قرآن کریمبه زبان فارسی

پیشگفتار

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)

الفتوحات المكية

التي فتح الله بها على الشيخ الإمام العامل الراسخ الكامل

خاتم الأولياء الوارثين برزخ البرازخ محيي الحق

و الدين أبي عبدالله محمّد بن علي المعروف بابن عربي

الحاتمي الطائي قدّس الله روحه و نوّر ضريحه آمين

بقية

الجزء الرابع

بسم الله الرحمن الرحيم

«الحميد حضرة الحمد»

أنت الحميد اسم مفعول لحامدناو فاعل و لهذا أنت محمود
و حامد فإذا جئنا لنحمدههو الشهيد لنا و القلب مشهود
من غير كيف و لا كم و لا شبهو ليس يأخذه حصر و تحديد
إني لأعبده بي لا به فإنابالله أعبده و الله معبود
إني لأعرفه إذا أشبههشرعا و عقلا فإطلاق و تقييد

يدعى صاحبها عبد الحميد و هو فعيل فعم اسم الفاعل بالدلالة الوضعية و اسم المفعول فهو الحامد و المحمود و إليه ترجع عواقب الثناء كلها و محمد ص بيده لواء الحمد فلآدم ع علم الأسماء و لمحمد ص علم الثناء بها و التلفظ بالمقام المحمود فأعطى في القيامة لأجل المقام المحمود العمل بالعلم و لم يعظ لغيره في ذلك الموطن فصحت له السيادة فقال آدم فمن دونه تحت لوائي و ما له لواء إلا الحمد و هو رجوع عواقب الثناء إلى الله و هو قوله الحمد لله لا لغيره و ما في العالم لفظ لا يدل على ثناء البتة أعني ثناء جميلا و إن مرجعه إلى الله فإنه لا يخلو أن يثني المثنى على الله أو على غير الله فإذا حمد الله فحمد من هو أهل الحمد و إذا حمد غير الله فما يحمده إلا بما يكون فيه من نعوت المحامد و تلك النعوت مما منحه الله إياها و أوجده عليها إما في جبلته و إما في تخلقه فتكون مكتسبة له و على كل وجه فهي من الله فكان الحق معدن كل خير و جميل فرجع عاقبة الثناء على المخلوق بتلك المحامد على من أوجدها و هو الله فلا محمود إلا الله و ما من لفظ يكون له وجه إلى مذموم إلا و فيه وجه إلى محمود فهو من حيث إنه محمود يرجع إلى الله و من حيث ما هو مذموم لا حكم له لأن مستند الذم عدم فلا يجد متعلقا فيذهب و يبقى الحمد لمن هو له فلا يبقى لهذا اللفظ المعين إلا وجه الحمد عند الكشف و يذهب عنه وجه الذم أي ينكشف له أن لا وجه للذم و لقد أخبرني في هذا اليوم الذي قيدت فيه هذه الحضرة في هذا الكتاب صاحبنا سيف الدين ابن الأمير عزيز رحمه الله أنه رأى والي البلد يضرب إنسانا ضربا مبرحا فوقف في جملة الناس و هو يمقت الوالي في نفسه لضربه ذلك الشخص فأخذ عن نفسه فشاهد الوالي مثله واحدا من الجماعة ينظر إلى المضروب مثل ما تنظر إليه الجماعة و الآمر بالضرب ليس الوالي فعذره و سرى عنه و انصرف و كان سبب هذه الحكاية أن الوالي جار عليه في حكومة فقلت له ارفعه إلى السلطان فقال لي ما بيد الوالي شيء ثم ذكر لي ما رأى و هكذا الأمر في نفسه فهذا شخص قد كان مع الحجاب ينسب الجور إلى الوالي فلما كشف الله عن بصره الغطاء زال كون ذلك جورا عنده و قام عذر الجائر عنده فصار حمد أو ثناء خير و برئت ساحة من أضيف الذم إليه فعادت عواقب الثناء إلى الله عز و جل أ لا تراه يقول يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله و قد افتقر إلى مذموم و محمود و دخل تحت مسمى الله ثم قال وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ يقول الذي لا يفتقر الحميد أي الذي ترجع إليه عواقب الثناء من الحامد و المحمود و إن كان مذموما بنسبةما فهو محمود بنسبة أقوى لها الحكم فيه فالحمد لله تملأ الميزان لأنه كل ما في الميزان فهو ثناء على الله و حمد لله فما ملأ الميزان إلا الحمد فالتسبيح حمد و كذلك التهليل و التكبير و التمجيد و التعظيم و التوقير و التعزيز و أمثال ذلك كله حمد فالحمد لله هو العالم الذي لا أعم منه و كل ذكر فهو جزء منه كالأعضاء للإنسان و الحمد كالإنسان بجملته

فقد بان لك الحمدفلا يحجبنك الذم
و قد لاح لك السرفما غيبه الكتم

و حكم هذه الحضرة على ثلاثة أنحاء في التمام و الكمال و أتمها واحد منها و ذلك حمد الحامد نفسه يتطرق إليه الاحتمال فلا يكون له ذلك الكمال فيحتاج إلى قرينة حال و علم يصدق الحامد فيما حمد به نفسه فإنه قد يصف واصف نفسه بما ليس هو عليه و كذلك حكمه إذا حمده غيره يتطرق أيضا إليه الاحتمال حتى يستكشف عن ذلك فينقص عن درجة الإبانة و التحقيق و الحمد الثالث حمد الحمد و ما في المحامد أصدق منه فإنه عين قيام الصفة به فلا محمود إلا من حمده الحمد لا من حمد نفسه و لا من حمده غيره فإذا كان عين الصفة عين الموصوف عين الواصف كان الحمد عين الحامد و المحمود و ليس إلا الله فهو عين حمده سواء أضيف ذلك الحمد إليه أو إلى غيره

فما ثم إلا الله فاحمد نقل حقاو لا تعتبر في الحمد كونا و لا خلقا
و راقب ثناء الحق في كل لفظةفإن له في كل محمدة مرقى
فمن نال هذا العلم نال مكانةتنزله من ربه المنزل الصدقا
و سابق إلى هذا المقام بعزمةمع السابقات الغر في حمده سبقا
و لا بد من تقسيم ربك خلقهفلا بد من أتقى و لا بد من أشقى
و قد جاء في نص الكتاب مسطرابليل و أعلى فاعتبر ذلك النطقا
فإن كتاب الله ينطق بالذيقد أودعه الرحمن في خلقه حقا
و قد وضح العلم الجلي لذي حجىفإن شئت أن تردى و إن شئت أن ترقى

و الحمد لله المنعم المفضل و الحمد لله على كل حال فعم و خص وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«المحصي حضرة الإحصاء»

إذا أحصيت أمرك في كتابتكن أنت الذي تحصى و تحصى
و قلت لأمنا مهلا عليناو قلت لاختنا بالله قصي
إذا ما جئت يا نفسي إليهفقولي ما تشاء له و قصي
مضى عني و لم أشهد سواهفقلت لهمتي بالله قصي
و خصي من تعبده هواهو لا تكتمه ما تدريه خصي

يدعى صاحبها عبد المحصي و هي حضرة الإحاطة أو أختها لا بل هي أختها لا عينها قال تعالى وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصىكُلَّ شَيْءٍ عَدَداً و قال في الكتاب لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَ لا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها و هذا مقام كاتب صاحب الديوان كاتب الحضرة الإلهية و هذا الكاتب هو الإمام المبين قال تعالى وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ في إِمامٍ مُبِينٍ فالديوان الإلهي الوجودي رأسه العقل الأول و هو القلم و أما الإمام فهو الكتاب و هو اللوح المحفوظ ثم تنزل الكتبة مراتبها في الديوان بأقلامها لكل كاتب قلم و هو قوله ص لما ذكر حديث الإسراء فقال حتى ظهرت لمستوي أسمع فيه صريف الأقلامفالقلم الأعلى الذي بيد رأس الديوان لا محو فيه كل أمر فيه ثابت و هو الذي يرفع إلى الحق و الذي بأيدي الكتبة فيه ما يمحو الله و فيه ما يثبت على قدر ما تأتي به إليهم رسل الله من عند الله من رأس الديوان من إثبات ما شاء و محو ما شاء ثم ينقل إلى الدفتر الأعلى فيقابل باللوح المحفوظ فلا يغادر حرفا فيعلمون عند ذلك أَنَّ الله قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً إلا أن الفرق بين الإحصاء و الإحاطة إن الإحاطة عامة الحكم في الموجود و المعدوم و في كل معلوم و الإحصاء لا يكون إلا في الموجود فما هو شيئية أحاط بكل شيء علما شيئية أَحْصىكُلَّ شَيْءٍ عَدَداً فشيئية الإحصاء تدخل في شيئية الإحاطةفكل موجود محصي و هو موجود فهو محصي أن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة لأنها داخلة في الوجود لدلالتها على موجود و هي أمهات كالدرج للفلك ثم إنه لكل عين من أعيان الممكنات اسم إلهي خاص ينظر إليه هو يعطيه وجهه الخاص الذي يمتاز به عن غيره و الممكنات غير متناهية فالأسماء غير متناهية لأنها تحدث النسب بحدوث الممكن فهي هذه الأسماء من الأسماء المحصاة كالذي يحوي عليه درج الفلك من الدقائق و الثواني و الثوالث إلى ما لا يتناهى فلا يدخل ذلك الإحصاء و تحكم عليه الإحاطة بأنه لا يدخله الإحصاء فكل محصي محاط به و ما كل محاط به محصي و كل ما يدخله الأجل يدخله الإحصاء مثل قوله سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ فالشغل الإلهي لا ينتهي فإنه عند فراغه بانتهاء حكم الدنيا شرع في الشغل ينافي الآخرة و حكم الآخرة لا نهاية له لأنها إلى غير أجل فشغله بنا لا يقبل الفراغ و إن كان شأنه في الدنيا الذي يفرغ منه إنما هو بنا لكونه خلق الأشياء من أجلنا و هو ما لا بد لنا منه و من أجله لأن كل شيء يسبح بحمده لا بل من أجله لا بل من أجلنا لما نحن عليه من الجمعية و الصورة فالتسبيحة منا تسبيح العالم كله فما أوجد الأشياء إلا من أجلنا فبنا وقع الاكتفاء و الواحد منا يكفي في ذلك و إنما كثرت أشخاص هذا النوع الإنساني و إن كانت محصاة فإنها متناهية لكون الأسماء الإلهية كثيرة فكانت الكثرة فينا لكثرتها فإن النبي ص يقول في دعائه اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسكالحديث فكانت الكثرة فينا لكثرتها و هو قوله مما يزيد على ما ذكر في سؤاله ص فكثرت لكثرة الأسماء أشخاص هذا النوع المقصود فإن الأشياء المخلوقة من أجله إن لم يستعملها فيما خلقت له و إلا تبقي مهملة و ما في قوة واحد من هذا النوع استعمال الكل فكثر أشخاصه ليعم الاستعمال للأشياء التي خلقها له و لا بد من خلقها فالممكن لا ينتفع إلا بالممكن و الحق واسطة بين الممكنين

فما لنا شغل إلا بهو ما له شأن إلا بنا
فكلما قلناه فهو لهو كل ما يقضى فهو لنا

و قد نبهنا على ما لا بد منه مما يختص بهذه الحضرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

المبدئ

«حضرة البدء»

لما بدأت بأمر لست أبديةعلمت أني عين البدء من فيه
فكنت أشهده في كل نازلةو كان يشهدني إذ كنت أخفيه
سألت من هو عيني أن يمن علىقلبي به و عسى الرحمن يشفيه
مما به فله نفس تنازعنيفيه و قلت لعل الله يكفيه
همي و إن له دينا و أسألهيقضيه عني فإني لا أو فيه

يدعى صاحبها عبد المبدئ و ما للأبد أولية تعقل إلا بالرتبة و الوجود فإن له الرتبة الثانية ما له في الأولى قدم فإنها رتبة الواجب الوجود لنفسه و الرتبة الثانية رتبة الواجب الوجود بغيره و هو الممكن فالمتقدم من المخلوقين و المتأخر سواء في الرتبة فإنهم في الرتبة الثانية فإذا نسبت الثانية إلى الأولى عقلت الابتداء و الحضرة الأولى هي التي أظهرتها فهو المبدئ لها بلا شك و لا يزال حكم البدء في كل عين عين من أعين الممكنات فلا يزال المبدئ مبدئا دائما لأنه يحفظ الوجود علينا بما يوجده فينا لبقاء وجودنا مما لا يصح لنا بقاء إلا به فهو تعالى في حق كل ما يوجده دائما مبدئ له و ذلك الموجود ندعوه بالمبدئ فكل اسم إلهي يسمى بالمبدئ لما له من الحكم فيما أوجده المبدئ الأول و سيأتي حكم الحضرة الأولية في اسمه الأول إن شاء الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«المعيد حضرة الإعادة»

إن الإعادة مثل البدء في الصورو ليس يلحقها شيء من الغير
بذا تزيد على الأولى فإن لهاوقاية تتقي المذكور بالضرر
لو لا الإعادة ما كنا على طلبعند القيام من الأجداث و الحفر
لأن أسماءه الحسنى تطالبنابما أتينا به في صادق الخبر
و ما أنا ملك تعنو الوجوه لناعند الظهور من الأملاك و البشر

يدعى صاحبها عبد المعيد فإنه تعالى يُبْدِئُ وَ يُعِيدُ فالبدء و الإعادة حكمان له فإنه ما أعاد شيئا بعد ذهابه إلا أنه في إيجاده الأمثال عاد إلى الإيجاد هو تعالى هو معيد لا أنه يعيد عين ما ذهب فإنه لا يكون لأنه أوسع من ذلك فهو المعيد للحال الذي كان يوصف به فما من موجود يوجده الحق إلا و قد فرغ من إيجاده ثم ينظر ذلك الموجود إلى الله تعالى قد عاد إلى إيجاد عين أخرى هكذا دائما أبدا فهو المبدئ المعيد المبدئ لكل شيء و المعيد لشأنه كالوالي الحكم في أمر ما إذا انتهى عين ذلك الحكم في المحكوم عليه فقد فرغ منه بالنظر إليه و عاد هو إلى الحكم في أمر آخر فحكم الإعادة فيه فافهم بخلاف حكم المبدئ فهو يبدىء كل شيء خلقا ثم يعيده أي يرجع الحكم إليه بأنه يخلق و هو قوله وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أي يعيد الخلق أي يفعل في العين التي يريد إيجادها ما فعل فيمن أوجدها و ليس إلا الإيجاد فإن الخلق يريد به المخلوق في موضع مثل قوله هذا خَلْقُ الله و يريد به الفعل في موضع مثل قوله ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ و هنا يريد به الفعل بلا شك لأنه ليس لمخلوق فعل أصلا فما فيه حقيقة من ذاته يشهد بها فعل الله لأن المخلوق لا فعل له و لا يشهد من الله إلا ما هو عليه في نفسه و قد يرد الخلق و يراد به المخلوق كما قررنا لا الفعل فلهذا جعلنا قوله وَ هُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ أنه يريد به هنا الفعل لا المخلوق فإن عين المخلوق ما زالت من الوجود و أعني به الذات القائمة بنفسها و إنما انتقلت من الدنيا إلى البرزخ كما تنتقل من البرزخ إلى الحشر إلى الجنة أو إلى النار و هي هي من حيث جوهرها لا إنها عدمت ثم وجدت فتكون الإعادة في حقها فهو انتقال من وجود إلى وجود من مقام إلى مقام من دار إلى دار لأن النشأة التي تخلق عليها في الآخرة ما تشبه نشأة الدنيا إلا في اسم النشء فنشأة الآخرة ابتداء فلو عادت هذه النشأة لعاد حكمها معها لأن حكم كل نشأة لعينها و حكمها لا يعود فلا تعود و الجوهر عينه لا غيره موجود من حين خلقه الله لم ينعدم فإن الله يحفظ عليه وجوده بما يخلق فيه مما به بقاؤه فالإعادة إنما هي في كون الحق يعود إلى الإيجاد بالنظر إلى حكم ما فرغ من إيجاده من هذا المخلوق ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فما ذكر الله أعاده إلا أنه لو شاء لفعل كما قال ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ لكنه لم يشأ فكلما فرغ ابتداء فعاد إلى حكم الابتداء هذا حكم إلهي لا يزول فحكم الإعادة ما خرج حكمها عن الحق فحكمها فيه لا في الخلق الذي هو المخلوق فالعالم بعد وجوده ينتقل في أحوال جديدة يخلقها الله له فلا يزال الحق يخلق و يعود إلى الخلق فيخلق لا إله إلا هُوَ عَلىكُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ بالإيجاد

«المحيي حضرة الأحياء»

إنما المحيي الذي يحييمثل نشر الثوب من طي
فإذا ما قيل لي تحييقلت ربي الذي يحيي
و هو مولاي و مستنديو مزيل الرشد بالغي
و إذا ما جئت أسئلةزادني ليالي
لست في خير و في دعةكلما دعيت بالشيء

