«حضرة الحكم»
يدعى صاحبها عبد الحكم قال تعالى فَابْعَثُوا حَكَماً من أَهْلِهِ وَ حَكَماً من أَهْلِها و قال ص في عيسى ع إنه ينزل فينا حكما مقسطا الحديث كما ورد فالحكم هو القاضي في الأمور إما بحسب أوضاعها و إما بحسب أعيانها فيحكم على الأشياء بحدودها فهي الحكم على نفسها لأنه ما حكم عليها إلا بها و لو حكم بغير ما هي عليه لكان حكم جور و كان قاسطا لا مقسطا و الحكم هو القضاء المحكوم به على المحكوم عليه بما هو المحكوم فيه و أعجب ما في هذه الحضرة نصب الحكمين في النازلة الواحدة و هما من وجه كالكتاب و السنة فقد يتفقان في الحكم و قد يختلفان فإن علم التأريخ كان نسخا و إن جهل التأريخ ما أن يسقطا معا و أما أن يعمل بهما على التخيير فأي شيء عمل من ذلك كان كالمسح في الوضوء للرجلين و كالغسل فأي الأمرين وقع فقد أدى المكلف واجبا على إن في المسألة الخلاف المشهور و لكن عدلنا إلى مذهبنا فيه خاصة فذكرناه و مرتبة الحكم أن يحكم للشيء و على الشيء و هذه حضرة القضاء من وقف على حقيقتها شهودا علم سر القدر و هو أنه ما حكم على الأشياء إلا بالأشياء فما جاءها شيء من خارج و قد ورد أعمالكم ترد عليكمو في الحدود الذاتية برهان ما نبهنا عليه في هذه الحضرة الحكمية اعلم أن حقيقة هذه الحضرة من أعجب ما يكون من المعلومات فإنها مماثلة لحضرة العلم و ذلك أنها عين المحكوم به الذي هو ما هو المحكوم عليه أو له فالحكم ما أعطى أمرا من عنده لمن حكم له أو عليه إذا كان عدلا مقسطا و أما إذا كان جائرا قاسطا و إن كان حكما فما هو من هذه الحضرة و هو منها بالاشتراك اللفظي و إمضاء ما حكم به و أما قول الله مخبرا و آمرا قالَ و قل كلاهما رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ هو الحكم الذي لا يكون حقا إلا بك و متى لم يكن الحكم بالمحكوم له أو عليه فليس حقا فالمخلوق أو المحكوم عليه جعل الحاكم حكما كما إن المعلوم جعل العالم عالما أو ذا علم لأنه تبع له و ليس القادر كذلك و لا المريد فإن الأثر للقادر في المقدور و لا أثر للعلم في المعلوم و لا للحكم في المحكوم عليه و الحكم أخو العليم فإنه حاكم على كل معلوم بما هو ذلك المعلوم عليه في ذاته و قوله في جزاء الصيد يَحْكُمُ به ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فيه رائحة إن الجائر في الحكم يسمى حكما شرعا إلا إن الحاكم لما شرع له أن يحكم بغلبة ظنه و ليس علما فقد يصادف الحق في الحكم و قد لا يصادف و ليس بمذموم شرعا و يسمى حكما و إن لم يصادف الحق و يمضي حكمه عند الله و في المحكوم عليه و له فهنا ينفصل من العليم و يتميز لأنه ليس هنا تابعللمحكوم عليه مع كونه حكما و لا هو جائر فإنه حكم بما شرع له من إقامة الشهود أو الإقرار الذي ليس بحق فكان اللفظ من الشاهد و اللفظ بالإقرار من المقر أوجب له الحكم و إن كان قول زور أو شهادة زور و إنما قلنا فيه إنه أخو العليم لكونه في نفس الأمر ما يكون حكما حقيقة إلا يجعل المحكوم له أو عليه هذا هو التحقيق و الأخوة هنا قد تكون أخوة الشقائق و قد تكون أخوة الصفة كأخوة الايمان و غير الايمان و قد تكون أخوة من الأب الواحد دون الآخر و قد تكون من الرضاعة فلذلك قلنا إنه أخو العليم و ما بينا مراتب الأخوة فأحقها أخوة الايمان فإن بها يقع التوارث و هي أخوة الصفة كذلك الحكم ما حكم الحاكم على المحكوم عليه إلا لصفة لا لعينه و من شرط الحكم أن يكون عالما بالحكم لا بالمحكوم عليه و له و إنما شرطه العلم بصفة ما يظهر من حال المحكوم عليه و له بما ذكرناه من شهود صدقوا أو كذبوا أو من إقرار صدق أو كذب فهو تابع أبدا فيكون عالما بالحكم لا بد من ذلك الذي يوجبه و يعينه ما قررناه و الحق فيه مصادفة و هو موضع الإجماع مع كونه بهذه المثابة و الخلاف في حكم الحاكم بعلمه دون إقرار و لا شهادة هل يجوز أو لا يجوز و قد بينا مذهبنا في هذه المسألة في هذا الكتاب في حكم الحاكم بعلمه أين ينبغي أن يحكم و أين ينبغي أن لا يحكم بعلمه فإنها من أشكل المسائل و على كل حال فهي حضرة مبهمة حكم حكمها الأشاعرة في الصفات الإلهية بقولهم لا هي هو و لا هي غيره مع قولهم بأنها زائدة بالعين على الذات وجودية لا نسبية و غير الأشعري لا يقول بهذا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة العدل»
يدعى صاحبها عبد العدل و هو ميل إلى أحد الجانبين الذي يطلبه الحكم الصحيح التابع للمحكوم عليه و له أو للإقرار أو الشهود و غير ذلك لا يكون عدلا في الحكم و من هذه الحضرة العجيبة خلق الله العالم على صورته و من هنا كان عدلا لأنه تعالى عدل من حضرة الوجوب الذاتي إلى الوجوب بالغير أو إلى حضرة الإمكان كيف شئت فقل و عدل أيضا بالممكنات من حضرة ثبوتها إلى وجودها فأوجدهم بعد أن لم يكونوا بكونه جعلهم مظاهر و بكونه كان مجلى لظهور أحكامهم و من هذه الحضرة عدوله من شأن يجوزه العقل في حق الممكن إلى شأن آخر يجوزه أيضا العقل و العدول لا بد منه فلا يعقل في الوجود إلا العدل فإنه ما ظهر الوجود إلا بالميل و هو العدل فما في الكون إلا عدل حيث فرضته و بالعدل ظهرت الأمثال و سمي المثل عدلا قال الله تعالى أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً و الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و هنا له وجوه في العدل منها عدولهم إلى القول بأن له أمثالا و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و منها إنهم بربهم عدلوا لأنه لا حول و لا قوة إلا بالله و منها أن الباء هنا بمعنى اللام فلربهم عدلوا لكون من عدلوا إليه إنما عدلوا إليه لكونه عندهم إلها فما عدلوا إلا لله كقوله ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ أي للحق كذلك بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و لما قال الله عز و جل في هذه الآية الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ الظُّلُماتِ وَ النُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ جعلوا له أمثالا فخاطب المانية الذين يقولون إن الإله الذي خلق الظلمة ما هو الإله الذي خلق النور فعدلوا بالواحد آخر و كذلك الذين يقولون بخلق السموات و الأرض إنها معلولة لعلة ليست علته الإله أي ليست العلة الأولى لأن تلك العلة عندهم إنما صدر عنها أمر واحد لحقيقة أحديتها و ليس إلا العقل الأول فهؤلاء أيضا ممن قيل فيهم إنهم بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ و سماهم كفارا لأنهم إما ستروا أو منهم من ستر عقله عن التصرف فيما ينبغي له بالنظر الصحيح في إثبات الحق و الأمر في نفسه على ما هو عليه فاقتصر على ما بدا له و لم يوف الأمر حقه في النظر و أما إن علم و جحد فستر عن الغير ما هو الأمر عليه في نفسه لمنفعة تحصل له من رياسة أو مال فلهذا قيل فيهم إنهم كفروا أي ستروا فإن الله حكيم يضع الخطاب موضعه و العدل هو الرب تعالى و الرب عَلىصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ صِراطِ الله الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ و العدل الميل فالميل عين الاستقامةفيما لا تكون استقامته إلا عين الميل فإن الحكم العدل لا يحكم إلا بين اثنين فلا بد أن يميل بالحكم مع صاحب الحق و إذا مال إلى واحد مال عن الآخر ضرورة فليست الاستقامة ما يتوهمه الناس فأغصان الأشجار و إن تداخل بعضها على بعض فهي كلها مستقيمة في عين ذلك العدول و الميل لأنها مشت بحكم المادة على مجراها الطبيعي و كذلك الأسماء الإلهية يدخل بعضها على بعض بالمنع و العطاء و الإعزاز و الإذلال و الإضلال و الهداية فهو المانع المعطي المعز المذل المضل الهادي فمن يهد الله فلا مضل له و من يضلل فلا هادي له و كلها نسب حقيقية ما ترى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً
أن هذا هو السر الذي أخفاه الله عمن شاء من عباده قد ظهر في حكم افتقارنا في غناه فأظهره الله لمن شاء أيضا فتأمل هذا الغني و هذا الفقر و انظر بنور بصيرتك في هذا الوجود و الفقد و قل لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ
يقول رسول الله ص يقول الله تبارك و تعالى اليوم يعني يوم القيامة أضع نسبكم و أرفع نسبي أين المتقون
قال الله تعالى مخبرا عباده إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ الله أَتْقاكُمْ و يقول الله تعالى فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَ لا يَتَساءَلُونَ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة اللطف»
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد اللطيف و ما لطفه و أخفاه عن الإدراك إلا شدة ظهوره فلما لم تقع عين إلا عليه و لا نظرت إلا به فإنه البصر لكل عين تبصر فما الفائدة إلا لمن يشهد ذلك و يعرفه ذوقا و مشاهدة فإن التقليد في ذلك ما يقع موقع الشهود فإنه ما ثم إلا هو لم يتميز عن غير لأنه لم يكن غير فيمتاز عنه فعمن خفي و ما ثم غير
من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللهفانظر إلى سريان هذا اللطف الإلهي ما أعجبه و حكمه الظاهر في هذه الكثافة كيف أبان أن طاعة رسوله ص طاعته إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله و الحجر الأسود يمين الله للبيعة و جعله في الحجر حتى لا يقع في ذلك دعوى فهي بيعة خالصة مخلصة فمن بايعه بايع الله فانظر إلى ما يشهده البصر و انظر إلى ما يشهده الايمان فمن نظر بعين الايمان رأى قوة نفوذه في الكثيف حتى سرى إلى اللطيف الخبير فيحصل له المعرفة بالأمر على ما هو عليه فاذن عين اللطيف الذي سار إليه عين الكثيف الذي سار منه يبين ذلك في الحدود مثاله الجوهر قائم بنفسه ظاهر شخصه من أعيان غير ظاهرة هي مجموعة و ليست سوى عينه و ما لها وجودا لا عينه فمن الجوهر و من الصفات النفيسة له فالأمر هكذا في هذه الحضرة فهو حق و عين ما هو حق إذا ظهر كان خلقا و لا يصح حكم لحضرة اللطف إلا بوجود الخلق البخار يصعد لا يدركه البصر للطفه و رقته فينضم بعضه إلى بعضه و يتراكم فيظهر غماما أنشأه الحق فظهر و هو من شيء لا يظهر فأعطاه هذا المزاج الخاص حكما لم يكن له قبل ذلك و أعطاه اسما و ظهر عنه أثر في الجو لم يكن له شيء من هذا كله قبل ذلك فأمطر و أحيى و أضحك الأرض بالنبات و أروى و هو ما عمل شيئا إلا بذلك السر اللطيف الذي نشأت منه صورته و في قبض الظل و مده من اللطف ما إذا فكر فيه الإنسان رأى عظيم أمر و لهذا نصبه الله دليلا على معرفته فقال أَ لَمْ تَرَ إِلىرَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ فلا يدرك البصر عين امتداده حالا بعد حال فإنه لا يشهد له حركة مع شهود انتقاله فهو عنده متحرك لا متحرك و كذلك في فيئه و هو قوله ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً فمنه خرج فإنه لا ينقبض إلا إلى ما منه خرج كذلك تشهده العين و قد قال تعالى و هو الصادق إنه قبضه إليه فعلمنا إن عين ما خرج منه هو الحق ظهر بصورة خلق فيه ظل يبرزه إذا شاء و يقبضه إذا شاء لكن جعل الشمس عليه دليلا و لم يتعرض لتمام الدلالة و هو كثافة الجسم الخارج الممتد عنه الظل فبالمجموع كان امتداد الظل فهذا شمس و هذا جدار و هذا ظل و هذا حكم امتداد و قبض بفيء و رجوع إلى ما منه بدأ فإليه عاد و العين واحدة فهل يكون شيء ألطف من هذا فالأبصار و إن لم تدركه فما أدركت إلا هو فإنه ما أحالنا إلا على مشهود بقوله أَ لَمْ تَرَ إِلىرَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ و ما مده إلا بشمس و ذات كثيفة تحجب وصول نور الشمس إلى ما امتد عليه ظل هذه الذات و جهة خاصة ثم قبضه كذلك فهذه كيفية ما خاطبنا بها أن ننظر إليها و ما قال فيها فكنا نصرف النظر تألقا إلى الفكر و لكن بأداة إلى أراد شهود البصر و إن كانت الأدوات يدخل بعضها في مكان بعض و لكن لا يعرف ذلك إلا بقرائن الأحوال و هيإذا استحال أن يكون حكم هذه الأداة بالوضع في هذا الموضع علمنا أنها بدل و عوض من أداة ما يستحقه ذلك الوضع و هذا معلوم في اللسان و بهذا اللسان أنزل القرآن كما قال ص إنما أنزل القرآن بلساني لسان عربي مبين
و قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فلا بد أن يجري به على ما تواطئوا عليه في لحنهم فاعلم ذلك فتأمل فيما أوردناه في نظمنا هذا الذي أذكره
و هذه حضرة نلت منها في خلقي الحظ الوافر بحيث إني لم أجد أحدا فيمن رأيت وضع قدمه فيها حيث وضعت لا إن كان و ما رأيته لكني أقول أو أكاد أقول إنه إن كان ثم فغايته أن يكون معي في درجتي فيها و أما أن يكون أتم فما أظن و لا أقطع على الله تعالى فإسراره لا تحد و عطاياه لا تعد و قد بينا في الأحوال من هذا الكتاب في باب اللطيفة ما يقتضيه هذا الاسم الإلهي في أهل الله و ما يطلبه بالوضع في اللسان وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة الخبرة و الاختبار و هي حضرة الابتلاء بالنعم و النقم»
يدعى صاحبها عبد الخبير قال تعالى فاسأل به خبيرا و هو كل علم حصل بعد الابتلاء قال تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ و قال وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ و قال لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا بخلقه الموت و الحياة و هذا لإقامة الحجة فإنه يعلم ما يكون قبل كونه لأنه علمه في ثبوته أزلا و أنه لا يقع في الكون إلا كما ثبت في العين و ما كل أحد في العلم الإلهي له هذا الذوق فتعلق علم الخبرة تعلق خاص و أصل الابتلاء الدعوى كانت ممن كانت فمن لا دعوى له لا يبتلى و ما ثم إلا من له دعوى و التكليف ابتلاء فأصله عن دعوى و قد عم من يدعي و من لا يدعي أي من لا دعوى له عامة فلا يبالي من لا دعوى له فإنه يحشر مع من لا دعوى له أصلا و ما هو ثم أعني في الوجود و لا تكليف عليه كالمغصوب على نفسه يجازى بنيته لا بما ظهر منهكالجيش الذي يخسف به بين مكة و المدينة و فيه من غصب على نفسه في المجيء فقالت عائشة في ذلك لرسول الله ص فقال يحشرون على نياتهم و إن عمهم الخسفكما قال وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً بل تعم المحق و الظالم و تختلف أحوالهم في القيامة فيحشر المحق سعيد أو الظالم شقيا فحيث كانت الدعوى كان الاختبار و من وصف نفسه بأمر توجه عليه الاختبار و قد قال الله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىأَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ و الايمان يقطع بصدق هذا القول و لكن لا يظهر حكمه مشاهدة عين إلا في المسرفين و هم المذنبون فكأنه قال لهم اعصوا حتى تعرفوا ذوقا صدق قولي في مغفرتي إذا كان أمير المؤمنين المأمون يقول لو علم الناس حبي في العفو لتقربوا إلي بالجرائم و هو مخلوق فما ظنك بالكريم المطلق الكرم فلا يختبر إلا بإتيان الذنوب و قد قال لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون و يتوبون فيغفر الله لهم و هذا القول من النبي ص في الحقيقة فيه تقديم و تأخير إلا أنه ستره ليبين فضل العالم بأ ول الأمور على غير العالم فهو بقوللو لم تذنبوا إلجاء الله بقوم مذنبون فيغفر لهمكما جاء في نص القرآن ثم يقول بعد قوله فيغفر لهم فيتوبون أي يرجعون إلى الله في قوله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لأنه لا غافر إلا هو و أما إذا تاب قبل المغفرة فالحكم للتوبة لا للكرم الإلهي و إنما يكون الكرم عند ذلك كونه أعطاه التوبة و التوبة محاءة و القرآن ما ذكر توبة و الرسول ص لا يخالف القرآن و لكن ثم قوم يغفر لهم من غير توبة و ثم قوم يعطيهم الله التوبة فالتوبة قد جعلها الله تتضمن المغفرة فكأنها للتائببشرى معجلة في هذه الدار فأدخل الحق نفسه في الدعوى ليمشي حكمها في الخلق ثم طلب بالابتلاء صدق الدعوى ليبين للعباد صدق دعواه فإذا ادعيت فليكن دعواك بحق و انتظر البلاء و إن لم تدع فهو أولى بك و لكن كن محلا لجريان الأقدار عليك و كن على علم أنه لا يجري عليك إلا ما كنت عليه حتى تعلم أن الحجة البالغة لله فإنه يقول كذا علمتك و ما علمتك إلا منك و لو كان كما يتخيله بعض الناس و من لا علم له بسر القدر يقول لو مكنني الله من الاحتجاج لقلت أنت فعلت كما قال أبو يزيد و لكن قال لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ فسد الباب هذا القول ما يقع إلا من جاهل بالأمر بل فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ في قوله لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ فإنه ما فعل من نفسه ابتداء و إنما فعل بك في وجودك ما كنت عليه في ثبوتك و لهذا قال وَ هُمْ يُسْئَلُونَ و قد أطلعهم الله عند ذلك على ما كانوا عليه و إن علمه ما تعلق بهم إلا بحسب ما هم عليه فيعرفون إذا سألوا أنه تعالى ما حكم فيهم إلا بما كانوا عليه و إذا سألوا و هم يشهدون اعترفوا فيصدق قوله فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ و لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ فيأخذها الناس إيمانا و نحن و أمثالنا نأخذها عيانا فنعلم موقعها و من أين جاء بها الحق لا إله إلا هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة الحلم»
