا يرى إلا معتقده و الحق وراء ذلك كله من حيث عينه القابلة في عين الرائي و العاقل لهذه الصور لا في نفسها فإن الله غني عن العالمين بالعالمين كما تقول في صاحب المال إنه غني بالمال عن المال فهو الموجب له صفة الغناء عنده و هي مسألة دقيقة لطيفة الكشف فإن الشيء لا يفتقر إلى نفسه فهو غني بنفسه عن نفسه لكونه عند نفسه يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ عنكم الْحَمِيدُ الذي يرجع إليه عواقب الثناء و ما يثنى عليه إلا بنا من حيث وجودنا و أما تنزيهه عما يجوز علينا فما وقع الثناء عليه إلا بنا فهو غني عنا بنا لأن كونه غنيا إنما هو غناه عنا فلا بد منا لثبوت هذا الغناء له نعتا و من أراد أن يقرب عليه تصور هذا الأمر فلينظر إلى ما سمي به نفسه من كل اسم يطلبنا فلا بد منا فلذا لم يكن الغناء عنا إلا بنا إذ حكم الألوهية بالمألوه و الربوبية بالمربوب و القادر بالمقدور فللربوبية سر لو ظهر لبطلت الربوبية كما إن للربوبية أيضا سرا لو ظهر لبطلت النبوة و هو ما يقتضيه النظر العقلي بأدلته في الإله إذا تجلى الحق فيه بطلت النبوة فيما أخبرت به عن الله مما لا تقبله العقول من حيث أدلتها و قد دلت على صدق المخبر فلها الرد و القبول فتقبل الخبر الوارد و ترد الفهم فيه الذي يقع به المشاركة بين الله و بين خلقه و إذا رددت المفهوم الأول فقد بطلت النبوة في حقها التي ثبتت عند السوداء و أمثالها و النبوة لا تتبعض فإذا رد شيء منها ردت كلها كما قال الله تعالى في حق من قال نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ حَقًّا فرجح جانب الكفر في الحكم على جانب الايمان و إنما رجح حكم الكفر لأحدية المخبر و صدقه عنده فيما أخبر به مطلقا من غير تقييد لاستحالة الكذب عليه فلا بد له من وجه صحيح فيما جاء به مما يرده العقل و لذلك المؤمن يتأول إذا كان صاحب نظر و إذا عجز علم إن له تأويلا يعجز عنه لا يعلمه إلا الله فيسلمه لله و لكن عن تأويل مجهول ما هو على مفهوم لفظه الظاهر و عند أهل الله كل الوجوه الداخلة تحت حيطة تلك الكلمة صحيحة صادقة ف هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا و قد أعد الله للمؤمنين مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً

«حضرة التصوير و هي للاسم المصور»

إذا كان من تدري مصور ذاتناعليه فما في العين إلا مماثل
و إن كان هذا مثل ما قلته لكمو صح به حكمي فصح التماثل
فما عنده إلا الذي هو عندنافإن صح هذا القول أين التفاضل
بلى إنه عيني و ما أنا عينهو لو إنني كفؤ لبان التقابل

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد المصور و المصور من الناس من يذهب يخلق خلقا كخلق الله و ليس بخالق و هو خالق لأنه قال تَخْلُقُ من الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فسماه خالقا و ما له سوى هيأة الطائر و الهيئة صورته و كل صورة لها قبول ظهور الحياة الحسية فإن الله قد ذم و توعد المصور لها لأنه لم يكمل نشأتها إذ من كمال نشأتها ظهور الحياة فيها للحس و لا قدرة له على ذلك بخلاف تصويره لما ليس له ظهور حياة حسية من نبات و معدن و صورة فلك و أشكال مختلفة و ليست الصورة سوى عين الشكل و ليس التصوير سوى عين التشكل في الذهنو اعلم أن الله لما خلق آدم على صورته علمنا أن الصورة هنا في الضمير العائد على الله إنها صورة الاعتقاد في الله الذي يخلقه الإنسان في نفسه من نظره أو توهمه و تخيله فيقول هذا ربي فيعبده إذ جعل الله له قوة التصوير و لذلك خلقه جامعا حقائق العالم كله ففي أي صورة اعتقد ربه فعبده فماخرج عن صورته التي هو عليها من حيث هو جامع حقائق العالم فلا بد أن يتصور فيه أعني في الحق إنسانيته على الكمال أو من إنسانيته و لو نزه ما عسى إن ينزه فإن غاية المنزه التحديد و من حد خالقه فقد أقامه كنفسه في الحد و لذلك أطلق الله له على لسان

رسوله ص اعبد الله كأنك تراهفأدخل على الرؤية كاف التشبيه و التمثيل و قال له إن الله في قبلة المصلي و قال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و وجه الشيء ذاته و حقيقته ففي أي صورة أقام الله عبده فهي موضع توليه ففيها وجه الله إن عقلت فقد أثبت الحق لك ما ينفيه عقلك بدليله و الحق أحق أن يتبع فالإنسان ينشئ في نفسه صورة يعبدها فهو المصور و هو مخلوق منشا أنشأه الله عبدا يعبد ما ينشئه

فليس ينشئ عبد غير خالقهو ليس ينشئه إلا الذي خلقه
فهو الذي أنشأ الأكوان أجمعهافي مضغة كان ذاك النشء أو علقة
فزاد في خلقه بكون خالقهله الغناء و لهذا فقره طبقه
مع الغناء فله النعتان قد جمعابمثل هذا الذي قلناه قد سبقه

فللعبد المؤمن إقامة نشء صور الأعمال التي كلفه الحق أن يقيم نشأتها على أتم الوجوه و أعطاه القوة على نفخ الروح في كل صورة ينشيها من عمله و هو الحضور و الإخلاص فيها و ما ذم الله عبدا يصور صورة لها روح منه ينفخه فيها بإذن ربه فتقوم عنه حية ناطقة مسبحة بحمد ربه و إنما ذم الله من يخلق صورة لها استعداد الحياة فلا يحييها إذ كان خالقها و لكن بما هي عليه من الاستعداد يحييها الحق دون هذا الذي أنشأها فبمثل هذا المصور تعلق الذم الإلهي ثم إن الحق رد كل صورة في العالم تظهر عن الأسباب المنشئة لها إلى نفسه في الخلق تعالى فقال في كل عامل وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ فهو خالقك و خالق ما أضاف عمله إليك فأنت العامل لا العامل كما قال وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ فنفى عين ما أثبت لك و أثبته لنفسه فقال وَ لكِنَّ الله رَمىو ما رمى إلا العبد فأعطاه اسمه و سماه به و بقي الكلام في أنه هل حلاه به كما سماه به أم لا فإنا لا نشك أن العبد رمى و لا نشك أن الله تعالى قال وَ لكِنَّ الله رَمىو قد نفى الرمي عنه أولا فنفى عنه اسم العبودة و سماه باسمه إذ لا بد من مسمى و ليس إلا وجود عين العبد لا من حيث هو عبد لكن من حيث هو عين فإن العبد لا يقبل اسم السيادة و العين كما تقبل العبودية تقبل السيادة فانتقل عنها الاسم الذي خلقت له و خلع عليها الاسم الذي يكون عنه التكوين و هو قوله تعالى وَ لكِنَّ الله رَمىو الحق لا يباهت خلقه فما يقول إلا ما هو الأمر عليه في نفسه فنفى ما يستحق النفي لعينه و أثبت ما يستحق الثبوت أيضا لنفسه فظهرت الحقائق في أماكنها على منازلها ما اختل شيء منها في نفس الأمر و إن ظهر الاختلال بالنظر إلى قوم فذلك الاختلال لو لم يكن لكان في الوجود نقص لعدم حكم ذلك الاختلال فلا بد من كونه لأنه لا بد من كمال الوجود و هو قولنا في النقص إنه من كمال الوجود أن يكون فيه نقص و إن كان عينا سلبية و لكن حكمها واضح لمن عقل الأمور على ما هي عليه فحضرة التصوير هي آخر حضرة الخلق و ليس وراءها حضرة للخلق جملة واحدة فهي المنتهى و العلم أولها و الهوية هي المنعوتة بهذا كله أعني الهوية فابتدأ بقوله هو لأن الهوية لا بد منها ثم ختم بها في السلب و الثبوت و هو قوله هو الله الذي لا إله إلا هو و ابتدأ من الصفات بالعلم بالغيب و الشهادة و ختم بالمصور و لم يعين بعد ذلك اسما بعينه بل قال لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنىثم ذكر أن له يسبح ما في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و لم يقل و ما في الأرض لأن كثيرا من الناس في الأرض لا يسبحون الله و ممن يسبح الله منهم ما يسبحه في كل حال و الأرض تسبحه في كل حال و السموات و ما فيها و هم الملائكة و الأرواح المفارقة و هي تسبحه كما قال يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ فراعى هنا من يدوم تسبيحه و هو الأرض كما راعى في موطن آخر من القرآن تسبيح من في الأرض و إن كان البعض من العالم فقال عز من قائل تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ (السَّبْعُ) وَ الْأَرْضُ وَ من فِيهِنَّ بجمع من يعقل ثم أكد ذلك بقوله وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و زاد في التأكيد بقوله وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ فأتى بلفظة من و لم يأت بما و أتى في الحشر بما و لم يأت بمن فإن سيبويه يقول إن اسم ما يقع على كل شيء إلا أنه لم يعم الموجودات فوجلت قلوب من بقي منها و لم يقع له ذكر في التسبيح فجبر الله كسرها و أزال وجلها بقوله عقيبهذا القول وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و زاد في الثناء عليهم بجهل الناس تسبيحهم بقوله وَ لكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ فكان هذا الجبر في مقابلة ذلك الانكسار الذي نالهم فتضاعف الطرب عندهم بذلك و الفرح و ما هو تضاعف على الحقيقة و إنما هو تعمير الموضع الذي ظهر الكسر فإنه أخبر أن كل شيء يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ كما هو الأمر عليه في نفسه و سد خلل الانكسار بقوله لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ بحرف الاستدراك و هو قوله و لكن طمعا في أن ينفردوا دون من سواهم بهذا التسبيح الخاص فإن الناس إذا عرفوه سبحوا الله أيضا به فالمسبحون أبدا في إنشاء صور فهم المصورون الذين ينفخون في صورهم أرواحا و إنشاء الصور لا يتناهى دنيا و لا آخرة فالإنشاء متصل دائم و إن تناهت الدنيا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة إسبال الستور و هي للاسم الغفار و الغافر الغفور»

إذا كان درعي من وجودي لباسهفإن وجود الحق للرأس مغفر
فحقق مقالي إنه فيه بينفإن شئت أبدية و إن شئت استر

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الغفار و هي حضرة الغيرة و الوقاية و الحفظ و العصمة و الصون فاعلم أيدنا الله و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن الأمور كلها ستور بعضها على بعض و أعلاها ستر الاسم الظاهر الإلهي فإنه ستر على الاسم الباطن الإلهي و ما ثم وراء الله مرمى فهو ستر عليه فإذا كنت مع الاسم الباطن الإلهي في حال شهود و رؤية كان هذا الاسم الإلهي الباطن الذي أنت به في الوقت متحدا و له مشاهد سترا على الاسم الإلهي الظاهر و لا تقل انتقل حكم الظهور للاسم الإلهي الباطن و صار البطون للاسم الظاهر بل الظاهر على ما هو عليه من الحكم يعطي الصور في العالم كله و الباطن و إن كان مشهودا فهو على حاله باطن يعطي المعاني التي تسترها الصور الظاهرة فهذا أعلى الستور و أخفاها و أعلى مستور و أخفاه و دون هذا الستر كون القلب وسع الحق فهو ستر عليه فإن القلب محل الصور الإلهية التي أنشأتها الاعتقادات بنظرها و أدلتها فهي ستور عليها لذلك تبصر الشخص و لا تبصر ما اعتقده إلا أن يرفع لك الستر بستر آخر و هو العبارة عن معتقده في ربه فالعبارة و إن دلتك عليه فهي ستر بالنظر إلى عين ما تدل عليه فإن الذي تدل عليه ما ظهر لعينك و إنما حصل في قلبك مثل ما يعتقده صاحب تلك العبارة فأخبر عن مستور و هو عندك مستور أيضا فما كشفته و لكن نقلت مثاله إليك لا عينه فكل حرف جاء لمعنى فهو ستر عليه و إن جاء ليدل عليه فهذا الستر من أعظم الستور و إن كان دون الستر الأول الذي هو ستر الأسماء الإلهية و إن دلت على ذات المسمى فهي أعيان الستور عليها فإن الناظر يحار فيها لاختلاف أحكامها في هذه الذات المسماة فكل اسم له حكم فيها فهي و إن عزت و عظمت و لها الحكم الذاتي في الوجود بالإيجاد محكوم عليها بأحكام هذه الأسماء الحسنى بل أسماء الموجودات كلها أسماؤها لمن فهم عن الله ثم المرتبة الثالثة في النزول في علم الستور ستور أعيان الأسماء اللفظية الكائنة في ألسنة الناطقين و الأسماء الرقمية في أقلام الكاتبين فإنها ستور على الأسماء الإلهية من حيث إن الحق متكلم لنفسه بأسمائه فتكون هذه الأسماء اللفظية و المرقومة التي عندنا أسماء تلك الأسماء و ستورا عليها فإنا لا ندرك لتلك الأسماء كيفية و لو أدركنا كيفيتها شهودا لارتفعت الستور و هي لا ترتفع و ما لنا في أنفسنا أمثلة لها جملة واحدة بل أعظم ما عندنا تخيلها في نفوسنا و التخيل أمر تحدثه في النفوس المحسوسات فتصورها بالقوة المصورة في خيال الشخص و ليس بعد هذه الستور إلا ستور الخلق بعضه على بعض فالستور و إن كانت دلائل فهي دلائل إجمالية فالعالم بل الوجود كله ستر و مستور و ساتر فنحن في غيبه مستورون و هو ستر علينا فهو مشهود لنا إذ الستر لا بد أن يكون مشهودا لمستوره فإن الستر برزخ أبدا بين المستور و المستور عنه فهو مشهود لهما و لما جاءت الأحكام المشروعة إلى المكلفين و تعلقت بأفعالهم و فرق الحكم في أفعال المكلفين إلى طاعة و معصية و لا طاعة و لا معصية و إلى مرغب فيه و إلى حكم غير مرغب فيه فالطاعة و المعصية حظر و وجوب فعلا أو تركا و المرغب فيه و غير المرغب فيه ندب و كراهة فعلا أو تركا و لا طاعة و لا معصية و لا مرغب فيه و لا غير مرغب فيه إباحة و هو حكم مرتبة النفس بما هي لذاتها و عينها و باقي الأحكام ليست لعينها و إنما تقبله بالداعي من خارج من لمة ملك و لمة شيطان فهي لمن حكمت عليه لمتهمنهما لا لذاتها فالسعيد من النفوس المكلفة على نوعين في السعادة النوع الواحد مستور عن قيام المعصية به و غير المرغب فيه و لا لا طاعة و لا لا معصية و لا مرغبا و لا غير مرغب فيه فهو أسعد السعداء و النوع الآخر هو المستور بعد حكم المعصية فيه عن العقوبة على ذلك و هو المغفور له و هذه الأحكام تتعلق من المكلف في ظاهره و باطنه فالسعيد التام الكامل المعصوم و دونه المحفوظ ظاهرا غير المحفوظ باطنا فأقل مستور من اسمه عبد الغافر و أكثر مستور من اسمه عبد الغفور و المتوسط بينهما عبد الغفار فالناس أعني المكلفين على ثلاثة أحوال غافر و غفار و غفور ثم إن للمكلفين بعضهم مع بعض حكم هذه الأسماء فيمن جنى عليهم أو من حموه عن وقوع الجناية منهم و لهم أحكام أسماء الله فمتى تجاوز عمن جنى عليه تجاوز الله عنه و من أنظر معسرا جنى ثمرة ذلك في الآخرة من عند الله فما يرى المكلف في الآخرة إلا أعماله تم إن الله يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ و اعلم أن من الستور و إرخائها ما هو معلول بالبشرية و هو قوله وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْياً أَوْ من وَراءِ حِجابٍ و هو الستر أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا و هو ستر أيضا و ليس الستر هنا سوى عين الصورة التي يتجلى فيها للعبد عند إسماعه كلام الحق في أي صوره تجلى فإن الله يقول لنبيه ص فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و المتكلم رسول الله ص و إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده و قوله تعالى كنت سمعه و بصرهالحديث فهذه كلها صور حجابية أعطتها البشرية و ما ثم إلا بشر و روح هذه المسألة ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فنفى الوسائط عن خلق آدم و من هنا إلى ما دون ذلك حكم اسم البشر فحيث ارتفعت الوسائط ظهر حكم البشرية لمن عقل إِنَّ في ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ فهذا حصر الستور و إرخاؤها على البدور و المكسوفات ستور فمنها ظلالية و منها أعيان ذوات مثل كسوف القمر و الشمس و سائر الكواكب الخمسة و أعظمها ستر الشمس فإنها تطمس أنوار الكواكب كلها فلا يبقى نور إلا نورها في عين الرائي و إن كانت أنوار الكواكب مندرجة فيها و لكن لا ظهور لها كما قال النابغة الجعدي في ممدحه