يدعى صاحبها عبد المحيي و هو الذي يعطي الحياة لكل شيء فما ثم إلا حي لأنه ما ثم إلا من يسبح الله بحمده و لا يسبحه إلا حي سواء كان ميتا أو غير ميت فإنه حي لأن الحياة للأشياء فيض من حياة الحق عليها فهي حية في حال ثبوتها و لو لا حياتها ما سمعت قوله كن بالكلام الذي يليق بجلاله فكانت و إنما كان محييا لكون حياة الأشياء من فيض اسم الحي كنور الشمس من الشمس المنبسط على الأماكن و لم تغب الأشياء عنه لا في حال ثبوتها و لا في حال وجودها فالحياة لها في الحالتين مستصحبة و لذلك قال إبراهيم ع لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فإن الإله لا يكون من الآفلين و الحي من أسمائه تعالى و ليس الموت من أسمائه فهي يحيي و يميت و ليس الموت بإزالة الحياة منه في نفس الأمر و عند أهل الكشف و لكن الموت عزل الوالي و تولية وال لأنه لا يمكن أن يبقى العالم بلا وال يحفظ عليه مصالحه لئلا يفسد فاستنادالموت إذا كان عبارة عن الانتقال و العزل يستند إلى حقيقة إلهية و ليس إلا فراغ الحق من شيء إلى شيء آخر فما له فيما فرغ منه من حكم في ذلك الوجه المفروغ منه و ليس إلا إيجاد عينه خاصة و ما بقي الشغل و عدم الفراغ إلا في إيجاد ما به بقاؤه في الوجود فإلى هذه الحقيقة الإلهية مستند الموت في العالم إلا ترى إلى الميت يسأل و يجيب إيمانا و كشفا و أنت يا محجوب تحكم عليه في هذه الحال عينا إنه ميت و كذا جاء إن الميت يسأل في قبره و ما أزال عنه اسم الموت السؤال فإن الانتقال موجود فلو لا أنه حي في حال موته ما سئل فليس الموت بضد للحياة إن عقلت

«الميت حضرة الموت»

يميت بالجهل أقواما و إنهمبالمال و الجاه عند الخلق أحياء
أصبحت ذا علة كبرى أموت بهاكيف الشفاء و قد استحكم الداء
لو كان لي غرض في غير سيدناما كان لي مرض تبغيه أدواء
الله ربي لا أبغي به بدلاو لا ينهنهني جود و إلقاء

يدعى صاحبها عبد المميت قال تعالى حَتَّى إِذا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ و قال تعالى ثُمَّ يُمِيتُكُمْ و قال وَ أَنَّهُ هُوَ أَماتَ وَ أَحْيا و قال قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ و قال ص في الطائفة التي تدخل النار من أمته فيميتهم الله فيها إماتة و الموت عبارة عن الانتقال من منزل الدنيا إلى منزل الآخرة ما هو عبارة عن إزالة الحياة منه في نفس الأمر و إنما الله أخذ بأبصارنا فلا ندرك حياته و قد ورد النص في الشهداء في سبيل الله أنهم أحياء يرزقونو نهينا أن نقول فيهم أموات فالميت عندنا ينتقل و حياته باقية عليه لا تزول و إنما يزول الوالي و هو الروح عن هذا الملك الذي وكله الله بتدبيره أيام ولايته عليه و الميت عندنا يعلم من نفسه أنه حي و إنما تحكم عليه بأنه ليس بحي جهلا منك و وقوفك مع بصرك و مع حكمك في حاله قبل اتصافه بالموت من حركة و نطق و تصرف و قد أصبح متصرفا فيه لا متصرفا و هو تنبيه من الله لنا أن الأمر كذا هو التصرف فيه للحق لا لك في حال دعواك التصرف ثم إنه على الحقيقة متصرف هذا الميت بالحال لا بالقول فلو لا تصرفه فيك ما غسلته و لا كفنته و إن كان الشارع هو الذي أمرك و شرع لك فهذا أعظم من تصرفه فيك و هو تصرفه فيمن شرع لك هذا فهذا قد تصرف في الأحياء و هم لا يشعرون و تصرف فيك و أنت لا تشعر و تخيلت أنه ما بقي له فيك حكم و حكمه بموته أعظم من حكمه فيك بحياته أعني بعدم موته فالموت انتقال خاص على وجه مخصوص فمن كونه انتقالا يستند إلى حقيقة إلهية خاصة و لا تشك أن له حكما في الآخرة في جهنم فإن الله تعالى يميت قوما في جهنم أصابتهم النار بذنوبهم إماتة ثم يحييهم الله و هذا قبل ذبح الموت فإن الموت لا بد أن يؤتى به إذا بقي أهل النار في النار الذين هم أهلها و أهل الجنة في الجنة و تغلق الأبواب يؤتى بالموت في صورة كبش أملح و هذا مما يقوي الدلالة على إن المال إلى الرحمة في العباد و ذلك الوقت هو انتهاء مدة الآلام فيضجع بين الجنة و النار و يراه أهل الجنة و أهل النار فيعرفونه أما أهل الجنة فينعمون برؤيته حيث كان السبب في بقاء سعادتهم التي لا زوال لها عنهم و أما أهل النار فينعمون برؤيته رجاء تخليصهم بوجوده مما هم فيه و يخرجهم كما أخرجهم من الدنيا و لا علم بأن مدة الشقاء قد قرب انقضاؤها ثم يأتي يحيى ع و بيده الشفرة فيذبحه بمرأى من الفريقين فأهل الجنات يحيون و أهل النار لا يموتون فيها و لا يحيون كما يقال في النائم ما هو بميت و لا حي فنعيمهم نعيم النائم في النار و الله قد جعل النَّوْمَ سُباتاً و الراحة من الرحمة ما هي من الغضب فهو أشقى ما دام يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرىثُمَّ لا يَمُوتُ فِيها وَ لا يَحْيىفجاء بثم بعد حكم كونه يصلي النار كالشاة المصلية فبين كونه يصلي و بين كونه لا يموت و لا يحيى قدر ما نعطيه حقيقة ثم في اللسان التي للعطف فينتقل الحكم عليه بذبح الموت فراحته راحة النائم فلا يموت و لا يحيى أي لا تزول هذه الراحة له مستصحبة فاعلم ذلكفالموت في الدنيا تحفة المؤمن و حسرة الكافر و ذبحه في الآخرة تحفة الفريقين يقول بعض الأعراب من بنى ضبة

نحن بنى ضبة إذ جد الوهلالموت أحلى عندنا من العسل
نحن بنو الموت إذ الموت نزللا عار بالموت إذا حم الأجل

يقول يلتذ بالموت تلذذ آكل العسل و هذه الإشارة فيها غنية لمن نظر و استبصر وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الحي حضرة الحياة»

إن الحياة حياة القلب لا الجسدكذاق أنزله الرحمن في خلدي
و الناس ليس لهم سوى جسومهمفإنها عندهم عليه السند
فيهلكون و لا عقل يصدهمعنها و لو أنهم في الواضح الحدد
و ليس فيهم رشيد في تصرفهو ما هم من يبيع الغي بالرشد
إن الغواية أصل عندهم و لذاتراهم عن وجود الحق في حيد

يدعى صاحبها عبد الحي و هو نعت إلهي يقول الله تعالى الله لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ و قال عز و جل وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ و لما كانت القيومية من لوازم الحي استصحبها في الذكر مع الحي فكل معلوم حي فإن المعلوم هو الذي أعطى العلم به للعالم به و لو كان العدم فإنه لا يعطي إلا من الحياة صفته وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ لأنهم لا يبصرون فالحياة للحي كنور الشمس للشمس

فكل من يشهده تنورهتنويرها إياه ما تصوره
فيه و حكم الأمر ما تقررهتعطي الذي تعطي و ما تكرره
و إنها من لطفها ما تشعرهبأنها هي التي تبصره

كذلك الحي بذاته يحيي به كل من يراه و ما يغيب عنه شيء فكل شيء به حي

«القيوم حضرة القيومية»

إلى القيوم لا أبغي سواهقطعت مفاوزا فيه و آلا
عسى أحظى بجود ما أراهيزول بنا فينتقل انتقالا
إذا ما أمت الأفكار ذاتييورثها تفكرها خيالا
و يعقبها إذا تمشي إليهبلا فكر وصالا و اتصالا

يدعى صاحبها عبد القيوم و لما كانت القيومية من نعوت الحي استصحبته فما تذكر إلا و هي معه فهي القيوم عَلىكُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ فكل معلوم حي فكل معلوم قيوم أي له قيومية و كذلك هو فإنه لو لا أنه قيوم ما أعطى العالم علمه و بعلمه أعطى العالم خلقه لأنه لا يعطيه إلا علمه فيه و علمه فيه إنما كان منه فلا بد أن يظهر في وجوده بخلقه من غير زيادة و لا نقصان و لا يكون إلا كذا و لذا قال موسى رَبُّنَا الَّذِي أَعْطىكُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فأخبر بإحاطة علمه و لم يكن ذلك لفرعون مع دعواه الربوبية فعلم فرعون ما قالاه و سكت و تبين له أنه الحق لكن حب الرئاسة منعه من الاعتراف

الذي قام بنا في كوننايا خليلي إنما قام بنا
فإذا حققت ما فهت بهفاحكم إن شئت علينا أو لنا
ما ثنى الجود علينا جودهبسوانا فقل الجود أنا
ما نعمنا بسوانا فانظروافي كلامي تجدوه بينا

فسرت القيومية بذاتها في كل شيء و لهذا قال لنا وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فلو لا سريان القيومية فينا ما أمرنا و كذلك فعلنا قمنا له و به فمنا شاهدت ذلك عيانا كما شهدته إيمانا و إنما تعجبت ممن يقول بأن القيومية لا يتخلق بها و إنها من خصائص الحق و القيومية بالكون أحق لأنها سارية فيه و بها ظهرت الأسماء الإلهية فبها أقام الكون الحق أن يقيمه و لو لا ذلك ما ظهر للخلق عين و لا حكم الألف قيوم الحروف و ليس بحرف فهو مظهرها و هو لا يشبهها فامتداده لذاته لا يتناهى و امتداد حكمه بإيجاد الحرف غير متناه لأن في طريقه منازل الحروف بالقوة و الاستعداد فإذا انتهى إلى منزل ما من منازلها وقف عنده ليرى أي حرف هو فبرز الحرف فسمى ذلك المكان مخرج ذلك الحرف فيعلمه و هوالذي أحدثه فهو مثل قوله تعالى وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ فلو لا القيومية السارية في النفس ما ظهرت الحروف و لو لا القيومية الظاهرة في الحروف بحكمها ما ظهرت الكلمات بتأليفها و إنما جئنا بهذا ضرب مثال محقق واقع لوجود الكائنات عن نفس الحق فاعلم ذلك و قد تقدم ذكره في باب النفس من هذا الكتاب و اعلم أنه في ليلة تقييدي هذا الوجه أريت في النوم ورقة زنجارية اللون جاءت إلي من الحق مكتوبة ظهرا و بطنا بخط خفي لا يظهر لكل أحد فقرأته في النوم لضوء القمر فكان فيه نظما و نثرا و استيقظت قبل أن أتم قراءته فما رأيت أعجب منه و لا أغمض من معاينة لا يكاد يفهم فكان مما عقلت من نظمه ما أذكره و كان في حق غيري كذا قرر لي في النوم و ذكر لي الشخص الذي كان في حقه فعرفته و كأني في أرض الحجاز في برية ينبوع بين مكة و المدينة

إذا دل أمر الله في كل حالةعلى العزة العظمى فما ينفع الجحد
و جاء كتاب الله يخبر انهمن الله تحقيقا فذلكم القصد
و لله عين الأمر من قبل إذ أتىإلي بما يجريه فيه و من بعد
فسبحان من حيي الفؤاد بذكرهفكان له الشكر المنزه و الحمد
إذا كان عبدي هكذا كنت عينهو إن لم يكن فالعبد عبدك يا عبد

و أما النثر فأنسيته لما استيقظت إلا إني أعرف أنه كان توقيع من الحق لي بأمور انتفع بها هذا جل الأمر و هي في خاطري مصورة من أسباب الدنيا يتسع فيها رزق الله و يشكر الله تعالى من كان ذلك على يده و يثبته وَ الله عَلىما نَقُولُ وَكِيلٌ

«حضرة الوجدان و هي حضرة كن»

إن الوجود بجود الحق مرتبطو كلنا فيه مسرور و مغتبط
إن الذي توجد الأعيان همتههو الوجود الذي بالجود يرتبط
لو أن ما عنده عندي لقلت بهلكنني مفلس لذاك نشترط
كشرط موسى عليه حين أرسلهإلى جبابرة من ربهم قنطوا
فجاء من عندهم صفر اليدين و ماخابت مقاصده لكنهم قسطوا

يدعى صاحبها عبد الواجد بالجيم و هو الذي لا يعتاص عليه شيء و هو الغني بالأشياء فإذا طلب أمرا ما و لم يكن ذلك المطلوب أي لم يحصل فيكون تعويقه من قبله فإنه لا يعتاص عليه شيء مثاله طلب من أبي جهل أن يؤمن بأحدية الله و برسوله و بما جاء من عنده فلم يجبه إلى ما طلبه منه فالظاهر من إبايته أنه ليس بواجد لما طلب منه و المنع إنما كان منه إذ لم يعطه التوفيق و لو شاء لهديكم أجمعين فهو الواجد بكن إذا تعلقت الإرادة بكونه فما يعتاص عليه شيء يقول له كن فلو قال للإيمان كن في محل أبي جهل و غيره ممن لم يؤمن و خاطبه بالإيمان لكان الايمان في محل المخاطب أبي جهل و غيره فكونه واجدا إنما هو بكن و ما عدا كن فما هو من حضرة الوجدان و كذلك عرضه عز و جل الأمانة على السماوات و الأرض و الجبال أن يحملنها فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها من أجل الذم الذي كان من الله لمن حملها و هو أن الله وصف حاملها بالظلم و الجهل ببنية المبالغة فإن حاملها ظلوم لنفسه جهول بقدر الأمانة و إذا تحقق العبد بهذه الحضرة لم يعتص عليه شيء من الممكنات و تحققه أن يكون الحق لسانه ليس غير ذلك فلا يريد شيئا إلا كان فهو واجد لكل شيء و كل من هذه حالته و وقع له توقف فيما يريد تكوينه و وجوده فقد اعتاص عليه فحاله فيه الحال الذي قال الله فيمن سبق في علمه أنه لا يؤمن بالله أن يؤمن بالله فهو و إن نطق بالله فهو مثل نطق الحق بالعبد كقوله إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمدهو قوله إن الله عند لسان كل قائلفي بعض محتملاته فإذا قال الله على لسان من شاء من عباده و أمر فقد يقع المأمور به من المأمور و قد لا يقع و إذا قال للمأمور به كن فإنه يقع و لا بد

إذا قلت قال الله فالقول صادقو إن قلت قال الناس فالقول للناس
فلا تدعى في القول إنك قائلو كن حاضرا بالله في صورة الناس
فإنك لا تدري بمن أنت قائلو ليس على من قال بالله من بأس

فظهر القصور بالنيابة و هي الشركة كذلك القائل بالحق إلا آمر به قد يقع المأمور به و قد لا يقع و الحضرة واحدة فإذا قال العبد المطاع بغير الحق فذلك يقع و لا بد لأنه مخلص للتوحيد و إنه لا يقول إذا قال أو يأمر إذا أمر من غير أن يقول بحق أو يأمر بحق إلا من حقيقته الذي هو عليها من كونه كان أصلا في كون العالم به عالما فإذا أثر بذاته في العالم العلم و يكون العالم به يتنوع في التعلق به لتنوعه لنفسه فإنه لا يعتاص عليه شيء فلو كان من أحواله وقوع ذلك المأمور به لوقع كما وقع النطق به فإنه لا ينطق من حيث ذاته إلا بما هو عليه و صورة هذه المسألة و تحقيقها كقول الحق على لسان العبد افعل فيقع أو لا يقع و ذلك أن العبد من المحال أن ينطق من حيث نفسه نطق لسان ظاهر أو باطن و إنما ينطق بالله كل ناطق فإن الله هو المنطق كما قالت الجلود أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ناطق فيعطي الممكن بما هو عليه العلم لله و التكوين في غير الله لا يكون إلا لله لا لغيره و النطق من العبد و الهم تكوين من الله فيه فلم ينطق و لم يهم إلا بالله فلا يتوحد به الممكن و إذا أمر الله بتكوين على لسان عبده فقد يقع و قد لا يقع فلا ينطق العبد إلا بالاشتراك فلهذا قد يقع و قد لا يقع ما يأمر به أو يريده و كونه لو نطق به العبد بغير اشتراك لوقع إنما هو كقوله لو شاء الله و ما شاء الله فجاء بحرف لو و كذلك لو نطق العبد بنفسه و هو لا ينطق بنفسه و إنما ينطق بربه فالنطق للرب و إذا كان النطق للرب على لسان العبد فقد يكون الأثر و التكوين عن ذلك القول و قد لا يكون فتدبر هذا الكلام فإنه يتداخل و يتفلت من الذهن إن لم تتصور الأصل تصورا محكما لا يزال بين عينيك و اختصاره إن العبد لا ينطق أبدا إلا باللهو إن الله إذا نطق على لسان العبد بالأمر فإنه لا يلزم وقوع ذلك المطلوب و لا بد و إذا انفرد الحق دون العبد بالتكوين فإنه يقع و لا بد و العبد لا ينفرد أبدا إلا بالتقدير و هو أن يقول فيه لو كما يقول في مشيئته الحق لو شاء و ما شاء و اعلم أن كل طالب إنما يطلب ما ليس عنده فإن الحاصل لا يبتغى و الحق لا يطلب من الممكن إلا تكوينه و تكوينه ليس عنده فإن الممكن في حال عدمه ليس بمكون فالتكوين ليس بكائن في العين الثابتة الذي هو الشيء فإذا أراده الحق قال له كن فيكون فأراد الحق حصول التكوين في ذلك الشيء لأنه ليس الكون عند ذلك الشيء فما أراد الكون لنفسه و إنما أراده للشيء الذي ليس عنده فإنه تعالى موجود لنفسه فهو يريد الأشياء للأشياء لا لنفسه فإنها عنده فإنه ما من شيء إلا عنده خزائنه و لا تكون خزائن إلا بما يختزن فيها فالأشياء عنده مختزنة في حال ثبوتها فإذا أراد تكوينها لها أنزلها من تلك الخزائن و أمرها أن تكون فتكتسي حلة الوجود فيظهر عينها لعينها و لم تزل ظاهرة لله في علمه أو لعلمه بها فمن هنا يتحقق إن الله يطلب ما ليس عند الطالب و هو تكوين ما ليس بكائن في الحال فهذا تحقيق الواجد بالجيم قال الراجز أنشد و الباغي بحب الوجدان و الوجود المطلوب بالذكر عند الطائفة الذي يكون عن الوجد من هذا الباب و هو ما يجده أهل الوجد في نفوسهم في حال وجدهم من العلم بالله

