قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثامن و الخمسون و خمسمائة في معرفة الأسماء الحسنى التي لرب الع (بخش ۳)

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

و لما شرع الله القرب ما شرعها إلا من هذه الحضرة و سبب وجود الشرع الدعوى فعمت الشريعة المدعي و غير المدعيو كل واحد يحشر يوم القيامة على نيته و يختص بنحلته و ملته و القرب كلها عند العاقل العالم تعب لا راحة فيها تعم إلا من رزقه الله شهود العامل و لا بد من تعب القابل الحامل فهو و إن كانت الأمور ترجع إلى الله تعالى فإن العبد و لا بد محل ظهورها و هو الذي ترجع إليه آلامها فهو المحس لها

حضرة القرب و القربحضرة كلها نصب
فأمور الورى بهاإن تأملتها نشب
كلما قلت قد كفىقال لا تفعل انتصب
أنت أخطأت في الذيقلته فيه لم تصب
هكذا الأمر دائمايقتضيه حكم النسب
فاهجر إن شئت أو فصلهفلا بد من سبب
فعن الكد لا تنيإذ عن الشوق لم تغب
هكذا جاء في الذيقد قرأنا من الكتب

«المعطي حضرة العطاء و الإعطاء»

عين العطاء كشف الغطاءو في الغطاء عين الهبات
فإنها تعالت و جلتعن أن تجيء بالمحدثات
فما حديثي غير حدوثيو ما صفاتي غير سماتي
فإن تكن تريد انتقاليعني فداك عين سباتي
و في مقامي عين قصوريو في مسيري عين التفاتي
فالحمد لله الذيلم يزل يمدني بثباتي
حتى يكون فردا وحيدافي ذاته و في الكلمات
فإنه إليه رجوعيمن بعد فرقتي و شتاتي
فمن يرد كوني إليهفذاك من أجل ثقاتي
و من يرد كوني إلينافذاك من أجل عداتي
و إن تشأ عكست مقاليفالعيش كله في مماتي
و إنه مرادي و قوليو فيه رغبتي و حياتي
فمن يكون من أصدقائيفإنما يريد وفاتي
فإن فيه جمعي بربيو بالذي له من عدات
و هو المحب سرا و جهراو هو الصديق لي و الموات

يدعى صاحبها عبد المعطي و العبد آخذ و العبد معطي الصدقة و هي تقع بيد الرحمن في حال العطاء فالله آخذ فهو الآخذ كما هو المعطي و ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها لأنها أعطته بحقيقتها و قبولها التمكن من الأخذ بناصيتها إذلالا لأنه عبد و كل من أخذ بناصيته فإنه ذليل و الكل عبيد الله تعالى فالكل أذلاء بالذات و هو العزيز الحكيم

فله الجود و الكرمو السخاء الذي يعم
و له الوهب منعماللذي تطلب الهمم
ليس يدري ما حكم لاإنما حكمه نعم
و الوجود الذي لهعندنا كله نعم
إن بلعام عبرةفي الذي قاله فتم
فانظروا في الذي بداو انظروا في الذي حكم
هو قولي في حكم لاليس يدري لمن فهم
فخذوه مبيناو أنا لو رأيت ثم
لا تقل عند ما ترى أنه جار أو ظلم
جل عن مثل ذا و ذافاكتم الأمر ينكتم

و العطاء منه واجب و منه امتنان فإعطاء الحق العالم الوجود امتنان و إعطاء كل موجود من العالم خلقه واجب و هو قوله أَعْطىكُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ يعني في نفس الأمر ثُمَّ هَدىبين بالتعريف أنه أعطى كل شيء خلقه و الجود و الإنعام و الكرم الذاتي أوجب هذا العطاء عليه لما قال كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فأوجبها للعالم على نفسه و لكن لا كل العالم بل لعالم مخصوص و هو المنعوت في قوله تعالى أَنَّهُ من عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ من بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ و في قوله فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ و ما عدا هؤلاء المنعوتين فإن الله يرحمهم برحمة الامتنان من غير وجود نعت و هي الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و فيها يطمع إبليس مع كونه يعلم أنه من أهل النار الذين هم أهلها فلا يخرج منها بل الله يرحمها و يرحم من فيها بوجه دقيق لا يشعر به إلا جهنم و من فيها بإنعام يليق بذلك الموطن و مزاج يكون أهله عليه بحيث إنهم لو عرضت عليهم الجنة تألموا بالنظر إليها تألم أهل الجنة لو عرض عليهم دخول النار و تحققوا ذلك أعوذ بالله من النار و مما يقرب إليها

فكل مكان فيه أهل يخصهلهم رحمة فيها نعيم و لذات
و إن كان مكروها يعود محبالمزج لهم فيه سرور و جنات
فجنة أهل النار بالنار عينهاو بالقر إعطاء قد أعطتهم الذات
فإن اسمه الرحمن في عرشه استوىفرحمته عمت و بالخلق تقتات

فمن هذه الحضرة أوجد العالم و أنزل الشرائع لما نتضمنه من المصالح فهي الخير المحض بما فيها من الأمور المؤلمة المنازعة لما تتعلق به الأغراض النفسية التي خلقها الله بالرحمة خلق الأدوية الكريهة للعلل البغيضة للمزاج الخاص فالرحمة التي بالقوة في زمان استعمال الدواء و بالفعل في زمان وجود العافية مما كان يألم منه فاقدها و هذا كله عطاء إلهي كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ أصحاب الجنة وَ هَؤُلاءِ أصحاب النار من عَطاءِ رَبِّكَ فعم الجميع مع اختلاف الذوق وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً أي ممنوعا فعم العطاء الكل فعلمنا إن عطاءه عين الرحمة التي سبقت فوسعت كل شيء من مكروه و غيره و غضب و غيره فما في العالم عين قائمة و لا حال إلا و رحمة الله تشمله و تحيط به و هي محل له و لا ظهور له إلا فيها فبالرحمن استوى على عرشه و ما انقسمت الكلمة إلا من دون العرش من الكرسي فما تحته فإنه موضع القدمين و ليس سوى انقسام الكلمة فظهر الأمر و الخلق و النهي و الأمر و الطاعة و المعصية و الجنة و النار كل ذلك عن أصل واحد و هي الرحمة التي هي صفة الرحمن

فما استوى علينا إلا برحمتهو ما لنا نعيم إلا بنعمته
ميداننا عريض في حصر قبضتهنجول فيه حتى نحظى بحظوته

و لما كانت اليد لها العطاء و لها القبض فباليد قبض علينا فنحن في قبضته و اليد محل العطاء و الجود فنحن في محل العطاء لأنا في قبضته

فلو لا الحصر ما وجد النعيمو لا كان الجنان و لا الجحيم
و في الدارين إنعام لرحميبأهلهما يقوم بهم مقيم
و قول الله أصدق كل قيليعرف أنه البر الرحيم