أ لم تر أن الله أعطاك صورةترى كل ملك دونها يتذبذب
بأنك شمس و الملوك كواكبإذا طلعت لم يبد منهن كوكب

و نعلم بالقطع أن الكواكب بادية و طالعة في أعيانها و مجاريها غير إن إدراك الرائي يقصر عنها لقوة نور الشمس نور على نور البصر فيبهرهقيل لرسول الله ص أ رأيت ربك فقال نوراني أراهفكيف أن يرى به فهو حجاب عليه و لم يكن ذلك إلا لضعف الإدراك فإنه تعالى قد يتجلى فيما دون النور فيرى كما ورد أينما شاء و هو القائل لَنْ تَرانِي فرؤيته لا رؤيته فهو المستور المرئي من غير ظهور و لا إحاطة فالستر لا بد منه و هذا القدر كاف من الإيماء فإن ميدان الغفران واسع لأنه الغيب و الشهادة وَ الله من وَرائِهِمْ مُحِيطٌ فأسبل الستر بالوراء على أعين السامعين فوقفوا مع ما سمعوا

فأسبل الستر بالوراءإسباله الستر بالمراء
بلا نزاع و لا خصامو لا جدال و لا مراء
فكل مجلى له حجابيحجبه عند كل راء
من عن يمين و عن شمالو عن أمام و عن وراء
يعرفه كل من رآهمن مخلص كان أو مراء

«حضرة القهر»

إذا كان قهري عين أمري فإننيإذا ما أمرت الأمر كان لي القهر
عليه فيبدو للوجود بصورتيفما نهينا نهي و لا أمرنا أمر

يدعى صاحبها عبد القهار و عبد القاهر فأكبر العلماء من لا يكون له هذا الاسم أعني عبد القهار و لا عبد القاهر و هو العارف المكمل المعتنى به بل هو المعصوم و ما تجلى لي الحق بحمد الله من نفسي في هذا الاسم و إنما رأيته منمرآة غيري لأن الله عصمني منه في حال الاختيار و الاضطرار فلم أنازع قط و كل مخالفة تبدو مني لمنازع فهي تعليم لا نزاع فإني ما ذقت في نفسي القهر الإلهي قط و لا كان له من هذه الحضرة في حكم قال تعالى وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ أي قهر عباده لما صدر منهم من النزاع وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً و هو التوكيل أعني هذا الإرسال في حق قوم و حفظا و عصمة في حق آخرين و هو قوله لَهُ مُعَقِّباتٌ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ من خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ من أَمْرِ الله أي من حيث إن الله أمرهم بحفظه فهم المعصومون المحفوظون و قد يحفظونه من أمر النازل به فيدفعونه كما فعل بالزاني في حين زناه أخرج عنه الايمان حتى صار عليه كالظلة يحفظه من أمر الله النازل به حيث تعرض بالمخالفة لنزول البلاء عليه فيحفظه الايمان من هذا الأمر النازل بأن يتلقاه فيرده عنه لعله يستغفر أو يتوب فإذا كان غير المعصوم يحفظ مثل هذا الحفظ فما ظنك بالمعتنى به فإنه محفوظ في الأصل و أدق ما يكون من الخلاف النزاع الإلهي بإنابة العبد فإذا زال العبد عن إنابته لم يجد القهار من يقف له فيقهره و السهم لا يمشي إلا إلى مرماه و اعلم أن الدعاء لا يقتضي المنازعة كما ذهب إليه سهل و الفضيل بن عياض حيث أرادا ما أراد الله كما جاء عنهما فإن الدعاء ذلة و افتقار و النزاع رياسة و سلطنة و لو لا النزاع القائم بنفوس الرعية الذين لو مكنوا من إرساله لوقع منهم ما أضيف إلى الرعية إنهم مقهورون تحت سلطان مليكهم و من لم يخطر له شيء من ذلك و لم ينازع فما هو مقهور و لا الملك له بقاهر بل هو به رءوف رحيم فمن قهر تخلقا من عباد الله فإنما قهر بالله من نازع أمر الله لا بنفسه و ما ثم إلا نزاع الشيطان بلمته فيما يلقيه إلى هذا العبد في قلبه منازعة لأمر الله و نهيه هذا قصده بالإلقاء و إن لم يخطر للعبد ذلك فإنه لا يخطر له مثل هذا الكون الايمان يرده و لكن يستدرجه بالمخالفة شيئا بعد شيء إلى أن يكفر فإن المعاصي يريد الكفر و لا تأتي إذا كثرت و ترادفت إلا بالكفر فلهذا يسارع بها و ينوعها الشيطان فلا يزال المؤمن يقهره بلمة الملك مساعدة للملك على نفسه لينجو فإن المؤمن من يقول لا حول و لا قوة إلا بالله و من النزاع الخفي الصبر على البلاء إذا لم يرفع إزالته إلى الله كما فعل أيوب ع و قد أثنى الله عليه بالصبر فقال مع ثبوت شكواه إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ فذكره بكثرة الرجوع إليه في كل أمر ينزل به فمن حبس نفسه عند الضر النازل به عن الشكوى إلى الله في رفع ما نزل به و صبر مثل هذا الصبر فقد قاوم القهر الإلهي فإن الله قاهر هذا العبد و إن كان محمودا في الطريق و لكن الشكوى إلى الله أعلى منه و أتم و لهذا قلنا إن الدعاء لا يقدح و لا يقتضي المنازعة بل هو أعلى و أثبت في العبودة من تركه و أما الرضاء و التسليم فهما نزاع خفي لا يشعر به إلا أهل الله فإن كان متعلق الرضاء المقضي به فيحتاج إلى ميزان شرعي و إن كان متعلق الرضاء القضاء فإن كان القضاء يطلب القهر و يجد الراضي ذلك من نفسه فيعلم إن فيه نزاعا خفيا فيبحث عنه حتى يزيله و إن لم ير أن ذلك القضاء يطلب القهر فيعلم أنه الرضاء الخالص الجبلي لأن الرضاء من راض يروض و منه الرياضة و رضت الدابة و هو الإذلال و لا يوصف به إلا الجموع و الجموح نزاع إنما يراض المهر الصغير لجموحه و جهله بما خلق له فإنه خلق للتسخير و الركوب و الحمل عليه و المهر يأبى ذلك فإنه ما يعلمه فيراض حتى ينقاد في أعنة الحكم الإلهي و كذلك رياضة النفوس لو لا ما فيها من الجموح لما راضها صاحبها فإذا خلقت مرتاضة بالأصالة فكان ينبغي أن لا يطلق عليها اسم راضية بل هي مرضية و إنما النفوس الإنسانية لما خلقها الله على الصورة الإلهية شمخت على جميع العالم ممن ليست له هذه الحقيقة و انحجبت عن الحقائق الإلهية التي تستند إليها حقائق العالم حقيقة حقيقة فاكتسبت الرياضة لأجل هذا الشموخ فذلت تحت سلطانه و حمدت على ذلك و كذلك التسليم لم يصح إلا مع التمكن من الجموح و كذلك التوكيل لم يصح إلا بعد الملك فهو نزاع خفي و القهر الإلهي يخفى بخفاء النزاع و يظهر بظهور النزاع و العارف لا يغفل عن نفسه طرفة عين فإنه إذا غفل عن نفسه غفل عن ربه و من غفل عن ربه نازع بباطنه ما يجده من الأثر فيه مما يخالف غرضه فيجيء القهر الإلهي فيقهره فيكون إذ أكثر منه مثل هذا يسمى عبد القهار و إذا قل منه يسمى عبد القاهر و الضابط لهذه الحضرة أن ينظر الإنسان في خفايا موافقاته و مخالفاته فيعلم من ذلك هل لهذهالحضرة حكم فيه أم لا فهذا أمر كلي قد و وكلناك فيه إلى نفسك و أنت أعلم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الوهب و هي للاسم الوهاب»

جميع العطايا منه وهب إلهيو إن كان لا يدري الوجود الكياني
فذلك لا يخفى على كل عاقلعن الله إن كان العيان الإلهي
فإن لم يكن فالجهل نعت لخلقهبه و بذا جاء الوجود العياني

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الوهاب و الوهب العطاء من الواهب على جهة الإنعام لا يخطر له خاطر الجزاء عليه من شكر و لا غيره فإن اقترن به طلب شكر جزاء فليس بوهب و إنما هو عطاء تجارة يطلب به الربح و الخسران فإن العطاء الإلهي على أنواع متعددة سيأتي ذكرها في هذا الباب إن شاء الله فمن هذه الحضرة يتجرد العبد عن جميع أغراضه كلها في إحسانه بهباته البدنية و المالية و معنى البدنية أن يصرف بدنه بسفر أو أي نوع كان من أنواع الحركات البدنية في حق من كان من عباد الله من إنسان أو حيوان لا يبتغي بذلك أجرا و لا يطلب عليه شكرا إلا لمجرد الإنعام على هذا الذي يتحرك من أجله مما له فيه منفعة أو دفع مضرة و كون الله عز و جل يأجره على ذلك ذلك إلى الله تعالى لا إليه بل يفعل ذلك لمجرد قيام هذه الصفة به و حكم هذا الاسم الإلهي عليه فإذا تحرك في العبادات التي لا حظ للخلق فيها كالصلاة و الصيام و الحج و أمثال ذلك بل كل عبادة مشروعة و هو مستمد من هذه الحضرة فينوي في عبادته تلك ما كان منها لا حظ للمخلوق فيها أن ينشئها و يظهر عينها بحركاته أو مسكه عنها إذا كانت العبادة من التروك لا من الأفعال فينشئها صورة حسنة على غاية التمام في خلقها و الكمال لتقوم صورة لها روح بما فيها من الحضور مع الله بالنية الصالحة المشروعة في تلك العبادة يفعلها فرضا كانت أو نفلا من حيث ما هي مشروعة له على الحد المشروع لا يتجاوزه لتسبح الله تلك الصورة التي أنشأها المسماة عبادة و تذكر الله بحسب ما يقتضيه أمره فيها تعالى و يزيد هذا العبد الإنعام على تلك الصورة العملية المشروعة بالظهور لتتصف بالوجود فتكون من المسبحين بحمد الله إنعاما عليها و على حضرة التسبيح فيخلق في عباداته السنة مسبحة لله بحمده لم يكن لها عين في الوجود جاءت امرأة إلى مجلس شيخنا عبد الرزاق فقالت له يا سيدي رأيت البارحة في النوم رجلا من أصحابه قد صلى صلاة فانتشأت تلك الصلاة صورة فصعدت و أنا أنظر إليها حتى انتهت إلى العرش فكانت من الحافين به فقال الشيخ صلاة بروح متعجبا من ذلك ثم قال ما تكون هذه الصلاة لأحد من أصحابي إلا لعبد الرزاق يقول ذلك في نفسه فقال لها و عرفت ذلك الشخص من أصحابي قالت نعم هو هذا و أشارت إلى عبد الرزاق الذي خطر للشيخ فيه فقال لها الشيخ صدقت و أخذها مبشرة من الله أخبرني بهذه الحكاية عبد الله ابن الأستاذ الموروري بمورور من بلاد الأندلس و كان ثقة صدوقا كما خلق عيسى ع كهيئة الطير من الطين فنفخ فيه فكان طائرا بإذن الله و لم يكن لهذه الصورة وجود إلا على يديه ثم نفخ فيها فكانت طائرا بإذن الله أي إن الله أمره بذلك و أذن له فيه كما أمر الله أيضا المؤمن في الشرع و أذن له في إنشاء صور عباداته التي كلفه الله عز و جل بها فإن كان عيسى ع قد نوى في خلقه ذلك الطائر الإنعام على تلك الصورة لتلحق بالموجودات و ينعم على حضرة التسبيح بزيادة المسبحين فيها كان من أهل هذه الحضرة و التحق بهم و إن كان نوى غير ذلك فهو لما نوى و ما بين صاحب هذا المقام و غيره إلا مجرد النية و مشاهدة صدور الأعمال منه صورا فإن الأمر في نفسه من إنشاء صور العبادات من المكلفين لا بد منه في كل مكلف قبيحة كانت أو حسنة و يفترقون في النيات و المقاصد و ما ثم إلا مكلف فأعظمها منزلة من يقصد بعبادته ما ذكرناه فإن عمل هذا العبد هذه العبادة لكونها أعظم صفة و منزلة في العبادات فما هو ذلك الذي ذكرناه من هذه الحضرة فإن الأمر لا يقبل الاشتراك فمثل هذا ما أقامه في نشأ صور هذه العبادات إلا كونها من أعظم الصفات و أجلها فتميز بذلك عمن لم يقمه الله في مثل هذا طلبا للأجر و المثوبة و إنما يقصد صاحب هذه الحضرة مجرد الإنعام على ظهور تلك العبادة و زيادة المسبحين لله لا يبتغي بذلك حمداو لا ثناء و لا جزاء إلا عين ما قصده الحق في إيجاد العالم فكما قصد الله بالخلق أن يعبدوه في مثل ما نص عليه من ذلك في قوله وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ و قوله وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فنوى هذا العبد في إنشاء صور العبادات أن تعبد الله كما أراده الحق و هذا لا يبطل نية الإنعام من هذا العبد على هذه الصور بالإنشاء و الإيجاد فإن كان مشهد هذا العبد إن الله هو المنشئ هذه الصور بالعبد لا هو فليس من هذه الحضرة الوهبية الكيانية بل ذلك من الوهب الإلهي على هذه الصورة المنشأة و ليس غرضي فيما ذكرناه ما هو الأعلى و الأعظم في المنزلة و إنما غرضي تمييز المقامات بعضها من بعض حتى لا يلتبس على القائمين بها فإنها تتداخل الأحكام فيها و لا يشعر لحد الفصل بين الأحوال و المقامات إلا الرَّاسِخُونَ في الْعِلْمِ الإلهي فإذا جازاهم الله على ما إنشاؤه إنعاما من الله تعالى عليهم كان جزاء من أشهد أن إنشاء تلك الصور لله لا للعبد المكلف و أن الإنعام لله في ذلك عليها لا إلى المكلف فإنه أعظم جزاء إلهيا من الذي لم يشهده الله ذلك عند إنشائها فقد تميز الشخصان بما وقع لهما به الشهود عند العمل المشروع و هذا عمل لم ينسج على منواله انفردنا بالتنبيه عليه على غاية الكمال من العبد و حررناه تحريرا تاما فإن أحدا من العلماء بالله و بالأشياء ما يجهلون العطاء على جهة الإنعام و لكن مثل ما ذكرناه لا يتصوره و لا يخطر ببال كل عامل إلا من تحقق بهذه الحضرة الواهبة خاصة و هو المسمى عبد الوهاب و الوهاب أوجده لا غيره من الأسماء مثل قوله في عيسى ع لمريم لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا و الصور التي أوجدها الاسم الوهاب قليلة جدا تعلم ذلك إذا علمت مراتب العلماء بالأسماء الإلهية بالعلم بالأسماء الإلهية فاعلم ذلك و هذا القدر من الإيماء إلى علم هذه الحضرة كاف إن شاء الله تعالى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و هو الهادي إِلىطَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ

«حضرة الأرزاق و هي للاسم الرزاق»

الرزق رزقان محسوس و معقوليدري بذلك معقول و منقول
فمنه يقبل ما يعطيه من منحو ذلك الرزق في التحقيق مقبول
جل الإله فما تحصى عوارفهو في معارفها هدى و تضليل
مثل النكاح الذي يحوي على عجبمن التلذذ تلسين و تقبيل

قال الله تعالى في قصة مريم كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ من عِنْدِ الله إِنَّ الله يَرْزُقُ من يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ و قال وَ من يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الرزاق قال تعالى وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ من رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ هذا في حق من أطعم من أجله حين سمعهيقول سبحانه في الخبر الصحيح جعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقني فيقول العبد كيف تطعم و تشرب و أنت رب العالمين فيقول الحق إن عبدي فلانا جاع و فلانا ظمىء فلو أطعمته حين استطعمك أو سقيته حين استسقاكفذلك معنى قوله تعالى جعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقني فأنزل نفسه تعالى منزلة الجائع و العاطش الظمآن من عباده فربما أدى العامل على هذا الحديث الإلهي أن يجهد في تحصيل ما يطعم به مثل هذا حتى يكون ممن أطعم الله تعالى فقال له الله وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ انتقال من مقام إلى مقام لأنه يعلم عباده العلم بالمقامات و الأحوال و المنازل في دار التكليف حتى يتنقلون فيها ثم قال إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ و المتانة في المعاني كالكثافة في الأجسام فجاء بالاسم المناسب للرزق لأن الرزق المحسوس به تتغذى الأجسام و تعبل و كلما عبلت زادت أجزاؤها و كثفت و أين السمن من الهزال فما أحسن تعليم الله و تأديبه و تبيانه لمن عقل عن اللهو اعلم أن الرزق معنوي و حسي أي محسوس و معقول و هو كل ما بقي به وجود عين المرزوق فهو غذاؤه و رزقه و قوله وَ في السَّماءِ رِزْقُكُمْ و قال في الأرض وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها و هي الأرزاق و تقديرها بوجهين الوجه الواحد كمياتها و الثاني أوقاتها فالرزق الذي في الأرض ما تقوم به الأجسام و الذي في السماء ما تقوم به الأرواح و كل ذلك رزق ليصح الافتقار من كل مخلوق و ينفرد الحق بالغنى و أرفع المنازل في الأرزاق و شهودها رزق ما يظهر به عين الوجود الحق من صور أحكامالممكنات و من صور التجلي فينظر صاحب هذه المشاهدة إلى الصورة في التجلي أو لصور أحكام الممكنات في عين الوجود الحق فينظر ما تستحقه تلك الصورة من مسمى الرزق و ما تطلبه لبقائها فيكون هذا العبد يرزقها ذلك إذا كان مشهده هذه الحضرة أعني حضرة الأرزاق ثم ينزل الأمر في الكائنات الخلقية و الأمرية بحسب حقائقها فيطلب عين الكون رزقه منه و أكثفه ما تطلبه المولدات من الأركان كالمعادن و النبات و الحيوان و قد جعل الله من الماء كل شيء حي و كل شيء حي فإن كل شيء مسبح لله بحمده و لا يكون التسبيح إلا من حي فكل شيء من الماء عينه و من الهواء حتى حيوان البحر الذي يموت إذا فارق الماء ما حياته إلا بالهواء الذي في الماء لأنه مركب فيقبل الهواء بنسبة خاصة و هو أن يمتزج بالماء امتزاجا لا يسمى به هواء كما أن الهواء المركب فيه الماء و به يكون مركبا لكن امتزج الماء به امتزاجا خاصا لا يسمى به ماء فإذا كانت حياة الحيوان بهواء الماء مات عند فقده ذلك الهواء الخاص و كذلك حيوان البر إذا غرق في الماء مات لأن حياته بالهواء الذي مازجه الماء لا بالماء الذي مازجه الهواء و ثم حيوان بري بحري و هو حيوان شامل برزخي له نسبة إلى قبول الهواءين فيحيي بالهواء كما يحيي البري و يحيي في الماء كما يحيي البحري و بالهواء تكون حياته في الموضعين و الماء أصله في كونه حيا فالرزق في عالم الأركان الهواء فيما في كل مطعوم و مشروب من ركن الهواء به تكون الحياة لمن يتغذى به من كل شيء حي من نبات و معدن و حيوان و إنسان و جان و أما الملائكة المخلوقة من أنفاس العالم عند تنفسهم فلهم غذاء أيضا من الأركان لا بد من ذلك و يخرج الملك من المتنفس بحسب ما يكون في قلب ذلك المتنفس من الخواطر فإن تلفظ المتنفس خرج النفس بحسب ما تلفظ به مفصلا في الصورة تفصيله حروفا في الكلمة و بهذا القدر تكون كيفية الانفعال عن خواص الحروف لمن شهد ذلك و إن لم يتلفظ و خرج النفس من غير لفظ فإنه يخرج هيولائيا لا صورة له معينة فيتولى الله تصويره بحسب ما كان عليه العبد في باطنه عند التنفس فيركبه الله في تلك الصورة فإن تعرى المحل المتنفس عن كل شيء كتنفس النائم الذي لا رؤيا له في منام و لا هو في الحس فإن الله يصور ذلك النفس بصورة ما نام عليه عند فراقه الإحساس كان الذكر ما كان أو الخاطر في القلب ما كان فإذا أقيم العبد في هذه الحضرة التي نحن بصددها و نظر إلى ما تكون عنه أمده من الرزق ما به بقاؤه فإنه خالقه و الرزق تابع للخلق فخالق الشيء هو رازقه و لا تكون في مقام خلق الأشياء إلا إذا أشهدك الحق ما ينفعل عنك فعند ذلك تشاهد طلبة ما تكون عنك بما يحتاج إليه من الرزق فترزقها كما تسعى هنا في اقتناء الرزق الذي تطلبه منك عائلتك سواء و هذا لا يقدح في إن الله هو الرزاق و إنما كلامنا في تقرير الأسباب و إثباتها كما قررها الحق عز و جل و أثبتها و قد بينا لك في غير موضع أن الإنسان إذا تجلى له الحق في منام أو غيره في أي صورة تجلى فلينظر فيما يلزم تلك الصورة المتجلي فيها من الأحكام فيحكم على الحق بها في ذلك الموطن فإن مراد الله فيها ذلك الحكم و لا بد و لهذا تجلى فيها على الخصوص دون غيرها و يتحول الحكم بتحول الصور فاعلم ذلك فكذلك أيضا رزق الصور يتنوع بتنوع الصور فما به غذاء صورة قد لا يكون به غذاء صورة أخرى و ليس غذاء الصور سوى رزقها فإذا تصورت المعاني كالعلم في صورة اللبن و الثبات في الدين في صورة القيد فرزق تلك الصورة ما أريدت له فإن كانت رؤيا فأصاب عابرها ما أراد الله بها بتلك الصورة فذلك رزقها فدامت حياتها و بقاؤها و صورة ذلك ما يناله الرائي و المكاشف من ذلك كما رأى النبي ص يشرب اللبن حتى خرج الري من أظافره مما تضلع منه فقيل له ما أولته يا رسول الله فقال العلميعني أن العلم ظهر في صورة اللبن و لما كان العلم لبنا وصف نفسه بالشرب منه و التضلع إلى أن خرج الري من أظافره فنال كما قال علم الأولين و الآخرين و ما خرج منه من الري هو ما خرج إلى الناس من العلم الذي أعطاه الله لا غير ثم أعطى ما فضل في الإناء عمر فكان ذلك الفضل القدر الذي وافق عمر الحق فيه من الحكم كحكمه في أسارى بدر و في الحجاب و غير ذلك ففاز به دون غيره من عند الله و هكذا كل من حصل له مثل هذا من عند الله كالمتقي إذا اتقى الله جعل له فرقانا و هو علم يفرق به بين الحق و الباطل في غوامض الأمور و مهماتها عند تفصيل المجمل و إلحاق المتشابه بالمحكم في حقه فإن الله أنزله متشابها و مجملا ثم أعطىالتفصيل من شاء من عباده و هو ما فضل من اللبن في القدح و حصل لعمر لأنه من شرب من ذلك الفضل فقد عمر به محل شربه فلذلك كان عمر دون غيره من الأسماء هذا تعبير رؤياه على التمام ص و لعمر بن الخطاب في ذلك خصوص وصف لاختصاصه بالاسم و الصورة في النوم دون غيره من العمريين و من الصحابة ممن ليس له هذا الاسم فكل رازق مرزوق أما الرزق المعنوي أو الحسي على انقسام الأرزاق المعنوية و المحسوسة و من هذه الحضرة قوله تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ فحتى نعلم رزق الابتلاء أي كونه الله من الابتلاء فهو علم إقامة الحجة لتكون الحجة البالغة لله كما أخبر عن نفسه فقال فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ التي لا دخل عليها و لا تأويل فيها و إذا وصف الحق نفسه ب حَتَّى نَعْلَمَ فعم حكم الرزق جميع الصور فكل الصيد في جوف الفرا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ.

«حضرة الفتح و هي للاسم الفتاح»

حضرة الفتاح للفتح و مايعلم الشخص بما يفتح له
أن رب الخلق في الخير و فيكل شر واقع قد أجمله
ربما يعرفه الشخص و مايعرف الأمر الذي قد أنزله
ثم قد يعلمه الشخص و مايعلم الشيء الذي كون له