«الواحد الأحد حضرة التوحيد»

وحد إلهك فالأفعال للهو لا تكن فيه بالساهي و لا اللاهي
و احذر من الشرك أن الشرك منقصةيرديك سلطانها فإنها ما هي
سواك و الغير شيء لا وجود لهو اثبت فبيتك لا ملغى و لا واه
لكن له لذة كبرى تعن لهاأعضاؤنا كلها كلذة الباه
الله يعلم أني في الذي ذكرتأبياتنا صادق و الله و الله

يدعى صاحبها عبد الواحد بالحاء المهملة إذا أراد الاسم و إذا أراد الصفة يقال له عبد الأحد و أما الوحدانية فهي قيام الأحدية به أعني بالواحد فما هي الأحدية و لا الواحد كالجسماني ما هو الجسم و إنما هو ما لا تظهر له عين إلا بقيامه بالجسم أو الجوهر و هو ما يقوم به من الصفات التي محلها الأجسام و كذلك الروح و الروحاني فالوحدانية نسبة محققة بين الأحدية و الواحد و كون الشيء يسمى واحد قد يكون لعين ذاته فلا يكون مركبا و هو الشيء فإن تركب فليس بشيءو إنما هو شيئان أو ما بلغ به التركيب حتى يكون أشياء و مع هذا يقال فيه شيء من حيث أحدية المجموع و التركيب لا من حيث أحدية كل شيء في هذا المجموع و قد يكون واحد العين مرتبته فإن الله واحد في ألوهيته فهو واحد المرتبة و لهذا أمرنا أن نعلم أنه لا إله إلا هو و ما تعرض للذات جملة واحدة فإن أحدية الذات تعقل و لكن هل في الوجود من هو واحد من جميع الوجوه أم لا في ذلك وقفة فإن الأحدية لكل شيء قديما و حديثا معقولة بلا شك لا يمتري فيها من له مسكة عقل و نظر صحيح ثم إذا نظرت في هذا الواحد لا بد و إن تحكم عليه بنسبة ما أدناها الرتبة فإنه لا يخلو عن رتبة يكون عليها في الوجود فأما أن يكون مؤثرا اسم فاعل أو مؤثرا فيه اسم مفعول أو المجموع أو لا واحدا منهما فالمؤثر هو الفاعل و المؤثر فيه هو محل الانفعال فما في الوجود إلا المجموع و ما وقع من التقسيم العقلي إلا المجموع فما ثم مستقل بالتأثير فإن القابل للأثر له أثر بالقبول في نفسه كما للقادر على التأثير فيه و من حيث إن المنفعل يطلب أن يفعل فيه ما هو طالب له ففعل المطلوب منه ما طلبه هذا الممكن فهو تأثير الممكن في الواجب الفاعل فإنه جعله أن يفعل ففعل كما قال أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فالسؤال و الدعاء أثر الإجابة في المجيب و إن لم يحدث في نفسه شيء لأنه ليس محلا للحوادث و إنما هذا الذي نثبته إنما هو أعيان النسب و هذا الذي عبر عنه الشرع بالأسماء فما من اسم إلا و له معنى ليس للآخر و ذلك المعنى منسوب إلى ذات الحق و هو المسمى صفة عند أهل الكلام من النظار و هو المسمى نسبة عند المحققين فما في الوجود واحد من جميع الوجوه و ما في الوجود إلا واحد واحد لا بد من ذلك ثم تكون النسب بين الواحد و الأحد بحسب معقولية تلك النسبة فإن النسب متميزة بعضها عن بعض أين الإرادة من القدرة من الكلام من الحياة من العلم فاسم العليم يعطي ما لا يعطي القدير و الحكيم يعطي ما لا يعطي غيره من الأسماء فاجعل ذلك كله نسبا أو اسما أو صفات و الأولى أن تكون اسما و لا بد لأن الشرع الإلهي ما ورد في حق الحق بالصفات و لا بالنسب و إنما ورد بالأسماء فقال وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنىو ليست سوى هذه النسب و هل لها أعيان وجودية أم لا ففيه خلاف بين أهل النظر و أما عندنا فما فيها خلاف إنها نسب و اسما على حقائق معقولة غير وجودية فالذات غير متكثرة بها لأن الشيء لا يتكثر إلا بالأعيان الوجودية لا بالأحكام و الإضافات و النسب فما من شيء معلوم إلا و له أحدية بها يقال فيه إنه واحد و أما قول أبي العتاهية

و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد

فموجه مع التعري عن القرائن إلى أمور منها أن يكون الضمير في له و في أنه يعودان إن على الشيء المذكور فكأنه يقول و في كل شيء آية لذلك الشيء إنه يدل على إن ذلك الشيء واحد في نفسه و ليس كذلك إلا عينه خاصة و قد يكون الضمير يعود على الله في له و في أنه أي فيه دلالة على إن الذي أوجده واحد لا شريك له في إيجاد هذا الشيء و هو مقصود الشاعر بلا شك و ما هي تلك العلامة و الدلالة و من هو العالم الذي تعطيه هذه الدلالة توحيد الموجد فاعلم إن الدلالة هي أحدية كل عين سواء كانت أحدية الواحد أو أحدية الكثرة فأحدية كل عين ممكنة تدل على أحدية عين الحق مع كثرة أسمائه و دلالة كل اسم على معنى يغاير مدلول الآخر فيحصل من هذا أحدية الحق في عينه واحدية الكثرة من أسمائه فكل شيء في الوجود قد دل على إن الحق واحد في أسمائه و في ذاته فاعلم ذلك

فما ثم توحيد و لا ثم كثرةعلى غير ما قلناه فانظر تر الحقا
و قل بعد هذا ما تشاء و ترتضيو ثبت له الجمع المحقق و الفرقا
فما الأمر إلا بين خلق و خالقفقل إن تشأ حقا و قل إن تشأ خلقا

«الصمد حضرة الصمدية»

ألجأت ظهري إلى ركني و مستنديإلى المهيمن رب الناس و الصمد
و قلت يا منتهى الآمال أجمعهالك التحكم في الأدنى و في البعد
إني تلوت كتابا فيه عرفنيبأنني إن أمت فيه فليس يدي
لو أن ما قبضت كفي عليه لهاملك لما نظرت عيني إلى أحد
و كنت وارث علم لا تزايلنيأحكامه من علوم الكشف و الرصد

يدعى صاحبها عبد الصمد هذه الحضرة استوفينا أكثر تفاصيلها في كتاب مواقع النجوم لنا في عضو القلب منه في التجلي الصمداني فلنذكر في هذا الكتاب ما يليق به إن شاء الله فنقول إن هذه الحضرة هي حضرة الالتجاء و الاستناد التي لجأ إليها و استند كل فقير إلى أمر ما لعلمه أن ذلك الأمر الذي افتقر إليه في هذه الحضرة فغناها إنما هو بهذه الأمور الذي افتقر إليها بسببها و هل لها الغني النفسي الذي لقوله فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ أم لا فذلك لا يحتاج إليه في هذا الموضع و الذي تمس الحاجة إليه في هذه الحضرة معرفة كون هذه الأمور التي يفتقر الفقراء إليها بسببها هل لها وجود في خزائن عندها كما جاء وَ إِنْ من شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ فهي عين هذه الحضرة لا غير إذا حققت الأمر فالحق من حيث إنه ما من شيء إلا عنده خزائنه هو الصمد و لكن ليست الخزائن إلا المعلومات الثابتة فإنها عنده ثابتة يعلمها و يراها و يرى ما فيها فيخرج منها ما شاء و يبقى ما شاء و هي مع كونها في خزائن فيتخيل فيها الحصر و التناهي و إنما هي غير متناهية فأفقر الفقراء تلك الأشياء المختزنة فإنها تطلب الخروج من تلك الخزائن إلى الوجود حتى تراه ذوقا بعينها فإن الذي وجد منها ألقى فيه افتقار ما لم يوجد منها فافتقر نيابة عن الذي لم يوجد إلى الله أن يوجده لعين افتقاره إليه فهو كالمعين لذلك المختزن في افتقاره إلى الوجود و هو ما يجده الإنسان في نفسه من الطلب لأمر ليس عنده ليكون عنده مما هو في تلك الخزائنو اعلم أن الخزائن التي عند الحق على نوعين نوع منها خزائن وجودية لمختزنات موجودة كشيء يكون عند زيد من جارية أو غلام أو فرس أو ثوب أو دار أو أي شيء كان فزيد خزانته و ذلك الشيء هو المختزن و هما عند الله فإن الأشياء كلها بيد الله فيفتقر عمرو إلى الله تعالى في ذلك الذي عند زيد أن يكون عنده كان ما كان فيلقي الله في قلب زيد أن يهب ذلك الشيء أو يبيعه أو يزهد فيه و يكرهه فيعطيه عمرا فمثل هذا من خزائن الحق التي عنده و العالم على هذا كله خزائن بعضه لبعضه و هو عين المختزن و العالم خزانة مخزون و انتقال مختزن من خزانة إلى خزانة فما أنزل منه شيء إلى غير خزانة فكله مخزون عنده فهو خزانته على الحقيقة التي لا يخرج شيء عنها و ما عدا الحق فإن المختزن يخرج عنها إلى خزانة أخرى فالافتقار للخزائن من الخزائن إلى الخزائن و الكل بيد الله و عنده فهو الصمد الذي يلجأ إليه في الأمور و يعول عليه و بهذه الحضرة يتعلق المتوكلون في حال توكلهم على ما توكلوا عليه فمنهم المتوكل على الله و منهم المتوكل على الأسباب غير أن الأسباب قد تخون من اعتمد عليها و لجأ إليها في أوقات و الحق تعالى لا يسلم من توكل عليه و فوض أمره إليه

فكل كون صمدو كل عين أحد
منكر معرففكله مستند
و الحق في قلوبنامختزن متحد
يحكم بالتأييد فياختزانه الأبد
و ما له من مدةيجمع فيها المدد
و من وجودي كان ليإذا عقلت المدد

و إذا علمت إن الخزائن عنده و أنت الخزائن فأنت عنده و قد وسعه قلبك فهو عندك و أنت عنده فأنت عندك فلك من الصمدية قسط لأنه لا تكون المعرفة بالله الحادثة إلا بك فيصمد إليك فيها إذ لا تظهر إلا بك فأنت الصمد فيما لا يظهر إلا بك و من هذه الحضرة حصلت لك و لمن حصلت هذه المرتبة و لكن قف عند نهي ربك و تدبره لما قال لك على لسان رسوله في الشيء الذي تستتر به عند الصلاة في قبلتك أن تميل به نحو اليمين أو الشمال قليلا و لا تصمد إليه صمدا فهذا من الغيرة الإلهية إن يصمد إلى غيره صمدا و فيه إثبات للصمدية في الكون بوجه ما فذلك القدر الذي أشار إليه الشارع يكون حظ المؤمن من الصمدية و الجاهل يصمد إلى الأسباب صمدا و يجعل حكم الميل إلى اليمين و الشمال لصمدية الحق عكس القضية و إنما شرع النبي ص في السترة الميل إلى اليمين أو الشمال ينبه على السبب القوي باليمين و على السبب الضعيف بالشمال الخارج فالخارج عن الله بالكلية هو صاحب اليمين و الذي لاح له بارقة من الحق ضعف اعتماده على السبب فجعله من الجانب الأضعف إذ لا بد من إثبات السبب و لا يصمد إلا إلى الله صمدا فاعلم ذلك فقد نبهتك و نصحتك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«القادر القدير المقتدر حضرة الاقتدار»

لو أن من عرفني مقدارييبدو لنا ما كنت بالمكثار
إن اقتداري في كيان الباريأعظم عندي من دخول النار
و لو أتى بالعسكر الجرارأتيته به و بالأبرار
في عصبة و سادة أخيارمعصومة محفوظة الآثار
يميزني عند دخول الدارعن العبيد الصم و الأحرار

يدعى صاحبها عبد القادر و عبد القدير و عبد المقتدر قال عز و جل وَ هُوَ عَلىكُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ و قال قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلىأَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ و قال إِنَّا لَقادِرُونَ و قال عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ هذه الحضرة ما لها أثر سوى إعطاء الوجود لكل عين يريد الحق وجودها من الممكنات فيقول لها كُنْ و أخفى الاقتدار بقوله كُنْ و جعله سترا على الاقتدار فكان الممكن عن الاقتدار الإلهي من حيث لا يعلم الممكن و سارع إلى التكون فكان فظهر منه عند نفسه السمع و الطاعة لمن قال له كن فاكتسب الثناء من الله بالامتثال فأول أمر كان من الممكن السمع و الطاعة لله في تكوينه فكل معصية تظهر منه فإنما هي عرض يعرض له و أصله السمع و الطاعة كالغضب الذي يعرض و السبق للرحمة فإن لها السبق و للطاعة من الممكن السبق و النهاية و الخاتمة أبدا لها حكم السابقة و السبق للرحمة فلا بد من المال إلى الرحمة في كل ممكن عرض له الشقاء لأنه بالأصل طائع و كذلك كل مولود إنما يولد على الفطرة و الفطرة الإقرار لله تعالى بالعبودة فهي طاعة على طاعة و لما لم يكن للممكن اقتدار أصلا و إنما له القبول لم يكن فيه حقيقة يطلع بها على اقتدار الله عليه في تعلقه بإخراجه من حالة العدم إلى حالة الوجود لأنه لا فاعل إلا الله و الأشياء لا تشهد الله إلا من نفوسها و مما هي عليه و ما هي على شيء من الاقتدار عند بعض النظار فلا يمكن أن تشهد صدورها إلى الوجود كما قال تعالى ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ يريد حالة الإيجاد فليس للممكن اقتدار بوجه من الوجوه عند بعضهم كما قدمنا فلهذا قلنا أخفى عز و جل اقتداره و جاء بالقول بصيغة الأمر ليتصف الممكن بالسمع و الطاعة فلا تزال عين الحق تنظر إليه بالرحمة و تراعي منه هذا الأصل مع أن القول لا حكم له في المعدوم و لا سيما في من ليس له اقتدار بالأصالة فكيف يكون فأشبه صورة التكليف و الفعل لله و لما كان الممكن بحكم الأصل سامعا مطيعا للأمر بقي فيه سر امتثال الأمر فإذا جاء الإنسان أمر الشيطان في لمته بالمخالفة و ما يقول له في أمره خالف و إنما يأمره أن يفعل ما تقدمه من الله النهى عنه أو ينهاه عن وقوع ما تقدم له من الله الأمر بفعله فيغفل عما تقدمه من الله في ذلك فيبادر لما أمره الشيطان به لأن حقيقته كما قلنا فطرت في أصل التكوين على الامتثال كما أيضا يقبل أمر الملك في الطاعة أو في مكارم الأخلاق و أما حالته في التردد في الفعل أو الترك بين اللمتين فهو في ذلك الوقت تحت حكم التردد الإلهي الذي نسبه إلى نفسه و أنه مجلى الحق في حين تردد كل متردد في العالم فذلك عينه تردد الحق حتى ينفذ ما شاء الله أن ينفذ من ذلك فيظهر حكمه في ذلك الفعل إما بالطاعة أو بالمعصية كما يريد العبد و يطلب من الله أمرا ما فلا يعطيه و يخالفه فيه فهذه بتلك لتصح النسخة فإن من تمامها مقابلة الخلاف و الوفاق فلو أجاب الحق كل ما يطلبه العبد منه لأجابه العبد في كل ما طلبه الحق منه و لو أجاب العبد ربه في كل ما أمره به و نهاه لأجاب الحق عبده في كل خاطر يخطر له في تكون أمر فلما لم يكن الأمر إلا هكذا و هو على الصورة فلا بد أن تقع المخالفة و الموافقة من الجانبين فما ظهر العبد في خلافه أمر الحق إلا بخلاف الحق ما دعاه فيه العبد فصحت المقابلة بين النسختين فصح الكتاب بالأم حيث ظهر بصورتها و لو لم يكن كذلك لكان خطأ و الصواب أولى فوجود الخلاف من الممكن أصح في النسخة و لا يثبت في الأم إلا ما هو حق فالخلاف حق حيث كان فانظر إلى هذا السر ما أعجبه و ما أخفاه وَ الله عَلىكُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فالمقتدر حكمه حكم آخر ما هو حكم القادر فالاقتدار حكم القادر في ظهور الأشياء بأيدي الأسباب و الأسباب هي المتصفة بكسبالقدرة فهي مقتدرة أي متعملة في الاقتدار و ليس إلا الحق تعالى فهو المقتدر على كل ما يوجده عند سبب أو بسبب كيف شئت قل و هو قوله أَلا لَهُ الْخَلْقُ و ما لا يوجده بسبب هو قوله و الأمر أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تَبارَكَ الله رَبُّ الْعالَمِينَ و لهذا اصطلح أهل الله على ما قالوه من عالم الخلق و الأمر يريدون بعالم الخلق ما أوجده الله على أيدي الأسباب و هو قوله مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا و ليست سوى أيدي الأسباب فهذه إضافة تشريف لا بل تحقيق و عالم الأمر ما لم يوجد عند سبب فالله القادر من حيث الأمر و مقتدر من حيث الخلق فهذا تفصيله يقال ضرب الأمير اللص و قطع الأمير يد السارق و إنما وقع القطع من يد بعض الوزعة و الأمر بالقطع من الأمير فنسب القطع إلى الأمير فهذا هو المقتدر فإذا باشره بالضرب فهو القادر إذا لم تكن ثم آلة تقطع يده بها من حديدة أو غيرها فالله يخلق بالآلة فهو مقتدر و يخلق بغير الآلة فهو قادر فالقدرة أخفى من الاقتدار على إن الاقتدار حالة القادر مثل التسمية حالة المسمى اسم فاعل فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«المقدم حضرة التقديم»