يدعى صاحبها عبد الحليم و هي حضرة الإمهال من القادر على الأخذ فيؤخر الأمر و يمهل العبد و لا يهمله و إنما يؤخره لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ و لا يمحوه لأنه يبدله بالحسنى فيكسوه حلة الحسن و هو هو بعينه ليظهر فضل الله و كرمه على عبيده و لهذا وصف الذنوب بالمغفرة و هي الستر و ما وصفها بذهاب العين و إنما يسترها بثوب الحسن الذي يكسوها به لأنه تعالى لا يرد ما أوجده إلى عدم بل هو يوجد على الدوام و لا يعدم فالقدرة فعالة دائما و لهذا يكسو الأعراض التي لا تقوم بنفسها صور القائمين بأنفسهم و يجعل ذلك خلعا عليها و قد جاء وزن الأعمال و شبهها بمثاقيل الذر و يؤتى بالموت و هو نسبة و النسب أخفى من الأعراض في صورة كبش أملح فقد خلع على هذه النسبة صورة كبش أبيض فما أعدم النسبة بعد تحققها بنعت من نعوت الوجود بما لها من الحكم في الموجودات فلم يردها إلى حكم العدم فأحرى ما هو موصوف بالوجود العيني فلهذا وصف نفسه بالغفار و الحليم و هو الإمهال فما أهمل حين أمهل و لا أعدم حين حكم فإنه ما شأنه إلا الإيجاد و لهذا قال إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ و الذهاب انتقالكم من الحال التي أنتم فيها إلى حال تكونون فيها و يكسو الخلق الجديد عين هذه الأحوال التي كانت لكم لو شاء لكنه ما شاء فليس الأمر إلا كما هو فإنه لا يشاء إلا ما هي الأمور عليه لأن الإرادة لا تخالف العلم و العلم لا يخالف المعلوم و المعلوم ما ظهر و وقع ف لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله فإنها على ما هو عليه و من شأن هذه الحضرة إثبات الاقتدار فإن صاحب العجز عن إنفاذ اقتداره لا يكون حليما و لا يكون ذلك حلما فلا حليم إلا أن يكون ذا اقتدار و لما كانت المخالفة تقتضي المؤاخذة فأفسد الحلم حكمها في بعض المذاهب و لذلك يقال حلم الأديم إذا فسد و تشقق و كذلك حلم النوم أفسد المعنى عن صورته لأنه ألحقه بالحس و ليس بمحسوس حتى يراه من لا علم له بأصله فيحكم عليه بما رآه من الصورة التي رآه عليها و يجيء العارف بذلك فيعبر تلك الصورة إلى المعنى الذي جاءت له و ظهر بها فيردها إلى أصلها كما أفسد الحلم العلم فأظهره في صورة اللبن و ليس بلبن فرده رسول الله ص بتأويل رؤياه إلى أصله و هو العلم فجرد عنه تلك الصورة و في تلك الصورة يكون حكم الحلم فلذلك نقول إنه أفسد صورة العلم فرده رسول الله ص و العابر المصيب كان من كان إلى أصله و أزال عنه ما أفسده الحلم و من هنا تعرف ما للحق من رتبة الأحلام جاء رجل إلى ابن سيرين و كان إماما في التعبير للرؤيا فقال له إني رأيت أرد الزيت في الزيتون فقال أمك تحتك فبحث الرجل عن ذلك فإذا به قد تزوج أمه و ما عنده و لا عندها خبر بذلك و أين صورة نكاح الرجل أمهمن صب الزيت في الزيتون و إذا رأى صاحب الرؤيا الأمر كما هو عليه في نفسه فليس بحلم و إنما ذلك كشف لا حلم سواء كان في نوم أو يقظة كما إن الحلم قد يكون في اليقظة كما هو في النوم كصورة دحية التي ظهر بها جبريل ع في اليقظة فدخلها التأويل و لا يدخل التأويل النصوص و أما قول إبراهيم لابنه و قد رأى أنه يذبح ابنه فأخذ بالظاهر على إن الأمر كما رآه و ما كان إلا الكبش و هو الذبح العظيم ظهر في صورة ابنه فرأى أنه يذبح ابنه فذبح الكبش فهو تأويل رؤياه على غير علم منه وَ فَدَيْناهُ يعني تلك الصورة و هي ابنه التي رآها إبراهيم ع بِذِبْحٍ عَظِيمٍ و هو الكبش فما ذبح لا كبشا في صورة ولده فأفسد الحلم صورة الكبش في المنام فَانْظُرْ ما ذا تَرىو كيف ترى و أين ترى و كن على علم في أحوالك كلها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة العظمة»
يدعى صاحبها عبد العظيم و حال هذا العبد الاحتقار التام مع كونه محلا للعظمة فيفنيه عند نفسه و ما رأيت أحدا يحكم هذا المقام إلا شخصا واحدا من حديثه الموصل و أخبرني شيخي أبو العباس العريبي من أهل العليا من غرب الأندلس أنه رأى واحدا أيضا من أهل هذه الحضرة و قد تلبس كالحلاج فيعظم جسمه في أعين الناظرين بالأبصار و أما حكمها في النفوس فكثير الوقوع فإنه تقع أمور كثيرة يعظم في النفوس قدرها بحيث لا تتسع النفس لغيرها و لا سيما في الأمور الهائلة التي تؤثر الخوف في النفوس وَ من يُعَظِّمْ شَعائِرَ الله فَإِنَّها من تَقْوَى الْقُلُوبِ و من يُعَظِّمْ حُرُماتِ الله فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ و إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ و لكن في نفس الموحد يشاهد عظمته في نفس المشرك لا في نفسه فيشاهده ظلمة عظيمة إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ فيها لَمْ يَكَدْ يَراها و اعلم أن العظمة حال المعظم اسم فاعل لا حال المعظم اسم مفعول إلا أن يكون الشيء يعظم عنده ذاته فعند ذلك تكون العظمة حال المعظم لأن المعظم اسم فاعل ما عظمت عنده إلا نفسه فهو من كونه معظما نفسه كانت الحال صفته و ما عظم سوى نفسه فالعظمة حال نفسه و هذه الحالة توجب إلهية و الإجلال و الخوف فيمن قامت بنفسه قال بعضهم
كأنما الطير منهم فوق أرؤسهم لا خوف ظلم و لكن خوف إجلال
لما في قلوبهم من هيبته و عظمته و قال الآخر
و هذه الأسباب كلها موجبات لحصول العظمة في نفس هذا المعظم إلا أن عظمة الحق في القلوب لا توجبها إلا المعرفة في قلوب المؤمنين و هي من آثار الأسماء الإلهية فإن الأمر يعظم بقدر ما ينسب إلى هذه الذات المعظمة من نفوذ الاقتدار و كونها نفعل ما تريد و راد لحكمها و لا يقف شيء لأمرها فبالضرورة تعظم في قلب العارف بهذه الأمور و هي العظمة الأولى الحاصلة لمن حصلت عنده من الايمان و المرتبة الثانية من العظمة هي ما يعطيه التجلي في قلوب أهل الشهود و الوجود من غير إن يخطر لهم شيء من تأثير الأسماء و لا من الأحكام الإلهية بل بمجرد التجلي تحصل العظمة في نفس من يشاهده و هذه العظمة الذاتية و لا تحصل إلا لمن شاهده به لا بنفسه و هو الذي يكون الحق بصره و لا أعظم من الحق عند نفسه فلا أعظم من الحق عند من يشهده في تجليه ببصر الحق لا ببصره فإن بصر كل إنسان و كل مشاهد بحسب عقده و ما أعطاه دليله في الله و هذا الصنف من أهل العظمة خارج عما ارتبطت عليه أفئدة العارفين من العقائد فيرونه من غير تقييد فذلك هو الحق المشهود فلا يلحق عظمتهم عظمة معظم أصلا و ما أحسن ما جاء هذا الاسم حيث جاء في كلام الله ببنية فعيل فقال عظيم و هي بنية لها وجه إلى الفاعل و وجه إلى المفعول و لما كان الحق عظيما عند نفسه كان هو المعظم و المعظم فأتى بلفظ يجمع الوجهين كالعليم سواء و قد يرد هذا البناء و يراد به الوجه الواحد من الوجهينكالاسم الحليم هذا لسان الظاهر و علم الرسم و أما علم الحقيقة المعتمد عليه عند العارفين فكل فعيل في أسماء الحق و صفاته و نعوته كالحليم و العليم و الكريم فلا فرق بين هذه الأسماء و بين العظيم في دلالتها على الوجهين و ذلك لكونه هو الظاهر في مظاهر أعيان الممكنات فما حلم إلا عنه و لا تكرم إلا عليه أ لا ترى حكم إيجاد المرجح لا يكون إيجاده عند المتكلمين إلا بالقدرة أو القادرية عند بعضهم أو بكونه قادرا عند طائفة فهو القادر و لا يترجح الممكن إلا بالإرادة كما قلنا في القدرة على ذلك الترتيب و المساق فهو المريد فالمريد إذا أراد ترجيح الوجود على العدم في المخلوق إن لم يكن هو القادر على ذلك و إلا فعدم الإرادة أو وجودها على السواء فيحتاج المريد إلى القادر بلا شك و العين واحدة ما ثم عين زائدة مع اختلاف الحكم فلهذا قلنا في هذا البناء في حق الحق بطلب الوجهين و لا يقدر أحد من الطوائف من العلماء بالله على مثل هذا العلم الإلهي إلا العلماء الراسخون من أهل الله الذين هوية الحق علمهم كما هي سمعهم و بصرهم فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة الشكر»
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الشكور و عبد الشاكر و هي لصفة الكلام المنسوب إلى الحق قال تعالى اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ يعني المبالغة في الشكر و هو أن يشكر الله حق الشكر و ذلك بأن يرى النعمة منهذكر ابن ماجة في سننه حديثا و هو أن الله سبحانه و تعالى أوحى إلى موسى اشكرني حق الشكر فقال موسى ع و من يقدر على ذلك يا رب فقال له إذا رأيت النعمة مني فقد شكرتنيفمن لا يرى النعمة إلا منه فقد شكره حق الشكر لا تراها من الأسباب التي سد لها بينك و بينه عند إرداف النعم فإن النعم أشياء لا تتكون إلا عنه من الوجه الخاص الذي لكل كائن و قال من هذه الحضرة لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ و وصف نفسه بشكره عباده طلبا للزيادة منهم مما شكرهم عليه مقابلة نسخة بنسخة لأنه على صورته و هو يريد أن يوقفك على صحة هذه النسخة فإنه ما كل نسخة تكون صحيحة و لا بد قد تختل منها أمور فلذلك شرعت المعارضة بين النسختين فما أخرج الناسخ منها أثبت بالمعارضة لتصح النسخة و من الأمر الواقع في المنتسخ منه أنه شاكر و شكور عبادة ثم طالبهم بالشكر ليظهروا بصفته من كونهم على صورته ثم عرفهم إن الشكر يقتضي لذاته الزيادة من المشكور مما شكر من أجله و هو المعروف الذي سد له و أسداه إلى عباده فإذا علم ذلك علم إن الحق تعالى يطلب الزيادة من عباده في دار التكليف مما كلفهم فيها من الأعمال و جعل استيفاء حقه أن يرى العبد النعمة منه عز و جل فكان تنبيها من الله لعبده في تفسير حق الشكر إن الحق يرى النعمة من العبد حيث أعطاه العلم به كما قلنا إن العلم يتبع المعلوم فهو يجعل التعلق به في نفس العالم فيتصف العالم بالعلم فيشكره الحق على ذلك فيزيده العبد بتنوع أحواله تعلقات لم يكن عليها تسمى علوما و هذا الذي أشرنا إليه من أصعب العلوم علينا لشدة غوصها و هي سريعة التفلت و من علم هذا علم قوله تعالى حَتَّى نَعْلَمَ فما قال حتى نعلم حتى كلف و ابتلي ليعلم ما يكون منه فيما أتاه به و قد علم منه ما يكون في حال ثبوته إلا أن الممكن إذا تغيرت عليه الأحوال يعلم أنه كان في عينه في حال ثبوته بهذه الصفة و لا علم له بنفسه فإن الإنسان قد يغفل عن أشياء كان علمها من نفسه ثم يذكرها و هو قوله وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ و قوله وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ و لب الشيء سره و قلبه و ما حجبه إلا صورته الظاهرة فإنها له كالقشر على اللب صورة حجابية عليه لعينه الظاهرة فهو ناس لما هو به عالم و أخفى منه في التشبيه الزهرة مع الثمرة هي الدليل عليها و الحجاب و الحال الإلهي كالحال الكوني لأنه عينه ليس غيره فما شكر إلا نفسه لأنه ما أنعم إلا هو و لا قبل الإنعام و لا أخذه إلا هو فالله المعطي و الآخذ كما قال إن الصدقة تقع بيد الرحمن فإنه يَأْخُذُ الصَّدَقاتِ و يد السائل صورةحجابية على يد الرحمن فتقع الصدقة في يد الرحمن قبل وقوعها في يد السائل و إن شئت قلت إن يد السائل هي يد المعطي فيشكر الحق عبده على ذلك الإنعام ليزيده منهيقول الله عز و جل جعت فلم تطعمني فطالبه الحال بالتفسير فقال له و كيف تطعم و أنت رب العالمين قال تعالى أما إن فلانا جاع فاستطعمك فلم تطعمه أ ما أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي و كذا جاء في المرض و السقي أي أنا كنت أقبله لا هو و الحديث في صحيح مسلمو عند هذا القول كان الحق صورة حجابية على العبد و عند الأخذ و العطاء كان العبد صورة حجابية على الحق فإذا شهدت فاعلم كيف تشهد و لمن تشهد و بمن تشهد و على من تشهد فلتشكر على حد شهودك و لتقبل الزيادة و لتعط أيضا الزيادة على شهود و تحقيق وجود و موجب الشكر الإنعام و النعم و أعظم نعمة تكون النكاح لما فيه من إيجاد أعيان الأمثال فإن في ذلك إيجاد النعم الموجدة للشكر و لذلك حبب الله إليه النساء و قواه على النكاح أعني لرسول الله ص و أثنى على التبعل و ذم التبتل فحبب النساء إليه لأنهن محل الانفعال لتكوين أتم الصور و هي الصورة الإنسانية التي لا صورة أكمل منها فما كل محل انفعال له هذا الكمال الخاص فلذلك كان حب النساء مما امتن الله به على رسوله ص حيث حبهن إليه مع قلة أولاده ص فلم يكن المراد إلا عين النكاح مثل نكاح أهل الجنة لمجرد اللذة لا للإنتاج فإن ذلك راجع إلى إبراز ما حوى عليه ص من ذلك و هذا أمر خارج عن مقتضى حب المحل المنفعل فيه التكوين أ لا ترى الحق إن فهمت معاني القرآن كيف جعل الأرض فراشا و كيف خلق آدم منها و جعله محل الانفعال و نطقرسوله ص بقوله الولد للفراشيريد المرأة أي لصاحب الفراش كما كان آدم ع حيث جعله خليفة فيمن خلق فيها ليكون أيضا صاحب فراش لأنه على صورة من أوجده فأعطاه قوة الفعل كما أعطاه قوة الانفعال فكان وطاء و غطاء فالحق هو الشاكر المشكور
لما فيه من الزيادة على الالتذاذ بالنكاح و هي ما يتولد فيه عن النكاح من الولد الروحاني و الجسماني دنيا جسما و آخرة روحا و قد ذكرنا ذلك في توالد الأرواح من هذا الكتاب و بينا ذلك أيضا في القصيدة الطويلة الرائية التي أولها
اعترضت عقبة وسط الطريق في السفر
و هذا القدر من الإيماء كاف في معرفة هذه الحضرة الإلهية وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة العلو»
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد العلي قال الله عز و جل الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىو كان شيخنا العريبي يقف في هذه الآية على العرش و يبتدئ استوى لَهُ ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرىأي ثبت له و كل ما سوى الله عرش له علو قدر و مكانه في قلوب العارفين به من علماء النظر و غيرهم من العلماء فعلوه تعالى بهذا التفسير مطلق و بقي علو المكان الذي أثبته الايمان بالخبر الصدق و دل عليه عند العلماء بالله من طريق الشهود صور التجلي فهو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ لاستوائه و لما كان أعلى الموجودات و أعظمها من وجب له الوجود لنفسه استقلالا و كان له الغني صفة ذاتية لم يفتقر إلى غيره كان بالاسم العلي أولى و أحق و كان من كان وجوده بغيره مستوي لهذا العلي و ليس إلا الله فمن هذه الحضرة ظهر العلو فيمن علا في الأرض كفرعون الذي قال الله تعالى فيه إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا في الْأَرْضِ و جعل العلوفي الإرادة في بعض الناس و ذمهم بذلك فقال تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ و نعني بالدار الآخرة هنا الجنة خاصة دون النار نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ و سواء حصل لهم ذلك المراد أو لم يحصل فقد أرادوه و حصل في نفوسهم و ما بقي إلا أن يحصل في نفوس الغير الذي كني عنها بالأرض و العلماء بالله لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ لأنه علو مكتسب و لا يريدون ما يقع عليه اسم الكسب و إنما يريدون ما تقتضيه ذواتهم من حيث ما يشهدون من افتقروا إليه في وجودهم خاصة فما لهم نظر إلا إليه لا فيه لأنه ممنوع لنفسه أعني النظر فيه الذي هو الفكر في ذاته فالذي يعطي العلو هذه الحضرة إنما هو السعادة لا التكبر فالعلو الذي تعطي هذه الحضرة لأجل السعادة إنما هو علمهم بذواتهم ليعلموا أن الحادث في مقام الانحطاط عما يجب لله من العلو و يكفيهم من العناية الإلهية إن حصلوا مع الحق في باب الإضافة