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الفتاح و لها صورة و معنى و برزخ و ما حازها على الكمال إلا آدم ع بعلم الأسماء و محمد ص بجوامع الكلم و ما عدا هذين الشخصين فما ذكر لنا و من هذه الحضرة نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ الله وَ الْفَتْحُ و إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً و لقد كنت بمدينة فاس سنة إحدى و تسعين و خمسمائة و عساكر الموحدين قد عبرت إلى الأندلس لقتال العدو حين استفحل أمره على الإسلام فلقيت رجلا من رجال الله و لا أزكي على الله أحدا و كان من أخص أودائى فسألني ما نقول في هذا الجيش هل يفتح له و ينصر في هذه السنة أم لا فقلت له ما عندك في ذلك فقال إن الله قد ذكر و وعد نبيه ص بهذا الفتح في هذه السنة و بشر نبيه ص بذلك في كتابه الذي أنزله عليه و هو قوله تعالى إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً فموضع البشرى فتحا مبينا من غير تكرار الألف فإنها لإطلاق الوقوف في تمام الآية فانظر أعدادها بحساب الجمل فنظرت فوجدت الفتح يكون في سنة إحدى و تسعين و خمسمائة ثم جزت إلى الأندلس إلا أن نصر الله جيش المسلمين و فتح الله به قلعة رباح و الأركو و كركوى و ما انضاف إلى هذه القلاع من الولايات هذا عاينته من الفتح ممن هذه صفته فأخذنا للفاء ثمانين و للتاء أربعمائة و للحاء المهملة ثمانية و للالف واحدا و للميم أربعين و للباء اثنين و للياء عشرة و للنون خمسين و الألف قد أخذنا عددها فكان المجموع إحدى و تسعين و خمسمائة كلها سنون من الهجرة إلى هذه السنة فهذا من الفتوح الإلهي لهذا الشخص و كذلك ما ذكرناه من فتح البيت المقدس فيما اجتمع بالضرب في الم غُلِبَتِ الرُّومُ مع البضع من السنين المذكور فيه بالحسابين الجمل الصغير و الكبير فظهر من ذلك فتح البيت المقدس و قد ذكرناه فيما تقدم من هذا الكتاب في باب الحروف منه و هو أن البضع جعلناه ثمانية لكون فتح مكة كان سنة ثمان ثم أخذنا بالجمل الصغير الم ثمانية فأسقطنا الواحد لكون الأس يطلب طرحه لصحة العدد في أصل الضرب في الحساب الرومي و الفتح إنما كان في الروم الذين كانوا بالبيت المقدس فأضفنا ثمانية البضع إلى ما اجتمع من حروف الم بعد طرح الواحد للاس فكان خمسة عشر ثم رجعنا إلى الجمل الكبير فضربنا واحدا و سبعين في ثمانية و الكل سنون لأنه قال في بِضْعِ سِنِينَ فكان المجموع ثمانية و ستين و خمسمائة فجمعناها إلى الخمسة عشر التي في الجمل الصغير فكان المجموع ثلاثا و ثمانين و خمسمائة و فيها كان فتح البيت المقدس و هذا العلم من هذه الحضرة و لكن عبد السلام أبو الحكم بن برجان ما أخذه من هذا فوقع له غلط و ما شعر به الناس و قد بيناه لبعض أصحابنا حين جاءنا بكتابه فتبين له أنه غلط في ذلك و لكن قارب الأمر و سبب ذلك إنه أدخل عليه علما آخر فأفسده و هذا كله من صورة الفتح لا من معناه و لا من وسطه الذي هو الجامع للطرفين فكان لآدم إحصاء جميع اللغة الواقعة من أصحابها المتكلمين بها إلى يوم القيامة و كان لمحمد صالرسالة لي الناس كافة باللسان العربي فعم جميع كل لسان فنقل شرعه بالترجمة فعم اللغات و أما الفتح الوسط فهو فتح الأذواق و هو العلم الذي يحصل للعالم به بالتعمل في تحصيله كعلم الفرقان للمتقي فإنه حصله بتقوى الله مع ما انضاف إليه من تكفير السيئات و غفر الذنوب و هذا علم مخصوص بأهل الطريق و هم أهل الله و خاصته و هو علم الأحوال و إن كانت مواهب فإنها لا توهب إلا لمن هو على صفة خاصة و إن كانت تلك الصفة لا تنتجها في الدنيا لكل أحد و لكن لا بد أن تنتج في الآخرة فلما لم يكن من شرطها الإنتاج في الدنيا قيل في علم الأحوال أنها مواهب و هو حصولها عن الذوق و معنى عن الذوق أول التجلي فإن التوكل مثلا الذي هو الاعتماد على الله فيما يجريه أو وعد به فالذوق فيه الزائد على العلم بذلك عدم الاضطراب عند الفقد لما تركن النفس إليه فيكون ركونها في ذلك إلى الله لا إلى السبب المعين فيجد في نفسه من الثقة بالله في ذلك أعظم مما يجده من عنده السبب الموصل إلى ذلك كالجائع ليس له سبب يصل به إلى نيل ما يزيل جوعه من الغذاء و جائع آخر عنده ما يصل به إلى نيل ما يزيل ما عنده فيكون صاحب السبب قويا لوجود المزيل عنده و هذا الآخر الذي ما عنده إلا الله يساويه في السكون و عدم الاضطراب لعلمه بأن رزقه إن كان بقي له رزق فلا بد من وصوله إليه فسمى عدم هذا الاضطراب ممن هذه صفته من فقد الأسباب ذوقا و كل عاقد يجد الفرق بين هذين الشخصين فإن العالم الذي ليس له هذا الذوق يضطرب عند فقد المزيل مع علمه بأن رزقه إن كان بقي له رزق لا بد أن يصل إليه و مع هذا العلم لا يجد سكونا نفسيا مع الله و صاحب الذوق هو الذي يجد السكون كما يجده صاحب السبب المزيل لا فرق بل ربما هو أوثق و هو قول بعض العلماء إن الإنسان لا ينال هذه الدرجة حتى يكون بربه أوثق منه بما في يده لأن الوعد الإلهي صادق لا تتطرق إليه الآفات و الذي بيده من الأسباب يمكن أن يتطرق إليه الآفات فيحال بينه و بين من هو عنده بأي وجه كان فلذلك قلنا إن المتوكل ذوقا أتم في السكون من صاحب السبب الحاصل المزيل لهذا الألم فاعلم ذلك فهذا هو الوسط من علم الفتح و صاحبه يلتذ في باطنه غاية الالتذاذ و أما المعنى من هذه الحضرة فهو ما يطالع به العبد من العلم بالله إذا كان الحق أعني هوية الحق صفات هذا العبد فما يحصل له من العلم إذا كان بهذه الصفة هو المعنى الحاصل من هذه الحضرة و ما كل أحد ينال هذا المقام من هذه الحضرة و إن كان فيها فإن الناس يتفاضلون في ذلك و من هذه الحضرة قال رسول الله ص حين ضرب بين كتفيه علمت علم الأولين و الآخرين بذلك الوضعو تلك الضربة أعطاه الله فيها ما ذكره من العلم و يعني بذلك العلم بالله فإن العلم بغير الله تضييع الوقت فإن الله ما خلق العالم إلا له و لا سيما هذا المسمى بالإنس و الجن فإنه نص عليه إنه خلقه لعبادته و ذكر عن كل شيء أنه يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ فمن علم الله بمثل هذا العلم علم إن كل نطق في العالم كان ذلك النطق ما كان مما يحمد أو يذم أنه تسبيح بوجه لله بحمده أي فيه ثناء على الله لا شك في ذلك و مثل هذا العلم بحمد الله حصل لنا من هذه الحضرة و لكن ما يعرف صورة تنزيله علما بحمد الله و الثناء عليه إلا من اختصه الله بوهب هذه الحضرة على الكمال فيسب إنسان إنسانا و هو عند هذا السامع صاحب هذا المقام تسبيح بحمد الله فيؤجر السامع و يأثم القائل و القول عينه و هذا من العلم اللطيف الذي يخفى على أكثر الناس و هو في العلوم بمنزلة أسماء الأشياء كلها إنها أسماء الله في قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله خبرا صدقا مع علمنا بما نفتقر إليه من الأشياء فهذا و ذلك سواء لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ فسمع بالله وَ هُوَ شَهِيدٌ فأبصر بالله و هذا القدر من الإيماء كاف في هذه الحضرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة العلم و هي للاسم العليم و العالم و العلام»

إن العلوم هي المطلوب بالنظرفانظر و فكر فإن الفكر معتبر
لو لا العلوم التي في الكون ما ظهرتأفكار من هو في الأشياء معتبر
هو الإمام الذي يدريه خالقهو النجم يعرفه و الشمس و القمر
كيوسف حين خروا سجدا و مضتأحكامه فيهم بالله فاعتبروا
فلو ترى الشمس و الأفلاك دائرةفي نارها و نجوم الليل تنتثر
من بعد ما طمست أنوارها و مضتأحكامها و بدت في العين تنكدر
ماتوا و راح الذي قد كان يجمعهمفي دار دنياهم فالكل قد قبروا

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد العليم و العلماء في هذه الحضرة على ثلاث مراتب عالم علمه ذاته و عالم علمه موهوب و عالم علمه مكتسب و له حكم في الإلهيات و له حكم في الكون ففي الله علمه بكل شيء لذاته و عموم تعلقها بكل معلوم و قد بينا من أين تعلق علمه بالعالم و المكتسب في الله قوله حَتَّى نَعْلَمَ و الموهوب في الله ما أعطاه العبد من تصرفه في المباح فإنه لا يتعين تقييده تعين الواجب و المحظور و المندوب و المكروه فحصول العلم بالتصريف في المباح علم وهب يعلمه الحق من العبد بطريق إلهية لأنه لا يجب عليه الإتيان به كما يجب عليه اعتقاده فيه إنه مباح و الايمان به واجب و أما مراتب هذه العلوم في الكون فهينة الخطب فإن الكون قابل للعلم بالذات فالعلم الذاتي له هو ما يدركه من العلم بعين وجوده خاصة لا يفتقر في تحصيله إلى أمر آخر إلا بمجرد كونه فإذا ورد عليه ما لا يقبله إلا بكونه موجودا على مزاج خاص هو علمه الذاتي له و المكتسب ما له في تحصيله تعمل من أي نوع كان من العلوم المكتسبة و الموهوب هو ما لم يخطر بالبال و لا له فيه اكتساب كعلم الأفراد و هو علم الخضر فعلمه من لدنه علما رحمة من عند الله به حتى كان مثل موسى ع الذي كلمه ربه يستفيد منه ما لم يكن عنده و لا أحاط به خبرا يقول لم نذق له طعما فيما علمه الله من العلم باللهو اعلم أنه ما من موجود في العالم إلا و له وجه خاص إلى موجدة إذا كان من عالم الخلق و إن كان من عالم الأمر فما له سوى ذلك الوجه الخاص و إن الله يتجلى لكل موجود من ذلك الوجه الخاص فيعطيه من العلم به ما لا يعلمه منه إلا ذلك الموجود و سواء علم ذلك الموجود أو لم يعلمه أعني أن له وجها خاصا و أن له من الله علما من حيث ذلك الوجه و ما فضل أهل الله إلا بعلمهم بذلك الوجه ثم يتفاضل أهل الله في ذلك فمنهم من يعلم أن لله تجليا لذلك الموجود من هذا الوجه الخاص و منهم من لا يعلم ذلك و الذين يعلمون ذلك منهم من يعلم العلم الذي يحصل له من ذلك التجلي و منهم من لا يعلمه أعني على التعيين و ما أعني بالعلم إلا متعلق العلم هل هو كون أو هو الله من حيث أمر ما و العلم المتعلق بالله إما علم بالذات و هو سلب و تنزيه أو إثبات و تشبيه و إما علم باسم ما من الأسماء الإلهية من حيث ما سمي الحق به نفسه من كونه منعوتا بالقول و الكلام و إما علم باسم ما من أسماء الأسماء من حيث ما تقتضيها عبارات المحدثات و إما علم نسب إلهية و إما علم صفات معنوية و إما علم نعوت ثبوتية إضافية تطلب أحكاما متقابلة و إما علم ما ينبغي أن يطلق منه عليه و ما ينبغي أن لا يطلق و لكل علم أهل و أما ما يتعلق بالكون من العلم الإلهي الذي يعطيه الله من شاء من عباده من هذا الحضرة فهو إما علم يكون متعلقة نسبة العالم إلى الله و إما علم يكون متعلقه نسبة الله إلى العالم و إما علم بارتفاع النسبة بين العالم و الذات و إثباتها بين العالم و الأسماء و إما علم بإثبات النسبة بين العالم و الذات و هو علم القائلين بالعلة و المعلول و إما علم إثبات النسبة شرط لا علة و إما علم يتعلق بالصورة التي خلق الله العالم عليها كله و إما علم بالصورة التي خلق الإنسان عليها و إما علم بالبسائط و إما علم بالمركبات و إما علم بالتركيب و إما علم بالتحليل و إما علم بالأعيان الحاملة مركبة كانت أو بسائط و إما بالأعيان المحمولة و إما علم بإلهيات و إما علم بالأوضاع و إما علم بالمقادير و إما علم بالأوقات و إما علم بالاستقرارات و إما علم بالانفعالات و إما علم بالعين المؤثرة اسم فاعل المؤثرة فيها اسم مفعول و أنواع الآثار بالتوجهات و القصد أو بالمباشرة هذا كله مما يكون للعالم به أو ببعضه من هذه الحضرة العلمية فمن دخل هذه الحضرة ذوقا فقد حاز كل علم و من دخلها بالفكر فإنه ينال منها على قدر ما هو فيه و من هذه الحضرة يحيط بعض الخلق بعلم ما لا يتناهى من أعيان أشخاص نوع نوع من الممكنات على حد ما يعلم في العامة تضاعف العدد إلى ما لا يتناهى و لا يقدر أحد على إنكاره من نفسه إنه يعلم ذلك و لا يخطئ فيه ثم لتعلم إن مسمى العلم ليس سوى تعلق خاص من عين تسمى عالما لهذا التعلق و هو نسبة تحدث لهذه الذات من المعلوم فالعلم متأخر عن المعلوم لأنه تابع له هذا تحقيقه فحضرة العلم على التحقيق هي المعلومات و هو بين العالم و المعلوم و ليس للعلم عند المحقق أثر في المعلوم أصلا لأنه متأخرعنه فإنك تعلم المحال محالا و لا أثر لك فيه من حيث علمك به و لا لعلمك فيه أثر و المحال لنفسه أعطاك العلم به أنه محال فمن هنا تعلم أن العلم لا أثر له في المعلوم بخلاف ما يتوهمه علماء أصحاب النظر فإيجاد أعيان الممكنات عن القول الإلهي شرعا و كشفا و عن القدرة الإلهية عقلا و شرعا لا عن العلم فيظهر الممكن في عينه فيتعلق به علم الذات العالمة بأنه ظاهر كما تعلق به أنه غير ظاهر بذلك العلم فظهور المعلوم و عدم ظهوره أعني وجوده أعطى العلم فهو حضرة المعلوم ينوع العلم من العالم بما هو عليه في ذاته أعني المعلوم هذا في كل موصوف بالعلم فالصفات المعنوية كلها على الحقيقة نسب غير أنه ثم نسبة تتقدم كالقول بالإيجاد على الموجود و نسبة تتأخر كالعلم و المعلوم فإذا فهمت ما ذكرته لك في هذه الحضرة علمت الأمر العلمي على ما هو عليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة القبض و هي للاسم القابض»

لا شك أن القبض معلومفي ذاته فالأمر مفهوم
و ليس معلوما لنا سرهلكنه لله معلوم
يعلمه الخائف من خوفهلذاك يمسي و هو مغموم
بستانه تبكيه أطيارهيعمره الغربان و البوم
منقبض عنه و عن مثلهفسره في الكون مكتوم

لها أثر في المحدث و القديم يدعى صاحبها عبد القابض بما يعطيه الممكن من أفعاله فيقبضها الحق منه كما ورد أن الله يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ من عباده فيربيها لهموَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فيقبضه بحيث إنه لا يبقى لغير الله فيه تصرف بعد القبض الإلهي إلا أن يعطيه الحق ذلك فيقبضه العبد من ربه و أول قبض قبضه الممكن من ربه وجوده فقبض الحق من الممكن علمه به و قبض الممكن من الحق وجوده و جميع ما يتصرف فيه و يضاف إليه من الأفعال فإذا وقعت يقبضها الحق من العامل فحضرة القبض بين القابض و المقبوض و المقبوض منه و قد يكون لهذه الحضرة في القابض قبض مجهول و هو خطر جدا كما يكون لها قبض معلوم فإذا وجد العبد من هذه الحضرة قبضا في نفسه لا يعرف سببه و لا يعرف منه سوى علمه بأنه قابض لأمر مجهول فهو مقبوض الباطن للحق بذلك الأمر الذي لا يعلمه فإذا وقع له مثل هذا القبض من هذه الحضرة فليسكن على ما هو عليه و ليتحرك على الميزان المشروع و الميزان العقلي و لا يتزلزل فإنه لا بد أن ينقدح له سبب وجود ذلك القبض إما بما يسوءه أو بما يسره و لله عباد يسرهم كل شيء يقامون فيه من بسط و قبض مجهول و معلومو اعلم أن الأدب مصاحب لهذه الحضرة و لحضرة البسط فإذا قبض من الحق ما يعطيه الله فيقبضه من يده في أمور معينة و من يد الغير في أمور معينة يعين ذلك مسمى الخير و الشر فالخير كله بيد الله فيقبضه منه و لكن بأدب يليق بذلك الخير المعين و ابذل جهدك في إن لا تقبض الشر جملة واحدة فإن أعماك الحق و أصمك و استعملك في قبض الشر فمن الأدب أن لا تقبضه من يد الله و اقبضه من يد المسمى شيطانا فإن على يده يأتيك الشر فلو زال هذا البريد لم يقع في الوجود حكم شر و ما أظهر عين الشر من هذا الشيطان إلا التكليف فإذا ارتفع ارتفع هذا الحكم و لم يبق إلا الغرض و الملاءمة فنيل الغرض و الملائم خير و فقد ما تعلق به الغرض و ما لا يلائم شر