أنا المقدم عن علم و معرفةبمن أقدمه و الله يغفر لي
لو أن ما ملكت كفي يكون لهاملكا لما انبسطت يداي في الدول
عبد المقدم ادعوه و يعرفنيإذا دعوت به و ليس يظهر لي
و لست أفقده إذا يسارقنيبطرفه و هو لي من أعظم الحيل
الله سخره فيما أصرفهو لست أصرفه عن رؤية الجبل

يدعى صاحبها عبد المقدم من هذه الحضرة يثبت بالدليل ثبوت المرجح و هو الله و ذلك أن الممكنات بالنسبة إلى الإيجاد أو نسبة الإيجاد إليها على السواء على كل واحد واحد منها فإذا تقدم أحد الممكنات على غيره بالوجود مع التسوية في النسبة دل أنه مرجح لأمر ما ليس لنفسه فعلمنا أنه لا بد من مرجح و هو المقدم له على غيره من الممكنات و هذا أشد في الدلالة من دلالة الأشعري بالزمان على هذا المطلوب فإنه يقول ما من ممكن يوجد في زمان إلا و يجوز إيجاده قبل ذلك الزمان أو بعده فما تكلم إلا فيما يدخل تحت حكم الزمان و الزمان عنده أيضا موجود و لا يوجد في زمان فيخرج الزمان عن حكم هذه الدلالة و الذي ذهبنا إليه يدخل في حكمه كل ممكن من زمان و غير زمان مما له وجود فهو أتم في الدلالة ثم إن الله تعالى بعد إبراز ما أبرزه من العالم عين للعالم مراتب و تلك المراتب نسبة كل من يقتضي حقيقته البروز بها و الإنزال فيها نسبة واحدة فإذا نالها شخص واحد من الأشخاص أشخاص هذا النوع و تقدم إليها و بها فإن الذي قدمه هو المقدم كالخلافة في النوع الإنساني ما من إنسان إلا و هو قابل لها فيقدم الحق من شاء فيها دون غيره فيتأخر الغير عنها في ذلك الزمان بلا شك و كذلك في النبوة و الرسالة و الإمارة و جميع المراتب على هذا الحد تجري وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«المؤخر حضرة التأخر»

أنت المؤخر من تشاء لحكمةمجهولة عندي لذاك تؤخره
لو كان أهلا للتقدم لم تكنتبديه وقتا ثم وقتا تستره
الله يعلم أنني من غيرةقامت بنا لا أستطيع فاذكره
لو كان للكون الغريب مزيةعندي لقمت بشكره لا أكفره
لكنه أخفاه عن أبصارنانور له من قام فيه يبهره

يدعى صاحبها عبد المؤخر فإذا راعى الحق تأخر عبد ما عن بعض المراتب فمن هذه الحضرة فيتقدم غيره فيها و لا يتقدم فيها هذا المؤخر عنها البتة ثم إن هذا المقصود بالتأخر إذا تعين أنه لا حكم له في التقدم فيها بقي من بقي فيقدم الحق فيها من شاء من الباقين فيكون بتقديمه إياه فيها مقدما و يتأخر من تأخر من الباقين بالتضمين لا بحكم القصد فلا يكونمؤخرا إلا بالقصد و لا مقدما إلا بالقصد و كل من ما جاء من ذلك بحكم التضمين فما هو من هذه الحضرة من هذا الوجه و هو منها من هذا الوجه الآخر الذي له التأخر لا بالحكم فاجتمع المقصود مع غير المقصود في نفس التأخر و التقدم فلهذا جاء المقدم و المؤخر في الأسماء الحسنى مزدوجا

«الأول حضرة الأولية»

سبحان من جمع العباد لذكرهيوم العروبة فاصطفاه الأول
ختم الإله به وجود عبادهشرعا و عقلا سادتي فتأولوا
ما قلته فلقد أتيت بحكمةغرا جلاها المقام الأنزل
لما تواضع عن علو مكانهفي ذاته أخفاه عنا الأسفل
فهو المهيمن لا أشك و إنهلهو الجواد على العباد المفضل

يدعى صاحبها عبد الأول و يكنى غالبا أبو الوقت لما حصل في النفوس من تقدم الزمان المسمى دهر الذي تفصله الأوقات فكانت كنية عبد الأول أبا الوقت كما كانت كنية آدم أبو البشر فالأول للأوقات أب لها كآدم لسائر الناس فالحضرة الأولية بها ظهر كل أول من أشخاص كل نوع كآدم في نوع الإنسان و كجنة عدن من الجنات و كالعقل الأول من الأرواح و كالعرش من الأجسام و كالماء من الأركان و كالشكل المستدير من الأشكال ثم ينزل الأمر إلى جزئيات العالم فيقال أول من تكلم في القدر بالبصرة معبد الجهني و أول من رمى بسهم في سبيل الله سعد ابن أبي وقاص و أول شعر قيل في العالم الإنساني

تغيرت البلاد و من عليها فوجه الأرض مغبر قبيح

و يعزى هذا الشعر لآدم ع لما قتل قابيل أخاه هابيل فقال ع ما من قتيل يقتل ظلما إلا كان على ابن آدم كفل من الوزر لأنه أول من سن القتل ظلما و لنا جزء في الأوليات و هو جزء بديع عملته بملطية من بلاد يونان أو بمكة و الله أعلم و أول بيت وضع للناس معبدا الكعبة و أول اسم إلهي في الرتبة الاسم الحي وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

«الآخر حضرة الآخر»

و الله ما الأول و الآخرإلا لحفظ العالم الدائر
فإنه يعجز عن حفظهلوصفه المخلوق بالقاصر
فكان بالآخر حفظا لهليلتقي الواحد بالآخر
فأمرنا دائرة كلهفالتحق الأول بالآخر
و إنه جلى لنا ذاتهفي صورة الباطن و الظاهر

يدعى صاحبها عبد الآخر و حده من الثاني الذي يلي الأول إلى ما تحته فهو المسمى بالآخر لأن له حكم التأخر عن الأولية بلا شك و إن استحق الأولية هذا المتأخر فما تأخر عن الأول إلا لأمر أيسره و أبينه الزمان لأن وجود الأهلية فيه من جميع الوجوه فيعلم إن الحكم في تأخيره و تقدم غيره للزمان كخلافة أبي بكر و عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عن جميعهم فما منهم واحد إلا و هو مترشح للتقدم و الخلافة مؤهل لها فلم يبق حكم لتقدم بعضهم على بعض فيها عند الله لفضل يعلم تطلبه الخلافة فما كان إلا الزمان فلما كان في علم الله أن أبا بكر يموت قبل عمر و عمر يموت قبل عثمان و عثمان يموت قبل علي رضي الله عن جميعهم و الكل له حرمة عند الله فجعل خلافة الجماعة كما وقع فقدم من علم إن أجله يسبق أجل غيره من هؤلاء الأربعة فما قدم من قدم منهم لكونه أكثر أهلية من المتأخر منهم في نظري و الله أعلم فالظاهر أنه من كون الآجال فإنه لو بويع خليفتان قتل الآخر منهما للنص الوارد فلو بايع الناس أحد الثلاثة دون أبي بكر و لا بد في علم الله أن يكون أبو بكر خليفة و خليفتان فلا يكون فإن خلع أحد الثلاثة و ولي أبو بكر كان عدم احترام في حق المخلوع و نسب الساعي في خلعه إلى أنه خلع من يستحقها و نسب إلى الهوى و الظلم و التعديفي حقه و لو لم يخلع لمات أبو بكر في أيامه دون أن يكون خليفة و لا بد له من الخلافة أن يليها في علم الله فلا بد من تقدمه لتقدم أجله قبل صاحبه و كذلك تقدم عمر بن الخطاب و عثمان و علي و الحسن فما تقدم من تقدم لكونه أحق بها من هؤلاء الباقين و لا تأخر من تأخر منهم عنها لعدم الأهلية و ما علم الناس ذلك إلا بعد أن بين الله ذلك بآجالهم و موتهم واحدا بعد آخر في خلافته إن التقدم إنما وقع بالآجال عندنا و في نظرنا الظاهر أو بأمر آخر في علم الله لم نقف عليه و حفظ الله المرتبة عليهم رضي الله عن جميعهم فهذا من حكم التأخر و التقدم و لله الأولية لأنه موجد كل شيء و لله الآخرية فإنه قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ و قال وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ و قال أَلا إِلَى الله تَصِيرُ الْأُمُورُ فهو الآخر كما هو الأول و ما بين الأول و الآخر تظهر مراتب الأسماء الإلهية كلها فلا حكم للآخر إلا بالرجوع إليه في كل أمر فإذا كان الله الأول فالإنسان الكامل هو الآخر لأنه في الرتبة الثانية و هو الخليفة و هو أيضا الآخر بخلقه الطبيعي فإنه آخر المولدات لأن الله لما أراد به الخلافة و الإمامة بدأ بإيجاد العالم و هياه و سواه و عدله و رتبه مملكة قائمة فلما استعد لقبول أن يكون مأموما أنشأ الله جسم الإنسان الطبيعي و نفخ فيه من الروح الإلهي فخلقه على صورته لأجل الاستخلاف فظهر بجسمه فكان المسمى آدم فجعله في الأرض لخليفة و كان من أمره و حاله مع الملائكة ما ذكر الله في كتابه لنا و جعل الإمامة في بنيه إلى يوم القيامة فهو الآخر بالنسبة إلى الصورة الإلهية و الآخر أيضا بالنسبة إلى الصورة الكونية الطبيعية فهو آخر نفسا و جسما و هو الآخر برجوع أمر العالم إليه فهو المقصود به عمرت الدنيا و قامت و إذا رحل عنها زالت الدنيا و مارت السماء و انتثرت النجوم و كورت الشمس و سيرت الجبال و عطلت العشار و سجرت البحار و ذهبت الدار الدنيا بأسرها و انتقلت العمارة إلى الدار الآخرة بانتقال الإنسان فعمرت الجنة و النار و ما بعد الدنيا من دار إلا الجنة و النار فالاسم الأول للأولى و هي الدار الدنيا و الاسم الآخر للأخرى و هي الآخرة و إنما قال الله تعالى لمحمد ص وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ من الْأُولىلأن الآخر ما و رآه مرمى فهو الغاية فمن حصل في درجته فإنه لا ينتقل فله الثبوت و البقاء و الدوام و الأول ليس كذلك فإنه ينتقل في المراتب حتى ينتهي إلى الآخر و هو الغاية فيقف عنده فلهذا قال له وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ من الْأُولىوَ لَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضىفأعطاه صفة البقاء و الدوام و النعيم الدائم الذي لا انتقال عنه و لا زوال فهذا ما أعطاه حكم هذه الحضرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(الظاهر حضرة الظهور)

إن الظهور له شرط يؤيدهو ليس يظهره إلا الذي غلبا
إن الفتاة التي في طرفها حورتفني الدموع و تذكى قلبنا لهبا
فإن أتوك و قالوا إنها نصففإن أفضل نصفيها الذي ذهبا
أنقدتها ورقا حتى أفوز بهافمانعت فلهذا صغته ذهبا
لو أنها ظهرت لكل ذي بصرأعمى سناها لهذا عينها احتجبا

يدعى صاحبها عبد الظاهر و يلقب بالظاهر بأمر الله هذه الحضرة له تعالى لأنه الظاهر لنفسه لا لخلقه فلا يدركه سواه أصلا و الذي تعطينا هذه الحضرة ظهور أحكام أسمائه الحسنى و ظهور أحكام أعياننا في وجود الحق و هو من وراء ما ظهر فلا أعياننا تدرك رؤية و لا عين الحق تدرك رؤية و لا أعيان أسمائه تدرك رؤية و نحن لا نشك إنا قد أدركنا أمرا ما رؤية و هو الذي تشهده الأبصار منا فما ذلك إلا الأحكام التي لأعياننا ظهرت لنا في وجود الحق فكان مظهر إلها فظهرت أعياننا ظهور الصور في المرائي ما هي عين الرائي لما فيها من حكم المجلى و لا هي عين المجلى لما فيها مما يخالف حكم المجلى و ما ثم أمر ثالث من خارج يقع عليه الإدراك و قد وقع فما هو هذا المدرك و من هو هذا المدرك فمن العالم و من الحق و من الظاهر و من المظهر و من المظيهر فإن كانت النسب فالنسب أمور عدمية إلا أن علة الرؤية استعداد المرئي لقبول الإدراك فيرى المعدوم سلمنا إن المعدوم يرى فمن الرائي فإن كان نسبة أيضا فكما هو مستعد أن يرى يكون مستعدا أن يرى و إن لم يكن نسبة و كان أمرا وجوديا فكما هو الرائي هو المرئي لأن الذي نراه يرانا فإذا قلنا إنه نسبة من حيث إنه مرئي لنافنقول إنه أمر وجودي من حيث إنه يرانا كما قلنا فينا من حيث إنا ندركه فالأمر واحد فقد حرنا فينا و فيه فمن نحن و من هو و قد قال له بعضنا أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي و قال عن نفسه أَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ الله يَرىو خبره صدقو قد أعلم أن بعض العالم يعلم أن الله يرى ثم قال بآلة الاستدراك فعطف وَ لكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ثم تجلى للجبل فاندك الجبل و لا أدري عن رؤية أو عن مقدمة رؤية لا بل عن مقدمة رؤية و صعق موسى عن تلك المقدمة فَلَمَّا أَفاقَ قالَ (سُبْحانَكَ) تُبْتُ أي رجعت إلى الحالة التي لم أكن سألتك فيها الرؤية وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ أي المصدقين بقولك لَنْ تَرانِي فإنه ما نزل هذا القول ابتداء إلا علي فإنا أول المؤمنين به ثم يتبعني في الايمان به من سمعه إلى يوم القيامة فما ظهر لطالب الرؤية و لا للجبل لأنه لو رآه الجبل أو موسى لثبت و لم يندك و لا صعق فإنه تعالى الوجود فلا يعطي إلا الوجود لأن الخير كله بيديه و الوجود هو الخير كله فلما لم يكن مرئيا أثر الصعق و الاندكاك و هي أحوال فناء و الفناء شبيه بالعدم و الحق لا يعدم عدم العين و لكن يكون عنه العدم الإضافي و هو الذهاب و الانتقال فينقلك أو يذهبك من حال إلى حال مع وجود عينك في الحالين من مكان إلى مكان مع وجود عينك في كل واحد منهما و بينهما و هو قوله إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ ... وَ يَأْتِ بِآخَرِينَ فالإتيان بصفة القدرة و الذهاب بالإرادة من حيث ما هو ذهاب خاصة و هذه التفاصيل في غير مفصل لا يكون و ليس من شأن المفصل الوجود فإنا نفصل المعدوم إلى محال و إلى ممكن مع كونه معدوما و بقي الكلام فيمن يفصله و الكلام عليه مثل الكلام في الرائي و المرئي و قد تقدم فما ذا نقول أو ما نعول عليه فرأينا أن نترك الأمر على حاله كان ما كان إذ الأغراض حاصلة و الإدراكات واقعة و اللذات حاكمة و الشهود دائم و النعيم به قائم و دع يكون ما يكون من عدم أو وجود أو حق أو خلق بعد أنه لا ينقصنا شيء مما نحتاج إليه لا نبالي و لو وقع الإخبار الإلهي لكان الكلام فيه و النظر على ما هو عليه الآن لا يزيد الأمر و لا ينقص فإنه إذا ورد فلا بد من سمع يتعلق به ذلك الخطاب و فهم و مدلول و متكلم و سامع و هذا عين ما كنا فيه فترك ذلك أولى و نقول ما يقول كل قائل فإن الأمر كله عين واحدة في الحيرة في ذلك فكله صدق ما هو باطل فإنه واقع في الذهن و في العين و في جميع الإدراكات فالجنوح إلى السلم أولى بالإنسان ف إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ يعني في الاعتبار و الإشارات هذه الخواطر التي أدتك إلى النظر فيما أنت مستغن عنه فأنزلهم الحق هنا منزلة الأعداء لأهل الإشارات ف إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ و هو الصلح بأن يترك الأمر على ما هو عليه و لا يخاض فيه فاتك إنما تخوض فيه لكونه آية من الله عليه و قد قال وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ و ليس إلا الاشتعال بما نأكل و نشرب و ننكح و تتصرف فيه من الأعمال المسروعة التي تؤدي إلى السعادة الأخروية و ما هذه الأمور قلنا لا ندري إنما نعمل كما أمرنا لنصل إلى ما قيل لنا فإنا ما كذبنا بل رأينا ما مضى كله حق لم يختل شيء منه كذلك ما بقي و قد جنحوا للسلم فأمرنا الله فقال لنبيه ص فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى الله فالعاقل يقول بالسمع و الطاعة لأمر الله و هذه حالة معجلة و راحة