و ما حصل التشريف للممكنات إلا بإضافتها إلى الله و هذا التشريف في حقنا هو أعظم تشريف إمكاني فعلو الإنسان عبودته لأن فيها عينه و عين سيده و المتلبس بصفة سيده لابس ثوب زور ليس عليه منه شيء و لا تقبله ذاته و هو يعلم ذلك من نفسه و إن جهله غيره و اعترف له بالعلو عليه فمن وجه ما لا من جميع الوجوه فإنه يعلمه أنه هو فهوية ما سوى الحق معلومة لا تجهل و لو لا معقولية المكانة ما اعترف مخلوق بعلو مخلوق فلهذا لا يعظم أحد في عين أحد لذاته إلا المحبوب خاصة فإنه يعظم في عين محبه لذاته فكل شيء يكون منه يتلقاه المحب الصادق الحب بالقبول و الرضي و ما كل محب محب لأن طلب الغرض من المحب لا يصح في الحب الصادق الذي استفرغ قواه و إنما ذلك لمن بقيت فيه فضلة يعقل بها أنه محب و إن محبوبه غير له و لما وصف الحق نفسه بالنزول كان هذا النزول عين الدليل على نسبة العلو لأنه لو وقف مع قوله عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىو اكتفى و لم يذكر النزول و كل جزء من الكون عرشا له لأنه ملكه فما تحقق له العلو إلا باتصافه بالنزول إلى السماء الدنيا فأثبت له علو المكان و أثبت الاستواء على العرش المكانة و القدر فبالاستواء هو في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ و هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و بالنزول ظهر الحد و المقدار فعلمنا بالنزول في أي صورة تجلى و لمن نزل و تدلى لَهُ الْحَمْدُ أي عاقبة الثناء ترجع إليه في الْأُولىو هو الاستواء وَ الْآخِرَةِ و هو النزول فعم علوه و تحقق دنوه فطوبى للتائبين و الداعين و المستغفرين فيا ليت شعري هل يسمعون قوله تعالى ذلك نعم العارفون يسمعونه و أهل الحضور مع إيمانهم بهذا الخبر يسمعونه و ما عدا هذين الصنفين فلا يسمعه و ما عرفنا الله تعالى بأنه كلم مُوسىتَكْلِيماً إلا لنتعرض إلى هذه النفحة الإلهية و الجود لعل نسيما يهب علينا منها فيأخذ الناس هذا التعريف بأن الله كلم موسى ثناء على موسى ع خاصة نعم هو ثناءو لكن ما أثنى الله بشيء على أحد من المخلوقين إلا و فيه تنبيه لمن لم يحصل له ذلك الأمر أن يتعرض لتحصيله جهد الاستطاعة فإن الباب مفتوح و الجود ما فيه بخل و ما بقي العجز إلا من جهة الطالب و لهذا يقول من يدعني فاستجيب له و من نكرة فما وقع العجز إلا منا و هنا الحيرة لأنا ما ندعوه لا بتوفيقه و توفيقه إيانا لذلك من عطائه و جوده و استعداد كنا عليه به قبلناه فتأهلنا لدعائه و إجابته إيانا فيما دعوناه به على ما يرى الإجابة فيه فهو أعلم بالمصالح منا فإنه تعالى لا ينظر لجهل الجاهل فيعامله بجهله و إنما الشخص يدعو و الحق يجيب فإنه اقتضت المصلحة البطء أبطأ عنه الجواب فإن المؤمن لا يتهم جانب الحق و إن اقتضت المصلحة السرعة أسرع في الجواب و إن اقتضت المصلحة الإجابة فيما عينه في دعائه أعطاه ذلك سواء أسرع به أو أبطأ و إن اقتضت المصلحة أن يعدل مما عينه الداعي إلى أمر آخر أعطاه أمر آخر لا ما عينه فما جاز الله لمؤمن في شيء إلا كان له فيه خير فإياك إن تتهم جانب الحق فتكون من الجاهلين و أنت من الجاهلين و لو أعطيت علم اللوح المحفوظ و القلم الأعلى و الملائكة العلى و أما العالون من عباد الله الذين قال الله في توبيخه لإبليس حين أبي عن السجود لآدم أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ من الْعالِينَ فهم الأرواح المهيمة في جلال الله فأعلاهم الحق أن يكون شيء من الخلق لهم مشهودا و لا نفوسهم و هم عبيد اختصهم لذاته فالتجلي لهم دائم و هم فيه هائمون لا يعلمون ما هم فيه فعلوهم بين الاسم العلي و بيننا فهم لا يشهدون علو الحق لأنه لا يشهد علو الحق إلا من شهد نفسه و هم في أنفسهم غائبون فهم عن علو الحق و مكانته أشد غيبة و العلو نسبة فالأعلى من سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى إنما هو نعت أحدية من ادعى العلو أو أراد العلو فإذا زال كان عليا لأعلى وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة الكبرياء الإلهي»
يدعى صاحبها عبد الكبير و هو عين العبد لأن الكبرياء رداء الحق و ليس سواك فإن الحق تردى بك إذ كنت صورته فإن الرداء بصورة المرتدي و لهذا ما يتجلى لك إلا بك و قال من عرف نفسه عرف ربهفمن عرف الرداء عرف المرتدي ما يتوقف معرفة الرداء على معرفة المرتدي و في هذا غلط عظيم عند العلماء و ما تفطنوا لمراد الحق في التعريف بنفسه فما وصف نفسه إلا بما نعرفه و نتحققه على حد ما نعرفه و نتحققه فإنه بلساني خاطبني لنعقل عنه فلو أحالنا عليه ابتداء لما عرفناه فلما أنزل كبرياءه منزلة الرداء المعروف عندنا علمنا ما الكبرياء ثم زاد رسول الله ص في تجليه يوم القيامة في الزور الأعظم على كثيب المشاهدة في جنة عدن و ذلك اليوم الكبير إنه تعالى يتجلى لعباده و رداء الكبرياء على وجهه و وجه الشيء ذاته فحال الحجاب بينك و بينه فلم تصل إليه الرؤية فصدق لَنْ تَرانِي و صدقت المعتزلة فما وصلت الأعين إلا إلى الرداء و هو الكبرياء و ما تجلى لك إلا بنا فما وصلت الرؤية إلا إلينا و لا تعلقت إلا بنا فنحن عين الكبرياء على ذاتهقال وسعني قلب عبديفإذا قلبت الإنسان الكامل رأيت الحق و الإنسان لا ينقلب فلا يرجع الرداء مرتديا لمن هو له رداء فهذا معنى الكبير فإنه كبير لذاته و الكبرياء نحن فمن نازعه منا فينا قصمه الحق لأنه جهل فإنه له ما رأيناه قط و لا نراه من حيث هو و نحن لنا فما نرى قط سوانا فلا يزال الكبرياء على وجهه في الدنيا و الآخرة لأنا ما نزال و هذا عين افتقارنا و احتقارنا و وقارنا
لله يوم كبير لا يمتري فيه مؤمن له التحكم فينا بالاسم منه المهيمن
قال الله تعالى لمحمد ص و لكل رسول أن يقول لنا فَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ و لا خوف علينا إلا منا فإن أعمالنا ترد علينا فنحن اليوم الكبير إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً يعني مرجع اليوم و نعته بالكبرياء و الشيء لا ينازع في نفسه و لا فيما هو له فمن نازع الحق في كبريائه فما نازع إلا نفسه فعذابه عين جهله به و من هنا تعرف أن الإحاطة لنا و ليس سوى ما حزناه من صورته فإن الرداء يحيط بالمرتدي
فظاهر الحق خلق و باطن الخلق حق
و من ذلك
و لما كنا عين كبرياء الحق على وجهه و الحجاب يشهد المحجوب فأثبت إنا نراه كما وسعناه فصدق الأشعري و صدققوله ترون ربكمكما صدق لَنْ تَرانِي و للرداء ظاهر و باطن فيراه الرداء بباطنه فيصدقترون ربكمو يصدق مثبت الرؤية و لا يراه ظاهر الرداء فيصدق المعتزلي و يصدق لَنْ تَرانِي و الرداء عين واحدة و كان الفضل لهذه النشأة الإنسانية على جميع العالم فإن العالم كله دون الإنسان منحاز عن الإنسان متميز عنه فلا يشهد العالم سوى الإنسان الذي هو الرداء و الرداء من حيث ظاهره يشهد من يشهده و هو العالم فيرى الحق ظاهر الرداء بما هو الحق العالم و هي رؤية دون رؤية باطن الرداء فالعالم له الإحاطة لأنه لا يتقيد بجهة خاصة فالحق وجه كله و الرداء وجه كله فهو الظاهر تعالى للعبد من حيث العالم و هو الباطن لنفسه عن العالم من حيث ما له صورة في العالم و من حيث إن الرداء بينه و بين العالم فإن الصورة التي للحق في عين العالم الحق لها باطن من حيث إن الرداء حائل بينه و بين الحق الذي العالم به فهو باطن لنفسه و للعالم و لا يصح أن يكون باطنا لباطن الرداء لكن لظاهره فالإنسان الكامل يشهده تعالى في الظاهر بما هو في العالم و في الباطن بما هو مرتد فتختلف الرؤية على الإنسان الكامل و العين واحدة و لهذا ينكره بعض الناس في القيامة إذا تجلى و الكامل لا ينكره فإنه ما كل إنسان له الكمال فما ينكره إلا الإنسان الحيوان لأنه جزء من العالم فإذا تجلى له في العلامة و تحول فيها عرفه لأنه ما يعرفه إلا مقيدا فالإمام تابع للمأموم في الأحوال و المأموم يتبع الإمام في الأفعال و في بعض الأقوال فلو لا الكبرياء ما عرف الكبير
وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و حَسْبُنَا الله في كل موطن وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ
«حضرة الحفظ»
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الحفيظ قال تعالى وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما و قال تعالى إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرىيخاطب موسى و هارون ع و قال في سفينة نوح ع تَجْرِي بِأَعْيُنِنا يشير إلى أنه يحفظها لأن المحفوظ لا يختفي عنه و من الناس من يحفظه الحفظ لأنه يريد أن يخلو بهواه و الحفظ الإلهي يمنع من ذلك و يحول بينه و بين هواه أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرىفمن عصى الله و اتبع هواه فما عصى إلا مجاهرة و لكن بعد عمى القلب حتى لا يجتمع النظرتان إذ لو اجتمعتا لاحترق الكون فإن بصر الحق إذا اجتمع به بصر العبد احترق العبد من فوره و معلوم أن الله يدركه ببصره الآن في حق العبد فإن الحق ليس في الآن لكن ما اجتمع بصر العبد معه فيعلم بالمقدمتين ما ينتج بينهما فإن باجتماع البصرين وقع الحرق فما انحفظ العالم لا بكون البصرين ما اجتمعا على رؤية الكون و لذلك وصف نفسه إذا تجلى أن يكون رداءالكبرياء على وجهه فلا يرتفع أبدا فإذا رأينا الحق متى رأيناه بأبصارنا نراه من حيث لا يرانا كما يرانا من حيث لا نراه فإنه يرانا عبيدا و نراه إلها و نراه به و يرانا بنا و مهما رآنا به فلا نراه به بل و هي الرؤية العامة و رؤية الخواص أن يروه به و يراه بهم فهو الذي يحفظ عليهم جودهم ليفيدهم و يستفيد من يستفيد منهم حتى نعلم إلى من هو دونه فهو الحفيظ المحفظ و لما سرى الحفظ في العالم فقال إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ و قال وَ الْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَ الْحافِظاتِ و عم فقال وَ الْحافِظُونَ لِحُدُودِ الله فحدودهم كان كل عين في العالم من حيث ما هي حافظة أمرا ما عين الحق و لهذا وصف نفسه بالأعين فقال تَجْرِي بِأَعْيُنِنا فإن مدبر السفينة يحفظها و المقدم يحفظها و صاحب الرجل يحفظها و كل من له تدبير في السفينة يحفظها بل يحفظ ما يخصه من التدبير فقال تعالى فيها إنها تجري بأعين الحق و ما ثم إلا هؤلاء و هم الذين وكلهم الله بحفظها فالحق مجموع الخلق في الحفظ و في كل ما يطلب الجمع و لهذا المقام في صنعة العربية بدل الاشتمال نقول أعجبني الجارية حسنها للاشتمال الذي هنا و أعجبني زيد علمه فالعلم بدل من زيد و الحسن بدل من الجارية و لكن بدل اشتمال كما يكون في موضع آخر بدل الشيء من الشيء و هما لعين واحدة كقولهم رأيت أخاك زيدا فزيد أخوك و أخوك زيد فهكذا قوله كنت سمعه و بصره و قوله وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمىإذ رميت فهذا بدل الشيء من الشيء و إن كان في هذا البدل رائحة من بدل البعض من الكل فقال أكلت الرغيف ثلثيه و ليس في أنواع البدل بدل أحق بالحضرة الإلهية من بدل الغلط و هو الذي فيه الناس كلهم يظنون أنهم هم و ما هم هم و يظنون أن ما هم هم و هم هم و لهذا لا يوجد بدل الغلط في كلام فصيح مثاله رأيت رجلا أسدا أردت أن تقول رأيت أسدا فغلطت فقلت رأيت رجلا ثم تذكرت إنك غلطت فقلت أسدا فأبدلت الأسد منه فالعارف يلزمه الأدب أن يضيف إلى الله كل محمود عرفا و شرعا و لا يضيف إليه ما هو مذموم عرفا و شرعا إلا إن جمع مثل قوله قُلْ كُلٌّ من عِنْدِ الله و كل يقتضي العموم و الإحاطة و قوله فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَ تَقْواها فالكشف و الدليل يضيف إليه كل محمود مذموم فإن الذم لا يتعلق إلا بالفعل و لا فعل إلا لله لا لغيره فالعارف في بدل الغلط فإن عقله يخالف قوله فقوله في المذموم ما هو له و يقول في عقده و قلبه هو له عند قوله بلسانه ما هو له و من لا يعلم أنه غلط يصمم على ما قاله أو على ما اعتقده فالله الحفيظ و هو بدل من الحفظة و الحافظين و أعيننا فالحفظ يطلب الرؤية و لا بد و الرؤية لا تطلب الحفظ و لا بد و لكن قد تجيء للحفظ
فكما إن ربك عَلىكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ فهو بكل شيء محفوظ لأنه بالأشياء معلوم فالأشياء تحفظ العلم به عند العلماء به و العلم صفته و العلم المعلوم و المعلوم أعطاه العلم بنفسه فالمعلوم يحفظ عليه العلم و يزيل عنه العلم فهو يتقلب لتقلبه فحفظ الله علمه من حيث ما هو معلوم له
لأن المعلومات تحفظ على العالم بها علمه بها و لا عالم إلا الله على الحقيقة و الحق يحفظ على العالم نسبة الوجود إليه فهو يحفظ عليه وجوده و إنما قلنا المعلومات لأن الحق معلوم لنفسه و الخلق معلومون لله و الحق ليس بمعلوم للخلق فقد علمنا ما يحفظ الحق و ما يحفظ الخلق فإن زدت و قلت إن العالم يحفظ المعلوم فمدخول هذا القول و هو وهم من قائله لأن التابع بأمر المتبوع و العلم يتبع المعلوم فتفطن لهذا الأمر فإنه حسن يجعلك تنزل الأشياء منازلها و تحفظ عليها حدودها فتكون حفيظا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و إنما ألحقنا الحفظية بالحفظ لما وصف الحق بها نفسه في كتابه و على لسان رسوله فلما كان لها حكم في الوجود الحق و سعى الانتقامو العفو في إزالتها خفنا أن يعتقد إزالة عينها و ما زالت إلا إضافتها فجعل محلها جهنم فهي غضب الله الدائم فهي تنتقم دائما في زعمها و لا تشعر بما يجد الساكن فيها و كذلك حياتها و عقاربها في لدغها و نهشها تلدغ انتقاما و تنهش غصبا لله و ما عندها علم بما يجده الملدوغ إذا عمتهالرحمة من الالتذاذ إذ بذلك اللدغ فإنه بمنزلة الجرب بالحك أنت تدميه و هو يجد اللذة بذلك الإدماء و كلما قوى الحق عليه تضاعفت اللذة حتى أنه يبادر إلى حك نفسه بيده لما يجد في ذلك من الالتذاذ به مع سيلان دمه في ذلك الحك فجهنم دار الغضب الإلهي و حاملته و المتصفة به و كذلك من فيها من وزعة الغضب و المغضوب عليه بما يجده لا بما في نفوس هؤلاء و لكن لا يحصل لهم هذا إلا بعد استيفاء الحدود و الإحساس بالآلام عند نضج الجلود فتبدل لذوق العذاب كما تبدلت الأحوال عليهم في الدنيا بأنواع المخالفات فلكل نوع عذاب و لهم جلد خاص يحس بالألم كما كان هنا دائما في تجديد خلق و الناس في هذا التجديد في لبس فإذا انتهى زمان المخالفة المعينة انتهى نضج الجلد فإن شرع عند انتهاء المخالفة في مخالفة أخرى أعقب النضج تبديلا بجلد آخر ليذوق العذاب كما ذاق اللذة بالمخالفة و إن تصرف بين المخالفتين بمكارم خلق استراح بين النضج و التبديل بقدر ذلك فهم على طبقات في العذاب في جهنم و من أوصل المخالفات و مذام الأخلاق بعضها ببعض فهم الذين لا يفتر عنهم العذاب فلما انتهى بهم العمر إلى الأجل المسمى انتهت المخالفة فتنتهي العقوبة فيهم إلى ذلك الحد و تكتنفهم الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و لا تشعر بذلك جهنم و لا وزعتها أعني ما فيها من الحيوانات المضرة لا ملائكة العذاب فتبقى أحوال جهنم على ما هي عليه و الرحمة قد أوجدت لهم نعيما لهم في تلك الصورة بحكمها فإن الرحمة هي السلطانة الماضية الحكم على الدوام فافهم ما أومأنا إليه فإنه من لباب الحفظ الإلهي حفظ المراتب وَ رَبُّكَ عَلىكُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة المقيت»
عبد المقيت هو أخ شقيق لعبد الرزاق فإن الرزق قوت المرزوق و هو على مقدار خاص لا يزيد و لا ينقص في كل شهوة في الجنان و في كل دفع ألم و شهوة في الدنيا لأنها دار امتزاج و نشأة أمشاج فمن هذه الحضرة يكون القوت لكل من لا يقوم له بقاء صورة في الوجود إلا به و من هذه الحضرة يكون تعيين أوقات الأقوات و موازينها كما قال تعالى في خلق الأرض وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها أي أعطى مقادير أوقات الأقوات و موازينها و هذه الأقوات عين الوحي الذي في السماء فالقوت في الأرض كالأمر في السماء و تقدير القوت في الأرض كالوحي في السماء و هو عينه لا غيره فأوحى في السماء أمرها و هو تقدير أقواتها و قدر في الأرض أقواتها
و هو وحي أمرها و اختلفت الأسماء لاختلاف المحال و الصور و عم بالسماء و الأرض ما علا من العالم و ما سفل و ما في الوجود إلا عال و سافل و من أسمائه العلى و رفيع الدرجات فأمر الأسماء و أقواتها أعيان آثارها في الممكنات فبالآثار تعقل أعيانها فلها البقاء بآثارها فقوت الاسم أثره و تقديره مدة حكمه في الممكن أي ممكن كان و من هذه الحضرة وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و الخزائن عند الله تعلو و تسفل فأعلاها كرسيه و هو علمه و علمه ذاته و أدنى الخزائن ما خزنته الأفكار في البشر و ما بين هذين خزائن محسوسة و معقولة و كلها عند الله فإنه عين الوجود فهي حضرة جامعة للاعيان و النسب و الحدوث و القدم فالخلق و الخالق و المقدور و القادر و الملك و المالك كل واحد لصاحبه أمر و قوت فأمره في سمائه و هو علوه و قوته في أرضه و هو دنوه فإنا من أهل الأرض و نحن المخاطبون بهذا الخطاب ليس غيرنا و لهذا كان القرآن منزلا و النزول لا يكون إلا من علو كما العروج لا يكون إلا إلى علو
و لما لم يكن في الكون إلا علة و معلول علمنا إن الأقوات العلوية و السفلية أدوية لإزالة أمراض و لا مرض إلا الافتقارفكل من في السماوات و من في الأرض آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً و السماء و الأرض أتيا إلى الرحمن طائعين و كل عبد فقير لسيده و خادم القوم سيدهم لقيامه بمصالحهم و العبد هو من يقوم في خدمة سيده لبقاء حقيقة العبودة عليه و السيد يقوم بمصالح عبيده لبقاء اسم السيادة عليه فلو فنى الملك فنى اسم المالك من حيث ما هو مالك و إن بقيت العين فتبقى مسلوبة الحكم لأنه لا فائدة للأشياء لا بأحكامها لا بأعيانها و لا تكون أحكامها إلا بأعيانها فأعيانها مفتقرة إلى أحكامها و أحكامها مفتقرة إلى أعيانها و أعيان من تحكم فيهم فما ثم إلا حكم و عين فما ثم إلا مفتقر و مفتقر إليه فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ فأتى بكل و هي حرف شمول فشملت كل نفس فما تركت شيئا في هذا الوضع وَ سَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ الذي ستر عنه هذا العلم في الحياة الدنيا لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ في الدار الآخرة حيث ينكشف الغطاء عن الأعين فيعلم من كان يجهل و يفضل عليه من علمه هنا في الحياة الدنيا و هم أهل البشرى و كل من تحقق أمرا كان بحسب ما تحققه