فالتكوين دائم فالعطاء دائم فهي حضرة لا يحصرها عدد و لا أمد يقطعها تجري إلى غير أجل من حيث ذاتها و إن كان فيها آجال معينة فما تخرج منها فآجالها فيها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الشافي حضرة الشفاء»

إن الشفاء إزالة الآلامتعنو له الأرواح و الأجسام
هذا هو الحق الذي قلنا بهدلت عليه السادة الأعلام
و الشرع يعضده لذا جئنا بهو كذلك الألباب و الأحلام
إني عليل و لا شخص يخبرنيعنه تعالى بنا بأنه الشافي
إني سعيت و عين الحق تحفظنيو لست أدري بها في عين إتلافي
إني وفيت له بعهده زمناو ما يعرفني بأنه الوافي
الحق يثبتني في كل طائفةحبا و يظهر لي في صورة النافي
لكل شخص من القرآن سورتهو سورتي عند ما أتلو لإيلاف

يدعى صاحبها عبد الشافي يقول الله عن خليله إبراهيم ع إنه قال وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فالشافي مزيل الأمراض و معطي الأغراض فإن الأمراض إنما تظهر أعيانها لعدم ما تطلبه الأغراض فلو زال الغرض لزال الطلب فكان يزول المرض فحضرة الشفاء هي التي تنيل أصحاب الأغراض أغراضهم و لا بد من الغرض فإن حيل بين من قام به الغرض و ما تعلق به كان المرض فإن نال ما تعلق به فهو الشفاء له من ذلك المرض و المنيل هو الشافي و كثيرا رأينا ممن يطلب آلاما أي أمورا مؤلمة ليزيل بها آلاما هي عنده أكبر منها و أشد فتهون عليه ما هو دونها و تلك الآلام المطلوبة له هي في حقه شفاء و عافية لإزالة هذه الآلام الشديدة فما طلب هذه الآلام لكونها آلاما فإن الألم غير مطلوب لنفسه و إنما طلبه لإزالة ما هو أشد منه في توهمه و مهما وجد الألم المؤلم و لو كان قرصة برغوث لكان الحكم له في وقت وجوده و يريد المبتلى به إزالته بلا شك فما طلبه إذا طلبه إلا بالتوهم المتعلق بإزالة هذا الأشد فإذا حصل و ذهب الأشد كان ذلك الألم المطلوب شديدا في حقه يطلب زواله بعافية أو مزيل لا ألم فيه و ورد في الخبر أذهب البأس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك و ما ثم شفاء إلا شفاؤه فإن الكل خلقه و لهذا قال الخليل فَهُوَ يَشْفِينِ فأمرنا الله أن نصلي على محمد ص كما نصلي على إبراهيم لأنه جاء بأمر محتمل أزال هذا الاحتمال إبراهيم ع و قد أمر أن يبين للناس ما نزل إليهم لأن الله ما أنزل ما أنزله إلا هدى أي بيانا و رحمة بما يحصل لهم من العلم من ذلك البيان فقال الخليل فَهُوَ يَشْفِينِ فنص على الشافي و ما ذكر شفاء لغيره و قال النبي ص في دعائه لا شفاء إلا شفاؤكفدخل الاحتمال لما جعل الله في الأدوية من الشفاء و إزالة الأمراض فيحتمل أن يريد محمد ص أن كل مزيل لمرض إنما هو شفاء الله الذي أودعه في ذلك المزيل فأثبت الأسباب و ردها كلها إلى الله و هذا كان غرض رسول الله ص مع تقرير الأسباب لأن العالم ما يعرفون شفاء الله من غير سبب مع اعتقادهم أن الشافي هو الله و يحتمل لفظ النبي ص إثبات أشفية لكن لا تقوم في الفعل قيام شفاء الله فقال لا شفاء إلا شفاؤك و الأول في التأويل أولى بمنصب رسول الله ص فلما دخل الاحتمال كان البيان من هذا الوجه في خبر إبراهيم الخليل عفقيل لنا قولوا في الصلاة على محمد كما صليت على إبراهيمو الصلاة من الله الرحمة و الشفاء من الرحمة و قد اقتضى مقام النبي ص أن يبين أن الأشفية التي تكون عند استعمال أسبابها أنها شفاء الله إذ لا يتمكن رفع الأسباب من العالم عادة و قد ورد أن الله ما خلق داء إلا و خلق له دواء فأراد الله أن يعطي محمدا ص ما أعطاه إبراهيم خليله مع ما عنده مما ليس عند غيره هذا أبو بكر رضي الله عنه و هو حسنة من حسنات رسول الله ص يقول الطبيب أمرضني و الخليل يقول وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ فانظر ما بين القولين تجد قول أبي بكر أحق و أنظر ما بين الأدبين تجد الخليل ع أكثر أدبا فإن آداب النبوة لا يبلغها أدب كما قال معلم موسى ع فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها و فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما فهذا لسان إبراهيم عليه الصلاة و السلام

و كل وقت له حال ينطقه و كل حال له معنى يحققه

فقول إبراهيم الخليل وَ إِذا مَرِضْتُ نهاية و قوله يَشْفِينِ بداية و قول النبي ص لا شفاء إلا شفاؤكنهاية النهاية فهي أتم و الإتيان بالأمرين أولى و أعم فجمع الله الأمرين لمحمد ص في الصلاة عليه كما صليت على إبراهيم الذي أمرنا الله أن نتبع ملته لتقدمه فيها لا لأنه أحق بها من محمد ص فللزمان حكم في التقدم لا في المرتبة كالخلافة بعد رسول الله ص الذي كان من حكمة الله تعالى أنه أعطاها أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليا بحسب أعمارهم و كل لها أهل في وقت أهلية الذي قبله و لا بد من ولاية كل واحد منهم و خلع المتأخر لو تقدم لا بد منه حتى يلي من لا بد له عند الله في سابق علمه من الولاية فرتب الله الخلافة ترتيب الزمان للأعمار حتى لا يقع خلع مع الاستحقاق في كل واحد من متقدم و متأخر و ما علم الصحابة ذلك إلا بالموت و مع هذا البيان الإلهي فبقي أهل الأهواء في خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ مع إبانة الصبح لذي عينين بلسان و شفتين نسأل الله العصمة من الأهواء و هذه كلها أشفية إلهية تزيل من المستعمل لها أمراض التعصب و حمية الجاهلية وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الفرد الوتر الأحد حضرة الإفراد»

تفردت بالفرد في نشأتيو إني بتثليثها مفرد
و ما لي سبيل إلى غايتيو إني إلى غايتي أوحد
ورثت من أشياخنا كل مايورثني المجد و السؤدد
و إني إذا كنته لم أكنو إني أنا ذلك الأوحد
و هذا الذي قلته إنهعن الله سبحانه أسند

يدعى صاحبها عبد الفرد و عبد الوتر و عبد الأحد و أمثال ذلكقال رسول الله ص إن الله وتر يحب الوتر و