فليس الظهور سوى ما ظهرو ليس البطون سوى ما استسر
فأين الذهاب و أين الإيابو أين القرار و أين المقر
فمنا إليه و منه إليناو كل بحكم القضاء و القدر
فلا تبكين على فائتفما فات شيء و ما ساء سر
فما ثم إلا مضاف و مايضاف إليه فجز و اعتبر
و قل ما تشاء على من تشاءفإن الوجود بهذا ظهر

وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(الباطن حضرة البطون)

السر ما بطنت فيه حقيقتهو الجهر يظهره لكل ذي بصر
لو لا البطون و لو لا سر حكمتهما فضل الله مخلوقا على البشر
و ما يفضله إلا سلامتهمن النقائص و الأوهام و الغير
لو ناله أحد من حيث نشأتهلنا له أهل جود الله بالفكر
لو لا مباشرة الخلاق صورتهلم يدر خلق من الأملاك ما خبري
عنت لنا أوجه الأملاك ساجدةلما حوينا من الأرواح و الصور
لذا تقلبنا أحواله أبدافي نفع إن كان ذاك الأمر أو ضرر

يدعى صاحبها عبد الباطن قال تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ فالبطون يختص بنا كما يختص به الظهور و إن كان له البطون فليس هو باطن لنفسه و لا عن نفسه كما أنه ليس ظاهرا لنا فالبطون الذي وصف نفسه به إنما هو في حقنا فلا يزال باطنا عن إدراكنا إياه حسا و معنى فإنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و لا ندرك إلا الأمثال التي نهينا أن نضربها لله لجهلنا بالنسب التي بها هي أمثال و لما كانت البطون محال التكوين و الولادة و عنها ظهرت أعيان المولدات اتصف الحق بالباطن يقول إنه من كونه باطنا ظهر العالم عنه فنحن كنا مبطونين فيه فخذ ذلك عقلا لا و هما فإنك إن أخذته عقلا قبله العلم الصحيح و إن أخذته خيالا و هما رد عليك قوله لَمْ يَلِدْ و لا ينبغي للعاقل أن يشرع في أمر يمكن أن يرد عليه مثل هذا و إذا أخذته عقلا دون تخيل وقعت على عين الأمر فإنه لا بد لنا من مستند نستند إليه في وجودنا لما أعطاه إمكاننا من وجود المرجح الذي رجح وجودنا على عدمنا إلا أنه باطن عنا لعدم المناسبة بيننا إذ نحن بعيننا و جملتنا و تفصيلنا محكوم علينا بالإمكان فلو ناسبنا في أمر ما و ذلك الأمر محكوم عليه بالإمكان لكان الحق محكوما عليه بالإمكان و هو واجب لنفسه من حيث نفسه فارتفعت المناسبة و إذا لم يناسبنا لم نناسبه فلنا الاستناد إليه لعدم المناسبة و من وجه للمناسبة و له تعالى الغي عن العالم لأن محبته أن يعرف هي أنه لا يعرف فهذا حد معرفتنا به إذ لو عرف لم يبطن و هو الباطن الذي لا يظهر كما أنه أيضا في المأخذ الثاني أنه الباطن حيث هو في قلب عبده المؤمن الذي وسعه فهو باطن في العبد و العبد لا يشاهد باطنه فلا يشاهد ما هو مبطون فيه فمن الوجهين ما نراه ثم إنه إذا كان كما قال قوى العبد و سمعه و بصره و العبد يرى ببصره فيرى بربه ما يرى بصره و لا يرى شيئا من قواه و الحق جميع قواه فما يرى ربه و بهذا يفرق بين العلم و الرؤية فإنا نعلم بالإيمان و نوره في قلوبنا إنه قوانا و لا نشهد ذلك بصرا فنحن ندركه لا ندركه و الأبصار لا تدركه فإذا كان بصرنا فإنه في هذه الحالة لا يدرك نفسه لأنه في حجابنا إذ كان بصرنا و إذا كان الأمر على هذا فبعيد أن ندركه و أما قوله لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ فإن البصر إنما جاء ليدرك به لا أنه يدرك ثم إنه في قوله لا تُدْرِكُهُ بضمير الغائب فالغيب غير مدرك بالبصر و الشهود و هو الباطن فإنه لو أدرك لم يكن غيبا و لا بطن و لكن يدرك الأبصار فإنه لا يلزم الغيبة من الطرفين ما يلزم من هو غائب عنك أن تكون غائبا عنه قد يكون ذلك و قد لا يكون و في مدلول هذه الآية أمر آخر و هو أنه يدرك تعالى نفسه بنفسه لأنه إذا كان بهويته بصر العبد و لا يقع الإدراك البصري إلا بالبصر و هو عين البصر المضاف إلى العباد و قال إنه يدرك الأبصار و هو عين الأبصار فقد أدرك نفسه و لهذا قلنا إنه يظهر أو هو ظاهر لنفسه و لا يبطن عن نفسه ثم تمم الآية و قال وَ هُوَ اللَّطِيفُ من حيث إنه لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ و اللطيف المعنى من حيث إنه يدرك الأبصار أي دركه للابصار دركه لنفسه لأنه عينها و هذا غاية اللطف و الرقة الْخَبِيرُ يشير إلى علم الذوق أي لا يعرف هذا إلا بالذوق لا ينفع فيه إقامة الدليل عليه إلا أن يكون الدليل عليه في نفس الدال و ليس سوى ذوقه فيرى هذا العبد الذي بصره الحق نفسه بالحق و يرى الحق ببصره لأنه عين بصره فأدرك الأمرين

فكل من فيه بطنفإنه فيه قطن
و ليس يدري قولناإلا شهيدا و فطن

يرى الذي رأيته بقلبه رؤية ظن

فإنه هو الذييراك من عين الجنن
و أنت لا تبصرهإلا إذا لم تكن

و هي الإشارة

بقوله ص في الحديث الصحيح من كتاب مسلم فإن لم تكن تراه فإنه يراك

فإن لم تكن ترهو إن كنت لم تره
و من كان حكمهكما قلت أبصره
فذاتي له وطاءو إن شئت منظره
إذا كان في وجوديفقد صح أقبره
و إن صاحب الوجودفقد جاء أنشره

فقلوب العارفين مدافن الحق كما ظواهرهم مجاليه و إنه في نفس قلوب عباده من حيث إن قلوبهم محل العلم به ثم إنهم لا يراعون حرمته و لا يقفون عند حدوده فهو فيهم كالميت في قبره لا حكم له فيه بل الحكم للقبر فيه بكونه أكنه و ستره عن أعين الناظرين كذلك حكم الطبع إذا ظهر بخلاف الشرع فإن الشرع ميت في حقه في ذلك الزمان و هكذا يظهر الحق في الرؤيا و لقد رأيت رسول الله ص في النوم ميتا في موضع عاينته بالمسجد الجامع بإشبيلية فسألت عن ذلك الموضع فوجدته مغصوبا فكان ذلك موت الشرع فيه حيث لم يتملك بوجه مشروع فاستناد الموت و الدفن إلى الحق في قلوب الغافلين فهو فيها كأنه لا فيها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(التواب حضرة التوبة) و هي الرجوع من المخالفة إلى الموافقة

ألا إن المتاب هو الرجوعفتب ترجع لتوبتك الشئون
إذا تابعت شخصا في فلاةفأنت لما تتابعه تكون
و إن كان الظهور له بوجهفمن وجه يكون له الكمون
له منا التحرك في جهاتو لي منه الإقامة و السكون
و ليس له سواى من معينإذا شاء المؤيد و المعين

يدعى صاحبها عبد التواب من هذه الحضرة تاب التائبون فله الرجعة الأولى ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا فما رجع إليهم إلا ليرجعوا و كل معلل علة الحق فإنه واقع كما أنه كل ترج من الله واقع فالرجعة الأولى من الله على العبد هي التي يعطيه الحق فيها الإنابة إليه فإذا رجع العبد إليه بالتوبة رجع الحق إليه غير الرجوع الأول و هو الرجوع بالقبول فإن الله لا يقبل معاصي عباده هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ و الطاعات و هذا من رحمته بعباده فإنه لو قبل المعاصي لكانت عنده في حضرة المشاهدة كما هي الطاعات فلا يشهد الحق من عباده إلا ما قبله و لا يقبل إلا الطاعات فلا يرى من عباده إلا ما هو حسن محبوب عنده و يعرض عن السيئات فلا يقبلها فإن صاحب السيئة ما عملها على طريق القربة و لو عملها على طريق القربة لكان جهلا و افتراء على الله و كفرا صراحا فلا يقبلها حتى لا تكون عنده في موضع الشهود فيقع حساب العبد على ما أساء في الديوان الإلهي على أيدي الملائكة إذا أمر الحق بمحاسبته و أمر الملائكة أصحاب الديوان أن يتجاوزوا عن المتجاوزون أن الله طيب لا يقبل إلا طيبا و لا بد لكل إنسان من أمر طيب يكون عليه لأنه لا بد أن يكون على مكارم خلق بأي وجه كان و مكارم الأخلاق كلها عند الله فلا بد أن يكون لكل عبد عند الله شفيع فإذا استوفى أهل ديوان المحاسبة ما بأيديهم في حق عبد من العباد و فعلوا فيه ما اقتضاه أمره معهم و فرغ من ذلك و رفع الأمر إلى الله راجعا كما قال وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ لا يجد العبد عند ربه إلا ما قبله منه فشكره الله على ما عنده منه فأكرمه و نعمه فيقول العبد ربي أكرمني و ما عنده علم بما قبل الله منه من طيب خلق كان عليه و سواء كان في أي دار كان فإن له فيها نعيما مقيما ما دام ذلك الطيب عند الله و هو لا يزال عند الله فلا يزال هذا العبد في نعيم في نفسه و إن ظهر عند غيره أنه في عذاب فهو في نفسه في نعيم و هو أو لمراد المعتبر في هذا الأمر فإذا اتفق أن يؤخذ التائب فما يأخذه إلا الحكيم لا غيره من الأسماء فإذا لم يؤاخذ فإنما يكون الحكم فيه للرحيم فإن الله تَوَّابٌ رَحِيمٌ بطائفة و تَوَّابٌ حَكِيمٌ بطائفة و الكل نواب الحق تعالى

توبة الله أولاتجعل العبد تائبا
فإذا تاب عبدهجعل الحق تائبا
فيكون العبيد عنصفة الحق نائبا
لم يزل حال كل منتاب للعفو طالبا
أعظم التوب أنيكون عن التوب راغبا
فإذا كنت تائباكن عن الفعل جانبا
تجد الحق في الذيتبتغي منه واهبا

فالعبد الصحيح التوبة أن يتوب الله عليه لا ليتوب بل يجرم و أنت تعفو تكرما حتى لا يكون رجوعك بالمغفرة على المذنب جزاء فيكون هو الذي عاد على نفسه بالمغفرة منك فأين المنة في الرجعة الثانية التي هي رجعة المغفرة إن لم تغفر من غير توبة من المذنب فرجوع الله ينبغي أن يكون رجوع امتنان كالرجعة الأولى في قوله ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا فهذه الأولى توبة امتنان فإذا تاب عليهم بالمغفرة بعد توبتهم كانت هذه التوبة الإلهية جزاء لا يتخلص الامتنان الإلهي فيها إلا على بعد و هو أن يرجع العبد في توبته إلى التوبة الأولى الإلهية التي جعلته أن يتوب و توبة الامتنان أيسر من توبة الجزاء و هي توبة الجواد الواهب المحسان الذي يعطي لينعم لا لعلة موجبة عقلا و لا شرعا و هذه إشارة كافية لمن أراد التخلق بأخلاق الكرم فمن كرمه كَتَبَ عَلىنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ فالكريم المطلق من جازى على السيئة إحسانا فإن المحسن هو الذي أخذ الإحسان بإحسانه فلا يتبين فضل المحسن فإنه ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ من سَبِيلٍ فافهم و تحقق عسى تلحق وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(العفو حضرة العفو)

عفوت عن الجائي و ما زال عفونايسير بنا حتى أنخنا بداره
فلما أنخنا قال من ذا فقلت منحقيق على جار يقوم بحاره
فإن عجز المسكين عن حق جارهفلم يبق إلا أن يكون بداره
و لو أنه من كان فالحفظ قائمعليه به منه لبعد مزاره
فإني له كالبدر عند امتلائهبنور معاليه و عند سراره

يدعى صاحبها عبد العفو قال الله تعالى إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ هذه الحضرة تشبه حضرة الجلال لأنها تجمع الضدين و هذه تجمع بالدلالة بين القليل و الكثير هكذا هي في أصل وضع اللسان كالجليل يجمع بين العظيم و الحقير فالعفو الإلهي في جناب الحق كالقناعة و هي الاكتفاء بالموجود من غير مزيد و الكثير ما زاد على ما تدعو إليه الحاجة فاتصاف الحضرة بالعفو إنها تعطي ما تقتضيه الحاجة لا بد من ذلك من كونه سخيا و حكيما ثم يزيد في العطاء من كونه منعما مفضلا غير محجور عليه و لا تقضي عليه الحاجات بالاقتصار على ما يكون به الاكتفاء فالعطاء للانعام هو العطاء الحق عطاء الجود و المنة لا تحكم عليه العلل و لا يدخله ملل فإنهقد ورد في الصحيح أن الله لا يمل حتى تملوا فإذا تركتم تركفمن أعطى بعد سؤاله و بذل ماء وجهه فإنما أعطى جزاء و من أعطى ليشكر فقد أعطى لعلة يعود خيرها عليه و من أعطى بعد الشكر فقد أعطى جَزاءً وِفاقاً و هذه التقييدات كلها تعطيها حضرة العفو و الإطلاق فيها من غير تقييد تعطيه أيضا حضرة العفو فلذلك يطلق على القليل و الكثير و منه إعفاء اللحية فاختلف الناس في إعفائها ما أراد الشرع بهذه اللفظة هل أراد تكثيرها بأن لا يقص منها كما يقص من الشارب و إذا لم يقص منها كثرت و قد يريد أن يأخذ منها قليلا بكونهقال ذلك عند قوله أحفوا الشارب و أعفوا اللحىو إحفاء الشوارب استئصالها بالقص فيحتمل إعفاء اللحية أن لا يستأصلها و يأخذ منها القليل فمن فهم من هذا الحكم طلب الزينة الإلهية في قوله قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ الله نظر في لحيته فإن كانت الزينة في توفيرها و أن لا يأخذ منها شيئا تركها و إن كانت الزينة أظهر في أن يأخذ منها قليلا حتى تكون معتدلة تليق بالوجه و تزينه أخذ منها على هذا الحد و قد ورد أن النبي ص كان يأخذ من طول اللحية لا من عرضها فتوجه معنى العفو بالقلة و الكثرة على اللحية و أما في المؤاخذة على الذنوب فقال وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ فيأخذ على القليل فيدل هذا العفو على أنه لا بد من المؤاخذة و لكن في قلة و القلة قد تكون بالزمان الصغير المدة ثم يغفر الله و يجود بالإنعام و رفع الألم عن المذنب المسلم و قد يكون بالحال فيقل عليه الآلام بالنظر إلى آلام هي أشد منها أين قرصة البرغوث من لدغ الحية ليس بين ألميهما نسبة و كل واحد منهما مؤلم لكن ثم ألم قليل و ألم كثير فأهل الاستحقاق و هم المجرمونالمأمورون بأن يمتازوا و ليس إلا أهل النار الذين هم أهلها و هم المشركون لا عن نظر فيكون أخذهم بالعفو في الزمان لأن زمان العقاب محصور فإذا ارتفع بقي عليهم حكم الزمان الذي لا نهاية لأبده فزمان عذابهم قليل بالإضافة إلى حكم الزمان الذي يؤول إليه أمرهم فهو عفو عز و جل بما يعطي من قليل العذاب و هو عفو بما يعطي من كثير المغفرة و التجاوز فإنه عز و جل قد أمرنا بالعفو و التجاوز و الصفح عمن أساء إلينا و هو أولى بهذه الصفة منا و لذلك كان أجر العافين على الله لكونه عَفُوًّا غَفُوراً و ما قرن مغفرته حين أطلقها بتوبة و لا عمل صالح بل قال يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىأَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ فبالغ و ما خص إسرافا من إسراف و لا دارا من دار فلا بد من شمول الرحمة و المغفرة على من أسرف على نفسه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(الرءوف حضرة الرأفة)

رءوف رحيم لا يكون مؤاخذاعبيدا أتاه راجيا متلهفا
من أجل ذنوب قد أتاها بغفلةو لو كانت الأخرى أتى متكلفا
فإن شئت عفوا لا تؤاخذه إنهأتى مستجيرا سائلا متكففا
و ما جاء إلا من غنى سؤالهلذاك يراه سائلا متلطفا
فيقنع منا باليسير لفقرنافنثرى له من كونه متعففا