فقوت القوت الذي يتقوت به هو استعماله فالمستعمل قوت له لأنه ما يصح أن يكون قوتا إلا إذا تقوت به فاعلم من قوتك و من أنت قوته روينا عن عالم هذا الشأن و هو سهل بن عبد الله التستري أنه رضي الله عنه سئل عن القوت فقال الله فقيل له عن الغذاء نسألك فقال الله لغلبة الحال عليه فإن الأحوال هي ألسنة الطائفة و هي الأذواق فنبهه السائل على ما قدر ما أعطاه حاله في ذلك الوقت فقال يا سهل إنما أسألك عن قوت الأجسام أو الأشباح فعلم سهل أن السائل جهل ما أراده سهل فنزل إليه في الجواب بنفس آخر غير النفس الأول و علم أنه رضي الله عنه جهل حال السائل كما جهل السائل جوابه فقال له سهل ما لك و لها يعني الأشباح دع الديار إلى بانيها إن شاء خربها و إن شاء عمرها فما زال سهل عن جوابه الأول لكن في صورة أخرى و عمارة الدار بساكنها فالقوت لله كما قال أول مرة إلا أن السائل قنع بالجواب الثاني لنزوله من النص إلى الظاهر و هكذا أكثر أجوبة العارفين إذا كانوا في الحال أجابوا بالنصوص و إذا كانوا في المقام أجابوا بالظواهر فهم بحسب أوقاتهم و هذا القدر من التنبيه على شرف هذه الحضرة كاف إن شاء الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
(حضرة الاكتفاء)
يدعى صاحبها عبد الحسيب و أدخلها القائلون بحصر الأسماء في الصفات السبعة في صفة العلم و قد جاء في مدلول هذه الحضرة الأمران الواحد مثاله وَ تَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً و أمثاله و الثاني وَ من يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ أي به تقع له الكفاية فلا يفتقر إلى أحد سواه و عند الكشف يعلم المحجوب إن أحدا ما افتقر إلا إلى الله لكن لم يعرفه لتحليه في صور الأسباب التي حجبت الخلائق عن الله تعالى مع كونهم ما شاهدوا إلا الله و لهذا نبههم لو تنبهوا بقوله تعالى و هو الصادق يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله لعلمه بفقرهم إليه فلم يتنبه لهذا القول إلا من فتح الله عين فهمه في القرآن و علم أنه الصدق و الحق الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ فكلام الحق لا يعلمه إلا من سمعه بالحق فإنه
فقول الله هذا القول الساري القديم الطارئ من سمعه تكلم به و من لم يسمعه ما سمع إلا هو و لم يتكلم به و ما تكلم إلا به فصاحب الحجاب لا يعلم ذلك إلا بالخبر مثل قول الله فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و مثل المصلي إذا قال سمع الله لمن حمده و كلمصل إذا كان فذا أو اماما يقول سمع الله لمن حمده هذا محل الإجماع و ما كل قائل هذا يعلم أن الله هو القائل إلا إذا سمع هذا الخبر فهذا هو المحجوب و أما أهل الكشف و الوجود فما يحتاجون إلى خبر بل يعلمون من هو السامع و القائل فهم غرقى في بحره لا يرجون موتا و لا حياة و لا نشورا
و قد كثر الله في خطابه من قوله وَ لا تَحْسَبَنَّ و لا يَحْسَبَنَّ و عدد أمورا كثيرة هي مذكورة في القرآن يطول إيرادها و ما منها آية فيها وَ لا تَحْسَبَنَّ أو يَحْسَبُ إلا و فيها قوة الاكتفاء لمن فهم وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ من هذه الحضرة يحسب على المتنفس أنفاسه لأنها أنفاس معدودة محصاة عليه إلى أجل مسمى فلا بد أن يكون كما قلنا و لكن لا بما هي أنفاس و إنما بما تجري فيه إلى أمد معين و تلك حضرة بين العلم و الجهل فهي حضرة التخمين و الحدس و الظن الذي لم يبلغ مبلغ العلم و لهذا جاء وَ حَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ و كانت الفتنة فما كان ما حسبوا و قال في طائفة وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً و ما أحسنوا صنعا فهي شبهات في صور أدلة تظهر و ليست أدلة في نفس الأمر فالكيس من يقف عندها و لا يحكم فيها بشيء فإن لها شبها بالطرفين و من هذه الحضرة نزلت الآيات المتشابهات التي نهينا عن الخوض فيها و نسبنا إلى الزيغ في اتباعها فإن الزيغ ميل إلى أحد الشبهين و إذا أولت إلى أحد الشبهين فقد صيرتها محكمة و هي متشابهات فعدلت بها عن حقيقتها و كل من عدل بشيء عن حقيقته فما أعطاه حقه كما أعطاه الله خلقه و الإنسان مأمور بأن يوفي كل ذي حق حقه و من هذه الحضرة ظهرت الأعداد في أعيان المعدودات فلما تركب العدد في المعدود تخيل منه ما ليس له حكم في وجود عيني فهذه الحضرة أعطت كثرة الأسماء لله و هي كلها أسماء حسني تتضمن المجد و الشرف بل هي نص في المجد و الشرف فلهذا قيل فيه إنه تعالى حسيب و الحسيب ذو الحسب الكريم و النسب الشريف و لا نسب أتم و لا أكمل في الشرف من شرف الشيء بذاته لذاته و لهذا لما قيل لمحمد ص انسب لنا ربك ما نسب الحق نفسه فيما أوحى إليه به إلا لنفسه و تبرأ أن يكون له نسب من غيره فأنزل عليه سورة الإخلاص قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ فعدد و مجد فكانت له عواقب الثناء بما له من التحميد ثم أبان أن له الأسماء الحسنى و عين لنا منها ما شاء و أمرنا أن ندعوه بها مع أن له أسماء كل شيء في العالم فكل اسم في العالم فهو حسن بهذه النسبة و من هنا قالوا أفعال الله كلها حسنة و لا فاعل إلا الله هكذا حكم الأسماء التي تسمى بها العالم كله و لا سيما إن قلنا بقول من يقول إن الاسم هو المسمى و قد بينا أنه ما ثم وجود إلا الله و كذلك لو قلنا إن الاسم ليس المسمى لكان مدلول الاسم وجود الحق أيضا فعلى كل وجه ليس إلا الحق فما ثم وضيع فالكل ذو حسب صميم و مجد و شرف عميم و إنما الحسبان الذي رمى الله به روضة أحد الرجلين من السماء فأصبحت صَعِيداً زَلَقاً و أصبح ماؤها غورا فكونها أصبحت صعيدا زلقا أورثها الشرف و بما نعتها به من الزلق أورثها التنزيه و الرفعة في الدرجة بما جعلها صعيد أو أزال عنها أنواع المخالفة بما أزال عنها من الشجر فإن الحسبان كان من السماء فأعطى مرتبة السمو لمن كان موصوفا بالأرض و هي الساترة من فيها و لهذا سميت جنة فما أبرز ما برز منها إلا جود السماء و هو المطر وجودها بحرارة الشمس فمن السماء ظهرت زينتها فالسماء كستها بحسبانها و السماء جردتها من زينتها بحسبانها فمن زينتها كثرت أسماؤها بما فيها من صنوف الثمر و الأشجار و الأزاهر و من تجريدها و تنزيهها توحد اسمها و ذهبت أسماؤها لذهاب زينها إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها و ليس الأرض في الاعتبار سوى المسمى خلقا و ليس زينتها سوى المسمى حقا فبالحق تزينت و بالحق تنزهت و تجردت عن ملابس العدد و ظهرت بصفة الأحد و هذا كله من هذه الحضرة حضرة الاكتفاء و هو الاسم الإلهي الحسيبوَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و هو قوله وَ يَهْدِي من يَشاءُ إِلىصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
«حضرة الجلال»
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الجليل قال تعالى و جل وَ هُوَ الَّذِي في السَّماءِ إِلهٌ وَ في الْأَرْضِ إِلهٌ و في السَّماءِ رِزْقُكُمْ وَ ما تُوعَدُونَ
فمن نسبة الجلال إليه له الاسم و من حضرة الجلال ظهرت الألوهة و عجز الخلق عن المعرفة بها و من هذا الاسم يعلم سركم في الأرض لما فيكم من نسبة الباطن و جهركم لما فيكم من نسبة الظاهر لارتفاعكم عن تأثير الأركان فكل عظيم فهو جليل و كل حقير فهو جليل فهو من الأضداد و قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله فقال بجمعه بين الضدين ثم تلا هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ يعني من عين واحدة و في عين واحدة ثم نرجع و نقول و لا أحقر ممن يسأل أن يطعم لإقامة نشأته و إبقاء الحياة الحيوانية عليه و على قدر الاحتقار يكون الافتقار و أي افتقار أعظم ممن لا يكون له ما يريد إلا بغيره لا بنفسه و لو لا القوابل ما ظهر مجد القادر لو لا جوع العبد ما ادعى فيه السيد و لو لا عين العبد ما كان للجوع حكم و لما أراد السيد أن يظهر بحكم لا يقوم إلا بعبده فلا بد أن يتعين وجود العبد و هو الذليل فالمفتقر إليه أشد في الحكم و أولى بالاسم فما كمل الوجود إلا بهذا الاسم فما من شيء إلا و له و عليه حكم فثبت الافتقار للحكم سواء حكمت له أو عليه و ما حكم على شيء و لا لشيء إلا عينه فما جاءه شيء من خارج فما ثم إلا هو فهو الحاكم و الحكم و المحكوم عليه أو له فتوحدت العين و اختلفت النسب كبدل الشيء من الشيء و هما لعين واحدة و أما عظمة الجليل فمن تأثيره كما إن حقارته من كونه مؤثرا فيه اسم مفعول و ما من شيء إلا مؤثر و مؤثر فيه لا بد من ذلك فاسم الجليل له حقيقة فيقول العظيم الذي له التأثير للمؤثر فيه الحقير يا جليل و يقول الحقير الذي تأثر و ظهر الأثر فيه للذي له الأثر و التأثير يا جليل بالوجهين من كل قائل و مسم و واصفو ناعت فما رأينا أشبه شيء منه بالصدى فإنه ما يرد عليك إلا ما تكلمت به فوضعه الحق لهذا المقام و أمثاله مثالا مضروبا فإن الله ما خلق الخلق لعين الخلق و إنما خلقه ضرب مثال له سبحانه و تعالى علوا كبيرا و لهذا أوجده على صورته فهو عظيم بهذا القصد و حقير بكونه موضوعا و لا بد من عارف و معروف فلا بد من خلق و حق و ليس كمال الوجود إلا بهما فظهر كمال الوجود في الدنيا ثم ينتقل الأمر إلى الأخرى على أتم الوجوه و أكملها عموما في الظاهر كما عمت في الدنيا في الباطن فهي في الآخرة في الظاهر و الباطن فلا بد أن تكون الآخرة تطلب حشر الأجساد و ظهورها و لا بد من إمضاء حكم التكوين فيهما فهي في الدنيا في العموم تقول للشيء كُنْ فَيَكُونُ في تصورها و تخيلها لأن موطن الدنيا ينقص في بعض الأمزجة عن إمضاء عين التكوين في العين في الظاهر و في الآخرة تقول ذلك بعينه لما يريد أن يكون كُنْ فَيَكُونُ في عينه من خارج كوجود الأكوان هنا عن كن الإلهية عند أسبابها فكانت الآخرة أعظم كمالا من هذا الوجه لتعميم الكلمة الحضرتين الخيال و الحس
و ما ثم حضرة في الحضرات الإلهية من يكون عنها النقيضان في العين الواحدة إلا هذه الحضرة فهي العامة الجامعة التي تضمنت الأسماء كلها حسنها و سيئها و الجلال من صفات الوجه فله البقاء دائما و هو من أدل دليل على إن كل ما في الدنيا في الآخرة بلا شك و مما في الدنيا ما لا خفاء به و هي الأجسام الطبيعية التي من شأنها أن تأكل و تشرب و تستحيل مأكلها و مشروبها بحسب أمزجتها ففي الجنة يستحيل ما يأكله أهلها عرقا يخرج من أعراضها أطيب من ريح المسك قال تعالى وَ يَبْقىوَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فقال قائل بأي نسبة يكون له هذا البقاء فقال ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ فرفع بنعت الوجه فلو خفض نعت الرب و كان النعت بالجلال و له النقيضان فيبقى الوجه الذي له النقيضان و لا يفنى و إنما يفنى ما كان على هذه الأرض فناء انتقال في الجوهر و فناء عدم في الصورة فيظهر مثل الصورة لا عينها في الجوهر الباقي الذي هو عجب الذنب الذي تقوم عليه نشأة الآخرة فيبقى حكم الوجه المنعوت بالجلال و يتبعه اسمه حيث كان فللاسم البقاء كما كان البقاء للمسمى به وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة الكرم»
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الكريم و هو يتبع الجليل و يلازمه قال تعالى وَ يَبْقىوَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ و قال تعالى تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ و إنما تبعه من حيث ما يعطيه وضع الجلال و لما كان يعطي النقيضين جاء بالإكرام على الوجهين فإن السامع إذا أخذ الجلال على العظمة أدركه القنوط لعدم الوصول إلى من له العظمة لما يرى نفسه عليه من الاحتقار و البعد عن التفات ما يعطيه مقام العظمة إليه فأزال الله عن وهمه ذلك الذي تخيله بقوله وَ الْإِكْرامِ أي و إن كانت له العظمة فإنه يكرم خلقه و ينظر إليهم بجوده و كرمه نزولا منه من هذه العظمة فلما سمع القانط ذلك عظم في نفسه أكثر مما كان عنده أو لا من عظمته و ذلك لأن عظمته الأولى التي كان يعظم بها الحقكانت لعين الحق عن انكسار من العبد و ذلة فلما وصف الحق نفسه بأنه يكرم عباده بنزوله إليهم حصل في نفس المخلوق إن الله ما اعتنى به هذه العناية إلا و للمخلوق في نفس هذا العظيم ذي الجلال تعظيم فرأى نفسه معظما فلذلك زاد في تعظيم الحق في نفسه إيثارا لجنابه لاعتناء الحق به على عظمته فزاد الحق بالكرم تعظيما في نفس هذا العبد أعظم من العظمة الأولى هذا إذا أخذ الجلال و حمله على العظمة فإن أخذه السامع و حمله على نقيض العظمة فإنه يحصل أيضا في نفسه القنوط لأنه حقير و قد استند إلى مثله فمن أين يأتيه من تكون له منه رفعة و الذي استند إليه جليل فيقول له لسان الصفة و مع هذا فإنه ذو إكرام و الدليل على أنه ذو إكرام امتنانه عليك بوجودك و لم تكن شيئا موجودا و لا مذكورا فلو لا كرمه لبقيت في العدم فكرامته بك في إعطائه الوجود إياك أعز من كرامته بك بعد وجودك بما يمنحك به من نيل أغراضك فيتنبه هذا الناظر في هذا الاسم و حمله على نقيض العظمة و يقول صحيح ما قال من أكرمني بالوجود الخير و حال بيني و بين الشر المحض و هو العدم لا بد أن يكون قادرا على إيجاد ما يسرني و دعه يكون في نفسه ما كان إنما الغرض أن يكون له الاقتدار على تكوين ما أريده منه و ما جعل عنده هذا إلا قوله وَ الْإِكْرامِ و انظر إلىقول النبي ص و ما أعجبه في نهيه أن يقال عن العنب الكرمو غيرته ص على هذا الاسمثم قال فإن الكرم قلب المؤمن فإن قلبت المؤمن وجدت الحق في قلبك إياهفإن الله يقول وسعني قلب عبدي المؤمنو الحق باطن المؤمن و هو قلب الظاهر و الحق هنا هو الكريم لأن القلب هو الكرم فهو محل الكرم و جاء بالاسم الكريم على هذه البنية لكونها تقتضي الفاعل و المفعول فهو تعالى كريم بما وهب و أعطى و جاد و امتن به من جزيل الهبات و المنح و هو مكرم و متكرم عليه بما طلب من القرض فأقرض العبد ربه عن أمره و بما عبده خلقه لأنه ما خلقهم إلا ليعبدوه و جعل لهم الاختيار فلما جعل لهم الاختيار ربما أداهم ذلك إلى البعد عما خلقوا له من العبادة و لما علم الحق ذلك ظهر في صورة كل شيء و أخبر عباده بذلك فقال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و لا بد لكل مخلوق من التولي إلى أمر ما و قال الحق تعالى في ذلك الذي توليت إليه وجهي و ما أعلمهم بذلك إلا ليتصفوا بصفة الكرم على الله بتوليهم لأنهم لو لم يعلموا ذلك بإعلامه مع وجود الاختيار الذي يعطي التفرق في الأشياء لتخيلوا أنهم قد خرجوا عن حكم ما خلقوا له من التكرم على ربهم بعبادتهم إياه فربما كانوا يجدون في نفوسهم من ذلك حرجا حيث خالفوا ما خلقوا له مع كرمه بهم بإيجادهم فأزال الله عنهم ذلك الحرج كرما منه و اعتناء بهم بقوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله فانطلقوا في اختيارهم إذا علموا أنهم حيث تولوا ما ثم إلا وجه الله فوقفوا على علم ما خلقوا له و قد كان قبل هذا يتخيلون أنهم يتبعون أهواءهم و الآن قد علموا إن أهواءهم فيها وجه الحق و لهذا جاء بالاسم الله لأنه الجامع لكل اسم فقال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و ذلك الأين يعين بحقيقته اسما خاصا من أسماء الله فلله الإحاطة بالأينيات بأحكام مختلفة لأسماء إلهية مختلفة تجمعها عين واحدة فمن كرمه قبول كرم عباده فقبل عطاياهم قرضا و صدقة فوصف نفسه بالجوع و الظماء و المرض ليتكرم عليه في صورة ذلك الكون الذي الحق وجهه بالعيادة و الإطعام و السقي و الكرم على الحاجة أعظم وقوعا في نفس المتكرم عليه من الكرم على غير حاجة لأنه مع الحاجة ينظره إحسانا مجردا يثمر له الشكر و لا بد و الشكر يثمر الزيادة من العطاء و الكرم على غير الحاجة من المتكرم عليه يظهر له الحال الذي هو عليه وجوها من التأويل قد يخرجه من نظره إنه أحسن إليه فربما يتخيل فيه أمرا يرد به فلهذا أنزل الحق إلى عباده في طلب الكرم منهم إلى الظهور بصفة الحاجة ليعلمهم أنه ما ينظر في أعطياتهم إلا الإحسان مجردا فهي بشرى من الله جاءت منه إلى عباده من قوله لَهُمُ الْبُشْرىفي الْحَياةِ الدُّنْيا و هذه منها فهذا اسم الكريم من حضرة الكرم فبكرمه تكرمت عليه كما قررنا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة المراقبة»