أوتر رسول الله ص بواحدة و بثلاث و بالخمس و بالسبع و بالتسع و بإحدى عشرة و كل فرد وتر بالغا ما بلغ و كل مشفع وترا أحد و كل موتر شفعا وتر و فرد و أحد و يسمى وترا لأنه طالب ثار من الأحد الذي شفع فرديته فإن الحكم للأحد في شفع الفرد ليس للفرد و لا للوتر فلما انفرد به الأحد طلب الفرد ثاره من الأحد بالوتر فإن الوتر في اللسان بلحنهم هو الدخل و هو طلب الثأر و هو قوله ص في الذي تفوته صلاة العصر في الجماعة كأنما وتر أهله و مالهكان صلاة الجماعة في العصر طلبت ثارها من المصلي فذا مع تمكنه من الجماعة و إذا أوتر بواحدة سميت البتيراء لأن من شأن الوتر على حكم الأصل أن يتقدمه الشفع فإذا أوتر بواحدة لم يتقدمها شفع فكانت بتيرا على التصغير و الأبتر هو الذي لا عقب له و هذه البتيراء ما هي بتيرا لكونها لا عقب لها و إنما هي بتيرا لكونها ليست منتجة و لا نتجت فلها منزلة لم يلد و لم يولد فإذا تقدمها الشفع لم تكن بتيرا لأنها ما ظهرت إلا عن شفع و لهذا كان رسول الله ص لا يسلم من شفعه إلا في وتر ذلك الشفع فيصله بالشفع ليعلم أنه منه هذا كله ليتميز من الأحد فإن الأحد لا يدخله اشتراك و لا يكون نتيجة عن شفع أصلا و إن كان عن شفع فليس بواحد و إنما هو ثلاثة أو خمسة فما فوق ذلك و تقول في سادس الخمسة إنه واحد لأنه ليس بسادس ستة فقد تميز عن الشفع بما هو منفصل و ليس إلا الأحد بخلاف الفرد و الوتر و قال رسول الله ص إن لله تعالى تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحد من أحصاها دخل الجنة فإن الله وتر يحب الوتر فأوتر التسعين بالتسعة و استثنى الواحد من المائة و لم يقل مائة إلا وترا أو فردا لأن الاشتراك في الفردية و الوترية و ليس في الأحدية اشتراك و لو قالها هنا لعلم بذكر المائة و ذكر التسعة و التسعين أنه أراد الواحد فلو لا قرائن الأحوال ما كان يعرف أنه أراد الواحد للاشتراك الذي في الأفراد و الأوتار فأبان بالواحد بعين اسمه فقوة الأحد ليست لسواه واحدية الكثرة أبدا إنما هي فرد أو وتر لا يصح أن تكون واحدا و سواء كانت الكثرة شفعا أو وترا و إنما أحب الله الوتر لأنه طلب الثأر و الله يقول إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ و الحق سبحانه قد نوزع في أحديته بالألوهية فلما نوزع في ألوهيته جاء بالوتر أي بطالب الثأر ليفنى المنازع و ينفرد الحق بالأحدية أحدية الذات لا أحدية الكثرة التي هي أحدية الأسماء فإن أحدية الأسماء شفع الواحد لأن الله كان من حيث ذاته و لا شيء معه فما شفع أحديته إلا أحدية الخلق فظهر الشفع

فما في الكون إلا الشفع فانظرفإن الرب بالمربون كانا
فمن فهم الذي قد قلت فيهأهان شريكه و الشرك هانا
لهذا الحق بعد الأخذ فيهيورثه برحمته جنانا
بدار النار لم يخرجه منهاو أعطاه بها النعمى امتنانا
فكن فردا و كن وترا تكنهو لا تك واحدا فيه عيانا
تحز بالوتر إن فكرت فيهو بالفرد المكانة و المكانا
و لا تنظر إلى الأحد المعلىفما في الكون من عين سوانا
إذا قال الإله لكل شيءيريد وجوده إن كن فكانا
و ما كان الذي قد كان منهسواه فمن رآه فقد رآنا

«الرفيق حضرة الرفق و المرافقة»

إن الرفيق هو الذي يسترفقو هو الإمام العالم المتحقق
فإذا نطقت عن الإله مترجماألقى على الأسماء ما يتحقق
إذا كان الرفيق هو الرفيقفلا تجنح إلى غير الرفيق
تفز بالسبق و التحقيق فيهيبينه له معنى الطريق
لقد دقت إشارات المعانيإلى قلبي بمعناها الدقيق
و جلت أن تنال بكل فكرلأن مجيئها لمع البروق
و قلت لصاحبي مهلا فإنيسأشهد حالها عند الشروق

يدعى صاحبها عبد الرفيق و هو أخو الصاحب في الدلالة و لما خبر ص عند الموت ما قال و لا سمع منه إلا الرفيق الأعلى فإنه تعالى كان مرافقه في الدنيا و علم منه تعالى أنه يريد بطلوع الفجر الرجوع إلى عرشه من السماء الدنيا التي نزل إليها في ليل نشأته الطبيعية فلم يرد ص مفارقة رفيقه فانتقل لانتقاله و رحل لرحلته و لذلك قال ص الرفيق و لم يقل غير ذلك لأن الإنسان خلق في محل الحاجة و العجز فهو يطلب من يرتفق به فلما وجد الحق نعم الرفيق و علم إن الارتفاق به على الحقيقة هو الارتفاق الموجود في العالم و إن أضيف إلى غيره فلجهل الذي أضافه فطلب الرفيق الذي بيده جميع الإرفاق فلم يطلب أثرا بعد عين و هكذا حال كل من أحب لقاء الله إذا لم تكن له درجة مشاهدة الرفيق و هو في قوله تعالى وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ فهو رفيقنا تعالى في كل وجهة نكون فيها غير إنا حجبنا فسمي انفصالنا عن هذا الوجود الحسي بالموت لقاء الله و ما هو لقاء و إنما هو شهود الرفيق الذي أخذ الله بأبصارنا عنه فقال من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه

فنلقاه بالكرامةو البشر و بالرضى
و بأهل و مرحب ضاقعن وسعه الفضاء

فلم يعرفه المحجوب رفيقا حتى لقيه فإذا لقيه عرفه و هو قوله وَ بَدا لَهُمْ من الله ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ فاستحيوا منه المؤمنون لما عاملوه به من المخالفة لأوامره تعالى و خاف منه المجرمون فلقوه على كره فكره الله لقائهم و مع هذه الكراهة فلا بد من اللقاء للجزاء كان الجزاء ما كان و لما كان الأنس و الرحمة و أخواتهما في الرفيق و المرافقة لذلك اختصت البنوية باسم الرفيق فتقول فلان رفيق فلان لأنه يغضب لرفيقه و ينصره و لا يخذله و ينصر الحق و لا يخذله فإنه من شرط البنوة أنه لا يكذب فيعتضد بالنبوي الحق في إظهار الصدق و ليس ذلك لغير هذه الطائفة و إذا لم يكن على مكارم هذه الأخلاق خلع عنه قميص البنوة و هو قميص نقي سابغ فمن دنسه أو قلصه عاد ذلك عليه و خلع عنه قميصها فلا يلبسه إلا أهلها