فخذ الخير كلهمن يد الحق تسعد
و دع الشر كلهفي يد الغير ترشد

سواء نسبتهما إلى الشرع أو إلى الغرض أو الملاءمة فمن القبض ما يكون عن وهب و منه ما يكون عن جود و كرم و عن سخاء و عن إيثار و ليس إلا قبض الشر يكون و هو عن إيثار لجناب الحق حيث أضفته إلى نفسك و لم تضفه إلى الله أدبا مع الله حيث لم ينسبه إلى نفسهفإن رسول الله ص المترجم عن الله تعالى يقول و الشر ليس إليكو قال وَ ما أَصابَكَ من سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فكل ما يسوءك فهو شر في حقك فلو لم يطلق عليه اسم شر لم تضفه إليك و لا أضافه الحق إليك أ لا تراه إذا نظرته فعلا من غير حكم عليه كيف يقول كُلٌّ من عِنْدِ الله ظهر فقف مع الحكم الإلهي في الأشياء و على الأشياء تكن أديبا معصوما فإنه لا يحفظ الله هذا المقام إلا على من عصم الله و اعتنى به و من هذه الحضرةتقرض الله ما طلب منك من القرض و تعلم أنه ما طلبه منك إلا ليعود به و بأضعافه عليك من جهة من تعطيه إياه من المخلوقين فمن أقرض أحدا من خلق الله فإنما أقرض الله و ليس الحسن في القرض إلا أن ترى يد الله هي القابضة لذلك القرض لا غير فتعلم عند ذلك في يد من جعلت ذلك و هو الحفيظ الكريم و أما قبضه ما يقبضه للدلالة عليه كقبض الظل إليه ليعرفك بك و بنفسه لأنه ما خرج الظل إلا منك و لو لا أنت لم يكن ظل و لو لا الشمس أو النور لم يكن ظل و كلما كثف الشخص تحققت أعيان الظلال فالأمر بينك و بينه كما قررنا في الوجود بين الاقتدار الإلهي و بين القبول من الممكن مهما ارتفع واحد منهما ارتفع الوجود الحادث كذلك إذا ارتفع العين المشرق و الجسم الكثيف الحائل عن نفوذ هذا الإشراق فيه حدث الظل فالظل من أثر نور و ظلمة و لهذا لا يثبت الظل عند مشاهدة النور كما لا تثبت الظلمة لأنه ابنها فإن للظلمة ولادة على الظل بنكاح النور فما قابل النور من الجسم الكثيف أشرق فذلك الإشراق هو نكاح النور له و بنفس ما يقع النكاح تكون ولادته للظل فنفس النكاح نفس الحمل نفس الولادة في زمان واحد كما قلنا في زمان وجود البرق انصباغ الهواء و ظهور المحسوسات و إدراك الأبصار لها و الزمان واحد و التقدم و التأخر معقول و هكذا الظل فافهم و من هذه الحضرة سماع ما يقبضك و رؤية ما يقبضك فلو لم يقبض المسموع الذي قبضك ما كنت مقبوضا و كذلك الرؤية فأنت القابض المقبوض فما أتى عليك إلا منك فلو أزلت الغرض عند السماع أو الرؤية لكنت قابضا و لم تكن مقبوضا غير إن هذه الحقيقة لا ترتفع من العالم لأن الاستناد قوى بقوله اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ الله و ليس إلا القبض فإذا أخبر الحق بوجود الأثر في ذلك الجناب فأين يخرج العبد من حكمه لذلك قال في نعيم الجنان وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ و ليس إلا نيل الأغراض فتحقق حكم هذه الحضرة و ما تعطيه في الإنسان وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة البسط و هي للاسم الباسط»

لا يفرح العاقل في بسطةإلا إذا بشره الله
على لسان صادق منجدو متهم يعلمه الله
فإنه الصادق في قولهله إذا يحشره الجاه
لا تمتري في صدق إرسالهلكونها أعلمها الله
فلا تقولوا مثل ما قال منيقول إذ قيل له ما هو
ماهية ما ثم مجهولةفافرح فإن الواحد الله

يدعى صاحبها عبد الباسط لها حكم و أثر قديما و حديثا فمن أرضى الله فقد منع غضبه و بسط رحمته وَ الله يَقْبِضُ وَ يَبْصُطُ

فله الحكم كلهو لي الحكم جله
فهو الحق أصلناو أنا العبد ظله
فإذا دام عيشهفإنا منه ظله
ما لي أمر يخصنيبل لي الأمر كله
إن أسأنا فعدلهإن يشأ ذاك فصله
كل جنس يعمناو أنا منه فضله
أي فصل مقومأنا منه فشكله
شكل ذاتي و فيضهعين فيضي أو مثله

فله الحكم في عباده من هاتين الحضرتين غير أن المحال تختلف فيختلف البسط لاختلافها و الأحوال تختلف فيختلف البسط لاختلافها فأما في محل الدنيا ف لَوْ بَسَطَ الله الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الْأَرْضِ فأنزل بِقَدَرٍ ما يَشاءُ و أطلق له في الجنة البسط لكونها ليست بمحل تعن و لا تعد فإن الله قد نزع الغل من صدورهم فالعبد باتباع الرسول و أعني به الشرع الإلهي و الوقوف عند حدوده و مراسمه بالأدب الذي ينبغي له أن يستعمله في ذلك الاتباع يؤثر في الجناب الأقدس المحبة في هذا المتبع فيحبه الله و إذا أحبه انبسط له فحال العبد في الدنيا عند انبساط الحق إليه أن يقف مع الأدب في الانبساط و هو قبض يسير أثره بسط الحق فالعبد ينقبض لقبض الحق و لبسطه و إن اختلف حكم القبض فيه أعني في الدنيا لأجل التكليف فمن المحال كمال البسط في الدنيا للأدب و محال كمال القبض في الدنيا للقنوط غير إن حكمالقبض أعم في الدنيا من البسط فمن الناس من وفقهم الله لوجود أفراح العباد على أيديهم أول درجة من ذلك من يضحك الناس بما يرضى الله أو بما لا رضاء فيه و لا سخط و هو المباح فإن ذلك نعت إلهي لا يشعر به بل الجاهل يهزأ به و لا يقوم عنده هذا الذي يضحك الناس وزن و هو المسمى في العرف مسخرة و أين هو هذا الجاهل بقدر هذا الشخص من قوله تعالى وَ أَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَ أَبْكىو لا سيما و قد قيدناه بما يرضى الله أو بما لا رضاء فيه و لا سخط فعبد الله المراقب أحواله و آثار الحق في الوجود يعظم في عينه هذا المسمى مسخرة و كان لرسول الله ص نعيمان يضحكه ليشاهد هذا الوصف الإلهي في مادة فكان أعلم بما يرى و لم يكن رسول الله ص ممن يسخر به و لا يعتقد فيه السخرية و حاشاه من ذلك ص بل كان يشهده مجلى إلهيا يعلم ذلك منه العلماء بالله و من هذه الحضرة كان رسول الله ص يمازح العجوز و الصغير يباسطهم بذلك و يفرحهمأ لا ترى إلى أكابر الملوك كيف يضاحكون أولادهم بما ينزلون إليهم في حركاتهم حتى يضحك الصغير و لم أر من الملوك من تحقق بهذا المقام في دسته بحضور أمرائه و الرسل عنده مثل الملك العادل أبي بكر بن أيوب مع صغار أولاده و أنا حاضر عنده بميافارقين بحضور هذه الجماعة فلقد رأيت ملوكا كثير و لم أر منهم مثل ما رأيته من الملك العادل في هذا الباب و كنت أرى ذلك من جملة فضائله و يعظم به في عيني و شكرته على ذلك و رأيت من رفقه بالحريم و تفقد أحوالهن و سؤاله إياهن ما لم أر لغيره من الملوك و أرجو أن الله ينفعه بذلكو اعلم أن الفرق بين الحضرتين أن القبض لا يكون أبدا إلا عن بسط و البسط قد يكون عن قبض و قد يكون ابتداء فالابتداء سبق الرحمة الإلهية الغضب الإلهي و الرحمة بسط و الغضب قبض و البسط الذي يكون بعد قبض كالرحمة التي يرحم الله بها عباده بعد وقوع العذاب بهم فهذا بسط بعد قبض و هذا البسط الثاني محال أن يكون بعده ما يوجب قبضا يؤلم العبد فالبسط عام المنفعة و قد يكون فيه في الدنيا مكر خفي و هو إرداف النعم على المخالف فيطيل لهم ليزدادوا إثما و هو قوله وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ و الإملاء بسط في العمر و الدنيا فيتصرفون فيهما بما يكون فيه شقاؤهم و من البسط ما يكون أيضا مجهولا و معلوما أعني مجهول السبب فيجد الإنسان في نفسه بسطا و فرحا و لا يعرف سببه فالعاقل من لا يتصرف في بسطة المجهول بما يحكم عليه البسط فإنه لا يعرف بما يسفر له في عاقبته هل بما يقبضه و يندم فيه أو بما يزيده فرحا و بسطا فالمكر الخفي فيه إنما هو لكونه مجهول السبب و قوة سلطانه فيمن قام به و الدار الدنيا تحكم على العاقل بالوقوف عند الجهل بالأسباب الموجبة لبعض الأحوال فيتوقف عندها حتى ينقدح له أمرها فإذا علم تصرف في ذلك على علم فإما له و إما عليه بحسب ما يوفقه الله و ينصره أو يخذله فمن الله نسأل العصمة من الزلل في القول و العمل و من هذه الحضرة يدعو إلى الله من يدعو على بصيرة فيدعو من باب البسط من يعلم أن البسط يعين على الإجابة من المدعو و يدعو من باب القبض من يعلم أن القبض بعين على إجابة المدعو فهذا الداعي و إن كان في مقام مباسطة الحق فإنه يدعو بالقبض و البسط فإنه يراعي المصلحة و يدفع بالتي هي أحسن في حق المدفوع عنه و في حق نفسه و الأدب أعظم ما ينبغي أن يستعمل في هذه الحضرة فإن البسط مطلب النفوس فليحذر غوائلها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الخفض»

إن التواضع حكم ليس يعرفهإلا العلي الذي لله يخفضه
تنزل الحق إكراما إلى درجبه يحزئه به يبعضه
يقسم الخلق في تعيين رتبتهقسم يحببه و قسم يبغضه
إن الذي خفض الأكوان أجمعهاعن المقام الذي بما يخفضه
رفعت همته نحو العلى عسىيوما على غلظ يكون تنهضه
أبرمت أمرا و في الإبرام حاجتهفجاء في الحال للحرمان ينقضه
إني جعلت له في قلب ذي أدبحبا و جاء سفير الحال يبغضه
صفر اليدين أتاك اليوم يسألكمقرضا يضاعفه من أنت تقرضه
و قلت يا منتهى الآمال أجمعهاعساك يوما على خير تحرضه
عرفته بالذي يأتيه من كتبعساه يوما يراه الحق يرفضه

فيدعي صاحبها في الملإ الأعلى عبد الخافضفاعلم إن الوجود قد انقسم في ذاته إلى ما له أول و هو الحادث و إلى ما لا أول له و هو القديم فالقديم منه هو الذي له التقدم و من له التقدم له الرفعة و الحدوث له التأخر و من تأخر فله الانخفاض عن الرفعة التي يستحقها القديم لتقدمه فإن المتقدم له التصرف في الحضرات كلها لأنه لا منازع له يقابله و لا يزاحمه و يرى المراتب فيأخذ الرفيع منها و الحادث ليس له ذلك التصرف في المراتب فإنه يرى القديم قد تقدمه في الوجود و تصرف و حاز مقام الرفعة و ما نزل عنه فهو خفض فلم يكن له تصرف إلا في حضرة الخفض فإذا أراد الحق أن يتصرف فيها تصرف المحدث ينزل إليها فإذا نزل إليها حكم عليه بأحكامها فإذا ارتفع عنها بعد هذا النزول هو المسمى بهذا الارتفاع الخاص متكبرا فقوله الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ بالرفعة الأولى المتكبر بالرفعة بعد النزول فحضرة الخفض سلطانها في المحدث كان المحدث ما كان و إنما قلنا كان المحدث ما كان من أجل صور التجلي فإنها محدثة و من أجل إتيان الذكر الذي هو القرآن كلام الله فإنه محدث الإتيان قال تعالى ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و ليس إلا القرآن و قد حدث عندهم بإتيانه فلذلك قلنا كان الحادث ما كان فمن هذه الحضرة يكون حكم الخافض و المخفوض أ لا ترى إلى حروف الخفض هي الخافضة و الحرف في أدنى الدرجات و مع ذلك فلها أثر الخفض في الأسماء مع علو درجة الأسماء فتقول أعوذ بالله فالباء خافضة و معمولها الهاء من كلمة الله فهي التي خفضت الهاء من الكلمة فأثرت في الكلمة بحقيقتها و إن كانت الأسماء أعلى في الرتبة منها فالعالم و إن كان في مقام الخفض و رتبته رتبة الخفض فإنه بعضه لبعضه كأداة الخفض في اللسان لا يخفض المتكلم الكلمة إلا بها كذلك ما لا يفعله الحق من الأشياء إلا بوساطة الأشياء و لا يمكن غير ذلك فلا بد من حقيقته هذا أن ينزل إلى رتبة الخفض ليتصرف في أدوات الخفض بحسب ما هي عليه تلك الأدوات من الأحكام و هي كثيرة كأداة الباء على اختلاف مراتبها و هي في كل ذلك لا تعطي إلا الخفض فلها رتبة القسم و رتبة الاستعانة و رتبة التبعيض و التأكيد و النيابة مناب الغير و كذلك من و إلى و في و جميع أدوات الخفض لها صور في التجلي فتظهر بحكم واحد و عين واحدة في مراتب كثيرة فمن على كل حال حكمها الخفض و ذاتها معلومة فهي لا تتغير في الحكم و لا في العين و هي لابتداء الغاية خرجت من الدار و تكون للتبعيض أكلت من الرغيف و تكون للتبيين شربت من الماء فما تغير لها عين و لا حكم في الخفض ثم إنه إذا دخل بعضها على بعض صير المدخول عليه فيها اسما و زال عنه حكم الحرفية فيرجع خفضه بالإضافة كسائر الأسماء المضافة و أبقى عليه بناءه حتى لا يتغير عن صورته قال لشاعر من عن يمين الحبيا نظرة قبل أراد جهة اليمين فدخلت من على عن فصيرتها بمعنى الجهة و أخرجتها عن الحرفية فمعقول من عين عن و اليمين كما قلنا مضافة إلى عن و لم يظهر في عن عمل الخفض في الظاهر لأنها بالأصالة خافضة و الخافض لا يكون مخفوضا فهي هنا مخفوضة المعنى غير مخفوضة الصورة لما هي عليه من البناء مثل لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ و كذلك قول الشاعر و هو كثير في اللسان و هذا العمل في هذا الطريق إذا أثر المحدث في المحدث لم يزله أثره فيه عن أن يكون محدثا و الحدوث له بمنزلة البناء للحرف و الأثر فيه للمؤثر و لا مؤثر إلا الله فهذا خلق ظهر بصورة حق فانفعل المنفعل لصورة الحق لا للخلق فقد تلبس في الفعل الخلق بالحق في الإيجاد و تلبس الحق بالخلق في الصورة التي ظهر عنها الأثر في الشاهد كما ظهر عقلا عن الحق هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَ أَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ و الإشارة إلى الأسماء الإلهية هنا و إن كان المراد الزوجات تفسيرا