يدعى صاحبها عبد الرقيب و ليس في الحضرات من يعطي التنبيه على إن الحق معنا بذاته في قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ إلا هذا الاسم الرقيب و هذه الحضرة لأنه على الحقيقة من الرقبى و الرقبى إن تملك رقبة الشيء بخلاف العمري فإذا ملكت رقبة الشيء تبعته صفاته كلها و ما ينسب إليه بخلاف الصفة لأنك إذا ملكت صفة ما لا يلزم أن تملك جميع الصفات و إذا ملكت الموصوف فبالضرورة تملك جميع الصفات لأنها لا تقوم بأنفسها و إنما تطلب الموصوف و لا تجده إلا عندك فتملكها عند ذلك فهي كالحبالة للصائد فأما ملكه إياك فمعلوم بما تعطيه حقيقتك و أما ملكك إياه فبقوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و وجه الشيء ذاته و حقيقته و الرقيب اسم فاعل على كل شيء و هو المرقب عليه فإنه المشهود لكل شيء فيرقب العبد في جميع حركاته و سكناته و يرقبه العبد في جميع آثاره في قلبه و خواطره و حركاته و حركات ما خرج عنه من العالم فلا يزال صاحب هذه الحضرة في مزيد علم إلهي أبدا علم ذات ينجر معه علم صفات و نعوت و أسماء و نسب و أحكام و لا بد لهذا الاسم من حكم الإحاطة حتى يصح شمول المراقبة و لما كانت المراقبة تقتضي الاستفادة و الحفظ حذرا من الوقائع فالعلم قوله حتى نعلم فإذا ابتلاه راقبه حتى يرى ما يفعل فيما ابتلاه به لأنه ما ابتلاه ابتداء و إنما ابتلاه لدعواه لأنه قال لهم أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ فقالوا بَلىفادعوا فابتلاهم ليرى صدق دعواهم و لقد رحم الله عباده حين أَشْهَدَهُمْ عَلىأَنْفُسِهِمْ بما قبضهم و قررهم عليه من كونه ربهم و ما أشهد هم على توحيده و يصدق المقر بالملك لمن له فيه شقص فجعل لهم الانفساح من أجل ما علم من يشرك من عباده الشرك المحمود و المذموم فغير المذموم شرك الأسباب فإن القائلين بها أكثر العباد مع كونهم لا يعتقدون فيها إلا أنها موضوعة من عند الله و المذموم من الشرك أن يجعل المشرك مَعَ الله إِلهاً آخَرَ من واحد فما زاد و لذلك قال من قال من المشركين أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ فقوله إن هذا لشيء عجاب عندنا هو قول الله و قوله أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً حكاية الله لنا عن المشرك أنه قال هكذا إما لفظا و إما معنى فقال الله عند قولهم ذلك إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ حيث جعلوا الإله الواحد آلهة و خصوص و صفة إنه إله و به يتميز فلا يتكثر بما به يتميز و يشهد لهذا النظر قولهم فيما حكى الله عنهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفىفعصم الله هذا الاسم الله أن يقع فيه اشتراك فهم يعلمون أنهم نصبوهم آلهة و لهذا وقع الذم عليهم بقوله أَ تَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ و الإله من لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ و أما لطفه بهم في هذا الإشهاد فهو القبض و القبض يقتضي القهر فما أقروا به إلا مع القهر فالمشرك منهم أقر على كره فلما تخيلوا أنهم قد خرجوا من القبضة لجهلهم بما هو الأمر عليه قالوا بالشركة فإذا قيل لهم في ذلك احتجوا بما كانوا عليه من القبض فيعذرون في دعواهم أنهم ما أدعو ذلك إلا جبرا لا اختيارا و الحكم في الأشياء للأحوال فمن راقب أحواله علم من أين صدر فلا يخلو هذا المراقب إما أن يكون ميزان الشريعة بيده فإنه يرى بعين إيمانه إن كان من أهل الايمان أو بعين شهوده إن كان من أهل الشهود و من لم يكن له إحدى هذين العينين فهو أعمى فيرى الحق و الميزان بيده يخفض و يرفع فيقتدي بربه و يتأسى و ما عنده إلا ميزان ما شرع له لا يلتفت مع الايمان إلى ميزان عقله فيزن ما يرد عليه من الأحوال من جانب ربه فيخفض و يرفع و يزيد في الناقص و ينقص من الزائد فيأخذ من عباده بالعدل و يعطي بالفضل فلا يزال ما دام هذا الميزان بيده معصوما في مراقبته و يصح عنده إنه عند الاسم الرقيب لأنه قد تحقق بنعته بسيده فأسعد العبيد من يراقب سيده مراقبة سيده إياه فيراقب الحق مراقبة عبده لمن يراقب فيكون معه بحيث يرى منه و من ملك المراقبة كان له التصريف كيف شاء في المراقب فإن الله مع عبده حيث كان
فالعبد و إن كان مقيدا بالشرع فإن الشرع قد جعله مسرح العين في تصرفه و يحمده الميزان و يذمه و المراقب معه أينما كان من محمود و مذموم فإذا كان العبد هو المراقب و لا يرى الحق مجردا عن الخلق تجريد تنزيه و تقديس أبدا لأنه لا تصح هناك مراقبة فلا بد أن يراه في الخلق في حضرة الأفعال فيكون المراقب و هو العبد حيث كان الحق منخلقه لأنه في الخلق يشهده فينظر ما يقتضيه ذلك الأثر في ذلك الخلق المعين فيزنه بالميزان الموضوع و يكون معه بحسب ما يعطيه ميزان الحق فينظر أي اسم إلهي يكون له الحكم في ذلك الأمر الموزون فيتوجه إليه باسم إلهي يكون عليه هذا المراقب الذي هو العبد كان ما كان من الأسماء الإلهية فإن كان يقتضي ما لا يوافق غرضه و لا يلائم مزاجه و لا يحمده شرعه سأل رفع ذلك الحكم منه إن كان نظره شرعا بالتوبة و المغفرة و إن كان ذا غرض سأل الموافقة و إن كان ممن يقول بالملاءمة سأل الأصلح و الأولى طبعا فهو بحسب ما يكون عليه في حاله
«حضرة الإجابة»
يدعى صاحبها عبد المجيب و تسمى حضرة الانفعال فإن صاحب هذه الحضرة أبدا لا يزال منفعلا و هو قولهم في المقولات أن ينفعل و هذا حكم ما يثبت عقلا و إنما يثبت شرعا فلا يقبل إلا بصفة الايمان و بنوره يظهر و بعينه يدرك قال تعالى وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ يعني منكم و لا أقرب من نسبة الانفعال فإن الخلق منفعل بالذات و الحق منفعل هنا عن منفعل فإنه مجيب عن سؤال و دعاء أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ و هو الموجب للاجابة إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي إذا دعوتهم و ما دعاهم إليه إلا بلسان الشرع فما دعاهم إلا بهم فإنه تلبس بالرسول فقال من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فقرر أنه ما جاء منه إلا به فما فارقه و لا شاهد الخلق المبعوث إليهم إلا الرسول فظاهره خلق و باطنه حق كما قال في البيعة إِنَّما يُبايِعُونَ الله و ما في الكون إلا فاعل و منفعل فالفاعل حق و هو قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و الفاعل خلق و هو قوله فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ و اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ و المنفعل خلق و هو معلوم و خلق في حق و هو الإجابة و حق في خلق و هو ما انطوت عليه العقائد في الله من أنه كذا و كذا و خلق في خلق و هو ما تفعله الهمم في المخلوقات من حركات و سكون و اجتماع و افتراقثم اعلم أن الإجابة على نوعين إجابة امتثال و هي إجابة الخلق لما دعاه إليه الحق و إجابة امتنان و هي إجابة الحق لما دعاه إليه الخلق فإجابة الخلق معقولة و إجابة الحق منقولة لكونه تعالى أخبر بها عن نفسه و أما اتصافه بالقرب في الإجابة فهو اتصافه بأنه أقرب إلى الإنسان من حَبْلِ الْوَرِيدِ فشبه قربه من عبده قرب الإنسان من نفسه إذا دعا نفسه لأمر ما تفعله فتفعله فما بين الدعاء و الإجابة الذي هو السماع زمان بل زمان الدعاء زمان الإجابة فقرب الحق من إجابة عبده قرب العبد من إجابة نفسه إذا دعاها ثم ما يدعوها إليه يشبه في الحال ما يدعو العبد ربه إليه في حاجة مخصوصة فقد يفعل له ذلك و قد لا يفعل كذلك دعاء العبد نفسه إلى أمر ما قد تفعل ذلك الأمر الذي دعاها إليه و قد لا تفعل لأمر عارض يعرض له و إنما وقع هذا الشبه لكونه مخلوقا على الصورة و هو أنه وصف نفسه في أشياء بالتردد و هذا معنى التوقف في الإجابة فيما دعا الحق نفسه إليه فيما يفعله في هذا العبد و قد ثبت هذا في قبضه نسمةالمؤمن فإن المؤمن يكره الموت و الله يكره مساءة المؤمنفقال عن نفسه سبحانه ما ترددت في شيء أنا فاعله تردديفأثبت لنفسه التردد في أشياء ثم جعل المفاضلة في التردد الإلهي فقال تعالى ترددي في قبض نسمة المؤمن الحديث فهذا مثل من يدعو نفسه لأمر ما ثم يتردد فيه حتى يكون منه أحد ما يتردد فيه و الدعاء على نوعين دعاء بلسان نطق و قول و دعاء بلسان حال فدعاء القول يكون من الحق و من الخلق و دعاء الحال يكون من الخلق و لا يكون من الحق إلا بوجه بعيد و الإجابة للدعاء بلسان الحال على نوعين إجابة امتنان على الداعي و إجابة امتنان على المدعو فأما امتنانه على الداعي فقضاء حاجته التي دعاه فيها و امتنانه على المدعو فإنه بها يظهر سلطانه بقضاء حاجته فيما دعاه إليه و للمخلوق في قبوله ما يظهر فيه الاقتدار الإلهي رائحة امتنان و لهذه القوة الموجودة من من من على رسول الله ص بالإسلام فقال تعالى تأنيسا له يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ثم أمره أن يقول لهم فقال يا محمد قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فتلك المنة الواقعة منهم إنما هي على الله لا على رسوله ص فإنهم ما انقادوا إلا إلى الله لأن الرسول ما دعاهم إلى نفسه و إنما دعاهم إلى الله فقوله لهم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ يعني في إيمانكم بما جئت به فإنه مما جئت به إن الهداية بيد الله يَهْدِي به من يَشاءُ من عِبادِهِ لا بيد المخلوق ثم إن النبي ص أبان عما ذكرناه من أن لهم رائحة في الامتنان أما و الله لو شئتم أن تقولوا لقلتم و ذكر نصرة الأنصار و كونهم أووه حين طرده قومه و أطاعوه حين عصوه قومه فأشبهوا فيما كان منهم بما قرره رسول الله ص من ذلك قوله تعالى لنبيه أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوىوَ وَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدىوَ وَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنىو لما كانت النعم محبوبة لذاتها و كان الغالب حب المنعم حتى قالت طائفة إن شكر المنعم واجب عقلا جعل الله التحدث بالنعم شكرا فإذا سمع المحتاج ذكر المنعم مال إليه بالطبع و أحبه فأمره أن يتحدث بنعم الله عليه فقال وَ أَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ حتى يبلغ القاصي و الداني و قال في الإنسان فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ وَ أَمَّا السَّائِلَ يعني في العلم فَلا تَنْهَرْ و من هذا الأمر ذكر أهل الله ما أنعم الله به عليهم من المعارف و العلم به و الكرامات فإن النعم ظاهرة و باطنة و قد أسبغها على عباده كما قال وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً فهذا بعض ما يعطيه هذه الحضرة من الانفعال وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«حضرة السعة»
يدعى صاحبها عبد الواسع قالت الملائكة رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً فقدمت الرحمة على العلم لأنه أحب أن يعرف و المحب يطلب الرحمة به فكان مقام المحب الإلهي أول مرحوم فخلق الخلق و هو نفس الرحمن و قال وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فعم بكل كل مرحوم و ما ثم إلا مرحوم و من كان علمه بالشيء ذوقا و كان حاله فإنه يعلم ما فيه و ما يقتضيه من الحكم و قد قال الترجمان ص إن المؤمن لا يكمل حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسهو قد علمنا إن له الكمال و أنه المؤمن و أن العالم على صورته فقد ثبتت الأخوة بالصورة و الايمان لأنه ما ثم إلا قائل به مؤمن مصدق بوجوده فإنه ما من شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و ما من شيء إلا وسعته رحمته كما وسعه تسبيحه و حمده فهو الواسع لكل شيء و لهذا الاتساع هو لا يكرر شيئا في الوجود فإن الممكنات لا نهاية لها فأمثال توجد دنيا و آخرة على الدوام و أحوال تظهر و قد وَسِعَ كُرْسِيُّهُ و هو علمه السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و وسعت رحمته علمه و السموات و الأرض و ما ثم الا سماء و أرض فإنه ما ثم إلا أعلى و أسفل سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فلا أعلى بعده و لو دليتم بحبل لهبط على الله فلا أنزل منه و ما بينهما فينزل إلى العلو الأدنى و هو السماء الأولى من جهتنا فإنها السماء الدنيا أي القريبة إلينا و ما نزل ليعذب و يشقى بليقول هل من داع فاستجيب له هل من سائل فأعطيهو ما يخلو شيء من سؤال بخير في حق نفسههل من تائب فأتوب عليهو ما من شيء إلا و يرجع في ضرورته إذا انقطعت به الأسباب إليههل من مستغفر فاغفر لهو ما من شيء إلا و هو مستغفر في أكثر أوقاته لمن هو إله و لم يقل إنه ينزل ليعذب عباده الذين نزل في حقهم و من كان هذا نعته و عذب فعذابه رحمة بالمعذب و تطهير كعذاب الدواء للعليلفيعذبه الطبيب رحمة به لا للتشفي ثم اتساع العطاء فإنه أعطى الوجود أولا و هو الخير الخالص ثم لم يزل يعطي ما يستحقه الموجود مما به قوامه و صلاحه كان ما كان فهو صلاح في حقه و لهذا أضاف العارف به المترجم عنه كلمة الحضرة و لسان المقام الإلهيرسوله ص الخير إليه فقال و الخير كله في يديك و نفي الشر أن يضاف إليه فقال و الشر ليس إليكو قد بينا أنه ما ثم معط إلا الله فما ثم إلا الخير سواء سر أم ساء فالسرور هو المطلوب و قد لا يجيء إلا بعد إساءة لما يقتضيه مزاج التركيب و قبول المحل لعوارض تعرض في الوجود و كل عارض زائل و لهذا يسمى بالمعطي و المانع و الضار و النافع فعطاؤه كله نفع غير إن المحل في وقت يجد الألم لبعض الأعطيات فلا يدرك لذة العطاء فيتضرر بذلك العطاء و لا يعلم ما فيه من النفع الإلهي فيسميه ضارا من أجل ذلك لعطاء و ما علم إن ذلك من مزاج القابل لا من العطاء أ لا ترى الأشياء النافعة لأمزجة ما كيف تضر بأمزجة غيرها قال الله في العسل إنه شِفاءٌ لِلنَّاسِفجاء رجل لرسول الله ص فقال له إن أخي استطلق بطنه فقال اسقه عسلا فسقاه عسلا فزاد استطلاقه فرجع فأخبره فقال اسقه عسلا فزاد استطلاقه و ما علم هذا الرجل ما علمه رسول الله ص من ذلك فإنه كان في المحل فضلات مضرة لا يمكن إخراجها إلا بشرب العسل فإذا زالت عنه أعقبته العافية و الشفاء فلما رجع إليه قال له يا رسول الله سقيته عسلا فزاد استطلاقه فقال صدق الله و كذب بطن أخيك اسقه عسلا في الثالثة فسقاه فبرئ فإنه استوفى خروج الفضلات المضرة و كالذي يغلب على العضو الحامل للطعم المرة الصفراء فيجد العسل مرا فيقول العسل مر فكذب المحل في إضافة المرارة إلى العسل لأنه جهل إن المرة الصفراء هي المباشرة لعضو الطعم فأدرك المرارة فهو صادق في الذوق و الوجدان كاذب في الإضافة فألقوا بل أبدا هي التي لها الحكم فما من الله إلا الخير المحض كله فمن اتساع رحمته إنها وسعت الضرر فلا بد من حكمه في المضرور فالضرر في الرحمة ما هو ضرر و إنما هو أمر خير بدليل أنه بعينه إذا قام بالمزاج الموافق له التذ به و تنعم و هو هو ليس غيره فالأشياء إلى الله إنما تضاف إليه من حيث إنها أعيان موجودة عنه ثم حكم الالتذاذ بها أو غير الالتذاذ إنما هو راجع إلى القابل و لو علم الناس نسبة الغضب إلى الله لعلموا أن الرحمة تسع الكل فإن القادر على إزالة الألم عن نفسه لا يتركه فقامت الأحوال من الخلق و المواطن للحق مقام المزاج للحيوان فيقال في الحق إنه يغضب إذا أغضبه العبد و يرضى إذا أرضاه العبد فحال العبد و الموطن يرضى الحق و يغضبه كالمزاج للحيوان يلتذ بالأمر الذي كان بالمزاج الآخر يتألم به فهو بحسب المزاج كما هو الحق بحسب الحال و المواطن أ لا ترى في نزوله إلى السماء الدنيا ما يقول فإنه نزول رحمة يقتضيها الموطن و إذا جاء يوم القيامة يقتضي المواطن أنه يجيء للفصل و القضاء بين العباد لأنه موطن يجمع الظالم و المظلوم و موطن الحكم و الخصومات فالحكم للمواطن و الأحوال في الحق و الحكم في التألم و الالتذاذ و التلذذ للمزاج إن ربك واسع المغفرة أي واسع الستر فما من شيء إلا و هو مستور بوجوده و هو الستر العام فإنه لو لم يكن ستر لم يقل عن الله هو و لا قال أنت فإنه ما ثم إلا عين واحدة فأين المخاطب أو الغائب فلهذا قلنا في الوجود إنه الستر العام ثم الستر الآخر بالملائم و عدم الملائم فهو واسِعُ الْمَغْفِرَةِ و هي حضرة إسبال الستور و قد تقدم الكلام عليها في هذا البابثم قال هو أعلم بمن اتقى و الستر وقاية و الغفران هو الستر فالعبد يتقي بالستر ألم البرد و الحر إذا علم من مزاجه قبول ألم الحر و البرد فإن الحر و البرد ما جاء إلا لمصالح العالم ليغذي النبات الذي هو رزق العالم فيبرزه لينتفع به فيكون جسم الحيوان على استعداد يتضرر به فيقول إني تأذيت بالحر و البرد و إذا رجع مع نفسه لما قصد بهما بحسب ما يعطيه الفصول علم أنه ما جاء إلا لنفعه فتضرر بما به ينتفع و الغفلة أو الجهل سبب هذا كله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الحكيم حضرة الحكمة»