«الباعث حضرة البعث»

حضرة البعث حضرة الإرسالفلها الصدق و هو من أحوالي
كلما قلت قد أتاني رسولمنه يبغي دون الأنام سؤالي
تهت عجبا به و قلت أنيسيأنت و الله إن خطرت ببالي
إني بعثت إلى المحبوب في السحربما أتيت به من صادق الخبر
و قلت إن كنت تدري ما أفوه بهمن شاهد الحب فلتنهض على أثري
لما شهدتك يا من لا شبيه لهلا فرق عندي بين الستر و النظر
فالكشف ينبئ عن أسرار موجدةبما يشاهده في الشمس و القمر
إن البصائر أغنتني حقائقهاعما يشاهد رب الكشف بالبصر

يدعى صاحبها عبد الباعث قال تعالى هُوَ الَّذِي بَعَثَ في الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ و قال وَ أَنَّ الله يَبْعَثُ من في الْقُبُورِ و قال وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا و قال يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فمن هذه الحضرة بعث الرسل و أنزل الكتب و حشر الناس بعد أن أنشرهم ثم بعث بهم من هذه الحضرة إلى منازلهم يعمرونها من جنة و نار كل بشاكلة عمله فيبعثهم و يبعث إليهم فالبعث لا ينقطع في الدنيا و الآخرة و البرزخ غير أن الرسل عرفاء لا تمشي إلا بين الملوك لا بين الرعايا و إنما تخاطب الرؤساء و العرفاء فالإرسال من الله إنما أرسلهم من كونه ملكا إلى النفوس الناطقة من عباده لكونهم مدبرين مدائن هياكلهم و رعاياهم جوارحهم الظاهرة و قواهم الباطنة فما تجيء رسالة من الملك إلا بلسان من أرسل إليهم قال تعالى وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فيبعث الله رسله إلى هذه النفوس الناطقة و هي التي تنفذ في الجوارح ما تنفذ من طاعة و مخالفته و لها قبول الرسالة و الإقبال على الرسول و التحفي به أو الإهانة و قد يكون الرد بحسب ما أعطاها الله من الاستعداد من توفيق أو خذلان فجعل النفوس ملوكا على أبدانها و أتاها ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً من الْعالَمِينَ و هو طاعة رعاياها لها فالجوارح و القوي لا تعصى لها أمرا بوجه من الوجوه و سائر الملوك الذين رعاياهم غير متصلين بهم قد يعصون أوامر ملوكهم كما إن من هؤلاء الملوك قد يعصى ما أمره به الملك الحق سبحانه و تعالى على لسان رسوله إليهم و قد يطيع فتوجيه الرسل و بعث الله إليهم أثبت لهم كونهم ملوكا فلما أنزلهم منزلته في الملك علمنا أنه لو لا ما ثم مناسبة تقتضيه ما كان هذا فإذ المناسبة في أصل الخلقة و هي قوله تعالى وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي فهو ولاة و ملكه و جعله خليفة عنه فمنهم من خرج عليه كفرعون و أمثاله و منهم من لم يخرج عليه فما كانت الرسل إلا إلى ولاته ثم إن هؤلاء الملوك النواب وجهوا أيضا منهم إليه تعالى إرسالهم يطلبون منه ما يؤيدهم به في تدبير ما ولاهم عليه فصار الملك ملك الملك لهذا السبب فمنه إليهم و منهم إليه فما وجه و لا بعث إرساله إلا إليه و ما قبل الإرسال إلا منه فإنهم من روحه وجدوا و من عين كونه كانوا و هنا أمور و أسرار أعني في خروجهم عليه كما يخرج الولد على والده و العبد على سيده إذا ملكه يسعى في هلاكه مع إحسانه إليه و بايع على قتله لينفرد هو بالملك و هذا واقع في رد الأفعال إليهم و ليست إلا إلى الله تعالى و غاية الموفق منهم الاشتراك في الأمر و هو الشرك الخفي فشرع لهم سبحانه قول لا حول و لا قوة إلا بالله رحمة بهم و قوله وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و قنع منه بذلك من كونه حكيما و لما علم إن مثل هذا الشرك يقع منهم و الدعوى أمرهم بالاستعانة بالله تقريرا لدعواهم حتى يكون ذلك عن أمره فأمثالنا يقول مثل هذا كله تعبدا و يثابر عليه بخلاف من لا يعلم و ما قرر الحق لعباده هذا إلا غيرة فيتخذون ذلك عبادة و يقولون إذا رجعوا إليه و كان الملك لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ في موطن الجمع و سألوا عن مثل هذا الشرك الخفي يقولون أنت أمرتنا بالاستعانة بك فأنت قررت لنا أن لنا قوة تنفرد بها و إن كان أصلها منك و لكن ما لها النفوذ لا بمعونتك فطلبنا القوة منك فإنك ذو القوة المتين فيصدقهم الله في كونهم جعلوا القوة منه التي فيهم و إنهم رأوا فيها القصور لخاصية المحل فما لها نفوذ الاقتدار الإلهي إلا بمساعدة الاقتدار الإلهي فإن العجز و الجبن و البخل في الخلق ذاتي لازم في جبلته و أصل خلقه إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً فإذا تكر و تشجع فنصرته من المكانة و الاكتساب و التخلق بأخلاق الله حيث كان في ذاته روحا منه فأثرت البقعة كما تؤثر البقعة في الماء بما يوجد من الملوحة و المرارةو غير ذلك من المطاعم و الماء من حيث هويته على صفة واحدة من الطيب و الطعم فانظر إلى ما أثرت فيه البقعة كذلك هي الأرواح المنفوخة في الأجسام من أصل مقدس نقي فإن كان المحل طيب المزاج زاد الروح طيبا و إن كان غير طيب خبثه و صيره بحكم مزاجه فرسل الله الذين هم خلفاؤه أطهر الناس محلا فهم المعصومون فما زادوا الطيب إلا طيبا و ما عداهم من الخلفاء منهم من يلحق بهم و هم الورثة في الحال و الفعل و القول و منهم من يختل بعض اختلال و هم العصاة و منهم من يكثر منه ذلك الاختلال و هم المنافقون و منهم المنازع و المحارب و هم الكفار و المشركون فيبعث الله إليهم الرسل ليعذروا من نفوسهم إذا عاقبهم بخروجهم عليه و استنادهم إلى غيره الذي أقاموه إلها فيهم من أنفسهم و كذبوا عليهم في جعلهم إياهم آلهة و الإله لا يكون بالجعل و لكن ما حملهم على ذلك إلا أصل صحيح و هو أنهم رأوا اختلاف المقالات في الله مع الاجتماع على أحديته و أنه واحد لا إله إلا هو ثم اختلفوا فيما هو هذا الإله فقال كل صاحب نظر بما أداه إليه نظره فتقرر عنده أن الإله هو الذي له هذا الحكم و ما علم أن ذلك عين جعله فما عبد إلا إلها خلقه في نفسه و اعتقده سماه اعتقادا و اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا و الشيء الواحد لا يختلف في نفسه فلا بد أن يكون هو في نفسه على إحدى هذه المقالات أو خارجا عنها كلها و لما كان الأمر بهذه المثابة أثر و هان عليهم اتخاذ الأحجار و الأشجار و الكواكب و الحيوانات و أمثال ذلك من المخلوقات آلهة كل طائفة بما غلب عليها كما فعل أهل المقالات في الله سواء فمن هذا الأصل كان المدد لهم و هم لا يشعرون فما ترى أحدا يعبد إلها غير مجعول فيخلق الإنسان في نفسه ما يعبده و ما يحكم عليه و الله هو الحاكم لا ينضبط للعقل و لا يتحكم له بل له الأمر في خلقه من قبل و من بعد لا إله إلا هو إله كل شيء و مليكه و هذا كله من الاسم الباعث فهو الذي بعث إلى بواطنهم رسل الأفكار بما نطقوا به و اعتقدوه في الله كما أنه بعث إلى ظاهرهم الرسل المعروفين بالأنبياء و النبوة و الرسالة فالعاقل من ترك ما عنده في الله تعالى لما جاءوا به من عبد الله في الله فإن وافقوا ما جاءت به رسل الأفكار إلى بواطنهم كان و شكروا الله على الموافقة و إن ظهر الخلاف فعليك باتباع رسول الظاهر و إياك و غائلة رسل الباطن تسعد إن شاء الله و هذا نصيحة مني إلى كل قابل ذي عقل سليم وَ قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الحق حضرة الاسم الحق»