هي لعبد الرءوف وصف الحق عبده محمدا ص بأنه بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فقيده بالإيمان و لم يقيد الايمان فهذا تقييد في إطلاق فإنه قال في الايمان إنه مؤمن صاحبه بالحق و الباطل و هو قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ و ذكر ما ذكر فسماهم مؤمنين و ما كانوا مؤمنين إلا بالباطل فأمرهم أن يؤمنوا بالله و هو الحق و رسوله وَ الْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلىرَسُولِهِ وَ الْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ من قَبْلُ فدل على أنه ما خاطب أهل الكتاب فقط فإنه أمرهم بالإيمان بالكتاب الذي أنزل من قبل و لا شك أنهم به مؤمنون أعني علماء أهل الكتاب ثم قيد الكفر هنا و لم يقيد الايمان فقال وَ من يَكْفُرْ بِاللَّهِ فقيد في الذكر ما أمر به عبده أن يؤمن به و ما تعرض في الذكر للكفر المطلق كما أطلق الايمان و نعتهم به في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا و ما كانوا مؤمنين إلا بالباطل فإن المؤمن بالله لا يقال له آمن بالله فإنه به مؤمن و إن احتمل أن يؤمن به لقول هذا الرسول الخاص على طريق القربة و لكن التحقيق في ذلك ما ذهبنا إليه و لا سيما و الحق قد أطلق اسم الايمان على من آمن بالباطل و اسم الكفر على من كفر بالطاغوتو اعلم أن الرأفة من القلوب مثل جبذ و جذب كذلك رأف و رفأ و هو من الإصلاح و الالتئام فالرأفة التئام الرحمة بالعباد و لذلك نهي عنها في إقامة الحدود لا كل الحدود و إنما ذلك في حد الزاني و الزانية إذا كانا بكرين إلا عند من يرى الجمع بين الحدين على الثيب و أكثر العلماء على خلاف هذا القول و ليس المقصود إلا قوله وَ لا تَأْخُذْكُمْ يعني ولاة الأمر بِهِما رَأْفَةٌ في دِينِ الله و دين الله جزاؤه ثم قال إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فحص لأنه ثم من يؤمن بالباطل وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يقول إقامة الله حدوده في اليوم الآخر كأنه يقول لولاة الأمر طهروا عبادي في الدنيا قبل أن يفضحوا على رءوس الأشهاد و لذلك قال في هؤلاء وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ من الْمُؤْمِنِينَ ينبه أن أخذهم في الآخرة على رءوس الأشهاد فتعظم الفضيحة فإقامة الحدود في الدنيا أستر فأمر الوالي بإقامة الحد نكالا من الزاني كما هو نكال في حق السارق و بين ذلك فطهارته كما قال أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ كذلك إقامة الحد إذا لم يكن نكالا فإنه طهارة و إن كان نكالا فلا بد فيه من معقول الطهارة لأنه يسقط عنه في الآخرة بقدر ما أخذ به في الدنيا فسقط عن الزاني النكال و ما سقط عن السارق فإن السارق قطعت يده و بقي مقيدا بما سرق لأنه مال الغير فقطع يده زجر و ردع لما يستقبل و بقي حق الغير عليه فلذلك جعله نكالا و النكل القيد فما زال من القيد مع قطع يده و ما تعرض في حد الزاني إلى شيء من ذلك و قد وردفي الخبر أن ما سكت عن الحكم فيه بمنطوق فهو عافية أي دارس لا أثر له و لا مؤاخذة فيه فإن الله قد بين للناس ما نزل إليهم من الأحكام في كتابه و على لسان رسوله ص

(الوالي حضرة الإمامة)

إن الإمام هو الوالي فلا تكنيفإنني عالم بما بدا مني
هذا الذي قلته لكم أقول بهفي كل حال أكون فيه لا أكني

يدعى صاحبها عبد الوالي و عبد الولي و عبد الوالي هو الذي يلي الأمور بنفسه فإن وليها غيره بأمره فليس بوال و لا إمام و إنما الوالي و الإمام هو المنصوب للولاية و إنما سمي واليا لأنه يوالي الأمر من غير إهمال لأمر ما مما له عليه ولاية و إن لم يفعل فليس بوال و إنما هو حاكم هوى و قد قيل له وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوىفَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله فأنفاس الوالي و حركاته و تصرفاته عليه معدودة و الوالي لا يكون أبدا إلا في الخير لا بد من ذلك فإنه موجد على الدوام فلا تراه أبدا إلا في فضل و إنعام و إقامة حد لتطهير و التطهير خير فإن الوالي على الحقيقة هو الله فإن المنصوب للولاية بحكم الله يحكم و بما أراه الله و هو الحقو قد أخبر الرسول ص في دعائه معلما إيانا فقال و الخير كله في يديكفلا يوالي إلا الخير و لا يأمر إلا بالخير و لا يكون عنه في العقوبة و المثوبة إلا الخير ثم قال و الشر ليس إليكفالوالي لا يوالي الشر بل لا يفعله أصلا لأنه ليس إليه فالوالي إذا كان من نصب الحق فالشر ليس إليه إلا إذا ترك ولاية الحق و حكم بالهوى فضل عن سبيل الله فله عذاب شديد بما نسي يوم الحساب فيكون ديوان الحكم الإلهي يأخذه إذا حاسبه فالشقي من تأخر تطهيره إلى ذلك المقام الأخراوي و السعيد من تقدم تطهيره في الدنيا إما بتوبة يتوبها و إما بإنصاف و أخذ منه في الدنيا حتى ينقلب إلى الآخرة و ليس عليه حق و ربما يكون ممن يمشي في الدار الدنيا و ما عليه خطيئة لكثرة ما يبتليه الله به مما يقع له به الكفارة

فوالي الحق من والىجميع الخير في نسق
فما ينفك عن طبقبغير الحكم في طبق
له نور إذا يفضيكنور البدر في الغسق
إذا غسقت مسائلهأتى في الحكم كالفلق
فجلى عنك ظلمتهاو ما تلقى من الحرق

و أيضا

تعوذوا بالله رب الفلقمن شر ديجور إذا ما غسق
فإنه آلى علينا كماآلى لمن قد جاءنا بالشفق
و ليلة المظلم مهما وسق و القمر العالي إذا ما اتسق
لتركبن اليوم في ذاتكمعند شهودي طبقا عن طبق
فالحمد لله على ما خلقو أخلق الخلق الذي قد خلق
أوجدنا ماء إلى نطفةمكنونة في مضغة من علق
أودع فيها ولديها بناجميع ما اختص بنا من علق

و قد نصحتك أيها الوالي المتغالي فلا تغل في الدين و لا تقل على الله إلا الحق و لا على الخلق إلا الحق فإنك المطلوب بما أنت وال عليه و عنه

فإذا وليت أمرافلتقم فيه بحق
إنما الوالي بحقهو مقعد صدق
فتراه بين حقحاكما و بين خلق
رتبة يسمو إليهاكل ذي عقل و نطق
هو للفناء مفنو هو للبقاء مبق
فإذا أفنى فناءجاء حكم الضد يبق

قال الله تعالى لخليله إبراهيم ع إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً ابتداء منه من غير طلب من إبراهيم ع ليكون معنا مسددا و علمنا أنه ليس بظالم قطعا لأن الإمامة عهد من الله و قال إبراهيم لربه تعالى وَ من ذُرِّيَّتِي فقاللا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ فأمرنا الحق أن نتبع ملة إبراهيم لأن العصمة مقرونة بها فإن رسول الله ص قد نبه على أنه من طلب الإمارة وكل إليها و من أعطيها من غير مسألة أعين عليها و بعث الله ملكا يسدده و الملك معصوم من الخطاء في الأحكام المشروعة في عالم التكليف فكان الخليل حنيفا أي مائلا إلى الحق مسلما منقادا إليه في كل أمر فكان يوالي الخير حيثما كان قالوا لي الكامل من والى بين الأسماء الإلهية فيحكم بينها بالحق كما يحكم الوالي الكامل الولاية من البشر بين بِالْمَلَإِ الْأَعْلىإِذْ يَخْتَصِمُونَ و لهذا أمروا بالسجود لآدم ع فإن الاعتراض خصام في المعنى و الخصم قوي فلما أعطى الإمامة و الخلافة و أسجدت له الملائكة و عوقب من أساء الأدب عليه و تكبر عليه بنشأته و أبان عن رتبة نفسه بأنها عين نشأته فجهل نفسه أولا فكان بغيره أجهل و لا شك أن هذا المقام يعطي الزهو و الافتخار لعلو المرتبة و الزهو و الفخر داء معضل و إن كان بالله تعالى فأنزل الله لهذا الداء دواء شافيا فأمر الإمام بالسجود للكعبة فلما شرب هذا الدواء بريء من علة الزهو و علم إِنَّ الله يَفْعَلُ ما يُرِيدُ و ما تقدم على من تقدم عليه من الملائكة بالصفة التي أعطاه الله لعلو رتبته على الملائكة و إنما كان ذلك تأديبا من الله لملائكته في اعتراضهم و هو على ما هو عليه من البشرية كما أنه قد علم أنه ما سجد للكعبة لكون هذا البيت أشرف منه و إنما كان دواء لعلة هذه الرتبة فكان الله حفظ على آدم صحته قبل قيام العلة به فإنه من الطب حفظ الصحة و هو أن يحفظ المحل أن يقوم به مرض لأنه في منصب الاستعداد لقبول المرض و قد علم أنه و إن سجد للبيت فإنه أتم من البيت في رتبته فعلم إن الملائكة ما سجدت له لفضله عليهم و إنما سجدت لأمر الله و ما أمرها الله إلا عناية بها لما وقع منهم مما يوجب وهنهم و لكن لما لم يقصدوا بذلك إلا الخير اعتنى الله بهم في سرعة تركيب الدواء لهم بما علمهم آدم من الأسماء و بما أمروا به من السجود له و كل لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ أمرت الملائكة بالسجود فامتثلت و بادرت فأثنى الله عليهم بقوله لا يَعْصُونَ الله ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ و نهى آدم فعصى فلما غوى أي خاف قال الشاعر

و من يغو لا يقدم على الغي لائما ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَ هَدى

(الجامع حضرة الجمع)

إنما الجمع وجودليس في الجمع افتراق
إنما الفرق الذيفيه له بنا اتفاق
فله في الحكم فينامن وجودنا اشتقاق
و لنا عليه حكمقيده فيه انطلاق

يدعى صاحبها عبد الجامع قال الله تعالى إن الله جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ فهو في نفسه جامع علمه العالم علمه بنفسه فخرج العالم على صورته فلذلك قلنا إن الحق عين الوجود و من هذه الحضرة جمع العالم كله على تسبيحه بحمده و على السجود له إلا كثير من الناس ممن حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ فسجد لله في صورة غير مشروعة فأخذ بذلك مع أنه ما سجد إلا لله في المعنى فافهم و من هذه الحضرة ظهر جنس الأجناس و هو المعلوم ثم المذكور ثم الشيء فجنس الأجناس هو الجنس الأعم الذي لم يخرج عنه معلوم أصلا لا خلق و لا حق و لا ممكن و لا واجب و لا محال ثم انقسم الجنس الأعم إلى أنواع تلك الأنواع نوع لما فوقها و جنس لما تحتها من الأنواع إلى أن تنتهي إلى النوع الأخير الذي لا نوع بعده إلا بالصفات و هنا تظهر أعيان الأشخاص و كل ذلك جمع دون جمع من هذه الحضرة و أقل الجموع اثنان فصاعدا و لم يكن الأمر جمعا ما ظهر حكم كثرة الأسماء و الصفات و النسب و الإضافات و العدد و إن كانت الأحدية تصحب كل جمع فلا بد من الجمع في الأحد و لا بد من الأحد في الجمع فكل واحد بصاحبه و قال تعالى من هذه الحضرة وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و المعية صحبة و الصحبة جمع و قال ما يَكُونُ من نَجْوىثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنىمن ذلِكَ و هو الواحد وَ لا أَكْثَرَ إلى ما لا يتناهى إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ فإن كان واحدا فهو الثاني له لأنه معه فظهر الجمع به فهو الجامع ثم ما زاد على واحد فهو مع ذلك المجموع من غير لفظه أي لا يقال هو ثالث ثلاثة و إنما يقال ثالث اثنين و رابع ثلاثة و خامس أربعة لأنه ليس من جنس ما أضيف إليه بوجه من الوجوه لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ و لما كانت هذه الحضرة لها الدوام في الجمعية و لا تعقل إلا جامعة و ما لها أثر إلا الجمع و ما تفرق إلا لتجمع و قد علمت إن الدليليضاد المدلول و أن الدال و هو الناظر في الدليل إذا كان فيه و معه مجتمعا لا يكون مع المدلول و دليلك على الحق نفسك و العالم كما قال سَنُرِيهِمْ آياتِنا أي الدلالة علينا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ و قال من عرف نفسه عرف ربهجعلك دليلا عليه فجمعك بك و فرقك عنه في حال جمعك بك ثم قال لأبي يزيد اترك نفسك و تعالى ففرقك عنك لتجتمع به و لا تجتمع به حتى تنظر في الدليل به لا بك فتعلم أنك ما زلت مجتمعا به في حال نظرك في الدليل فإنه سمعك و بصرك فأنت و هو مجتمعان في حال طلبك إياه فمن تطلب أو من يطلب فما برحت في عين الجمع به و هو الجامع لنفسه بك لمحبته فيك و هذا من أعجب الأحوال الطلب في عين التحصيل

إنما الحال ملعبو لنا فيه مذهب
هو ميداننا الذيفيه نلهو و نلعب
و بهن ننكح العذارىو نسقي و نشرب
فانظروا في صنيعهو اعجبوا منه و اعجبوا
ما لنا فيه مطلبو له في مطلب

لما كان الدوام لمعية الحق مع العالم لم يزل حكم الجمع في الوجود و في العدم فإنه مع الممكن في حال عدمه كما هو معه في حال وجوده فأينما كنا فالله معنا فالتوحيد معقول غير موجود و الجمع موجود و معقول وَ لِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ و ليست إلا درجة الوجود لو أراد التوحيد ما أوجد العالم و هو يعلم أنه إذا أوجده أشرك به ثم أمره بتوحيده فما عاد عليه إلا فعله فقد كان و لا شيء معه يتصف بالوجود فهو أول من سن الشرك لأنه أشرك معه العالم في الوجود فما فتح العالم عينه و لا أبصر نفسه إلا شريكا في الوجود فليس له في التوحيد ذوق فمن أين يعرفه فلما قيل له وحد خالقك لم يفهم هذا الخطاب فكرر عليه و أكد و قيل له عن الواحد صدرت فقال ما أدري ما تقول لا اعقل إلا الاشتراك فإن صدوري عن ذات واحدة لا نسبة بيني و بينها لا يصح فلا بد أن يكون مع نسبة علمية أو نسبة قادرية لا بد من ذلك ثم إنه و إن كان قادرا فلا بد من الاشتراك الثاني و هو أن يكون لي من ذاتي القبول لاقتداره و تأثيره في وجودي فما صدرت عن واحد و إنما صدرت عن ذات قادرة في شيء قابل لأثر اقتداره أو في مذهب أصحاب العلل عن حكم علة و قبول معلول فلم أدر للوحدة طعما في الوجود

فقد رمت أن أخلو بتوحيد خالقيفكان قبولي مانعا ما أرومه
فيا ليت شعري هل يقام بمشهدو يا ليت شعري هل أرى من يقيمه
لقد رمت أمرا لا سبيل لنيلهو يمنع عن تحصيل ذاك رسومه

أ لا تراه كيف نبه على إن الأمر جمع و أنه جامع بقوله وَ من كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ و علم إن نفسه شيء فخلق آدم على صورته فكان آدم زوجين ثم خلق منه حواء لا من غيره ليعلمه بأصل خلقه و من زوجه و من زوجه فما زاد بخلقه حواء منه على زوجيته بالصورة التي خلق عليها و تلك الصورة الزوجية أظهرت حواء فكانت أول مولد عن هذه الزوجية كما خلق آدم بيديه فكان عن زوجية يد الاقتدار و يد القبول و بهما ظهر آدم

و كان فردا فصار زوجاماج به في المخاض موجا
كان حضيضا بقاع طبعفصار بالنفخ فيه أوجأ
أقامني سيدا فجاءتوفوده لي فوجا ففوجا

فيا أيها الموحد أين تذهب و أنت توحد توحيدك يشهد بأنك أشركت إذ لا يثبت توحيد إلا من موحد و موحد فالجمع لا بد منه فالاشتراك لا بد منه فما استند المشرك إلا لركن قوي و لهذا كان ما له إلى الرحمة في دار تقتضي بذاتها الغضب حتى يظهر سلطان الرحمة الأقوى لأن دار النعيم معين قال الشاعر أحلى من الأمن عند الخائف الوجل فلا يعرف طعم الأمان ذوقا من هو فيه مصاحب له و إنما يعرف قدره من ورد عليه و هو في حال خوف فيجد طعمه لوروده و لهذا نعيم الجنة يتجدد مع الأنفاس كما هو نعيم الدنيا إلا أنه في الآخرة يحس به من يتجدد عليه و يشاهد خلق الأمثال فيه و في الدنيا لا يشاهد خلق الأمثال فيه و لا يحس به بل هو في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ فلذة أصحاب الجحيم عظيمة لمشاهدة الدار و حكم الأمان من حكمها فيه ليس العجب من ورد في بستان و إنما العجب من ورد في قعر النيران إبراهيمالخليل ع في وسط النار يتنعم و يلتذ و لو لم يكن ع إلا في حمايتها إياه من الوصول إليه فالأعداء يرونها في أعينهم نارا تأجج و هو يجدها بأمر الله إياها بَرْداً وَ سَلاماً عليه فأعداؤه ينظرون إليه و لا يقدرون على الهجوم عليه انظر إلى الجنة محفوفة بالمكاره و هل جعل الله ذلك إلا ليتضاعف النعيم على أهلها فإن نعيم النجاة و الفوز من أعظم النعم