يدعى صاحبها عبد الحكيم قال الله تعالى وَ من يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و ما كثره الله لا تدخله قلة كما إن ما عظم الله ما يدخله احتقار و امتن على داود بأن آتاه الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطابِ و هو من الحكمة فإنه لفصل الخطاب موطن يعطي الحكمة لصاحبها أن لا يظهر منه في ذلك الموطن إلا فصل الخطاب و هو الإيجاز في البيان في موطنه لسامع خاص لذي حال خاص و الإسهاب في البيان في موطنه لسامع خاص ذي حال خاص و مراعاة الأدنى أولى من مراعاة الأعلى فإن ذلك من الحكمة فإن الخطاب للافهام فإذا كرر المتكلم الكلام ثلاث مرات حتى يفهم عنه كما كان كلام رسول الله ص فيما يبلغه عن الله للناس يراعي الأدنى ما يراعي من فهم من أول مرة فيزيد صاحب الفهم في التكرار أمورا لم تكن عنده أفادها إياه التكرار و الأدنى الذي لم يفهم فهم الأول فهم بالتكرار ما فهمه الأول بالقول الأول أ لا ترى العالم الفهم المراقب أحواله يتلو المحفوظ عنده من القرآن فيجد في كل تلاوة معنى لم يجده في التلاوة الأولى و الحروف المتلوة هي بعينها ما زاد فيها شيء و لا نقص و إنما الموطن و الحال تجدد و لا بد من تجدده فإن زمان التلاوة الأولى ما هو زمان التلاوة الثانية فافهم فتعطي هذه الحضرة علم الترتيب و إعطاء كل شيء حقه و إنزاله منزلته فيعلم العبد المراقب أن الله هو واضع الأشياء و هو الحكيم فما وضع شيئا إلا في موضعه و لا أنزله إلا منزلته فلا تعترض على الله فيما رتبه من الكائنات في العالم في كل وقت و لا يرجح نظره و فكره على حكمة ربه فيقول لو كان كذا في هذا الوقت لكان أحسن في النظم من الترتيب فما أخطأ إلا في قوله في هذا الوقت لا في قوله لو كان كذا لكان أحسن فلما غابت عنه حكمة الوقت تخيل أن ذلك الذي هو أحسن إن هذا الوقت يقتضيه و هذا نظر عقلي فإن الأزمنة لكل ممكن على نسبة واحدة فليس زمان لشيء بأولى من زمان آخر و لكن أين فائدة المرجح إلا علمه بالزمان و ما يقتضيه لأنه خالق الزمان و ما هذا الناظر خالق الزمان فهو يعلم ما خلق فما رتب فيه إلا ما استحقه بخلقه فإنه أعطى كل شيء خلقه فالحكيم من حكمته الحكمة فصرفته لا من حكم الحكمة فإنه من حكم الحكمة له المشيئة فيها و من حكمته الحكمة فهي المصرفة له و إذا قامت الصفة بالموصوف أعطته حكمها عطاء واجبا قال تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فالحكم للقول و ذلك ليس إلا لله أو لرجل متحقق بالله قد طالع القول الإلهي و من هنا تعلم ما هو النسخ فإن مفهوم النسخ في القائلين به رفع الحكم بحكم آخر كان ما كان من أحكام الشرع فإن السكوت من الشارع في أمر ما حكم على ذلك المسكوت عنه فما ثم إلا حكم فهو تبديل و قد قال تعالى ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فما ثم نسخ على هذا القول و لو كان ثم نسخ لكان من الحكمة و صورته إن الزمان إذا اختلف اختلف الحكم بلا شك فالنسخ ثابت أبدا لأن الاختلاف واقع أبدا فالحكمة تثبت النسخ و الحكمة ترفع النسخ و لكن في مواطن معينة تطلبها لذاتها فيوفيها الحكيم ما تستحقه من ذلك فالحكيم من قامت به الحكمة فكان الحكم لها به كما كان الحكم له بها فهو عينها و هي عينه فالحكمة عين الحاكم عين المحكوم به عين المحكوم عليه فالحكمة علم خاص و إن عمت و الفرق بينها و بين العلم أن الحكمة لها الجعل و العلم ليس كذلك لأن العلم يتبع المعلوم و الحكمة تحكم في الأمر أن يكون هكذا فيثبت الترتيب في أعيان الممكنات في حال ثبوتها بحكمة الحكيم لأنه ما من ممكن يضاف إلى ممكن إلا و يمكن إضافته إلى ممكن آخر لنفسه لكن الحكمة اقتضت بحكمها أن ترتبه كما هو بزمانه و حاله في حال ثبوته و هذا هو العلم الذي انفرد به الحق تعالى و جهل منه و ظهر به الحكم في ترتيب أعيان الممكنات في حال ثبوتها قبل وجودها فتعلق بها العلم الإلهي بحسب ما رتبها الحكيم عليه فالحكمة أفادت الممكن ما هو عليه من الترتيب الذي يجوز خلافه و الترتيب أعطى العالم العلم بأن الأمر كذا هو فلا يوجد إلا بحسب ما هو عليه في الثبوت الذي هو ترتيب الحكيم عن حكم الحكمة فقد بان لك الفرقان بين العلم و الحكمة فما يبدل القول لديه فإنه ما يقولإلا ما رتبته الحكمة كما أنه ما علم إلا ما رتبته الحكمة فيقول للشيء كُنْ فَيَكُونُ بالحال الذي هو عليه كان ما كان فمن هذه القوة يقول الناظر في الأمر لو كان كذا لجوازه عنده فإذا علم حكمة الله يقول بأنه يجهل حكمة الله في هذا الوضع الذي يقتضي في نظري لو كان خلافه لكان أحسن لكن لله فيه علم لا أعرفه و صدق و من الناس من يفتح له في سر ذلك الترتيب و من الناس من لا يعلم ذلك إلا بعد ما يقع حكمه في الوجودفيعلم عند ذلك حكمة ذلك الأمر و يعلم جهله بالمصالح و هذا كثير اتفاقه في العالم يكون الشخص يتسخط بالأمر الذي لا يوافق غرضه و لا نظره و ينسب مثلا الحاكم به إلى الجور فإذا ظهرت منفعة ذلك الحكم الذي تسخطت به عاد المتسخط يحمد الله و يشكر ذلك الحكم و الحاكم على ما فعل حيث دفع الله به ذلك الشر العظيم الذي لو لم يكن هذا الحكم لوقع بالمحكوم عليه ذلك الشر و هذا يجري كثيرا فغاية العارفين إنهم يعلمون بالجملة أن الظاهر في الوجود و الواقع إنما هو في قبضه الحكمة الإلهية فيزول عنه التسخط و الضجر و يقوم به التسليم و التفويض إلى الله في جميع الأمور كما جاء وَ أُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بِالْعِبادِ هذا هو حكم الحكمة لمن عقل عن الله و مثل هذا الشخص قد استعجل النعيم فإنه يتفرح و إذا كان هذا حاله فإن الله في أغلب الأحوال يطلعه في سره على حكمه الواقع في الحال الذي لا يرضى به العباد فإنه كل ما وقع به الرضي فقد علمت حكمته فإنه يراها الراضي موافقة لغرضه و إنما يقع النزاع و الجهل فيما لا يوافق الغرض و لا الترتيب الوهمي فإن العقل لا يعطي صاحبه في الواقع إلا الوقوف فإنه يدري ممن صدر و إنما الوهم الذي هو على صورة العقل له ذلك النظر المرجح و حاشا العقل أن يرجح على الله ما لم يرجحه الله و ما رجح الله إلا الواقع فأوقع ما أوقع حكمة منه و أمسك ما أمسك حكمة منه و هو الحكيم العليم فالعارف عنده الحكيم بتقدم العليم و العامي يقدم العليم ثم الحكيم و قد ورد الأمران معا فالحكيم خصوص و العليم عموم و لذلك ما كل عليم حكيم و كل حكيم عليم فالحكمة الخير الكثير
وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر الثاني و الثلاثون بانتهاء حضرة الحكمة لعبد الحكيم و الحمد لله وحده
«الوداد حضرة الود»
بسم الله الرحمن الرحيم و صلى الله على محمد و على آله و سلم
يدعى صاحبها عبد الودود قال الله تعالى في أصحاب هذه الحضرة يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ و قال فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهو في الحديث الصحيح إذا أحب الله عبده كان سمعه و بصره و يده و رجله و قواه ثابتة له لا تزول و إن كان أعمى أخرسفالصفة موجودة خلف حجاب العمي و الخرس و الطرش فهو ثابت المحبة من كونها ودا فإن هذه الصفة لها أربعة أحوال لكل حال اسم تعرف به و هي الهوى و الود و الحب و العشق فأول سقوطه في القلب و حصوله يسمى هوى من هوى النجم إذا سقط ثم الود و هو ثباته ثم الحب و هو صفاؤه و خلاصه من إرادته فهو مع إرادة محبوبه ثم العشق و هو التفافه بالقلب مأخوذ من العشقة اللبلابة المشوكة التي تلتف على شجرة العنبة و أمثالها فهو يلتف بقلب المحب حتى يعميه عن النظر إلى غير محبوبه تنبيه و كيف لا يحب الصانع صنعته و نحن مصنوعاته بلا شك فإنه خالقنا و خالق أرزاقنا و مصالحنا أوحى الله إلى بعض أنبيائه يا ابن آدم خلقت الأشياء من أجلك و خلقك من أجلي فلا تهتك ما خلقت من أجلي فيما خلقت من أجلك يا ابن آدم أنى و حقي لك محب فبحقي عليك كن لي محبا و الصنعة مظهرة علم الصانع لها بالذات و اقتداره و جماله و عظمته و كبرياءه فإن لم يكن فعلى من و فيمن و بمن فلا بد منا و لا بد من حبه فينا فهو بنا و نحن به كما قال ص في ثنائه على ربه فإنما نحن به و لهو هذه حضرة العطف و الديمومة
فلم يزل يحب فلم يزل ودودا فهو يوجد دائما في حقنا فهو كل يوم في الشأن و لا معنى للوداد إلا هذا فنحن بلسان الحال و المقال لا نزال نقول له افعل كذا افعل كذا و لا يزال هو تعالى يفعل و من فعله فينا نقول له افعل أ ترى هذا فعل مكره و لا مكره له تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا بل هذا حكم الاسم الودود منه فإنه الغفور الودود منه فإنه الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ الذي استوى عليه بالاسم الرحمن فإنه ما رحم إلا صبابة المحب و هي رقة الشوق إلى لقاء المحبوب و لا يلقاه إلا بصفته و صفته الوجود فأعطاه الوجود و لو كان عنده أكمل من ذلك ما بخل به عليه كما قال الإمام أبو حامد في هذا المقام و لو كان و ادخره لكان بخلا ينافي الجود و عجزا يناقض القدرة فأخبر تعالى أنه الْغَفُورُ الْوَدُودُ أي الثابت المحبة في غيبه فإنه عز و جل يرانا فيرى محبوبه فله الابتهاج به و العالم كله إنسان واحد هو المحبوب و أشخاص العالم أعضاء ذلك الإنسان و ما وصف المحبوب بمحبة محبه و إنما جعله محبوبا لا غير ثم إن من رزقه أن يحبه كحبه إياه أعطاه الشهود و نعمه بشهوده في صور الأشياء فالمحبون له من العالم بمنزلة إنسان العين من العين فالإنسان و إن كان ذا أعضاء كثيرة فما يشهد و يرى منه إلا العينان خاصة فالعين بمنزلة المحبين من العالم فأعطى الشهود لمحبيه لما علم حبهم فيه و هو عنده علم ذوق ففعل مع محبيه فعله مع نفسه و ليس إلا الشهود في حال الوجود الذي هو محبوب للمحبوب فما خلق الجن و الإنس إلا ليعبدوه فما خلقهم من بين الخلق إلا لمحبته فإنه ما يعبده و يتذلل إليه إلا محب و ما عدا الإنسان فهو مسبح بحمده لأنه ما شهده فيحبه فما تجلى لأحد من خلقه في اسمه الجميل إلا للإنسان و في الإنسان في علمي فلذا ما فنى و هام في حبه بكليته إلا في ربه أو فيمن كان مجلى ربه فأعين العالم المحبون منه كان المحبوب ما كان فإن جميع المخلوقين منصات تجلى الحق فودادهم ثابت فهم الأوداء و هو الودود و الأمر مستور بين الحق و الخلق بالخلق و الحق و لهذا أتى مع الودود الاسم الغفور لأجل الستر فقيل قيس أحب ليلى فليلي عن المجلى و كذلك بشر أحب هندا و كثير أحب عزة و ابن الذريح أحب لبني و توبة أحب الإخيلية و جميل أحب بثينة و هؤلاء كلهم منصات تجلى الحق لهم عليها و إن جهلوا من أحبوه بالأسماء فإن الإنسان قد يرى شخصا فيحبه و لا يعرف من هو و لا يعرف اسمه و لا إلى من ينتسب و لا منزله و يعطيه الحب بذاته أن يبحث عن اسمه و منزله حتى يلازمه و يعرفه في حال غيبته باسمه و نسبه فيسأل عنه إذا فقد مشاهدته و هكذا حبنا الله تعالى نحبه في مجاليه و في هذا الاسم الخاص الذي هو ليلى و لبني أو من كان و لا نعرف أنه عين الحق فهنا نحب الاسم و لا نعرف أنه عين الحق فهنا نحب الاسم و لا نعرف العين و في المخلوق تعرف العين و تحب و قد لا يعرف الاسم أ يأبى الحب إلا التعريف به أي بالمحبوب فمنا من يعرفه في الدنيا و منا من لا يعرفه حتى يموت محبا في أمر ما فينقدح له عند كشف الغطاء أنه ما أحب إلا الله و حجبه اسم المخلوق كما عبد المخلوق هنا من عبده و ما عبد إلا الله من حيث لا يدري و يسمى معبوده بمناة و العزى و اللات فإذا مات و انكشف الغطاء علم أنه ما عبد إلا الله فالله يقول وَ قَضىرَبُّكَ أي حكم أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ و كذلك كان عابد الوثن لو لا ما اعتقد فيه الولهة بوجه ما عبده إلا أنه بالستر المسدل في قوله تعالى الْغَفُورُ الْوَدُودُ لم يعرفه و ليس إلا الأسماء و لذلك قال المعبود الحقيقي في نفس الأمر لما أضافوا عبادتهم إلى المجالي و المنصات قُلْ سَمُّوهُمْ فإذا سموهم عرفوهم و إذا عرفوهم عرفوا الفرق بينالله و بين من سموه كما تعرف المنصة من المتجلي فيها فتقول هذه مجلى هذا فيفرق
فما أعجب القرآن في مناسبة الأسماء بالأحوال ف هُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ فهو المحب و هو فعال لما يريد فهو المحبوب لأن المحبوب فعال لما يريد بمحبوبه و المحب سامع مطيع مهيأ لما يريد به محبوبه لأنه المحب الودود أي الثابت على لوازم المحبة و شروطها و العين واحدة فإن الودود هنا هو الفعال لما يريد فانظر في هذا التنبيه الإلهي ما أعجبه وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«المجد حضرة المجد»
يدعى صاحبها عبد المجيد و القرآن المجيد و هو كلامه تعالى فهو عينه حضرة المجد و الشرف حضرة الزهو و الصلف
إذا قال المصلي ملك يوم الدين يقول الحق مجدني عبديأي جعل لي الشرف عليه كما هو الأمر في نفسه فانظر إلى هذا الاعتراف و هو الحق الذي له المجد بالأصالة و الكلام كلامه بلا خلاف فإنه القرآن و قال عن نفسه إنه يقول عند مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ مجدني عبديو هو تنبيه إلهي من الله على إن الأمر إضافي فإنه إذا لم يكن هناك من يشرف عليه كونا ثابتا أو عينا كائنة فعلى من يشرف و يتمجد فما أعطاه المجد إلا وجود العبد فما قال الحق في قوله مجدني عبدي إلا حقا
فلما قال مجدني عبدي عند قول المصلي ملك يوم الدين علمنا أنه قال أعطاني عبدي المجد و الشرف على العالم في الدنيا و الآخرة لأني جازيت العالم على أعمالهم في الدنيا و الآخرة فيوم الدين هو يوم الجزاء فإن الحدود ما شرعت في الشرائع الأجزاء و ما أصابت المصائب من أصابته الأجزاء بما كسبت يده مع كونه يعفو عن كثير قال تعالى وَ ما أَصابَكُمْ من مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ و كذلك ما ظهر من الفتن و الخراب و الحروب و الطاعون فهو كله جزاء بأعمال عملوها استحقوا بذلك ما ظهر من الفساد في البر من خسف و غير ذلك و قحط و وباء و قتل و أسر و كذلك في البحر مثل هذا مع غرق و تجرع غصص لزعزع ريح متلفة قال تعالى ظَهَرَ الْفَسادُ و هو ما ذكرناه و من جنس ما قررناه في الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ أي بما عملوا لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُواو هذا عين الجزاء و هو في الدنيا هو فيوم الدنيا يوم الجزاء و يوم الآخرة هو يوم الجزاء غير أنه في الآخرة أشد و أعظم لأنه لا ينتج أجرا لمن أصيب و قد ينتج في الدنيا أجرا لمن أصيب و قد لا ينتج فهذا هو الفرقان بين يوم الدنيا و يوم الآخرة و قد تعقب المصيبة لمن قامت به توبة مقبولة و قد يكون في الدنيا حكم يوم الآخرة في عدم قبول التوبة و هو قوله في طلوع الشمس من مغربها إنه لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ من قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ في إِيمانِها خَيْراً فلا ينفع عمل العامل مع كونه في الدنيا فأشبه الآخرة و كذلك أيضا المصاب في الدنيا تكفر عنه مصيبته من الخطايا ما يعلم الله و مصيبة الآخرة لا تكفر و قد يكون هذا الحكم في يوم الدنيا فأشبه الآخرة أيضا و هو قوله في حق المحاربين الَّذِينَ يُحارِبُونَ الله وَ رَسُولَهُ من قتلهم و صلبهم و قطع أيديهم و أرجلهم من خلاف و نفيهم من مواطنهم و ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ في الدُّنْيا وَ لَهُمْ في الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ على تلك المحاربة و الفساد جزاء لهم فما كفر عنهم ما أصابهم في الدنيا من البلاء فانظر ما أحكم القرآن و ما فيه من العلوم لمن رزق الفهم فيه فكل ما هم فيه العلماء بالله ما هو إلا فهمهم في القرآن خاصة فإنه الوحي المعصوم المقطوع بصدقه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه فتصدقه الكتب المنزلة قبله و لا من خلفه و لا ينزل بعده ما يكذبه و يبطله فهو حق ثابت و كل تنزل سواه في هذه الأمة و قبلها في الأمم فيمكن أن يأتيه الباطل من بين يديه فيعثر صاحبه على آية أو خبر صحيح يبطل له ما كان يعتمد عليه من تنزيله و هو قول الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب و السنة أن يشهدا له بذلك بأنه حق من عند الله و يأتيه من خلفه أي لا يعلم في الوقت بطلانه لكن قد يعلمه فيما بعد فهو نظير قوله في القرآن لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ من حَكِيمٍ حَمِيدٍ فأي مجد أعظم من هذا المجد الذي اعترف به العبد لربه بأن شهد له بأنه الملك في يوم الدين و الخلق ملكه الذي تظهر فيه أحكامه ثم إنه قد علمنا بالخبر الصدق أن أعمال العباد ترجع عليهم فلا بد أن يرجع عليهم هذا المجد الذي مجدوا الحق به فيكون لهم في الآخرة المجد الطريف و التليد فرجوع أعمالهم عليهم اقتضته حقيقة قوله وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ بعد ما كانت الدعاوي الكيانية قد أخذته و أضافته إلى الخلق فمن رجوع الأمر كله إليه رجعت أعمال العباد عليهم فالعبد بحسب ما عمل فهو المقدس إن كان عمله تقديس الحق و هو المنزه بتنزيهه و المعظم بتعظيمه و لما لحظ من لحظ من أهل الكشف هذه الرجعة عليه قال سبحاني فأعاد التنزيه عليه لفظا كما عاد عليه حكما و كما قال الآخر في مثل هذا أنا الله فإنه ما عبد إلا ما اعتقده و ما اعتقد إلا ما أوجده في نفسه فما عبد إلا مجعولا مثله فقال عند ما رأى هذه الحقيقة من الاشتراك في الخلق قال أنا لله فأعذره الحق و لم يؤاخذه فإنه ما قال إلا علي كما قال من أخذه الله تعالى نَكالَ الْآخِرَةِ وَ الْأُولىو أما من قالها بحق أي من قال ذلك و الحق لسانه و سمعه و بصره فذلك دون صاحب هذا المقام فمقام الذي قال أنا الله من حيث اعتقاده أتم ممن قالها بحق فإنه ما قالها إلا بعد استشرافه على ذلك فعلم من عبد و الفضل في العلم يكون و الله يقول الحق و هو يهدي السبيل
«الحياء حضرة الحياء»