الحق بالحق أفنيه و أثبتهفالحق ما بين إعدام و إثبات
لو لا الوجود و لو لا سر حكمتهما كان يعبد في العزى و في اللات
إن الأمور التي بها يقيدنيبها يسر حتى في الحال و الآتي
إن الذي قد مضى إلى مرجعهلما لديه من أمراض و آفات
و الله لو علمت نفسي بمن كلفتما كنت أفرح بالفاني إذا يأتي

يدعى صاحبها عبد الحق قال تعالى فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ و ليس إلا الخلق و الضلال الحيرة و بالخلق ظهر حكم الضلال

فعين وجود الحق نور محقق و عين وجود الخلق ظل له تبع

فالحق عين الوجود و الخلق قيده بالإطلاق فالخلق قيد مقيد فلا حكم الإله و به و الحق الحاكم و لا يحكم إلا بالحق فحق الحق عين الخلق فإني تصرفون و الأمر كما قلناه و ما سمي خلقا إلا بما يخلق منه فالخلق جديد و فيه حقيقة الاختلاق لأنك تنظر إليه من وجه فتقول هو حق و تنظر إليه من وجه فتقول هو خلق و هو في نفسه لا حق و لا غير حق فإطلاق الحق عليه و الخلق كأنه اختلاق فغلب عليه هذا الحكم فسمي خلقا و انفرد الحق باسم الحق إذ كان له وجوب الوجود بنفسه و كان للخلق وجوب الوجود به لا أقول بغيره فإن الغير ما له عين و إن كان له حكم كالنسب لا عين لها و لها الحكم فبالحق خلق السماء و الأرض و بالحق أنزل القرآن وَ بِالْحَقِّ نَزَلَ و للحق نزل ففي الخلق أتاه الخلق لأنه ليل سلخ منه النهار فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ حيارى تايهون ما لهم نور يهتدون به كما جعل الله النجوم لمن يهتدي بها في ظُلُماتِ الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ و هو نظر العامة و الخواص في ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ ... صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ تارة يقولوننحن نحن و هو هو و تارة يقولونهو نحن و نحن هو و تارة يقولون لا نحن نحن مخلصون و لا هو هو مخلص ثم صدق الله هؤلاء الخواص في حيرتهم بقوله لأخص خلقه علما و معرفة وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمىفنفى عين ما أثبت فما أثبت و ما نفى فأين العامة من هذا الخطاب فالعلم بالله حيرة و العلم بالخلق حيرة و قد حجر النظر في ذاته و أطلقه في خلقه فالهداة في النظر في الخلق لأنه الهادي و قد هدى و العمي في النظر في الحق فإنه قد حجر و جعله سبيل الردي و هذا خطاب خاطب به العقلاء ما خاطب به أهل الجمع و الوجود فما نظر قط أهل الخصوص في اكتساب علم به و لا بمعلوم و إنما جعل لهم أن يهيئوا محالهم و يطهروا قلوبهم حتى يأتي الله بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ من عِنْدِهِ بالفتح فَيُصْبِحُوا عَلىما أَسَرُّوا في أَنْفُسِهِمْ نادِمِينَ لأنهم عاينوا ما وصلوا إليه بالفتح الإلهي و الأمر عين ما انفصلوا عنه ف ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً بالحيرة وَ تَسْلِيماً لحكمها و من هذه الحضرة أثبت أن الباطل شيء قذف بالحق عليه فدمغه فإذا الباطل زاهق و لا يزهق إلا ما له عين أو ما تخيل أن له عينا فلا بد له من رتبة وجودية خيالا كانت أو غير خيال قد اعتنى بها على كل حال ثم إنه من أعظم الحيرة في الحق إن الحق له الوجود الصرف فله الثبوت و صور التجلي حق بلا شك

و ما لها ثبوت و ما لها بقاء لكن لها اللقاء فما لها شقاء

ما من صورة ينجلي فيها إلا إذا ذهبت ما لها رجوع و لا تكرار و ليس الزهوق سوى عين الذاهب فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ فهل في الحق باطل أو ما هو الباطل و ما اذهب الصورة إلا قذف الصورة الأخرى و هي تذهب ذهاب أختها فهي من حيث ورودها حق و من حيث زهوقها باطل فهي الدامغة المدموغة فصدق من نفي رؤية الحق فإن الحق لا يذهب فإنه إن كانت الصور صورنا فما رأينا إلا أنفسنا و نحن ليس بباطل و قد زهقنا بنا فنحن الحق لأن الله بنا قذف علينا فما أتى علينا إلا منا فالله بالحق قاذف و العبد للحكم الإلهي واقف

فالعين مني و منهلها البقاء و الثبوت
من ذا الذي منه يحيىأو من هو منه يميت
و منه مني يحييأو منه مني يموت
قد حرت فيه و فينافنحن خرس صموت
لا تدعى فيه دعوىفإنه ما يفوت
أصبحت لله قوتاو إنه لي قوت
فالأمر دور و هذاعلمي به ما بقيت

فلا تعتمد على من له الزهوق فإنه ما يحصل بيدك منه شيء و لا تعتمد إلا عليك فإن مرجعك إليك و إلى الله ترجعون كما تُرْجَعُ الْأُمُورُ فمن هنا قال من قال من رجال الله أنا الله فأعذروه فإن الإنسان بحكم ما تجلى له ما هو بحكم عينه و ما تجلى له غير عينه فسلم و استسلم فالأمر كما شرحته وَ عَلَى الله قَصْدُ السَّبِيلِ ... وَ لَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ

«الوكيل حضرة الوكالة»

وكيلي من يقول أنا الوكيلو يدري إنني عنه أقول
و لو أني أشاهده بقلبيلما كان الطلوع و لا الأفول
و لكني أشاهده بعينيلذا وقع التحير و الذهول

يدعى صاحبها عبد الوكيل بهذا الاسم الإلهي ثبت الملك و الملك للخلق فإنا ما وكلناه إلا في التصرف في أمورنا فيما هو لنا لعلمنا بكمال علمه فينا فإنه يعلم منا ما لا نعلمه من نفوسنا و ما أعطاه العلم بنا سوانا في حال سوانا في حال ثبوتنا فنحن العلماء الجاهلون و هو العليم الذي لا يجهل و لهذا هو الحليم الذي لا يعجل فيمهل و لا يهمل و نحن نعجل و هو يعلم منا أنا نعجل و ما نعجل و إنما هو انتهاء مدة الأجل فالأجل منه قصير المدة و منه طويلها فكل يجري إلى أجل مسمى إلى ما لا يتناهى جريانا دائما لا ينقضي فالحق كل يوم في شأن و نحن في خلق جديد بين وجود و انقضاء فأحوال تتجدد على عين لا نبعد بأحكام لا تنفد و هي كلمات الله و خلقه و لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ الله و لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله و إنما التبديل لله فنحن كلماته و خلقه فهذا الوكيل الحق قد أعلمنا بتصرفه فينا أنه ما زاد شيئا على ما أعطيناه منا لأن الوكيل بحكم موكله فلا يتصرف إلا فيما أذن له فللوكيل الحجة البالغة فإنه لا يزيد على الحد المفوض إليه و ما ثم ما يقبل الزيادة فإن قلت للوكيل لم فعلت كذا كشف لكعنك فرأيت أنك جعلته أن يفعل ما أنكرت عليه فعله و كشف لك عن إنكارك فلا بد لك من الإنكار عليه فعذرك و عذرته

فلا تلم وكيلاو لم موكله
فإنما وجوديبه و نحن له
و لا تلمه أيضافالعين مجملة
و كلما بدا ليفالكون فصله
يعلم ذا إلهيعلى فضله

من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله لأن الله وكله على عباده فأمر و نهى و تصرف بما أراه الله الذي وكله و نحن وكلناه تعالى عن أمره و تحضيضه فأمره قوله فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا و تحضيضه أَلَّا تَتَّخِذُوا من دُونِي وَكِيلًا فالرسول وكيل الوكيل و هو من جملة من وكل الحق عن أمره تعالى فهو منا و هو الوكيل من الوكيل علينا فوجب على الموكل طاعة الوكيل لأنه ما أطاع إلا نفسه فإنه ما تصرف فيه إلا به كما قررناه فرتبة الوكالة رتبة إلهية سرت في الكون سريان الحياة فكما أنه ما في الكون إلا حي فما في الكون إلا وكيل موكل فمن لم يوكل الحق بلفظه وكله الحال منه و تقوم الحجة عليه و إن وكله بلفظه فالحجة أيضا عليه لأن الوكيل ما تصرف في غير ما فوض إلى موكله و جعل له أن يوكل من شاء فوكل الرسل في التبليغ عنه إلى الموكلين إنه من المصالح التي رأينا لكم أن تفعلوا كذا و تنتهوا عن كذا فإن ذلكم لكم فيه السعادة و الفوز من العطب فمن تصرف من الموكلين عن أمر وكيل الوكيل فقد سعد و نجا و حاز الخير بكلتا يديه و ملأهما خيرا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ فلا تتهموا وكيلا و لا تتخذوا إلى تجريحه سبيلا و قفوا عند حده و أوفوا له بعهده و هذه حضرة التسليم و التفويض و أنت الجناح المهيض فإنه خلقك على صورته ثم كسرك بما شرع لك فصرت مأمورا منهيا ثم جبرك من هذا الكسر بما سلب عنك بقوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ ثم كسرك بالجزاء لأنه ما عمل معك إلا ما علم و ما علم إلا منك و ليس المهيض سوى هذا فإنه المكسور بعد جبر و الجبر لا يرد إلا على كسر فالأصل عدم الكسر و هو الصحة و ليست إلا الصورة فاعلم ما نبهتك عليه فَسْئَلْ به خَبِيراً فلا علم إلا عن ذوق

لا يعرف الشوق إلا من يكابده و لا الصبابة إلا من يعانيها

و هذا القدر من هذه الحضرة كاف لمن استعمله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«القوي حضرة القوة»

إذا كان القوي يشد ركنيفلست أبالي من ضعف يكون
إذا عسرت على أمور كونيفمن تيسيره أبدا تهون
أنا العبد المطاع بكل وجهإذا ما شئته و أنا المكين
و إني واحد فرد تريهو إني عنده الروح الأمين
أبانت لي مشيئته تعالىمشائي و التي لي ما تبين

هذه الحضرة ممتزجة يدعى صاحبها عبد القوي وصف نفسه تعالى بأنه ذو القوة و هذا فيه إجمال فإنه اسم حميري أي صاحب القوة أي قوة القوة التي فينا و نجدها من نفوسنا كما نجد الضعف و هي قوة مجعولة لأنه قال خَلَقَكُمْ من ضَعْفٍ و ما خلقنا إلا عليه كما سخر لنا ما في السَّماواتِ وَ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ فما أنشأ العالم إلا منه و عليه إن فهمت ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً لما نقلنا من حال الطفولة إلى حال الشباب ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَ شَيْبَةً رجوعا إلى الأصل فسمي هرما و الشيب للشيخوخة فهل هو الضعف الأول الذي خلقنا منه و أين القوة هناك فالمدبر الأول هو المدبر الآخر و هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و الوسط محل الدعوى الواقعة منه في الظاهر و الباطن إلا من و فقه الله للنظر في أول نشأته و رجوعه إليها و ما وجدنا للقوة ذكرا في الأول و لا في الآخر فرأينا أن ننظر في معنى هذا الضعف الذي خلقنا منه فوجدنا عدم الاستقلال بالإيجاد إن لم تكن منا الإعانة بالقبول لأجل الإمكان فإن المحال غير قابل للتكوين و لما كانت الإعانة بالقبول و الاستعداد علمنا إن الاقتدار غير مستبد و ليس الضعف هنا سوى عدم هذا الاستبداد فشرع لنا ما هو شرع له أن نستعين به في الاقتدار كما استعان ينافي القبول منا لنعلم أن الضعف ليس إلا هذاثم جعل لنا قوة غير مستقلة فالقوة على الحقيقة ما يظهر لها عين إلا بالمجموع فهو ذو القوة لأنه الواجب الوجود لنفسه و نحن الواجبون به لا بأنفسنا فهو و إن خلقنا من ضعف فإنه جعل فينا قوة لولاها ما كلفنا بالعمل و الترك لأن الترك منع النفس من التصرف في هواها و بهذا عمت القوة العمل و الترك