فإن قلت هذا الحق أظهرت غائباو إن قلت هذا الخلق أخفيته فيه
فلو لا وجود الحق ما بان كائنو لو لا وجود الخلق ما كنت تخفيه

فمن حضرة الخفض ظهر الحق في صورة الخلقفقال كنت سمعه و بصرهالحديث و قال تعالى فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و قال من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله كما قال فيه وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىإِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحىما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ فلو لا حكم النسب و تحقيق النسب ما كان للأسباب عين و لا ظهر عندها أثر و أنت تعلم أن استناد أكثر العالم إلى الأسباب فلو لا إن الله عندها ما استند مخلوق إليها فإنا لم نشاهد أثرا إلا منها و لا عقلناه إلا عندها فمن الناس من قال بها و لا بد و من الناس من قال عندها و لا بد و نحن و من شاهد ما شاهدنا نقول بالأمرين معا عندها عقلا و بها شهودا و حسا كما قدمنا في الاقتدار و القبول فذلك هو الأصل الذي يرجع إليه الأمر كله فاعبده و توكل عليه فهل طلب منك ما ليس لك فيه تعمل وَ ما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ فلا بد من حقيقة هنا تعطي الإضافة في العمل إليك مع كونه خلقا لله تعالى كما قال وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ أي و خلق ما تعملون و أهل الإشارة جعلوا هنا ما نافية فالعمل لك و الخلق لله فما أضاف إليه تعالى عين ما أضافه إليك إلا لتعلم إن الأمر الواحد له وجوه فمن حيث ما هو عمل أضافه إليك و يجازيك عليه و من حيث ما هو خلق هو لله تعالى و بين الخلق و العمل فرقان في المعنى و اللفظ فلا تحجب عن معرفة هذا فإنه لطيف خفي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الرفعة»

يرفع المؤمن المهيمن قوماآمنوا فوق غيرهم درجات
فتراهم بهم نفوسا سكارىداخلات في حكمه خارجات
و رأينا لديه فتيان صدقعاملوه بالصدق في فتيات
طاهرات من الخنا معلناتبشهادات حقه مؤمنات

يدعى صاحبها عبد الرفيع قال الله تعالى رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ فالرفعة له سبحانه بالذات و هي للعبد بالعرض و إنها على النقيض من حضرة الخفض في الحكم فإن الخفض للعبد بالأصالة و الرفعة للحق و اعلم أيدنا الله و إياك بِرُوحٍ مِنْهُ أن هذه الحضرة من حضرات السواء التي لها موقف السواء في المواقف التي بين كل مقامين يوقف في كل موقف منها العبد ليعرف بآداب المقام الذي ينتقل إليه و يشكر على ما كان منه من الآداب في المقام الذي انتقل عنه و إنما سمي موقف السواء أو حضرة السواء لقوله تعالى عن نفسه إنه رَفِيعُ الدَّرَجاتِ فجعل له درجات ظهر فيها لعباده و قال في عباده العلماء به يَرْفَعِ الله الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ يظهر فيها العلماء بالله ليراهم المؤمنون ثم إنه من حكم هذه الحضرة السوائية في رفع الدرجات التسخير بحسب الدرجة التي يكون فيها العبد أو الكائن فيها كان من كان فيقتضي له أي للكائن فيها إن يسخر له من هو في غيرها و يسخره أيضا من هو في درجة أخرى و قد تكون درجة المسخر اسم مفعول أعلى من درجة المسخر اسم فاعل و لكن في حال تسخير الأرفع بما سخره فيه شفاعة المحسن في المسيء إذا سأل المسيء الشفاعة فيه و في حديث النزول في الثلث الباقي من الليل غنية و كفاية وَ شِفاءٌ لِما في الصُّدُورِ لمن عقل و لما كانت الدرجة حاكمة اقتضى أن يكون الأرفع مسخرا اسم مفعول و تكون أبدا تلك الدرجة أنزل من درجة المسخر اسم فاعل و الحكم للأحوال كدرجة الملك في ذبه عن رعيته و قتاله عنهم و قيامه بمصالحهم و الدرجة تقتضي له ذلك و التسخير يعطيه النزول في الدرجة عن درجة المسخر له اسم مفعول قال الله عز و جل وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا فافهم ثم إنه أمر عباده و نهاهم كما أمر عباده أيضا أن يامروه و ينهوه فقال لهم قولوا اغفر لنا و ارحمنا في مثل الأمر و يسمى دعاء و رغبة و في مثل النهي لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به و أمر الله أن نقول أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذا عاهَدْتُمْ و النهي لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها لا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ و أمثال ذلك فنظرنا في السبب الذي أوجب هذا من الله أن يكون مأمورا منهيا على عزتهو جبروته و من العبد على ذله و افتقاره فوجدناه حكم الدرجات بما تقتضيه و الدرجة أيضا هي التي جعلت هذا الأمر و النهي في حق الله يسمى أمر أو نهيا و في حق العبد يسمى دعاء و رغبة فأقام الحق نفسه بصورة ما أقام فيه عباده بعضهم مع بعض و قوله رَفِيعُ الدَّرَجاتِ إنما ذلك على خلقه ثم أنزل نفسه معهم في القيام بمصالحهم و بما كسبوا قال تعالى أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلىكُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كما قال تعالى الرِّجالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ بِما فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلىبَعْضٍ لأنهن عائلته و قد ورد عن رسول الله ص أن الخلق عيال اللهفيقوم بهم لأن الخلق إلى الله يميلون و لهذا كانوا عائلة له فلما أنزل نفسه في هذه المنزلة فضلا منه و حقيقة فإنه لا يكون الأمر إلا هكذا نبه أنه منا و فينا كنحن منا و فينا

إنه منا و فينامثلنا منا و فينا
و بنا عرفت ربيهكذا جاء يقينا

قال الله تعالى وَ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ و علل بقوله لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا و من سألته فقد اتخذته موضعا لسؤالك فيما سألته فيه و قد أخبر عن نفسه بالإجابة فيما سأله لمن سأله على الشرط الذي قرره كما نجيبه نحن فيما سألنا أيضا على الشرط الذي تقضي به مراتبنا ثم إنه عز و جل لما كان عين أسمائه في مرتبة كون الاسم هو عين المسمى و من يقول في صفات الحق إنها لا هي هو و لا هي غيره و قد علمنا رفعة الدرجات في الأسماء بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ كانت ما كانت ليتخذ بعضهم بعضا بحسب مرتبته فنعلم إن درجة الحي أعظم الدرجات في الأسماء لأنه الشرط المصحح لوجود الأسماء و إن العلم من العالم أعم تعلقا و أعظم إحاطة من القادر و المريد لأن لمثل هؤلاء خصوص تعلق من متعلقات العالم فهم للعالم كالسدنة و لما كان العلم يتبع المعلوم علمنا إن العالم تحت تسخير المعلوم يتقلب بتقليبه و لا يظهر له عين في التعلق به إلا ما يعطيه المعلوم فرتبة المعلوم إذا حققتها علمت علو درجتها على سائر الدرجات أعني المعلومات و من المعلومات للحق نفس الحق و عينه و ما يجب له و يستحيل عليه و ما يجب لكل معلوم سوى الحق و ما يستحيل على ذلك المعلوم و ما يجوز عليه فلا يقوم فيه الحق إلا بما يعطيه المعلوم من ذاته و كذلك درجة السميع و البصير و الشكور و سائر الأسماء في التعلق الخاص و الرءوف و الرحيم و سائر الأسماء كلها تنزل عن الاسم العليم في الدرجة إلا المحيط فإنه ينزل عن العليم بدرجة واحدة فإنه لا يحيط إلا بمسمى الشيء و المحال معلوم و ليس بشيء إلا في وجود الخيال فهنالك له شيئية اقتضتها تلك الحضرة فهو محيط بالمحال إذا تخيله الوهم شيئا كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً و لكن في المرتبة الخارجة عن الخيال لا إحاطة له بالمحال مع كون المحال معلوما للعالم غير موصوف بالإحاطة و كذلك الحي لما كانت له درجة الشرطية كان له السببية في ظهور أعيان الأسماء الإلهية و آثارها و كذلك كل علة لا بد أن يكون لها حكم الحياة و حينئذ يكون عنها الأثر الوجودي و لا يشعر بذلك كل أحد من نظار العلماء من أولي الباب إلا أرباب الكشف الذين يعاينون سريان الحياة في جميع الموجودات كلها جوهرها و عرضها و يرون قيام المعنى بالمعنى حتى يقال فيه سواد مشرق و سواد كدر و من لا علم له يجعل الإشراق للمحل لا للسواد و ما عنده خبر فكذلك قيام الحياة بجميع الأعراض قيامها بأعيان الجواهر فما من شيء من عرض و جوهر و حامل و محمول إلا و هو يسبح بحمد الله و لا يسبح الله إلا حي عالم بمن يسبح و بما يسبح فيفصل بعلمه بين من ينبغي له التسبيح و بين من ينبغي له التشبيه في العين الواحدة من وجوه مختلفة و هو سبحانه يثني على نفسه و يسبح نفسه بنفسه كما قال فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و قال وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً و كل ذلك في معرض الثناء على نفسه لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ و من لم يعرف الله تعالى و العالم بمثل هذه المعرفة فما عنده علم بالله و لا بالعالم و لو لا ما هو الأمر كما قررناه ما قال رسول الله ص من عرف نفسه عرف ربهو أتى بالعامل الذي يتعدى إلى مفعول واحد و لم يقل علم و ذلك ليرفع الإشكال في الأحدية فقد بان لك يا وليي بما فصلناه و أومأنا إليه ما تقتضيه هذه الحضرة حضرة الرفع و التي قبلها حضرة الميزان الذي به يخفض الله و يرفع و لما كانت للحق الدرجة العليا قال إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ فإن الكلمة إذا خرجت تجسدت في صورة ما هي عليه من طيب و خبيث فالخبيث يبقى فيما تجسد فيه ما لهمن صعود و الطيب من الكلم إذا ظهرت صورته و تشكلت فإن كانت الكلمة الطيبة تقتضي عملا و عمل صاحبها ذلك العمل أنشأ الله من عمله براقا أي مركوبا لهذه الكلمة فيصعد به هذا العمل إلى الله صعود رفعة يتميز بها عن الكلم الخبيث كل ذلك يشهده أهل الله عيانا أو إيمانا فالخلق في كل نفس في تكوين فهم كل يوم في شأن لأنهم في نفس و هو هيولى صور التكوين فالحق في وجود الأنفاس شئونه و التصوير لما هو العبد عليه من الحال في وقت تنفسه فيعطيه الحق النفس الداخل هيولائي الذات فإذا استقر في القلب و أعطى أمانته من التبريد الذي جاء له تشكل و انفتحت في ذات ذلك النفس صورة ما في القلب من الخواطر فيزعجه السحر بعد فتح الصورة فيه على مدرجته خروج انزعاج لدخول غيره لأن السحر و هو الرئة له حفظ هذه النشأة فهو كالروبان بل هو كالحاجب الذي بيده الباب فإذا خرج فلا يخلو إما أن يتلفظ صاحب ذلك النفس بكلام أو لا يتلفظ فإن تلفظ تشكل ذلك الهواء بصورة ما تلفظ به من الحروف فيزيد في صورة ما اكتسبه من القلب و إن لم يتلفظ خرج بالصورة التي قبلها في القلب من الخاطر هكذا الأمر دائما دنيا و آخرة ففي الدنيا يتصور في خبيث و طيب و في الآخرة لا يتصور إلا طيبا لأن حضرة الآخرة تقتضي له الطيب فلا يزال يوجد طيبا بعد طيب حتى يكثر الطيبون فيغلبون على الخبيثين الذين أوردوا صاحبهم الشقاء فإذا كثروا عليهم غلبوهم فازالوا حكمهم فيه فهو المعبر عنه بما لهم إلى الرحمة في جهنم و إن كانوا من أهلها فمن حيث إنهم عمار لا غير فإن رحمة الله سبقت غضبه و الحكم لله و ما سوى الله فمجعول و آله العقائد مجعول فما عبد الله قط من حيث ما هو عليه و إنما عبد من حيث ما هو مجعول في نفس العابد فتفطن لهذا السر فإنه لطيف جدا به أقام الله عذر عباده في حق من قال فيهم وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ فاشترك الكل المنزه و غير المنزه في الجعل فكل صاحب عقد في الله فهو صاحب جعل فمن هنا تعرف من عبد و من عبد وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الإعزاز»

إن المعز الذي أعز جانبهكما أعز الذي في الله صاحبه
إذا أتى مستجير نحو حضرتهفي الحين أكرمه في الوقت عاتبه