يدعى صاحبها عبد الحي أو عبد المستحيي ورد في الخبر أن الله حيي لكن للحياء موطن خاص فإن الله قد قال في الموطن الذي لا حكم للحياء فيه إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً أي لا يترك ضرب المثل بالأدنى و الأحقر عند الجاهل فإنه ما هو حقير عند الله و كيف يكون حقيرا من هو عين الدلالة على الله فيعظم الدليل بعظمة مدلوله ثمإن رسول الله ص نطق من هذه الحضرة بقوله الحياء من الايمان و الايمان نصف صبر و نصف شكر و الله هو الصبور الشكور و من هذه الحضرة من اسمه المؤمن شكر عباده على ما أنعموا به على الأسماء الإلهية بقبولهم لآثارها فيهم و صبر على أذى من جهله من عباده فنسب إليه ما لا يليق به و نسبوا إليه عدوا بغيرعلم كما أخبرنا عنهم فصبر على ذلك و لا شخص أصبر على أذى من الله لاقتداره على الأخذ فهو المؤمن الكامل في إيمانه بكمال صبره و شكره و من أعجب شكره أنه شكر عباده على ما هو منه ثم إنه تعالى من حيائه إنه يؤتى بشيخ يوم القيامة فيسأله و يقرره على هناته و زلاته فينكرها كلها فيصدقه و يأمر به إلى الجنة فإذا قيل له سبحانه في ذلك يقول إني استحييت أن أكذب شيبته فأما تصديقه من كون الحياء من الايمان و هو المؤمن فإنه صدق من قبوله لما خلق الله فيه من المعاصي و الذنوب و كل ما خلق الله فيه لو لا قبوله ما نفذ الاقتدار فيه و أما قوله ص و هو الحياء لا يأتي إلا بخير و الله حيي فأتاه من حيائه بخير و أي خير أعظم من أن يستر عليه و لم يفضحه و غفر له و تجاوز عنه و إن العبد إذا قامت به هذه الصفات الإلهية فمن هذه الحضرة تأتيه و منها يقبلها فإنه لكونه على الصورة الإلهية يقبل من كل حضرة إلهية ما تعطيه لأن لها وجها إلى الحق و وجها إلى العبد و كذلك كل حضرة تضاف إلى العبد مما يقول العلماء فيها تضاف إلى العبد بطريق الاستحقاق و الأصالة و إن كنا لا نقول بذلك فإن لكل حضرة منها أيضا وجهين وجها إلى الحق و وجها إلى العبد فانتظم الأمر بين الله و بين خلقه و اشتبه فظهر في ذلك الحق بصفة الخلق و ظهر الخلق بصفة الحق و وافق شن طبقة فضمه و اعتنقه و الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ فظهر في ذلك التعانق و التوافق لام الألف فكان ذلك العقد و الرباط و أخذ العهود و العقود بين الله و بين عباده فقال تعالى وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«السخي حضرة السخاء»
يدعى صاحبها عبد السخي و هي من حضرات العطاء و السخاء العطاء بقدر ما يحتاج إليه المعطي إياه فلا يكون إلا عن سؤال إما بلسان حال أو بلسان مقال و إذا كان بلسان المقال فلا بد من لسان الحال و إلا فليس بمحتاج و حضرات العطاء كثيرة منها الوهب و الجود و الكرم و السخاء و الإيثار و هو عطاء الفتوة و قد بيناه في هذا الكتاب في باب الفتوة و في كتاب مواقع النجوم في عضو اليد الذي ألفناه بالمرية من بلاد الأندلس سنة خمس و تسعين و خمسمائة عن أمر إلهي و هو كتاب شريف يعني عن الشيخ في تربية المريد ثم ترجع فنقول الوهب في العطاء هو لمجرد الإنعام و هو الذي لا يقترن به طلب معارضة إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً فهو موصل أمانة كانت بيده و الكرم عطاء بعد سؤال و الجود عطاء قبل السؤال و السخاء عطاء بقدر الحاجة و الإيثار عطاؤك ما أنت محتاج إليه في الحال و هو الأفضل و في الاستقبال و هو دون المعطي في الحال و لكل عطاء اسم إلهي إلا الإيثار فالله تعالى وهاب كريم جواد سخي و لا يقال فيه عز و جل مؤثر و قد قررنا أنه عالم بكل شيء فكيف يكون السخاء عطاء عن سؤال بلسان الحال و هو القائل عز و جل أَعْطىكُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فما ترك لمخلوق ما يحتاج إليه من حيث ما هو مخلوق تامفاعلم إن ثم تماما و كمالا فالتمام إعطاء كل شيء خلقه و هذا لا سؤال فيه و لا يلزم إعطاء الكمال و يتصور السؤال و الطلب في حصول الكمال فإنها مرتبة و المرتبة إذا أوجدها الحق في العبد أعطاها خلقها و ما هي من تمام المعطي إياه و لكنها من كماله و كل إنسان و طالب محتاج إلى كمال أي إلى مرتبة و لكن لا يتعين فإنه مؤهل بالذات لمراتب مختلفة و لا بد أن يكون على مرتبة ما من المراتب فيقوم في نفسه أن يسأل الله في أن يعطيه غير المرتبة لما هو عليه من الأهلية لها فيتصور السؤالفي الكمال و هو مما يحتاج إليه السائل في نيل غرضه فإنه من تمام خلق الغرض أن يوجد له متعلقة الذي يكون به كماله فإن تمامه تعلقه بمتعلق ما و قد وجد فإن أعطاه الله ما سأله بالغرض فقد أعطاه ما يحتاج إليه الغرض و ذلك هو السخاء فإن السخاء عطاء على قدر الحاجة و قد يعطيه الله ابتداء من غير سؤال نطق لكن وجود الأهلية في المعطي إياه سؤال بالحال كما تقول إن كل إنسان مستعد لقبول استعداد ما يكون به نبيا و رسولا و خليفة و وليا و مؤمنا لكنه سوقة و عدو و كافر و هذه كلها مراتب يكون فيها كمال العبد و نقصهقال ص كمل من الرجال كثيرون و لم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران و آسية امرأة فرعونو كل شخص ما عدا هؤلاء مستعد بإنسانيته لقبول ما يكون له به هذا الكمال فبالأهلية هو محتاج إليه و للحرمان وجد السؤال بالحال فحضرة السخاء فيها روائح من حضرة الحكمة فإن الله عز و جل ما منع إلا لحكمة و لا أعطى إلا لحكمة وَ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ في المنع و العطاء وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الطيب حضرة الطيب»
يدعى صاحبها عبد الطيب فالطيب من يميز الخبيث من الطيب فيجعل الطيبين للطيبات و الطيبات للطيبين من كونه طيبا و يجعل الخبيثين للخبيثات و الخبيثات للخبيثين من كونه حكيما فإنه هو الجاعل للأشياء و المميز بين الأشياء و الأحكام ف يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلىبَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ فلا تزال أمه هاوية دائما و عليون للطيبين فلا يزال يعلو دائما و كل عال و كل هاو إنما يطلب ربه فالهاوي عارف بربه في جهة خاصة تلقا من الرسول لما سمعهيقول لو دليتم بحبل لهبط على اللهو هنا سر لو بحثت عليه ظفرت به فاقتضى مزاج الخبيث و استعداده أنه لا يطلب ربه إلا من هذه الجهة و هو الخبيث و جهنم البعيدة القعر فهو يهوى فيها يطلب ما ذكرناه و الطيب الصاعد عارف بربه في جهة خاصة تلقاها من الرسول لما سمعه يقول عن الله سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فاقتضى مزاج الطيب و استعداده أنه لا يطلب ربه إلا من هذه الجهة و هو الطيب و العلو لا نهاية له إلا الله كما الهوى لا نهاية له إلا الله و الذي لا يتقيد بصفة كأبي يزيد يطلبه في الإحاطة بجميع الجهات الست لأنه بكل شيء محيط فيطلبه في العلو و الهوى و اليمين و الشمال و الخلف و الأمام و كل هذا الجهات فهي عين الإنسان ما ظهرت إلا به و فيه فهو الذي حد ربه بالإحاطة فأكمل الأناسي من لم يحكم عليه جهة دون جهة و دونه من حكمت عليه جهة خاصة فالكامل له الظهور في كل صورة و غير الكامل هو بما تقيد به بها فقوله لا صفة له يعني لا تقييد له بأمر خاص بل له العموم بالظهور فإنه ما يمكن أن يخلو معلوم عن حد في نفسه و أعلى الحدود الإطلاق و هو تقييد فإنه قد تميز بإطلاقه عن المقيد كما تميز مقيد عن مقيد فالخلق و إن كان له السريان في الحق فهو محدود بالسريان و الحق و إن كان له السريان في الخلق فهو محدود بالسريان و هذا كان مذهب أبي مدين رحمه الله و كان ينبه على هذا المقام بقوله الأمي العامي سر الحياة سرى في الموجودات كلها فتجمدت به الجمادات و نبتت به النباتات و حييت به الحيوانات فكل نطق في تسبيحه بحمده لسر سريان الحياة فيه فهو و إن كان رحمه الله ناقص العبارة لكونه لم يعط فتوح العبارة فإنه قارب الأمر ففهم عنه مقصوده و إن كان ما وفاه ما يستحقه المقام من الترجمة عنه فهذا معنى الطيب و إنه من أسماء التقييد وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«المحسان حضرة الإحسان»
يدعى صاحبها عبد المحسن و إن شئت عبد المحسانقال جبريل ع لرسول الله ص ما الإحسان فقال رسول الله ص الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإنك إن لا تراه فإنه يراكو في رواية فإن لم تكن تراه فإنه يراكفأمره أن يخيله و يحضره في خياله على قدر علمه به فيكون محصورا له و قال تعالى هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فمن علمقوله إن الله خلق آدم على صورتهو علمقوله ع من عرف نفسه عرف ربهو علم قوله تعالى وَ في أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ و قوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ علم بالضرورة أنه إذا رأى نفسه هذه الرؤية فقد رأى ربه بجزاء الإحسان و هو أن تعبد الله كأنك تراه إلا الإحسان و هو أنك تراه حقيقة كما أريته نفسك فالصورة الأولى الإلهية في العبادة مجعولة للعبد من جعله فهو الذي أقامها نشأة يعبدها عن أمره عز و جل له بذلك الإنشاء فجزاؤه أن يراه حقيقة جزاء وفاقا في الصورة التي يقتضيها موطن ذلك الشهود كما اقتضى تجليه في الصورة الإلهية المجعولة من العبد في موطن العبادة و التكليف فإن الصور تتنوع بتنوع المواطن و الأحوال و الاعتقادات من المواطن فلكل عبد حال و لكل حال موطن فبحاله يقول في ربه ما يجده في عقده و بموطن ذلك الحال يتجلى له الحق في صورة اعتقاده و الحق كل ذلك و الحق وراء ذلك فينكر و يعرف و ينزه و يوصف و عن كل ما ينسب إليه يتوقف فحضرة الإحسان رؤية و شهود وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الدهر حضرة الدهر»
يدعى صاحبها عبد الدهر و قال رسول الله ص لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر فجعل الدهر هوية الله فصدق القائلون في قولهم وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ فإنه ما يهلكهم إلا الله فإنهم جهلوا في قولهم ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَ نَحْيا أي نحيي فيها ثم نموت و صدقوا في قولهم بعد ذلك وَ ما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ فصدقوا فإن الدهر هو الله و جهلوا في اعتقادهم فإنهم ما أرادوا إلا الزمان بقولهم الدهر فأصابوا في إطلاق الاسم و أخطئوا في المعنى و هم ما أرادوا إلا المهلك فأصابوا في المعنى و وافقوا الاسم المشروع توفيقا من الله و لم يقولوا الزمان أو ربما لو قالوا الزمان لسمى الله نفسه بالزمان كما سمي نفسه بالدهر و الدهر عبارة عما لا يتناهى وجوده عند مطلقي هذا الاسم أطلقوه على ما أطلقوه فالدهر حقيقة معقولة لكل داهر و هو المعبر عنه بحضرة الدهر و هو قولهم لا أفعل ذلك دهر الداهرين و هو عين أبد الآبدين فللدهر الأزل و الأبد أي له هذان الحكمان لكن معقولية حكمه عند الأكثر في الأبد فإنهم اتبعوه الأبد فلذلك يقول القائل منهم دهر الداهرين و قد يقول بدله أبد الآبدين فلا يعرفونه إلا بطرف الأبد لا بطرف الأزل و من جعلهالله فله حكم الأزل و الأبد فاعلم ذلكو من هذه الحضرة ثبت حكم الأزل و الأبد لمن وصف به و إن عين العالم لم يزل في الأزل الذي هو الدهر الأول بالنسبة إلى ما نذكره ثابت العين و لما أفاده الحق الوجود ما طرأ عليه الإحالة الوجود لا أمر آخر فظهر في الوجود بالحقيقة التي كان عليها في حال العدم فتعين بحال وجود العالم الطرف الأول المعبر عنه بالأزل و ليس إلا الدهر و تعين حال وجود العالم بنفسه و هو زمان الحال و هو الدهر عينه ثم استمر له الوجود إلى غير نهاية فتعين الطرف الآخر و هو الأبد و ليس إلا الدهر فمن راعى هذه النسب جعله دهور أو هو دهر واحد و ليس إلا عين الوجود الحق بأحكام أعيان الممكنات أو ظهور الحق في صور الممكنات فتعين إن الدهر هو الله تعالى كما أخبر عن نفسه على ما أوصله إلينا رسوله صفقال لنا لما سمع من يسب الدهر لكونه لم يعطه أغراضه فقال لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر لأنه المانع وجود ما لكم في وجوده غرض و لهذا سمي بالمانع و له حضرة في هذا الباب في هذا الكتاب مذكورة فتوليد العالم إنما هو للزمان و هو الدهر يُولِجُ اللَّيْلَ في النَّهارِ فيتناكحان فيلد النهار جميع ما يظهر فيه من الأعيان القائمة بأنفسها و غير القائمة بأنفسها من الأجسام و الجسمانيات و الأرواح و الروحانيات و الأحوال فيظهر كل روحاني و جسماني من كل اسم رباني و يظهر كل جسم و روح من الاسم الرب لا من الاسم الرباني وَ يُولِجُ النَّهارَ في اللَّيْلِ فيتناكحان فيلد الليل مثل ما ولد النهار سواء على حد ما مضى و هذا المعبر عنه بالليل و النهار سدنة الدهر و الإيلاج و التكوير و الغشيان و هو قوله يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَ يُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ من كور العمامة و يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ فهذه مقاليد الدهر الذي لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ و هو الناكح و الأرض و هو المنكوح فمن علا من هذين الزوجين فله الذكورية و هو السماء و من سفل من هذين الزوجين فله الأنوثة و هو الأرض و نكاحهما المقلاد و الإقليد الذي به يكون الفتح فيظهر ما في خزائن الجود و هو الدهر فهكذا وجد العالم عن نكاح دهري زماني ليلي و نهاري فإن علا ماء الناكح ماء المنكوح أذكر فظهرت الأرواح الفاعلة و إن علا ماء المنكوح ماء الناكح أنثى فظهرت الجثث الطبيعية القابلة للانفعال المنفعلة
«الصاحب حضرة الصحبة»
يدعى صاحبها عبد الصاحبقال رسول الله ص في دعائه ربه أنت الصاحب في السفر و قال تعالى مصدقا له فيما سماه به من الصاحب وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فهو الصاحب على كل حال مع العبد في أينيته
و ذلك أن الله تعالى حد حدود العبادة عقلية و شرعية معللة و غير معللة فما عقلت علته منها سميناها عقلية و ما لم تعقل علته سميناها تعبد أو عبادة شرعية فهو مع عباده المكلفين يحفظ عليهم أنفاسهم في حدوده و هو مع من ليس بمكلف ينظر ما يفعل معه المكلفون بأن لا يتعدوا حدوده فهو مع كل شيء بهذه المثابة في الدنيا و أما في الآخرة فما هو معهم إلا لحفظ أنفاسهم و لما يوجده فيهم فإنهم محل الانفعال لما يريد إيجاده فلا يزال يوجد له تعالى و لهم فله من حيث ما يسبحه الموجود بحمده في شيئية وجوده فإنها النعمة الكبرى فتسبيحه الحمد لله المنعم المفضل و أما كونه يوجد لهم فلما يحصل لهم من المنفعة بسبب ذلك الموجود و ما يليق به فيعود نفعه عليهم و يعود تسبيحه عليه تعالى هكذا دائما ثم إن العالم لا يزال مسافرا أبدا فالله صاحبه أبدا فهو بعينه يسافر من حال إلى حال و من مقام إلى مقام و الحق معه صاحبه و للحق الشئون كما قال تعالى كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍ فالحق أيضا له من شأن إلى شأن فشئون الحق هي أحوال المسافرين يجدد خلقها لهم في كل يوم زمان فرد فلا يتمكن للعالم استقرار على حال واحدة و شأن واحد لأنها أعراض و الأعراض لا تبقي زمانين مطلقا فلا وجود لها إلا زمان وجودها خاصة ثم يعقبها في الزمان الذي يلي زمان وجودها الأمثال أو الأضداد فأعيان الجواهر على هذا لا تخلو عن أحوال و لا خالق لها إلا الله فالحق في شئون أبدا فإنه لكل عين حال فللحق شئون و لنا أحوال فالصحبة دائمة غير منقطعة و شئون حاكمة إلى غير نهاية و لا بلوغ غاية و ذلك من المرتبة التي صح لنا فيها أولية الظهور ثم استمر السير و تمادى السفر و الانتقال من بلد إلى بلد و من مكان إلى مكان و من مكانة إلى مكانة لكل موجود من العالم فلنعين من ذلك ما يختص بهذا النوع الإنساني فأوجده بكله ظاهر صورته و باطنها أجزاء العالم فظهر بعينه في كونه بعد أن كان يدور في أطوار العالم من عالم الأفلاك و الأركان و لكن مختلف الأحوال مفترق الأجزاء غير معين بهذا الشيء الخاص فالتأمت أجزاؤه و الحق صاحبه في كل حال من أحوال تنقلاته و كيف لا يصحبه و هو خالق تلك الأحوال التي ينقله فيها و الأطوار فأظهر عينه مجموعا لم يبق منه شيئا في غير ذاته ثم جعل ما جعل فيه يستحيل من صورة إلى صورة و هو أيضا سفر و يمده بمثل ما زال عنه و سافر أو بضده لتبقى عين جمعيته فصار الإنسان منزلا من منازل الوجود يسافر منه و يسافر إليه و ليس لكل مسافر إليه إذا وصل و نزل به سوى جائزته ليلة واحدة و هي الزمن الفرد و يرحل و لا يرد عليه حال من الأحوال إلا و الحق صاحب لذلك الوارد فيتعين على هذا المحل الذي هو الإنسان في كل نفس عند ورود كل حال كرامتان كرامة و ضيافة لذلك الوارد بحسب مكانته من ربه و ما تعطيه حقيقته و الإنسان قادر على إجازته و القيام بحرمته و كرامته و ضيافته و لسرعة ارتحاله تكون المسارعة إلى أداء جائزته و الكرامة الأخرى المتعينة عليه كرامة صاحبه الواصل معه و هو الله الصاحب في السفر فينظر بأي اسم إلهي وصل فذلك الاسم الإلهي هو صاحبه فينظر ما يستحقه ذلك الاسم الإلهي من الجلال و التعظيم و التمجيد و التحميد فيكرمه و يضيفه بها فتلك كرامته و يبادر إلى ذلك في الزمان الواحد لأن الإنسان مجموع و الرحلة سريعة فيعين لكل واحد أعني للحال الوارد و للصاحب معه و هو الاسم الإلهي الذي يحفظه من نفسه ما يستحق أن يقوم بما يتعين للحق عليه من الكرامة و يعين من نفسه أيضا حقيقة أخرى مناسبة للوارد تقوم بخدمته إلى أن يرحل عنه فالإنسان منزل و مناخ للمسافرين من الأحوال و هو في نفسه مسافر