فنحن فيها على السواءبلا افتراء و لا مراء
لكنه الأصل في وجوديو ما له فيه من بقاء
لأنه بالشئون يفنىفهو على منهج الفناء

و لما جعل الله الشيب نورا بالقوة هنا و بالفعل في الآخرة و قرن الشيبة بالضعف الذي رجعنا إليه ليرينا بذلك النور الشيبي إن ذلك الضعف ما هو ضعف ثان من أجل ما نكره كما قال فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً ثم إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً يعني يسرا آخر فرجعنا إلى الضعف الأول على عين الطريق الذي منه خرجنا أ لا تراه سبحانه يقول أَخْرَجَكُمْ من بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً و قال وَ مِنْكُمْ من يُرَدُّ فوصفنا بأنا نرد و هو الرجوع إلى الضعف الأول إِلىأَرْذَلِ الْعُمُرِ و أرذل العمر ما لا يحصل لنا فيه علم فقال لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً فأما أن يكون منع الزيادة و إما أن يكون اتصف بعدم العلم في حال الهرم لشغله بما هو عليه من الضعف المفرط فإن الدنيا بالإنسان حامل و الهرم شهر ولادتها فتقذفه من بطنها إلى البرزخ و هو المنزل الأول من منازل الآخرة فيتربى فيه كما يتربى المولود إلى يوم البعث و هو حد الأربعين حد الزمان الذي تبعث فيه الرسل الذين هم أكمل العالم علما بالأمور الإلهية فيحوزون القوة في دار الكرامة التي لا ضعف يعقبها فيتكون عنهم حساما يتكون هنا في خيالهم معنى و قد يكون في متعلق خاص حسا قدرة عليه كمن يريد أن يقوم فيقوم و يريد أن يكتب فيكتب و أما ما لا قدرة له و لا قوة له عليه إن يكون منه في الحس عليه فإنه يقوى على إيجاده خيالا في نفسه فذلك عينه يكون له في الآخرة حسا محسوسا و إن كان في قضية العقل محالا فما استحال وجوده في الخيال كذلك لا يستحيل وقوعه حسا لأن الخيال على الحقيقة إنما هو حضرة من حضرات الحس و لهذا يلحق المعاني بالمحسوسات في الصورة فيتخيل المحال محسوسا فيكون في الآخرة أو حيث أراد الله محسوسا و لهذا كان في الآخرة لا في الأولى فإن الخيال في الدرجة الاخيرة من الحس فإنه عن الحس يأخذ ما يكسوه من الصور للمحال و غيره فلهذا حيث كان لا يكون إلا في الآخرة فتنبه و أي قوى أعظم قوة ممن يلحق المحال الوجود بالوجود المحسوس حتى تراه الأبصار كوجود الجسم في مكانين فكما نتخيله هنا كذلك يقع في الآخرة حسا سواء و ما عندنا في العلم أهون من إلحاق المحال بالممكن في الوجود و لا أصعب من إلحاق الممكن بالمحال و هو عدم وقوع خلاف المعلوم مع إمكانه في نفسه فهذا إلحاق الممكن بالمحال فنقول في الذي كنا نقول فيه ممكن عقلا محال عقلا فتداخلت الرتب فلحق المحال بالممكن أي برتبته و لحق الممكن برتبة المحال و سبب ذلك تداخل الخلق في الحق و الحق في الخلق بالتجلي و الأسماء الإلهية و الكونية فالأمر حق بوجه خلق بوجه كل كون كون منه فالحضرة الإلهية جامعة لحكم الحق في الخلق و الخلق في الحق و لو لا ذلك ما اتصف الحق بأن العبد يغضبه و يسخطه فيغضب الحق و يسخط و يرضيه فيرضى و أما كون الحق يسخط العبد و يغضبه و يرضيه فالعامة تعرف هذا و هذا من علم التوالج و التداخل فلو لا وجود حكم القوة ما كان هذا فإن الضعف مانع قوى فانظر حكم القوة كيف سرى في الضعف حتى تقول في الضعيف إذا قوى عليه الضعف بحيث لا يستطيع الحركة فتنسب القوة للضعف فوصفته بضده فمن هنا تعرف قول أبي سعيد الخراز لما قيل له بما ذا عرفت الله قال بجمعه بين الضدين ثم تلا هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فبالقوة تقوى الضعف و بالأقوى ضعفت القوة و هذا الفرق بين الأقوى و القوي كالأقرب و القريب فكل أقرب قريب و ما كل قريب أقرب و كل أقوى قوى و ما كل قوى أقوى و قد ذكرنا في هذه الحضرة ما فيه غنية و كفاية وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«المتين حضرة المتانة»

إن قلت قولا صحيحاأنا القوي المتين
أو كان غير صحيحأنا الضعيف المهين

و أيضا

إن المتانة حال ليس يدريهاإلا الذي هام وجدا في معانيها
و قوة الله أبدتها لناظرناو حكمها أبدا فيمن يعانيها
إذا أشد بها ركني تكون لناأولى و إن كان عيني فهو ثانيها
إن المطالع قد لاحت أهلتهاللناظرين إليها في مبانيها

يدعى صاحبها عبد المتين قال تعالى إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ فرفع على الصفة لقوله ذو و هو و المتين هو الذي لا يتزلزل عما يجب له الثبوت فيه لتمكنه و ثقله فنبه على العين أنها بهذه الصفة من المتانة لئلا يتخيل متخيل أو يقول قائل إن الصور لما تبدلت في التجلي و اختلفت و الأسماء الإلهية لما كثرت و تنوعت و دل كل اسم على معنى لا يكون لغيره و أعطت كل صورة أمرا لم تعطه الصورة الأخرى إن العين و المسمى تبدل لهذا التبدل فأخبر أنه من المتانة بحيث أن الأمر على ما قرر و شوهد من التحول و التبدل و العين ثابتة في مكانتها لا نقبل التغيير و أعظم ما يظهر حكم هذا في العقائد في الله لأن الإله الذي اعتقد بالدليل النظري إذا جاءت الشبهة لصاحب هذا الاعتقاد النظري إزالته فلو كانت المتانة من صفات الإله الذي جعله المعتقد في نفسه ما أثرت فيه الشبهة الواردة فأخلت المحل عنه و عاد يبحث على إله آخر يجعله فيه فليست المتانة إلا للاله القوي الحق الذي يجد في نفسه هذا الطالب الاستناد إليه و لا يدري ما هو و لمتانته لا يقوى الناظر أن ينقله إلى محل اعتقاده فمتانته حجابه فلا يعرف و الحق الذي وسعه قلب العبد هو الذي يقبل آثار الشبه فيه فقد علمت لما ذا تسمى بالمتين و هو علم غريب فبالمتانة كان الاستناد فاستند إليه كل ممكن يطلب الترجيح و العلم بهذا المستند عين نفي العلم به على علم بأنه لا يعلم لا بد من ذلك كما قال الصديق العجز عن درك الإدراك إدراك و هذا أعلى ما يوصل إليه في العلم بالله المتين فإن للمتانة درجات فقصدنا أتمها و أعلاها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«النصير حضرة النصر»