فما خلق الإنسان إلا لينعماو ما أشهد الإنسان إلا ليعلما
بأن وجود الحق في الخلق مودعو هل كان هذا الوجود إلا تكرما
فينعم بالتعذيب فيها جماعةو لو لا شهود الضد ما كان مسلما

وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(الغني حضرة الغني و الإغناء)

ألا إنما المغني الغني لذاتهو ما كان فيه من جميل صفاته
فلو إن عين العبد كان بكونهلجلت معاليه لكثر هباته
و لكن عين الحق أفنت وجودهافلله ما يبديه من كلماته
أقول و قولي صادق غير كاذبلقد رمت أن أحظى لسر مناته
فيعبدني من كان بالحق عارفافأجزيه بالإحسان قبل وفاته

يدعى صاحبها عبد الغني و عبد المغني قال الله عز و جل فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و قال تعالى وَ أَنَّهُ هُوَ أَغْنىوَ أَقْنىو قال رسول الله ص من هذه الحضرة ليس الغني عن كثرة العرض لكن الغني غنى النفسترى التاجر عنده من المال ما يفي بعمره و عمر ألزامه لو عاش إلى انقضاء الدنيا و ما عنده في نفسه من الغني شيء بل هو من الفقر إلى غاية الحاجة بحيث أن يرد بماله موارد الهلاك في طلب سد الخلقة التي في نفسه عسى يستغني فما يستغي بل لا يزال في طلب الغني الذي هو غنى النفس و لا يشعر فاعلم إن أول درجة الغني القناعة و الاكتفاء بالموجود فلا غنى إلا غنى النفس و لا غنى إلا من أعطاه الله غنى النفس فليس الغني ما تراه من كثرة المال مع وجود طلب الزيادة من رب المال فالفقر حاكم عليه فالإنسان فقير بالذات لأنه ممكن و هو غني بالعرض لأنه غني بالصورة و ذلك أمر عرض له بالنسبة إليه و إن كان مقصودا للحق فللإنسان وجهان إذا كان كاملا وجه افتقار إلى الله و وجه غنى إلى العالم فيستقبل العالم بالغنى عنه و يستقبل ربه بالافتقار إليه و لهذين الوجهين قيل إنه لا يكون عند الله وجيها لأنه لا يكون عند الله أبدا إلا فقيرا ذليلا و يكون عند العالم وجيها أي غنيا عزيزا و أما الإنسان الحيوان الذي لا معرفة له بربه فهو فقير إلى العالم أبدا و إن كانت الغيرة الإلهية قد أزالت الافتقار إلى العالم من العالم بقولها يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ فمن ذاق طعم الغني عن العالم و هو يراه عالما لا بد من هذا الشرط فقد حصل على نصيب وافر من الغني الإلهي إلا أنه محجوب عن المقام الأرفع في حقه لأن العالم مشهود له و لهذا اتصف بالغنى عنه فلو كان الحق مشهوده و هو ناظر إلى العالم لاتصف بالفقر إلى الله و حاز المقام الأعلى في حقه و هو ملازمة الفقر إلى الله لأن في ذلك ملازمة ربه عز و جل و أما الاستغناء فإنه يؤذن بالقرب المفرط و هو حجاب كالبعد المفرط و من وقف على سر وجود العالم من حيث إيجاد الله إياه عرف ما أشرنا إليه فإذا كان العارف على قدر معلوم بين القرب و البعد حصل المطلوب و كان في ذلك الشرف التام للإنسان إذ كان الشرف لا يحصل إلا لأهل البرازخ الجامعين الطرفين قد علمنا إيمانا أن الله أقرب إلينا من حَبْلِ الْوَرِيدِ و لكن لا نبصره لهذا القرب المفرط و قد علمنا إيمانا أنه عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىفلا نبصره لهذا البعد المفرط عادة أيضا فمن شاهد الحق و رآه فإنما يشاهده في معينه من قوله وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ هذا حد رؤيته هنا و لا يشاهد متى شوهد إلا من هذا المقام و بهذه الصفة لا بد من ذلك فإذا أغناك فقد أبعدك في غاية القرب و إذا أفقرك فقد قربك في غاية البعد

فيا من قربه بعدو يا من بعده قرب
أقلني من هوى نفسيفإني الواله الصب
و إني هائم فيهقد استعبدني الحب
و لا مطلب لي إلاالذي يرضى به الحب
إذا أحببت محبوباله النخوة و العجب
فلا تعجب فلا تحجبفقلبي للهوى قلب

و من هذه الحضرة ظهر الغني في العالم الذي يحوي على الفقر و الخوف مع ما فيه من الزهو و الفخر أما ما فيه من الفقر فلطلب الزيادة و أما ما فيه من الخوف فهو الفزع من تلف ما بيده و الحوطة عليه و أما ما فيه من الزهو و الفخر فهو ما يشاهده من الطالبين رفده و سعى الناس في تحصيل مثل ما عنده فمن هو بين غنى و فقر كيف يفتخر فالفقر لا يتركه يفرح و الغني لا يتركه يحزن فقد تعرى بهذين الحكمين من هاتين الصفتينفأغنى الأغنياء من استغنى بالله عن الأغنياء بالله و لو لم يكن عنده قوت يومه مع أنه يحزن من جهة من كلفه الله النظر في تحصيل ما يقوم بهم و يقوتهم من أهله و ما يهتم بذلك إلا متشرع أديب عانق الأدب و عرف قدر ما شرع له من ذلك فإن طريق الأدباء طريق خفية لا يشعر بها إلا الراسخون في العلم المحققون بحقائق الفهم عن الله فكما إن الله ليس بغافل عما يحتاج إليه عباده كذلك أهل الله لا يغفلون عما قال لهم الحق احضروا معه و لا تغفلوا عنه فترى الكامل حريصا على طلب مئونة أهله فيتخيل المحجوب أن ذلك الحرص منه لضعف يقينه و كذلك في ادخاره و ليس ذلك منه إلا ليوفي الأدب حقه مع الله فيما حد له من الوقوف عنده فالعالم من لا يطفي نور علمه نور ورعه و لا يحول بينه و بين أدبه فمن تعدى حُدُودَ الله فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ و من ظلم نفسه كان لغيره أظلم أ لا ترى إلى ما في هذه الحضرة من العجب أن المشاهد غنى الحق الذي هو صفته في غنى العالم فلا يشهد إلا حقا و لا يكون القبول و الإقبال إلا على صفة حق كيف يعتب على ذلك من هو بهذه المثابة فقيل له أما من استغنى فأنت له تصدى و قد علم تعالى لما تصدى و لمن تصدى فإن الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ

فما تصدى لا بحقو لا تصدى إلا لحق
و ما أتاه لعتاب لالكونه ظاهرا بخلق
فمن تجلى بكل مجلىحاز بمجلاه كل أفق

فاحذر هذه الحضرة فإن فيها مكرا خفيا و استدراجا لطيفا فإن الغني معظم في العموم حيث ظهر و فيمن ظهر و الخصوص ما لهم نظر إلا في الفقر فإنه شرفهم فلا يبرحون في شهود دائم مع الله وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و ما راعى الحق في عتبة لرسوله ص إلا جهل من جهل من الحاضرين أو من يبلغه ذلك من الناس بمن تصدى له رسول الله ص فلو عرفوا الأمر الذي تصدى له رسول الله ص ما عاتبه و لا كان يصدر منهم ما صدر من الأنفة من مجالسته ص الأعبد فهل هذا إلا من ذهولهم عن عبوديتهم للذي اتخذوه إلها و ما تلهى رسول الله ص عن الأعمى إلا لحبه في الفال و ما جاء الله تعالى بالأعمى إلا لبيان حال مخبر رسول الله ص بعمي هؤلاء الرؤساء و علم بذلك رسول الله ص و لكن وقف مع حرصه على إيمانهم و الوفاء بالتبليغ الذي أمره الله به و لأن صفة الفقر صفة نفس المخلوق و قد علم ص أنه الدليل فإن الدليل لا يجتمع هو و المدلول و هو دليل على غنى الحق و قد تجلى في صورة هؤلاء الرؤساء فلا بد من قوع الأعراض عن الأعمى و الإقبال على أولئك الأغنياء و مع هذا كله وقع العتاب جبرا للأعمى و تعريفا بجهل أولئك الأغنياء فجبر الله قلب الأعمى و أنزل الأغنياء عما كان في نفوسهم من طلب العلو في الأرض فانكسروا لذلك و نزلوا عن كبريائهم بقدر ما حصل في نفوسهم من ذلك العتاب الإلهي و هذا القدر كاف

(المعطي المانع حضرة العطاء و المنع)

حضرة المنع و العطاءحضرة ما لها غطا
فانظر المنع يا أخيتجده عين العطا
فإذا كنت هكذاكنت في الحكم مقسطا
و إذا لم تكن كذاكنت في حكم من سطا
لا تكن كالذي مضىفي هواه و فرطا

فمن علم إن الله هو المعطي لم يشكر غيره إلا بأمره قال تعالى أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ

إذا ما قلت تعطيفقد أعطيت لم تعطي
فلا نكذب و لا تجحدفإنك لم تزل تعطي
فلا نكفر و قم و اشكرلمن أعطى الذي أعطى
متى ما لم يقل هذاعبيد الله قد أخطأ

يقال لصاحبها عبد المعطي و قال تعالى ما يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ من رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها

إذا أعطى فلا مانعو إن يمنع فلا معطي
فيا نفسي بجود اللهمهما جنته حطي
و أسرع عند ما يدعوكللإتيان لا تبطئ
و لا تفزع إلى أمرأتى بالغت و الغط
فتفرق منه لا تفعلفإن الجد في الحط
و كن بالحق مربوطافإن الخير في الربط
و لا تضبط على أمرفإن البحل في الضبط
و كن للشرط مطلوبافلا تقعد عن الشرط
و كن خطأ و لا تبرحمع الرحمن في الخط
و لا تركن إلى سطحو لا تنظره في النقط
تكن بالحق موصوفابلا قرب و لا شحط
و لا تعرفه في قبضو لا تجهله في البسط
و إن عاينته بحرافلا تبرح من الشط
و قل يا منتهى سرىلقد وفيتني قسطي
إذا أنزلت أزواجابدخ العود بالقط
عسى يأتيك ما تهويمن الأخبار في القسط

يدعى صاحبها أيضا بوجه عبد المانع قال الله تعالى وَ ما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ من بَعْدِهِاعلم أن حضرة المنع أنت فإن الجود الإلهي مطلق فالمنع عدم القبول لأنه لا يلائم المزاج فلا يقبله الطبع و لا تخلو عن قبول فقد قبلت من العطاء ما أعطاه استعدادك فإن تألمت بما حصل لك فما كان إلا قبولك و إن تنعمت فما كان إلا قبولك و من قبل المفيض المعطي لا ألم و لا نعيم بل وجود جود صرف خالص محض فإن قلت قد وصف نفسه بالإمساك و هو المنع لا غير قلنا لما وصف نفسه بالإمساك في تلك الحال هل بقيت بلا أعطية فإنه يقول لا بل كنت على أعطية من الله فإن الجود الإلهي يأبى ذلك فلهذا لم تقبل لما في المحل مما قبلت فإن قلت فقد منع ما تعلق به غرضي حين إمساكه عني كما يمسك المطر قلنا ما أمسك شيئا عن إرساله إلا و إمساكه عطاء من وجه لا يعرفه صاحب ذلك الغرض فقد أعطاه الغرض و أمسك عنه الغيث ليستسقيه فيقام في عبادة ذاتية من افتقار فأعطاه ما هو الأولى به و هذا عطاء الكرم فلا تنطر إلى جهلك و راقب علمه بالمصالح فيك فتعرف إن إمساكه عطاء فمن مسكه عطاء كيف تنظره مانعا و لا تنظره معطيا و ما تسمى بالمانع إلا لكونك جعلته مانعا حيث لم تنل منه غرضك فما منع إلا لمصلحة فإن قلت فالجاهل به قد منعه العلم به قلنا هنا غلط كبير فإن العلم بالله محال فلم يبق العلم به إلا الجهل به و هذا علم العلماء بالله و ما عدا هؤلاء من أصحاب النظر فكل واحد منهم بزعم أنه قد علم ربه و ما هو إلا علم ربه فما منهم من يقول إن الله منعني العلم به بل هو فارح مسرور بعقيدته و إنه عند نفسه عالم بربه و كذلك هو فذلك حظه من علمه بربه فما في الوجود من هو ممنوع العلم بالله لا الجاهل به و لا العالم كل قد علم صلاته و تسبيحه يعلم لمن يصلي و من يسبح فما ثم من يقول إن الله ما وهبني العلم به إلا أنه يطلب الزيادة و لا يكون ذلك منعا فإن الحال لا يعطي إلا المزيد لكون استحالة ما لا يتناهى أن يدخل في الوجود و مريد العلم بالله لا يتناهى فهو في كل نفس يهب من العلم به ما يشعر به و ما لا يشعر به يقول إن الله أبقى على ذلك العلم به الذي كان عندي فلا يزال التكوين دائما لا ينقطع فهو لكل ما لم يحصل في الوجود مانع عند هذا الشخص حيث يرى الإمكان في تحصيله في الزمان الذي لم يحصل له و ما ذاك إلا لجهله بالأمر فإن الأمور لا تنظر من حيث إمكانها فقط بل تنظر من حيث إمكانها و من حيث اقتضاه علم المرجح فيها من التقدم و التأخر و ما في الوجود فراغ إذ لو كان ثم فراغ لصح المنع حقيقة فما ثم الا عطاء في عين منع و منع في عين عطاء وَ ما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً

من منعه عطافذاك الجواد
و كشفه غطافإنه المراد
و ذاته وطاءو ليس بالمهاد
فلا يريد شيئانعم و لا يراد
و الأمر مستمريجري على السداد
صراطه قويميهدي إلى الرشاد

فحضرة المنع تعطي المنع بعطاء العين فالمنع تبع فإن المحل إذا كان في اللون أبيض فقد أعطاه البياض و عين إعطاء البياض منع ما يضاده من الألوان لكن ليس متعلق الإرادة إلا إيجاد عين البياض فامتنع ضده بحكم التبع و هكذا كل ضد في العين

فالنفي أصل في كل كونو ذلك المنع إن عقلتا
و ما له في الوجود حظفما حرمت و ما منعتا
أحكام سلب قامت بعينمن غير عين إذا نسبتا
مثل العزيز الغني فاعلمفإنك الحبر إن علمتا

(الضار حضرة الضرر)

إذا كان إضراري و ضري بمؤنسيفلا زال ضري مؤنسي و مصاحبي
لقد أنست نفسي به حين جاءنيفلله من خل و في و صاحب
أسير به تيها و عجبا و نخوةلذلك قد هانت على مطالبي
يطالبني في كل وقت بدينهففزت به إذ كان حبي مطالبي
و لما وسعت الكل ضاقت برحبهاعلى نواحي الأرض من كل جانب

يدعى صاحبها عبد الضار فهو و الإنسان الكامل ضرتان لأنه ما نازعه أحد في سورته إلا من أوجده على صورته فأول ضار كان هو حيث ضر نفسه و لهذا لم يدع أحد الألوهة ممن ادعيت فيه إلا الإنسان و هذا ضرر معنوي بين الصورتين وَ ما رَمَيْتَ فضره إِذْ رَمَيْتَ فتضرر فإن نفا أضر بصاحبه و إن أثبت أضر بنفسه و لا بد من نفي و إثبات فلا بد من الضرر فهو الضار للصورتين لاحدية الصورة فإنه إذا نزل فيها أحدهما ارتحل الآخر حكما فإن ظلم نفسه أضر بها و إن ظلم لنفسه أضر بمثله و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ إلا هو و هذه حضرة سرها دقيق لأنها بين الحق و الإنسان الكامل فكل ضرر في الكون فليس إلا منع الغرض أن يكون و هو عرض بالنظر إلى هذا الأصل و هو محقق في هذه العين قد نبه الشارع على إن الأولى و الآخرة ضرتان إن أسخطت الواحدة أرضيت الأخرى و الذات الأولى معلومة و الذات الأخرى أيضا معلومة وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ فإنها عين كونك من الأولى لأنها تفنيك بظهورها و تردك إلى حكم العدم و الآخرة لا تفني الأولى و لكن تندرج الأولى فيها إذا كان الظهور للآخرة فالأولى لا تمييز فيها فتجمع بين الضدين و الآخرة ليست كذلك فبهذا تميزت عن الأولى فَرِيقٌ في الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ في السَّعِيرِ فيلتذ المعذب بالعذاب القائم به في الدنيا لأنه على صورة الأولى في الجمع بين الضدين و في الآخرة ما له هذا الحكم فَرِيقٌ في الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ في السَّعِيرِ وَ امْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ فأنت الآخرة فعينك خير لك فإنك لا التذاذ لك إلا بوجودك فما يلتذ شيء بشيء إلا بما يقوم به و كذلك لا يتألم إلا بما يقوم به

فحضرة النفع حضرة الضررفي كل عين عين من البشر
لو رفع الضر لم يكن بشرو لا بدا الاشتراك في الصور

فالبعل هو الذي يعطي كل ضرة حقها من نفسه و إن أضر ذلك الحق بالأخرى فلعدم إنصافها في ذلك و ليس البعل هنا بين الصورتين إلا ما قررناه من حقيقة الحقائق المعقولة التي لها الحدوث في الحادث و القدم في القديم و يظهر ذلك بالاشتراك في الأسماء فسماك بما سمى به نفسه و ما سماك و لكن الحقيقة الكلية جمعت بين الحق و الخلق فأنت العالم و هو العالم لكن أنت حادث فنسبة العلم إليك حادثة و هو قديم فنسبة العلم إليه قديم و العلم واحد في عينه و قد اتصف بصفة من كان نعتا له فافهم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(النافع حضرة النفع)