يدعى صاحبها عبد المعز و هذه الحضرة تجعل العبد منيع الحمى و تعطيه الغلبة و القهر على من ناواه في مقامه بالدعوى الكاذبة التي لا صورة لها في الحق و هو الذي يعتز بإعزاز المخلوق فهو كالقياس في الأحكام المشروعة يضعف الحكم فيه عن حكم المنصوص عليه و لهذا أثبتته طائفة و نفته أخرى أعني القياس في الأحكام المشروعة و إنما جعله من جعله أصلا في الحكم لما قال الله تعالى وَ لِلَّهِ الْعِزَّةُ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ فما تفطنوا لذكر الله العزة لهؤلاء الموصوفين بالرسالة المضافة إليه تعالى و الايمان فما قال الناس فهؤلاء المذكورون لهم الإعزاز الإلهي و قد قلنا به و الذين أثبتوا القياس نظروا إلى أن الله ما أعز دينه إلا بهؤلاء فما عزوا إلا بالدين و لا أعز الله الدين إلا بهم فقد حصل للدين إعزاز بإعزاز مخلوق و هو الرسول و المؤمنون الذين لهم العزة بإعزاز الله فثبت للفرع ما ثبت للأصل فثبت القياس في الحكم فمن هذه الحضرة كان القياس أصلا رابعا و لما كان مثبوتا بالكتاب و السنة فبقيت الأصول في الأصل ثلاثة فصح التربيع في الأصول بوجه و التثليث بوجه كالمقدمتين اللتين ركبت كل مقدمة منهما من مفردين و هذه المفردات ثلاثة في التحقيق فصح التربيع و التثليث على الوجه الخاص و شرطه فكان الإنتاج و ليس إلا طهور الحكم و ثبوته في العين فهذا أعطاه الاجتهاد و لو كان خطأ فإن الله قد أقر حكمه على لسان رسوله و ما كلف الله نفسه إلا ما آتاها و ما آتاها إلا إثبات القياس أعني في بعض النفوس و الإعزاز من السلطان لحاشيته مقيس على إعزاز الله من أعزه من عباده و أما صورة الاعتزاز بالله فهو إن يظهر العبد بصورة الحق بأي وجه كان مما يعطي سعادة أو شقاوة لأن العزة إنما هي لله ففي أي صورة ظهرت كان لها المنع فظهورها في الشقي مثل قوله ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ أي المنيع الحمى في وقتكالكريم على أهلك و في قومك فما هي سخرية به فإنه كذلك كان و هي سخرية به لأنه خاطبه بذلك في حالة ذله و إباحة حماه و انتهاك حرمته فما ظهر معتز في العالم إلا بصورة الحق أي بصفته إلا إن الله ذمها في موطن و حمدها في موطن و ذلك الموطن المحمود أن يكون هو الذي يعطي ذلك على علم من العبد فهو صاحب اعتزاز في ذلك و من ليس له هذا المقام فهو ذو اعتزاز في غير ذل و إن أحس بالذل في نفسه لأنه مجبول على الذلة و الافتقار و الحاجة بالأصالة لا يقدر أن ينكر هذا من نفسه و لذلك قال الله بأنه يطبع عَلىكُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ فلا يدخله الكبرياء و الجبروت و إن ظهر بهما فإنه يعرف في قلبه أنه لا فرق بالأصالة بينه و بين من تكبر عليهم و نجبر و أعظم الاعتزاز من حمى نفسه من أن يقوم به وصف رباني و ليس إلا العبد المحض فإن ظهر بأمر الله فأمر الله أظهره فإعزاز الله عبده أن لا يقوم به من نعوت الحق في العموم نعت أصلا فهو منبع الحي من صفات ربه و إنما قلنا في العموم لأن صفات الحق في العموم ليست إلا ما يقتضي التنزيه خاصة المعبر عنها بالأسماء الحسنى و التي في الخصوص إن جميع الصفات كلها لله التي يقال إنها في العبد بحكم الأصالة و إن اتصف الحق بها و الأسماء الحسنى في الحق بحكم الأصالة و إن اتصف العبد بها و عند الخصوص كلها لله و إن اتصف العبد بها و متى لم يعتز العبد في حماه عن قيام الصفات الربانية به في العموم فما اعتز قط لأنه ما امتنع عنها و ذلك إذا حكمت فيه عن غير أمر الله كفرعون و كل جبار و من له هذه الصفة الحجابية و إن أخذها عن أمر الله و لكنه لما قام بها في الخلق و ظهر بها اعتز في نفسه على أمثاله فلحق بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا و هم ملوك الإسلام و سلاطينهم و أمراؤهم فيفتخرون بالرياسة على المرءوسين جهلا منهم و لذلك لا يكون أحد أذل منهم في نفوسهم و عند الناس إذا عزلوا عن هذه المرتبة و من كان في ولايته حاله مع الخلق حاله دون هذه الولاية ثم عزل لم يجد في نفسه أمر أ لم يكن عليه فبقي مشكورا عند الله و عند نفسه و عند المرءوسين الذين كانوا تحت حكم رياسته و هذا هو المعتز بالله بل العزيز الذي منع حماه أن يتصف بما ليس له إلا بحكم الجعلثم إن الله قد جعل في الوجود موطنا يكون فيه العبد المحقق القائم به صفة الحق في الخلافة معزا ربه إذا رأى اهتضام جانب الحق من القوم الذين قال الله فيهم وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ فيعزه العبد بحسن التعليم و التنزل باللفظ المحرر الرافع للشبه في قلوبهم حتى يعز الحق عندهم فيكون هذا العبد معزا للحق الذي في قلوب هؤلاء الذين ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ قبل ذلك فانتزحوا عن ذلك و عبدوا إلها له العزة و الكبرياء و التنزيه عما كانوا يصفونه به قبل هذا فهذا نصيبه و حظه من الاسم المعز فإنه حمى قلوب هؤلاء عن أن يتحكم فيهم ما لا يليق بالحق من سوء الاعتقاد و القول و قد ورد في القرآن من ذلك لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ و قولهم يَدُ الله مَغْلُولَةٌ و أمثال هذه الصفات

هو المعز و لكن ليس يدريهإلا الذي جل عن كيف و تشبيه
إن المعز الذي دلت دلائلهعلى تنزهه عن كل تنزيه
من العباد فإن الحق يكذبهبما يقول به في كل تنبيه

وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة الإذلال»

إن المذل هو المعز بعينهعند الدخول به و عند خروجه
فإذا أذل حبيبه أدناه منأكوانه عينا بعيد عروجه

يدعى صاحبها عبد المذل و هو الذليل و من هذه الحضرة خلق الله الخلق إلا أنه تعالى لما خلق الإنسان من جملة خلقه خلقه إماما و أعطاه الأسماء و أسجد له الملائكة و جعل له تعليم الملائكة ما جهلوه و لم يزل في شهود خالقه فلم تقم به عزة بل بقي على أصله من الذلة و الافتقار و لما حمل الأمانة عرضا و جرى ما جرى قال هو و زوجه إذ كانت جزءا منه رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا بما حملاه من الأمانة ثم إن بنيه اعتزوا لمكانة أبيهم من الله لما اجْتَباهُ رَبُّهُ ... وَ هَدىبه من هدى و رجع عليه بالصفة التي كان يعامله بها ابتداء من التقريب و الاعتناء الذي جعله خليفة عنه في خلقه و كمل به و فيه وجود العالم و حصل الصورتين ففاز بالسورتين أعني المنزلتين منزلة العزة بالسجود له و منزلة الذلة بعلمه بنفسه و جهل من جهل من بنيهما كان عليه أبوه من تحصيل المنزلتين و الظهور بالصفتين فراضهم الاسم المذل من حضرة الإذلال فأخرجهم عن الإدلال بالدال اليابسة و ذلك لمن اعتنى الله به من بنيه فأشهدهم عبوديتهم فتقربوا إليه بها و لا يصح أن يتقرب إلى الله إلا بها فإنها لهم ليس لله منها شيء كأبي يزيد و غيره إذ قال له ربه تقرب إلي بما ليس لي الذلة و الافتقار و قال في طرح العزة عنه و قد قال له يا رب كيف أتقرب إليك أو منك فقال له ربه يا أبا يزيد أترك نفسك و تعالى و النفس هنا ما هو عليه من العزة التي حصلت له من رتبة أبيه من خلقه على الصورة و لو علم من يجهل هذا أنه ما من شيء في العالم إلا و له حظ من الصورة الإلهية و العالم كله على الصورة الإلهية و ما فاز الإنسان الكامل إلا بالمجموع لا بكونه جزءا من العالم و منفعلا عن السموات و الأرض من حيث نشأته و مع هذا فهو على الصورة الإلهية كما أخبر رسول الله ص أن الله خلق آدم على صورتهو اختلف في ضميرها من صورته على من يعود و في رواية و إن ضعفت على صورة الرحمن و ما كملت الصورة من العالم إلا بوجود الإنسان فامتاز الإنسان الكامل عن العالم مع كونه من كمال الصورة للعالم الكبير بكونه على الصورة بانفراده من غير حاجة إلى العالم فلما امتاز سرى العز في أبنائه أي في بعض بنيه فراضهم الله بما شرع لهم فقال لهم إن كنتم اعتززتم بسجود الملائكة لأبيكم فقد أمرتكم بالسجود للكعبة فالكعبة أعز منكم إن كان عزكم للسجود فإنكم في أنفسكم أشرف من الملائكة التي سجدت لكم أي لأبيكم و أنتم مع دعواكم في هذا الشرف تسجدون للكعبة الجمادية و من عصى منكم عن السجود لها التحق بإبليس الذي عصى بترك سجوده لأبيكم فلم يثبت لكم العز بالسجود مع سجودكم للكعبة و تقبيلكم الحجر الأسود على أنه يمين الله محل البيعة الإلهية كما أخبرتكم و إن كنتم اعتززتم بالعلم لكون أبيكم علم الملائكة الأسماء كلها فإن جبريل ع من الملائكة و هو معلم أكابركم و هم الرسل صلوات الله عليهم و سلامه و النبي محمد ص يقول حين تدلى إليه ليلة إسرائه رفرف الدر و الياقوت فسجد جبريل ع عند ذلك و لم يسجد النبي ص و قال فعلمت فضل جبريل علي في العلم عند ذلكثم إنكم عن لمة الملك تتصرفون في مرضاة الله فهم الذين يدلونكم على طرق سعادتكم و التقرب فبأي شيء تعتزون على الملائكة فكونوا مثل أبيكم تسعدوا و ما ثم فضل إلا بالسجود و العلم و قد خرج من أيديكم و الذين لهم العزة من النبيين ليس إلا الرسل و المؤمنون فمن ارتاض برياضة الله فقد أفلح و سعد و اعلم أنا قد ذكرنا في غير موضع من هذا الكتاب أنه ما من حكم في العالم إلا و له مستند إلهي و نعت رباني فمنه ما يطلق و يقال و منه ما لا يجوز أن يقال و لا يطلق و إن تحقق و قد خلق الافتقار و الذلة في خلقه فمن أي حقيقة إلهية صدر و قد قال لأبي يزيد إنه ليس له الذلة و الافتقار و قد نبهتك على المستند الإلهي في ذلك بكون العلم تابعا للمعلوم و العلم صفة كمال و لا يحصل إلا من المعلوم فلو لم يكن إلا هذا القدر كما أنه ما ثم إلا هذا القدر لكفى ثم إني أزيدك بيانا مما تعطيه حقائق الأسماء الإلهية التي بها تعددت و كانت الكثرة فلو رفعت العالم من الذهن لا ارتفعت أسماء الإضافة التي تقتضي التنزيه و غيره بارتفاع العالم فما ثبت لها حكم إلا بالعالم فهي متوقفة عليه و من توقف عليه ظهور حكم من أحكامه فلا بد له أن يطلبه و لا يطلب إلا ما ليس بحاصل ثم إن التنزيه إذا غلب على العارف في هذه المسألة رأى إنه ما من جزء من العالم إلا و هو مرتبط باسم إلهي مع تقدم بعضه على بعض فما توقف اسم ما من الأسماء الإلهية في حكمه إلا على اسم ما إلهي من الأسماء يظهر في ذلك حكمه بالإيجاد أو بالزوال فما توقفت الأسماء الإلهية إلا على الأسماء الإلهية و ليست الأسماء إلا عين المسمى فمنه إليه كان الأمر هذا عقد المنزه و أما العالم فالذي ذكرناه من ارتفاع حكم الأسماء بارتفاع العالم ذهنا أو وجودا فقد علمت مستند الذلة و الافتقار و الإذلال فإنه لا يوجد الموجد إلا ما هو عليه أ لا ترى إلى الحكماء قد قالوا لا يوجد عن الواحد إلا واحد و العالم كثير فلا يوجد إلا عن كثير و ليست الكثرة إلا الأسماء الإلهية فهو واحد أحدية الكثرة الأحدية التي يطلبها العالم بذاته ثم إن الحكماء مع قولهم في الواحد الصادر عن الواحد لما رأوا منه صدور الكثرة عنه و قد قالوا فيه إنه واحد في صدوره اضطرهم إلى أن يعتبروا في هذا الواحد وجوها متعددة عنه بهذه الوجوه صدرت الكثرة فنسبة الوجوه لهذا الواحد الصادر نسبة الأسماء الإلهية إلى الله فليصدر عنه تعالى الكثرة كما صدر فينفس الأمر فكما أنه للكثرة أحدية تسمى أحدية الكثرة كذلك للواحد كثرة تسمى كثرة الواحد و هي ما ذكرناه فهو الواحد الكثير و الكثير الواحد و هذا أوضح ما يذكر في هذه المسألة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة السمع»

أسمع الحق يا أخي نداكاإنه سامع عليم بذاكا
لو جفوت الجناب يوما بأمرلم تجده يوما له قد جفاك