حضرة النصر حضرةللذي قد بغي عليه
فهو لله وحدهما له غير ما لديه

و أيضا

إن الولي الذي إذا تولاهعبد تولاه رب حين ولاة
إن الولي اسم مفعول يكون لهمن لفظه فاعل إذا تولاه
لولاه ما ثبتت فينا قواعدهو لا رست رغبة لولاه لولاه
أملي على الذي يتلوه من سورعلى مسامع كوني حين أملاه
بالقلب سطره ربي لنحفظهبه بلاني إلهي حين أبلاه

يدعى صاحبها عبد الولي و الولي الناصر و إن شئت قلت عبد الناصر قال تعالى الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ من الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ و هو نور العيان و هو عين اليقين و أقام تعالى عذرا لما نبه بقوله في تمام الآية وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ و ما أفرد الطاغوت لأن الأهواء مختلفة و أفرد نفسه لأنه واحد يخرجونهم من النور إلى الظلمات فنصر هؤلاء الأولياء لهم حيث لا يتركونهم يدخلون الجنة لما لهم فيها من الضرر لأنهم على مزاج يتضرر بالاعتدال كما تضر رياح الورد بالجعل فهم ينصرون أصحابهم و ليس إلا أهل النار الذين هم أهلها أخبر ص فقال إِنَّ وَلِيِّيَ الله الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ لأن فيه الله وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا و هو من المؤمنين وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ و لهذا القطع كان الصلاح مطلوبا لكل نبي مكمل و شهد الله به لمن شاء من عباده على التعيين تشريفا له بذلك كعيسى يحيى ع و أما قوله تعالى وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ و ليس المؤمن إلا من لم يدخل إيمانه بأمر ما خلل يقدح في إيمانه و المؤمنون في كلام الله نوعان و هم الكافرون فنوع آمن بالله و كفر بالطاغوت و هو الباطل فهم أهل الجنة المعبر عنهم بالسعداء و النوع الآخر آمن بالباطل و كفر بالله و هو الحق فهم أهل النار المعبر عنهم بالأشقياء فقال عز و جل في حق السعداء فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىو هؤلاء هم الذين حق على الله نصرهمو الألف و اللام للعهد و التعريف و قال تعالى في حق الأشقياء وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ... فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ فإذا جعلت الألف و اللام في نصر المؤمنين للجنس فمن اتصف بالإيمان فهو منصور و من هنا يظهر المؤمنون بالباطل في أوقات على الكافرين بالطاغوت فيجعلون ذلك الظهور نصرا لأن النصر عبارة عمن ظهر على خصمه فمن جعل الألف و اللام للجنس جعل إيمان أهل الباطل بالباطل أقوى من إيمان أهل الحق بالحق فالمؤمن من لا يولي الدبر و يتقدم و يثبت حتى يظفر أو يقتل و لهذا ما انهزم نبي قط لقوة إيمانه بالحق و قد توعد الله المؤمن إذا ولى دبره في القتال لغير قتال أو انحياز إلى فئة تعضده فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَ من يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىفِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ من الله فخاطب أهل الايمان و بقرائن الأحوال علمنا أنه تعالى أراد المؤمنين بالحق و أرسل الآية في اللفظ دون تقييد بمن وقع الايمان به لكن قرائن الأحوال تخصص و تعطي العلم بالمقصود من ذلك غير أن الحق ما أرسلها مطلقة لا ليقيم الحجة على الذين آمنوا بالباطل إذا هزمهم الكافرون بالطاغوت لما دخلهم من الخلل في إيمانهم بالباطل فهو عندنا ليس بنصر ذلك الظهور الذي للمؤمنين بالباطل على الكافرين بالطاغوت و إنما المؤمنون بالحق لما تراءى الجمعان كان في إيمانهم خلل فأثر فيه الجبن الطبيعي فزلزل أقدامهم فانهزموا في حال حجاب عن إيمانهم بالحق و لا شك أن الخصم إذا رأى خصمه انهزم أمامه و فر و أخلي له مكانه لا بد أن يظهر عليه و يتبعه فإن شئت سميت ذلك نصرا من الله لهم فما انتصروا على المؤمنين بالحق و إنما انتصروا على وجه الخلل الذي دخل في إيمانهم و استتر عنهم بالخوف الطبيعي فكانوا كفارا من ذلك الوجه فكان نصرهم نصر الكفار بعضهم على بعض و هم المؤمنون بالباطل لأن هؤلاء المؤمنين بالحق آمنوا بما خوفهم به الطبع من القتل و هو باطل فآمنوا بالباطل لخوفهم من الموت و الشهيد ليس بميت فإنه حي يرزق فلما آمنوا به أنه موت آمنوا بالباطل فهزم أهل الباطل أهل الباطل و هذا يسمى ظهورا لا نصرا إلا إذا جعلت الألف و اللام للجنس فتشمل كل مؤمن بأمر ما من غير تعيين فهذه حكمة تسمية الله أهل الباطل مؤمنين و أهل الحق كافرين فلا تغفل يا ولي عن هذه الدقيقة فإنها حقيقة و هي المؤثرة في أهل النار الذين هم أهلها في المال إلى الرحمة لأن المشرك آمن بوجود الحق لا بتوحيده و وجود الحق حق فهو بوجه ممن آمن بالحق فما تخلص له الايمان بالباطل إذ آمن بالشريك فتقسم إيمانه فلم يقو قوة إيمان المؤمن بالحق من حيث أحديته في ألوهته قال تعالى وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ و لم يقل بتوحيد الله إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ لكنه جلي و خفي فالمؤمن بتوحيد الله مؤمن بوجود الله و ما كل مؤمن بوجود الله يكون مؤمنا بتوحيد الله فينقص عن درجته في قوة الايمان فإن استناد الايمان من المؤمن بالباطل إلى عدم و لهذا يرجع عنه عند الكشف و المؤمن بتوحيد الحق يرجع إلى أمر وجودي يستند إليه فيعضده فلا يرجع عنه فالمؤمن بالباطل أعان على نفسه المؤمن بالحق من حيث الأحدية و هو قوله تعالى كَفىبِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً و قوله لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا فقد تبرءوا في موطن ما فيه تكليف بالبراءة أنها نافعة صاحبها و الكافر لا مولى له و لهذا انهزم أمام خصمه فإنه استترت عنه حياة الشهيد في سبيل الله فآمن بالموت و هو الباطل و كفر بالحياة و هي الحق و في هذا تذكرة لأولي الألباب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«انتهى النصف الأول من الجزء الرابع من الفتوحات المكية و يليه النصف الثاني أوله «الحميد حضرة الحمد»