أيضا فله مع الله صحبة دائمة لسفره و له تلقى كل واردعليه من الله مع صاحبه من الأسماء الإلهية فيتعين عليه في كل نفس خمسة حقوق يطالب بالقيام بها حق الوارد عليه و حق صاحبه و حق المسافر عنه في تسفيره و حق صاحبه و الحق الخامس حق الله تعالى و هو صاحبه الملازم له في سفره فإنه الصاحب في السفر كما هو الخليفة في الأهل فما خلق الله أتعب خاطر و لا قلب من أهل الكشف و الحضور العارفين بالله من أهل الله أهل الشهود لهذه الأمور فيتخيل من لا معرفة له بالأمور أن العارف في راحة لا و الله بل هو أشد عذابا من كل أحد فإنه لا يزال في كل نفس يطلب نفسه مطلوبا من أجل ما أشهده الله ما أشهده بأداء هذه الخمسة الحقوق و لو لا أن الله يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ برحمته التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و إن من رحمة الله أعطى الله هذا العبد من الاتساع و كثرة الوزعة و الخدام ما يستعين بهم على أداء هذه الحقوق ما قدر الإنسان على أداء شيء منها و لا يطالب بهذه الحقوق كلها إلا من أشهده الله عين ما ذكرناه كما قال إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرىلِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ كما يعين في الإنسان الواحد في إنزال القرآن أنه بلاغ من وجه و انذار من وجه و إعلام بتوحيد من وجه و تذكرة لما نسيه من وجه و المخاطب بهذا كله واحد العين و هو الإنسان قال تعالى هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ فهو بلاغ له من كونه من الناس وَ لِيُنْذَرُوا به من كونه على قدم غرور و خطر فيحذروا وَ لِيَعْلَمُوا أَنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ أي يفعل ما يريد ما ثم آخر يرده عن إرادته فيك و يصده وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ بما أشهدهم به على نفسه أنه ربه ليقوم بما يجب على المملوك من حق سيده الذي أقر له بالملك و لهذا العبد إذا اشتراه الإنسان من غيره فمن شرطه أن يقر العبد لبايعه بالملك و لا يسمع مجرد دعواه في أنه مالك له و لا يقوم على العبد حجة بقول سيده ما لم يعترف هو بالملك له و يغفل عن هذا القدر كثير من الناس فإن الأصل الحرية و استصحاب الأصل مرعي و بعد الاعتراف بالملك صار الاسترقاق في هذه الرقبة أصلا يستصحب حتى يثبت الحرية إن ادعاها هكذا هو الأمر قال تعالى وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىأَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلىفثبت الاسترقاق لله عليهم فطولبوا بالوفاء بحق العبودية لهذا الإقرار فهو قوله وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ فإن التذكر لا يكون إلا عن علم متقدم منسي فيذكره من يعلم ذلك فالله مع الخلق هو الصاحب المجهول لغيبتهم عن شهود هذه الصحبة فلا يطالبون بحق ما يختص به و الذي يشهده إيمانا أو عيانا يطالب بذلك فالعالم المحجوب للغيبة يخاف من المعاصي و العارف للشهود يخاف من الكفر و هو الستر يقول سدل الحجاب بعد الكشف نسأل الله عصمة واقية و هي الشهود الدائم فإنه مباح له جميع ما يتصرف فيه من هذا حاله فإنه إذا كان العبد المذنب في عقب ذنبه يعلم أن له ربا يغفر الذنب و يأخذ بالذنب علم إيمان و قد أبيح له و رفع الحجر عنه في تصرفه فما ظنك بصاحب الشهود الذي يرى من يفعل به و فيه و ما ينفعل و صدور الأعيان من حضرة من تصدر فافهم و تأمل ترشد وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً فإني ما ترجمت لك إلا عن شرع مستقر و دين كالصباح الأبلج لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الخليفة حضرة الخلافة»
يدعى صاحبها عبد الخليفة قال رسول الله ص في دعائه ربه في سفره أنت الصاحب في السفر و قد مضى فيه القول و الخليفة في الأهل فسماه خليفة لما استخلفه أي بين أنه الخليفة أي الذي يخلف المسافر في أهلة فهو خليفةبالنظر إلى المفارق أهله بسفره و هو صاحب للمقيمين أهل هذا المسافر فنحن نتكلم فيه من حيث إنه خليفة فهو القائم عَلىكُلِّ نَفْسٍ فإن الرجال قَوَّامُونَ عَلَى النِّساءِ فسافروا عن أهليهم فاستخلفوا الحق فيهم ليقوم عليهم بما كان يقوم به عليهم صاحبهم و أوفى فمن هذه الحضرة أيضا جعل الله الخلفاء في الأرض واحدا بعد واحد لا يصح ولاية اثنين في زمان واحد قال ص إذا بويع الخليفتين فاقتلوا الآخر منهما و لا نشك أن النبي ص أخبرنا أن الله هو خليفة المسافر في أهله بجعله لا بجعل المسافر بخلاف الوكالة و سترد حضرة الوكالة إن شاء الله فما جعل الحق نفسه خليفة في أهل المسافر إلا و له حكم ما هو عين الحكم الذي له فيهم من كونه إلها لهم و خالقا و ربا و رازقا و كونهم مألوهين له و مخلوقين و مرزوقين و مربوبين فما عين الله للرجل أو القائم في أصله من الحقوق التي لهم عليه فإن الله يتكفل لهم بذلك ما دام مسافرا غائبا عن أهله و ما يفعله معهم من الإنعام و غير ذلك مما لا يجب على الرجل لأهله عليه فهو من حضرة أخرى لا من حضرة الخلافة بل من حضرة الوهب أو الكرم أو الجود أو غير ذلك و مما يجب للأهل على القائم بهم مما هو خارج عن مئونتهم حفظ الأهل و صيانته و الغيرة عليه فمن خلف غائبا بسوء في أهله فقد أتى بابا من أبواب الكبائر فإنه انتهك حرمة الخليفة في الأهل و غره حلمه و إمهاله و ما علم سر الله في ذلك من خير يعود على الغائب فإنه مؤمن و ما يقضي الله لمؤمن بقضاء إلا و له فيه خير و كذلك هذا المنتهك من حيث إنه انتهك حرمة الغائب فله فيه خير التبديل لكونه مؤمنا و من حيث إنه منتهك حرمة الخليفة فأمره إلى الله لا أحكم عليه بشيء إلا أنه في محل الرجاء و الخوف من غير ترجيح أ لا ترى إلى موسى ع كيف قال بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي من بَعْدِي و هذا خطاب خارج عمن استخلفه في قومه و هو هارون فسماهم خلفاء و ما استخلفهم لكنه لما تركهم خلفه و سار إلى ربه سماهم بهذا الاسم فاجعل بالك لما تقتضيه هذه الحضرة بما نبهتك عليه و الله الموفق لا رب غيره
«الجميل حضرة الجمال»
يدعى صاحب هذه الحضرة عبد الجميلقال رسول الله ص للرجل الذي قال له يا رسول الله إني أحب أن يكون نعلي حسنا و ثوبي حسنا فقال له ص إن الله جميل يحب الجمال خرجه مسلم في صحيحه في كتاب الايمانو
في حديث عنه ص الله أولى من تجمل لهو من هذه الحضرة أضاف الله الزينة إلى الله و أمرنا أن تتزين له فقال خُذُوا زِينَتَكُمْ و هي زينة الله عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يريد وقت مناجاته و هي قرة عين محمد ص و كل مؤمن لما فيها من الشهود فإن الله في قبلة المصلي و قد قال اعبد الله كأنك تراهو لا شك أن الجمال محبوب لذاته فإذا انضاف إليه جمال الزينة فهو جمال على جمال كنور على نور فتكون محبة على محبة فمن أحب الله لجماله و ليس جماله إلا ما يشهده من جمال العالم فإنه أوجده على صورته فمن أحب العالم لجماله فإنما أحب الله و ليس للحق منزه و لا مجلى إلا العالم و هنا سر نبوي إلهي خصصت به من حضرة النبوة مع كوني لست بنبي و إني لوارث
فأوجد الله العالم في غاية الجمال و الكمال خلقا و إبداعا فإنه تعالى يحب الجمال و ما ثم جميل إلا هو فأحب نفسه ثم أحب أن يرى نفسه في غيره فخلق العالم على صورة جماله و نظر إليه فأحبه حب من قيده النظر ثم جعل عز و جل في الجمال المطلق الساري في العالم جمالا عرضيا مقيدا يفضل آحاد العالم فيه بعضه على بعض بين جميل و أجمل و راعى الحق ذلك على ما أخبر نبيه ص فقال المؤمن لرسول الله ص الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب الذي خرجه مسلم في صحيحهإن الله جميلفهو أولى أن تحبه إذ و قد أخبرت عن نفسك إنك تحب الجمال و أن الله يحب الجمال فإذا تجملت لربك أحبك و ما تتجمل له إلا باتباعي فاتباعي زينتك هذا قوله ص قال الله تعالى قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهأي تزينوا بزينتي يحببكم الله فإن الله يحب الجمال فأعذر الله المحبين بهذا الخبر لأن المحب لا يرى محبوبه إلا أجمل العالم في عينه فما أحب إلا ما هو جمال عنده لا بد من حكم ذلك أ لا ترى إلى قوله أَ فَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فما رأى سوء العمل حسنا و إنما رأى الزينة التي زين له بها فإذا كان يوم القيامة و رأى قبح العمل فر منه فيقال له هذا الذي كنت تحبه و تتعشق به و تهواه فيقول المؤمن لم يكن حين أحببته بهذه الصورة و لا بهذه الحلية أين الزينة التي كانت عليه و حببته إلي ترد عليه فإني ما تعلقت إلا بالزينة لا به لكن لما كان محلها كان حبي له بحكم التبع فيقول الله لهم صدق عبدي لو لا الزينة ما استحسنه فردوا عليه زينته فيبدل الله سوءه حسنا فيرجع حبه فيه إليه و يتعلق به فما قال الحق هذا القول أعني زين له سوء عمله إلا ليلقن عبده الحجة إذا كان فطنا فلا ينبغي للمؤمن الكيس أن يهمل شيئا من كلام الله و لا كلام المبلغ عن الله فإن الله تعالى يقول فيه وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىو قد ذم قوما اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَ لَعِباً و هم في هذا الزمان أصحاب السماع أهل الدف و المزمار نعوذ بالله من الخذلان
فإن كلام المبلغ عن الله ما جاء به إلا رحمة بالسامع و هو إن كان فطنا كان له و إن كان حمارا كان عليه و لما كان الجمال يهاب لذاته و الحق لا يهاب شيئا و قد وصفه العالم ص بأنه جميل و الهيبة تجعل صاحبها أن يترك أمورا كان في نفسه في وقت حديث النفس أن يفعلها مع محبوبه عند الاجتماع به و اللقاء فتمنعه هيبة الجمال مما حدثته به نفسه و قد وصف الله نفسه بالحياء من عبده إذا لقيه فقام الحياء لله مقام الهيبة في المخلوق فما اقتضى من حال العبد أن يؤاخذه به الله و لما لقيه استحيى منه فترك مؤاخذته و لذلك قال فيمن أخذ منهم إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ فأرسل الحجاب بينهم و بينه فلم يروه فلو كانت الرؤية لكان الحياء القائم بالحق مقام الجمال في الخلق فالحكم واحد و العلة تختلف فحقق هذه الحضرة و تزين و تجمل تارة بنعتك من ذلة و افتقار و خشوع و خضوع و سجود و ركوع و تارة بنعته عز و جل من كرم و لطف و رأفة و تجاوز و عفو و صفح و مغفرة و غير ذلك مما هو لله و من زينة الله التي ما حرمها الله على عباده فإذا كنت بهذه المثابة أحبك الله لما جملك به من هذه النعوت و هو الحب الذي ما فيه منة لأن الجمال استدعاه كالمغفرة للتائب و المغفرة لغير التائب فالمغفرة للتائب ما فيها منة فإن التوبة من العبد استدعت المغفرة من الله و المغفرة لغير التائب منة محضة قال تعالى في مغفرته الواجبة فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ و غير المتقي و التائب يطلب رحمة الله و مغفرته من عين المنة فتجمل إن أردت أن ترتفع عنك منة الله من هذا الوجه الخاص و يكفيك حكم الامتنان بما وفقت إليه من التجمل بزينة الله فإن ذلك إنما كان برحمة الله كما قال فَبِما رَحْمَةٍ من الله لِنْتَ لَهُمْ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«المسعر حضرة التسعير»
يدعى صاحبها عبد المسعر و هي تحكم على حضرة الأرزاق التي تتملك و يدخلها البيع و الشراء فتعين هذه الحضرة مقادير أثمانها التي هي عوض منها و لا يعلم قدر ذلك إلا الله فإنها من باب حضرة ضرب الأمثال لله و قد نهينا عن ذلك فقال فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثالَ و هو يضرب الأمثال إِنَّ الله يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَقيل لرسول الله ص سعر لنا فقال ص إن الله هو المسعر و أرجو أن ألقى الله و ليس لأحد منكم على طلبة فإن الوزن بين الشيئين بالقيمة مجهول لا يتحقق فما بقي إلا المراضاة بين البائع و المشتري ما لم يجهل أمر السوق بالوقت و الزمان و أحوال الناس في ذلك فإن الأحكام و الأسعار تختلف باختلاف الأوقات لما يختلف من الأحوال بسلطان الأوقات
و لما قال رسول الله ص إن الله هو المسعر علمنا أنه
فأخبر أنه السنة العالم في أثمان الأشياء التي تدخل في حكم البيع و الشراء فمن سام فليعرف من يسم و لا تسم على سوم أخيك و لا تبع على بيعه كما نهيت أن تخطب على خطبته لأن الخطبة من باب الشراء و البيع لأنها شرا استمتاع بعضو و بيعه فلهذا لا بد من الصداق و هو القيمة و الثمن و العوض فالبيع و الشراء معاوضة
إِنَّ الله اشْتَرىمن الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ فوقع البيع بين الله و بين المؤمن من كونه ذا نفس حيوانية و هي البائعة فباعت النفس الناطقة من الله و ما كان لها مما لها به نعيم من ما لها بعوض و هو الجنة و السوق المعترك فاستشهدت فأخذها المشتري إلى منزله و أبقى عليها حياتها حتى يقبض ثمنها الذي هو الجنة فلهذا قال في الشهداء إنهم أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ ببيعهم لما رأوا فيه من الربح حيث انتقلوا إلى الآخرة من غير موت و قبض الحق النفس الناطقة إليه و شغلها بشهوده و ما يصرفها فيه من أحكام وجوده فالإنسان المؤمن يتنعم من حيث نفسه الحيوانية بما تعطي الجنة من النعيم و يتنعم بما يرى مما صارت إليه من النعيم نفسه الناطقة التي باعها بمشاهدة سيدها فحصل للمؤمن النعيمان فإن الذي باع كان محبوبا له و ما باعه إلا ليصل إلى هذا الخبر الذي الذي وصل إليه و كانت له الحظوة عند الله حيث باعه هذا النفس الناطقة العاقلة و سبب شرائه إياها إنها كانت له بحكم الأصل بقوله و نفخت فيه من روحي فطرأت الفتن و البلايا و ادعى المؤمن فيها فتكرم الحق و تقدس و لم يجعل نفسه خصما لهذا المؤمن فإن المؤمنين إخوة فتلطف له في إن يبيعها منه و أراه العوض و لا علم له بلذة المشاهدة لأنها ليست له فأجاب إلى البيع فاشتراها الله تعالى منه فلما حصلت بيد المشتري و حصل الثمن تصدق الحق بها عليه امتنانا لكونه حصل في منزل لا يقتضي له الدعوى فيما لا يملك و هو الآخرة للكشف الذي يصحبها و قد مثل هذا الذي قلناه رسول الله ص حين اشترى من جابر بن عبد الله بعيره في السفر بثمن معلوم و اشترط عليه البائع جابر بن عبد الله ظهره إلى المدينة فقبل الشرط المشتري فلما وصل إلى المدينة وزن له الثمن فلما قبضه و حصل عنده و أراد الانصراف أعطاه بعيره و الثمن جميعا فهذا بيع و شرط و هكذا فعل الله سواء اشترى من المؤمن نفسه بثمن معلوم و هو الجنة و اشترط عليه ظهره إلى المدينة و هو خروجه إلى الجهاد فلما حصل هناك و استشهد قبضه الثمن و رد عليه نفسه ليكون المؤمن بجميعه متنعما بما تقبله النفس الناطقةمن نعيم العلوم و المعارف و بما تعمله الحيوانية من المأكل و المشرب و الملبس و المنكح و المركب و كل نعيم محسوس ففرحت بالمكانة و المكان و المنزلة و المنزل فهذا هو المال الرابح و التجارة المنجية التي لا تبور جعلنا الله و إياكم ممن حصل له رتبة الشهداء في عافية و سلامة و مات موت السعداء ففاز بالأجر و النور و الالتذاذ بالنعيمين في دار المقامة و السرور فإنها تجارة لَنْ تَبُورَ وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«القريب الأقرب حضرة القربة و القرب و القرب»
يدعى صاحبها عبد الأقرب و عبد القريب فإنه عز و جل أقرب إلينا من حَبْلِ الْوَرِيدِ و قال تعالى فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ و قال إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌفهو القريب بنزوله من العرش إلى السماء الدنيا كما أخبر صو هو أقرب فإنه معنا أينما كنا فهو المسمى بالقريب الأقرب فهو أقرب إلينا منا لأن حبل الوريد منا و الحبل الوصل فهو أوصل فإنه ما كان الوصل إلا به فبه نسمع و نبصر و نقوم و نقعد و نشاء و نحكم و هذه الأحكام ليست لحبل الوريد فهو أقرب إلينا من حَبْلِ الْوَرِيدِ فإن غاية حبل الوريد منا الذي جاء له ما للعروق من الحكم في أنها مجرى الحياة و سكك الدماء ثم إنه تعالى شرع القرب فينا لكوننا مخلوقين على صورته فأنزلنا منزلة الأمثال و المثلان ضدان و الضد في غاية البعد ممن يضاده مع كونه في غاية القرب للاشتراك في الصفات الذاتية النفسية فلما تحقق العبد بالتعريف الإلهي هذا البعد عن الله شرع له تعالى طرق القربة إليه إلى أن كان مع هذا البعد سمعه و بصره و جميع قواه بفعله ما شرع له أن يفعل فهو لذله و افتقاره ضد و هو بالصورة لكونه مثلا ضد فصح بالذلة و الافتقار إضافة الفعل إليه فيما شرع له فتقرب إليه بما نسب إليه من الفعل فقرب القرب الذي أخبر الحق أنه جميع قواه و أعضائه بهويته و أقرب من هذا فلا يكون فإنه أثبت عين العبد بإعادة الضمير عليه من قوله سمعه و بصره و لسانه و يده و رجله و أثبت أنه ما هو هو فإنه ليس هو هو إلا بقواه فإنها من حده الذاتي كما قال وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمىفالصورة و المعنى معا له تعالى فملك الكل إذ كان عين الكل فما في الكون إلا هو سبحانه و تعالى عنه في منازل أسمائه الحسنى لأنه ما ثم عمن تسبحه و تنزهه إلا عنه