يدعى صاحب هذه الحضرة عبد السميع لأنه مسموع فيتضمن الكلام لأنه مسموع و كذا الأصوات فهذه الحضرة تتعلق بحضرة النفس و هو العماء و قد تقدم له باب يخصه كبير مبسوط إلا أني أومي إلى نبذ من هذه الحضرة مما لم نذكره في باب النفس يطلب السمع في حضرته و ليس إلا تلاوة الكتب الإلهية تلاها من تلاها على جهة التوصيل فلا بد لحكم هذه الحضرة فيها و ليس إلا السمع لَقَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ الله فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِياءُ و قال إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ و قال كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً و قال وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ من هذه الحضرة سمع كل سامع غير إن الموصوفين بأنهم يسمعون مختلفون في القبول فمنهم سامع يكون على استعداد يكون معه الفهم عند سماعه بما أريد له ذلك المسموع و لا يكون ذلك إلا لمن كان الحق سمعه خاصة و هو الذي أوتي جميع الأسماء و جوامع الكلم و كل من ادعى هذا المقام من العطاء أعني الأسماء و جوامع الكلم و سمع و لم يكن عين سمعه عين فهمه فدعواه لا تصح و هو الذي له نصيب في قوله تعالى وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ و السماع المطلق الذي لكل سامع إنما هو للذي لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً و قد لا يعلم من نودي فذلك هو الأصم لأن لكل صورة روحا و روح السماع الفهم الذي جاء له المسموع قال تعالى صُمٌّ و إن كانوا يسمعون بُكْمٌ و إن كانوا يتكلمون عُمْيٌ و إن كانوا يبصرون فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ لما سمعوا و لا يرجعون في الاعتبار إلى ما أبصروا و لا في الكلام إلى الميزان الذي به خوطبوا مثل قوله تعالى أَنْ تَقُولُوا عَلَى الله ما لا تَعْلَمُونَ و أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ و تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و أصحاب هذه الصفات أيضا كما لا يرجعون فإن الحق قد أخبر عنهم في منزلة واحدة إنهم لا يعقلون من العقال أي لا يتقيدون بما أريد له ذلك المسموع و لا المبصر و لا المتكلم به من الذي تكلم فإن الله عند لسان كل قائل يعني سميعا يقيده بما سمع منه فلا يتخيل قائل إن الله أهمله و إن أمهله ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يحصي عليه ألفاظه التي يرمي بها لا يترك منها شيئا حتى يوقفه عليها إما في الدنيا إن كان من أهل طريقنا و إما في الآخرة في الموقف العام الذي لا بد منه و كل صوت و كلام من كل متكلم و صامت إذا أسمعه الحق تعالى من أسمعه فإنما أسمعه ليفهمه فيكون بحيث ما قيل له و نودي به و أقله النداء و أقل ما يتعلق بالنداء الإجابة و هو أن يقول لبيك فيهيئ محله لفهم ما يقال له أو يدعى إليه بعد النداء كان ما كان فإذا كان الحق السميع نداء العبد نادى العبد من نادى أما الحق و أما كونا من الأكوان فإن الله يسمع ذلك كله لأنه ما يَكُونُ من نَجْوىثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنىمن ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ يسمع ما يتناجون به و لذلك قال لهم فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ و تَناجَوْا بِالْبِرِّ وَ التَّقْوىوَ اتَّقُوا الله فإنه مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فيما تتناجون به فإنكم إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ و إن كان معهم فكنى بالحشر إذا فتح الله بإزالة الغطاء عن أعينهم فيرون عند ذلك من هو معهم فيما يتناجون به فيما بينهم فعبر عنه بالحشر للسؤال عما كانوا فيه و أما ذكره تعالى بأنه يشفع فرديتهم و يثني أحديتهم في قوله وَ لا أَدْنىمن ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ فهل يريد به أيضا أفراد شفعيتهم كما شفع وتريتهم أو لا يكون أبدا إلا مشفعا فرديتهم خاصة كما نص عليهفاعلم وفقك الله أن الله ما خلق شيئا إلا في مقام أحديته التي بها يتميز عن غيره فبالشفعية التي في كل شيء يقع الاشتراك بين الأشياء و بأحدية كل شيء يتميز كل شيء عن شيئية غيره و ليس المعتبر في كل شيء إلا ما يتميز به و حينئذ يسمى شيئا فلو أراد الشفعية لما كان شيئا و إنما يكون شيئين و هو إنما قال إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ و لم يقل لشيئين فإذا كان الأمر على ما قررناه ثم جاء الحق لكل شيء بصورته التي خلقه الله عليها فقد شفع ذلك الشيء كما يشفع الرئي صورته برؤيتهفي المرآة نفسه فيحكم بالصورتين صورته و صورة ما شفعها فلذلك ما أتى الحق في الإخبار عن كينونته معنا إلا مشفعا لفرديتنا فجعل نفسه رابعا و سادسا و أدنى من ذلك و هو أن يكون ثانيا و أكثر و هو ما فوق الستة من العدد الزوج أعلاما منه تعالى أنه على صورة العالم أو العالم على صورته و ما ذكر في هذه الكينونة إلا كونه سميعا من كون من هو معهم يتناجون لا من كونهم غير متناجين فإذا سمعت الحق يقول أمرا ما فما يريد الأعيان و إنما يريد ما هم فيه من الأحوال إما قولا و إما غير قول من بقية الأعمال إذ لا فائدة في قصد الأعيان لعينهم و إنما الفائدة إحصاء ما يكون من هذه الأعيان من الأحوال فعنها يسألون و بها يطلبون فيقال له ما أردت بهذه الكلمة و لذلك ورد في الخبر الصحيح أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب بها في عليين و إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما لا يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب بها في سجين فاعلم عباده أن للمتكلم مراتب يعلمها السامع إذا رمى بها العبد من فمه لم تقع إلا في مرتبتها و إن المتلفظ بها يتبعها في عاقبة الأمر ليقرأ كتابه حيث كان ذلك الكتاب فعبد السميع هو الذي يتحفظ في نطقه لعلمه بمن يسمعه و علمه بمراتب القول فإن من القول ما هو هجر و منه ما هو حسن و إذا كان هو السامع فينظر في خطاب الحق إياه أما في الخطاب العام و هو كل كلام يدركه سمعه من كل متكلم في العالم فيجعل نفسه المخاطب بذلك الكلام و يبرز له سمعا من ذاته يسمعه به فيعمل بمقتضاه و هذا من صفات الكمل من الرجال و دون هذه المرتبة من لا يسمع كلام الحق إلا من خبر إلهي على لسان الرسول أو من كتاب منزل و صحيفة أو من رؤيا يرى الحق فيها يخاطبه فأي الرجلين كان فلا بد أن يهيئ ذاته للعمل بمقتضى ما سمع من الحق كما فعل الحق معه فيما يتكلم به العبد في نجواه نفسه أو غيره فإن الإنسان قد يحدث نفسه كما قال أو ما حدثت به أنفسها و هو تنبيه إن المتكلم إذا لم يكن ثم من يسمعه لا يلزم من ذلك أنه لا يتكلم فأخبر إن نفسه تسمع و هو متكلم فيحدث نفسه فيما هو متكلم يقول و بما هو ذو سمع يسمع ما يقول فعلمنا إن الحق و لا عالم يكلم نفسه و كل من كلم غيره فقد كلم نفسه و ليس في كلام الشيء نفسه صمم أصلا فإنه لا يكلم نفسه إلا بما يفهمه منها بخلاف كلام الغير إياه فلا يقال فيمن يكلم نفسه أنه ما يفهم كلامه كيف لا يفهمه و هو مقصود له دون قول آخر فما عينه حتى علمه و ما له تعيين كلام غيره و كذلك قد يكون ذا صمم عنه إذا لم يفهمه لأنه لا فرق بين الصمم الذي لا يسمع كلام المخاطب و بين من يسمع و لا يفهم أو لا يجيب إذا اقتضى الإجابة و لهذا قال الله فيهم إنهم صُمٌّ ف لا يَعْقِلُونَ و من عقل فالمطلوب منه فيما أسمعه أن يرجع فلا يرجع فمن تحقق بهذه الحضرة و علم إن كلامه من عمله و إن الله عند لسانه في قوله قل كلامه حتى في نفسه به وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«حضرة البصر»

إن البصير الذي يراكاعلما و عينا إذا تراه
فكن به لا تكن بكونو لا تشاهد فيه سواه
فإنه قوله مجيبابنا يرانا به نراه

يدعى صاحبها عبد البصير و من هذه الحضرة الرؤية و المشاهدة فلا بد من مبصر و مشهود و مرئي قال الله تعالى لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ و قال أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرىو قال وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلىرَبِّها ناظِرَةٌ و قال ص ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر و كما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحابيريد بذلك ارتفاع الشك في أنه هو المرئي تعالى لا غيره فيلزم عبد البصير الحياء من الله في جميع حركاته و إنما لزمه الحياء لوجود التكليف فعبد البصير لا يبرح ميزان الشرع من يده يزن به الحركات قبل وقوعها فإن كانت مرضية عند الله و دخلت في ميزان الرضي اتصف بها هذا الشخص و إن لم تدخل له في ميزان الرضي و حكم عليها الميزان بأنها حركة بعد عن محل السعادة و إنها سوء أدب مع الله حمى نفسه عبد البصير أن يظهر منه هذه الحركة فعبد البصير يخفض الميزان و يرفعه صفة حق فإن الله ما وضع الميزان إلا ليوزن به و هو مما بين السماء و الأرض فما خلقه باطلاو لا عبثا و لا يستعمله إلا عبد السميع و عبد البصير بل له دخول في كل اسم إلهي لكل عبد مضاف إلى ذلك الاسم مثل عبد الرءوف فإنه يرأف بعباد الله و جاء الميزان في إقامة الحدود فأزال حكم الرأفة من المؤمن فإن رأف في إقامة الحد فليس بمؤمن و لا استعمل الميزان و كان من الذين يخسرون الميزان فيتوجه عليه بهذه الرأفة اللؤم حيث عدل بها عن ميزانها فإن الله يقول وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ الله و هو الرءوف تعالى و مع علمنا بأنه الرءوف شرع الحدود و أمر بإقامتها و عذب قوما بأنواع العذاب الأدنى و الأكبر فعلمنا إن للرأفة موطنا لا نتعداه و أن الله يحكم بها حيث يكون وزنها فإن الله ينزل كل شيء منزلته و لا يتعدى به حقيقته كما هو في نفسه فإن الذي يتعدى حدود الله هو المتعدي لا الحدود فإن الحدود لا تتعدى محدودها فيتجاوزها هذا المخذول و يقف عندها العبد المعتنى به المنصور على عدوه فعبد البصير إما أن يعبد الله كأنه يراه و هذه عبادة المشبهة و إما أن يعبد الله لعلمه بأن الله يراه فهذه عبادة المنزهة و إما أن يعبد الله بالله فهذه عبادة العلماء بالله فيقولون بالتنزيه و يشهدون التشبيه لا يؤمنون به فإنه ليس عندهم ذلك خبرا و إنما هو عيان و الايمان بابه الخبر فالمحجوب يؤمن بقول المخبر و صاحب الشهود يرى صدق المحبر فكثير ما بين يرى و يؤمن فإن صاحب الرؤية لا يرجع بالنسخ إلا رجوع الناسخ و صاحب الايمان يرجع بالنسخ و يعتقد في المرجوع عنه أنه كفر بعد الرجوع عنه و إن كان مؤمنا به و لكن يؤمن به إنه كان لا يؤمن به إنه كائن لأنه منسوخ فإذا علم الله من العبد أنه يعلم أنه يراه يمهله فيما يجب بفعله المؤاخذة لأنه علم أنه يعلم أنه يراه فيتربص به ليرجع لأنه تحت سلطان علمه و إن انحجب عن استعماله في الوقت لجريان القدر عليه بالمقدور الذي لا كينونة له إلا فيه و إن الله يستحيي من عبده فيما لا يستحيي العبد فيه و ذلك إذا علم من العبد أنه يعلم ممن الله أن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ فيقول الحق ما أعلمته بذلك و رزقته الايمان به إن كان من المؤمنين أو أشهدته ذلك إن كان من أهل الشهود إلا ليكون له ذلك مستندا يستند إليه في إقامة الحجة فكون العبد قد أشهد ذلك أو آمن به و لم يحتج به فما منعه من ذلك إلا الحياء فيما لم يستحيي فيه فإن الله يستحيي منه أن يؤاخذه بعلمه الذي ما استحيى منه فيهو اعلم أن هذه الحضرة أعطت أن يكون للعبد عينان و للحق أعين فقيل في المخلوق أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ و قال تعالى عن نفسه تَجْرِي بِأَعْيُنِنا فمن عينيه كان ذا بصر و بصيرة و من أعينه كانت أعين الخلق عينه فهم لا يبصرون إلا به و إن لم يعلموا ذلك و العالمون الذين يعلمون ذلك يعطيهم الأدب أن يغضوا أبصارهم فيتصفوا بالنقص فإن الغض نقص من الإدراك و قوله أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرىإرسال مطلق في الرؤية لا غض فيه فإن لم يغضوا مع علمهم فيعلم عند ذلك أنهم مع شهود المقدور الذي لا بد من كونه فهم يرونه كما يراه الله من حيث وقوعه لا من حيث الحكم عليه بأنه كذا هكذا يراه العلماء بالله فيأتون به على بصيرة و بينة في وقته و على صورته و يرتفع عنهم الحكم فيه فإنه من الشهود الأخروي الذي فوق الميزان و لذلك لا يقدح فيهم لأنه خارج عن الوزن في هذا الموطن و هو قوله في حق رسول الله ص عَفَا الله عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ و لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فهو سؤال عن العلة لا سؤال توبيخ لأن العفو تقدمه و قوله حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ إنما هو استفهام مثل قوله أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ كأنه يقول أ فعلت ذلك حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا فهو عند ذلك إما أن يقول نعم أو لا فإن العفو و لا سيما إذا تقدم و التوبيخ لا يجتمعان لأنه من وبخ فما عفا مطلقا فإن التوبيخ مؤاخذة و هو قد عفا و لما كان هذا اللفظ قد يفهم منه في اللسان التوبيخ لهذا جاء بالعفو ابتداء ليتنبه العالم بالله أنه ما أراد التوبيخ الذي يظنه من لا علم له بالحقائق و قال في هذه المرتبة في حق المؤمن العالماعمل ما شئت فقد غفرت لكأي أزلت عنك خطاب التحجير يا محمد فاسترسل مطلقا فإن الله لا يبيح الفحشاء و هي محكوم عليها فحشاء تلك الأعمال فزال الحكم و بقي عين العمل فما هو ذنب يستر عن عقوبته و إنما الستر الواقع إنما هو بين هذا العمل و بين الحكم عليه بأنه محجور خاصة هذا معنى قد غفرت لك لا ما يفهمه من لا علم له فيمشي هذا الشخص في الدنيا و لا خطيئة عليه بل قد عجل الله له جنته في الدنيا فهو في حياته الدنيا كالمقتول في سبيل اللهنسمته تعلق من ثمر الجنة كذلك هذا الشخص و إن أقيمت عليه الحدود فلجهل الحاكم هذا المقام الذي هو فيه فإقامة الحدود على من هذا مقامه ما هي حدود و إنما هي من جملة الابتلاءات التي يبتلي الله بها عبده في هذه الدار الدنيا كالأمراض و ما لا يشتهي أن تصيبه في عرضه و ماله و بدنه فيصيبه و هو مأجور في ذلك لأنه ما ثم ذنب فيكفر و إنما هو تضعيف أجور فما هي حدود في نفس الأمر و إن كانت عند الحاكم حدود أو تظهر رائحة من هذا في علماء الرسوم المجتهدين فإن الحاكم إذا كان شافعيا و جيء إليه بحنفي قد شرب النبيذ الذي يقول بأنه حلال فإن الحاكم من حيث ما هو حاكم و حكم بالتحريم في النبيذ يقيم عليه الحد و من حيث إن ذلك الشارب حنفي و قد شرب ما هو حلال له شربه في علمه لا تسقط عدالته فلم يؤثر في عدالته و أما أنا لو كنت حاكما ما حددت حنفيا على شرب النبيذ ما لم يسكر فإن سكر حددته لكونه سكران من النبيذ فالحنفي مأجور ما عليه إثم في شربه النبيذ و في ضرب الحاكم له و ما هو في حقه إقامة حد عليه و إنما هو أمر ابتلاه الله به على يد هذا الحاكم الذي هو الشافعي كالذي غصب ماله غير إن الحاكم هنا أيضا غير مأثوم لأنه فعل ما أوجبه عليه دليله أن يفعله فكلاهما غير مأثوم عند الله و هذا عين ما ذكرناه في إقامة الحدود على الذين أبيح لهم فعل ما أقيم عليه فيه الحد و هو حد في نفس الأمر بالنظر إلى من أقامه فاعلم ذلك و هذه الحضرة واسعة الميدان يتسع فيها المجال فاكتفينا بهذا القدر من التنبيه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و هو حسبي عز و جل وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