إني انتفعت بمن تأتي منائحهفقرا إلي به و النافع الله
لو لا وجودي و لو سر حكمتهما قلت في كل شيء جاءني ما هو
لله قوم إذا حلوا بساحتهو في مساحته بربهم تاهوا
أفناهم عنهم كوني و طالبهمأغناهم عن وجودي المال و الجاه
و الله لو لا وجود الحق في خلديما كنت أرقبه لولاه لولاه

يدعى صاحبها عبد النافع هذه الحضرة قد يكون نفعها عين إزالة الضرر خاصة و قد يكون نفعها بأمر زائد على إزالة الضرر و تحقيق الأمر في النفع وصول صاحب الغرض إلى نيل غرضه و الغرض إرادة فالغرض لا متعلق له أبدا إلا بالمعدوم حكما أو عينا أما قولي حكما من أجل تعلق الغرض بإعدام أمر ما و هو إلحاق ذلك الأمر الوجودي بالعدم فحكم الإعدام فيه في حال وجوده غير محكوم عليه به فإذا حكم عليه به فلا يحكم عليه به حتى يلحق ذلك الأمر الوجودي بالعدم فلهذا قلنا حكما فإن تعلق الغرض بإيجاد أمر ما فإن المراد معدوم بلا شك عينا فإذا وجد زال الغرض بالإيجاد و تعلق بدوام ذلك الموجود إن كان مرادا له فالفرار من كل أمر مهلك نفع عند الخائف لينجو مما يحذر منه و يخاف فإذا وقع النفع و هو عين النجاة و الفوز تفرغ المحل منه و قامت به أغراض في إيجاد ما يكون له بوجوده منفعة أي شيء كان فتعطيه إياه هذه الحضرة

حضرة النفع حضرة الجودليلة الصفح بالمنى عودي
فنعيم المحب ليس سوىما يراه من كل مشهود
رؤية تنعم النفوس بهاكان حدا أو غير محدود

وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(النور حضرة النور)

النور نوران نور العلم و العملو نور موجدنا الموصوف بالأزل
طلبت شخصا عسى أحظى برؤيتهمن حضرتي صاعد العلة العلل
و لم أعرج على كون أمر بهحبا و لا كان ذاك الكون في أملي
حتى مررت بشخص لست أعرفهفلم يزل مؤنسي فيه و لم يزل
فقلت ما ذا فقالوا الحق قلت لهمهذا الذي كنت أبغيه مع النحل

يدعى صاحبها عبد النور قال الله تعالى الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و قال في معرض الامتنان وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ و ما يمشي إلا بنفسه فعين نفسه قد يكون عين نوره و ليس وجوده سوى الوجود الحق و هو النور فهو يمشي في الناس بربه و هم لا يشعرون كما قال إذا أحب الله عبدا كان سمعه الذي يسمع بهو ذكر في هذا الخبر جميع قواه و أعضائهإلى أن قال و رجله التي يسعى بها و ما مشى في الناس إلا برجله في حال مشيه بربه فهو الحق ليس غيره فأزال بنوره ظلمة الكون الحادث فإنه ما حدث شيء لأن عين الممكن ما زال في شيئية ثبوته ما له وجود و إنما ذلك حكم عينه في الوجود الحق فقال تعالى لنبيه ص قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ فهو قوله فيمن لا يعلم كَمَنْ مَثَلُهُ في الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها و هو ما بقي من الممكنات في شيئية ثبوتها لا حكم لها في الوجود الحق و لا بد أن يبقى منها ما لا حكم له في الوجود الحق لأن الأمر لا نهاية فيه فلا يفرغ فكل عين ظهر لها حكم في الوجود الحق فإن ثم عينا ما ظهر لها حكم في الوجود الحق فهي في الظلمات حتى تظهر فيبقى غيرها كذلك من لا يعلم حتى يعلم فيلحق بأصحاب النور و لا بد أن يبقى من لا يعلم فنور الوجود ينفر ظلمة العدم و نور العلم ينفر ظلمة الجهلثم لتعلم إن الأنوار و إن اجتمعت في الإضاءة و التنفير فإن لها درجات في الفضيلة كما إن لها أعيانا محسوسة كنور الشمس و القمر و النجم و السراج و النار و البرق و كل نور محسوس أو منور و أعيانا معقولة كنور العلم و نور الكشف و هذه أنوار البصائر و الأبصار و هذه الأنوار المحسوسة و المعنوية على طبقات يفضل بعضها بعضا فنقول عالم و اعلم و مدرك و أدرك كما تقول في المحسوس نير و أنور أين نور الشمس من نور السراج كما أيضا يتفاضلون في الإحراق فإن الإضاءة محرقة مذهبة على قدر قوة النور و ضعفه و قد ورد حديث السبحات المحرقة و السبحات الأنوار الوجهية هنا نقول إنه بالحجب قيل هذا العالم فإذا ارتفعت الحجب لاحت سبحات الوجه فذهب اسم العالم و قيل هذا هو الحق و هذا لا يرتفع عموما فلا يرتفع اسم العالم لكن قد يرتفع خصوصا في حق قوم و لكن لا يرتفع دائما في البشر لما هو عليه من جمعية الوجود و ما ارتفع إلا في حق العالين و هم المهيمون الكروبيون و هذا يكون في البشر في أوقات

إذا كان عين العبد فالعبد باطنو إن كان سمع الحق فالحق سامع
فما الأمر إلا بين فرض و نفلةو أنت و عين الحق للكل جامع
فحق و خلق لا يزال مؤبدافمعط وجود العين وقتا و مانع
إذا كان عين العبد فالليل حالكو إن كان عين الحق فالنور ساطع
فما أنت إلا بين شرق و مغربفشمسك في غرب و بدرك طالع

و أما النور الذي على النور فهو النور المجعول على النور الذاتي فالنور على النور هو قوله نُورٌ عَلىنُورٍ يَهْدِي الله لِنُورِهِ من يَشاءُ و هو أحد النورين و النور الواحد من النورين مجعول بجعل الله على النور الآخر فهو حاكم عليه و النور المجعول عليه هذا النور متلبس به مندرج فيه فلا حكم إلا للنور المجعول و هو الظاهر و هذا حكم نور الشرع على نور العقل

فليس له سوى التسليم فيهو ليس له سوى ما يصطفيه
فإن أولته لم تحظ منهبعلم في القيامة ترتضيه

فتحشر في ظلمة جهلك ما لك نور تمشي به و لا يسعى بين يديك فترى أين تضع قدميك وَ من لَمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَما لَهُ من نُورٍ وَ لكِنْ جَعَلْناهُ يعني الشرع الموحى به نُوراً نَهْدِي به من نَشاءُ من عِبادِنا و هو قوله وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي به في النَّاسِ جعلنا الله من أهل الأنوار المجعولة آمين

(الهادي حضرة الهدى و الهدى)

حضرة الهدى و الهدىحضرة كلها هدى
تركتني بنورهاحالك اللون أسودا
و هو فخري و مذهبيإن أراني مسودا
لست أبغي من سيديترك حالي كذا سدى
ما لنا المدة التيتنقضي بل لنا ابتدا
أنا للكل إذ بدانور عيني لما بدا
لم ينلها سوى الذيكان حقا موحدا
فإذا ما انتهى بهأمره فيه ألحدا

يدعى صاحبها عبد الهادي قال الله تعالى لنبيه ص لما ذكر له الأنبياء ع أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و هدى الأنبياء ع هو ما كانوا عليه من الأمور المقربة إلى الله و في الدعاء المأثور سؤاله ص هدى الأنبياء و عيشة السعداء و هُدَى الله هُوَ الْهُدىأي بيان الله هو البيان و ما لله لسان بيان فينا إلا ما جاءت به الرسل من عند الله فبيان الله هو البيان لا ما يبينه العقل ببرهانه في زعمه و ليس البيان إلا ما لا يتطرق إليه الاحتمال و ذلك لا يكون إلا بالكشف الصحيح أو الخبر الصريح فمن حكم عقله و نظره و برهانه على شرعه فما نصح نفسه و ما أعظم ما تكون حسرته في الدار الآخرة إذا انكشف الغطاء و رأى محسوسا ما كان تأوله معنى فحرمه الله لذة العلم به في الدار الآخرة بل تتضاعف حسرته و ألمه فإنه يشهد هنالك جهله الذي حكم عليه في الدنيا بصرف ذلك الظاهر إلى المعنى و نفى ما دل عليه بظاهره فحسرة الجهل أعظم الحسرات لأنه ينكشف له في الموضع الذي لا يحمد فيه و لا يعود عليه منه لذة يلتذ بها بل هو كمن يعلم أن بلاء واقع به فهو يتألم بهذا العلم غاية التألم فما كل علم تقع عنده لذة و لا يقوم بصاحبه التذاذ فحضرة الهدى تعطي التوفيق و هو الأخذ و المشي بهدى الأنبياء و تعطي البيان و هو شرح ما جاء به الحق عن كشف لا عن تأويل فيفرق بين ضرب الأمثال فإنها محل التأويل إذ الأمثال لا تراد لعينها و إن كان لها وجود و إنما تراد لغيرها فهي موضوعة للتأويل و لا تضرب إلا لعالم بها فإن المقصود منه حصول العلم في من ضربت في حقه فينزل المضروب عليه المثل منزلة المثل للنسبة لا بد من ذلك فلا بد للمثل به أن يكون له وجود في الذهن فاعلم ذلك

فهدى الحق هدى الأنبياءو ذاك هو الطريق المستقيم
عليه الرب و الأكوان طرافما في الكون إلا مستقيم
فشخص جاهل فظ غليظو شخص عالم ليث رحيم

و كل لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و ليس المطلوب إلا السعادة و لا سعادة أعظم من الفوز و النجاة مما يؤدي إلى نقص الجد و لو كنت بهملتذا و إن ذوقك الحسرة لما يفوتك هنا تجدها و في القيامة و أما في الجنة فيذهب الله بها عنك و لكن تعلم من هو أعلى منك قدر ما فاتك و ترزق أنت القناعة بحالك و ما أنت فيه و الرضاء فلا أدنى همة ممن يعلم أن هناك مثل هذا و لا يرغب في تحصيل العالي من الدرجات هذا رسول الله ص قد سأل أمته أن يسألوا الله له في الوسيلة طلبا للأعلى لعلو همتهأ لا تراه عند موته ص كيف قال لما خير الرفيق الأعلىفقيده بالأعلى و إن علم المحروم في الجنة ما فاته فلا يكترث له لعدم ذوقه و كل من تعلقت همته في الدنيا بطلب الأعلى و لم يحصل ذلك ذوقا في الدنيا و لا كشف له فيه فإنه يوم القيامة يناله و لا بد و يكون فيه كالذائق له هنا لا فرق و ما بين الشخصين إلا ما عجل له هنا من ذلك فالمحروم كل المحروم من لا يعلق همته هنا بتحصيل المعالي من الأمور و لكن لا بد مع التمني من بذل المجهود و أما إن تمنى مع الكسل و التثبط فما هو ذلك الذي أشرنا إليه

حضرة الهدى و الهدىتركت أمرنا سدى
قالت الأمر كلهلآله تفردا
ليس المجد عزةو امتناعا و سؤددا
بوجودي من جودهفي وجودي توحدا
و بعيني و كونهقد بدا منه ما بدا
فبه كنت لم أكنبكيانى موحدا
فإذا ما تمجدافبكوني تمجدا

فإنه لا يحمد و لا يمجد إلا بأسمائه و لا تعقل مدلولات أسمائه إلا بنا فلو زلنا نحن ذهنا و وجودا لما كان ثم ثناء و لا مثن و لا مثنى عليه فبي و به كان الأمر و كمل و مع هذا فهو غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ إذا لم يطلب كمال الأمر فهو الكامل لنفسه و عينه و كونه لأنه واجب الوجود لنفسه لا تعلق له بالعالم لذاته و إنما كان التعلق من حيث أعيان الممكنات لأنها تطلب نسبا تظهر بها عينها و ما ثم موجود تستند إليه هذه النسب إلا واحد و هو الله الواجب الوجود لنفسه تعالى فافتقرت إليه إضافات النسب و افتقرت الممكنات إلى النسب فافتقرت إليه فهي أشد فقرا من النسب فصح غناه عن العالم لذاته و عينهو لذلك تقول في التقسيم العقلي إن الوجود طلب الكمال و المعرفة طلبت الكمال و لم تجد من بيده مطلوبها إلا الحق سبحانه فافتقرت إليه في ذلك فأوجد الحادث الذي هو عين الممكن فكمل الوجود أي كمل أقسام الوجود في العقل و كذلك تعرف إلى العالم فعرفوه بمعرفة حادثة فكملت المعرفة به في التقسيم العقلي و كل معرفة و علم بقدر العالم و العارف إلا أنه في الجملة لم يبق كمال إلا ظهر فيه بإحسان الله و رحمته بالسائل في ذلك و لما ظهر العالم من البر الرحيم لم يعرف غير الإحسان و الرحمة فهو على صورة الإحسان و الرحمة فهو مفطور على أن لا يكون منه إلا إحسان و رحمة و لكن بقي متعلقها فيرحم و يحسن لنفسه أولا و لا يبالي كان في ذلك إحسان للغير أو لم يكن فإن الأصل على هذا خرج حيث أحب أن يعرف فخلق الخلق فتعرف إليهم فعرفوه و قد علم إن منهم من يتألم و لكن ما راعى إلا العلم به لا من يتألم منهم فالنعيم وجود و العذاب فقد ذلك النعيم لا أنه أمر وجودي فالعالم كله بر رحيم بنفسه لا بد من ذلك فإنه من الجود صدر

ليس في العالم إلامن هو البر الرحيم
فإذا ما كنت عبدافنعيمه المقيم
و إذا ما كنت ربافعذابه الأليم
و صراطي بين هذينصراط مستقيم
ذاك هدى الأنبياءو هدى الله القويم
فنعيمه وجودو عذابه عديم
فانظروا فيما ذكرنافهو العليم الحكيم

فالهدى التبياني ابتلاء و هو قوله تعالى وَ ما كانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ و قوله ص ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدلو قوله تعالى وَ أَضَلَّهُ الله عَلىعِلْمٍ و الهدى التوفيقي و هو الذي يعطي السعادة لمن قام به و هو قوله إِنَّكَ لا تَهْدِي من أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ الله يَهْدِي من يَشاءُ و قوله لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ و هذا هو هدى الأنبياء فالهدى التوفيقي هدى الأنبياء ع فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و هو الذي يعطي سعادة العباد وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ و الهدى بمعنى البيان قد يعطي السعادة و قد لا يعطيها إلا أنه يعطي العلم و لا بد فاعلم ذلك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(البديع حضرة الإبداع)

حضرة الإبداع لا مثل لهافتعالت حيث عزت إن تنال
كلما قلت لها هادي مني فاحذر الرمي بها قبل الزوال
فأجابتني جوابا شافياليس هذا من مقالات الرجال
إنما الله إله واحدذو كمال لجمال و جلال
كلما نطقني الذكر بهقلت ما ذا قال لي السحر الحلال

يدعى صاحبها عبد البديع قال تعالى بَدِيعُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و هو ما علا و ما سفل و أنت المميز للعالي و السافل لأنك صاحب الجهات فهو بديع كل شيء و ليس الإبداع سوى الوجه الخاص الذي له في كل شيء و به يمتاز عن سائر الأشياء فهو على غير مثال وجودي إلا أنه على مثال نفسه و عينه من حيث إنه ما ظهر عينه في الوجود إلا بحكم عينه في الثبوت من غير زيادة و لا نقصان فمن جعل العلم تصور المعلوم فلا بد للمعلوم من صورة في نفس العالمو أما نحن فلا نقول إن العلم تصور المعلوم على ما قاله صاحب هذا النظر و إنما العلم درك ذات المطلوب على ما هي عليه في نفسه وجودا كان أو عدما و نفيا أو إثباتا و إحالة أو جواز أو وجوبا ليس غير ذلك و إنما يتصور العالم المعلوم إذا كان العالم ممن له خيال و تخيل و ما كل عالم يتصور و لا كل معلوم يتصور إلا إن الخيال له قوة و سلطان فيعم جميع المعلومات و بحكم عليها و يجسدها كلها و هو من الضعف بحيث لا يستطيع أن ينقل المحسوس إلى المعنى كما ينقل المعنى إلى الصورة الحسية و من ضعفه أنه لا يستقل بنفسه فلا بد أن يكون حكمه بين اثنين بين متخيل اسم مفعول و متخيل اسم فاعل معا فالابتداع على الحقيقة إنشاء ما لا مثل له بالمجموع و بهذا قال الله تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها فمجموع ما ابتدعوه من العبادة ما كان الحق شرع ذلك لهم فلا بديع من المخلوقات إلا من له تخيل و قد يبتدع المعاني و لا بد أن تنزل في صورة مادية و هي الألفاظ التي بها يعبر عنها فيقال قد اخترع فلان معنى لم يسبق إليه و كذلك أرباب الهندسة لهم في الإبداع اليد الطولى و لا يشترط في المبتدع أنه لا مثل له على الإطلاق إنما يشترط فيه أنه لا مثل له عند من ابتدعه و لو جاء بمثله خلق كثير كل واحد منهم قد اخترع ذلك الأمر في نفسه ثم أظهره فهو مبتدع بلا شك و إن كان له مثل و لكن عند هذا الذي ابتدعه لا سبيل إلا ابتداع الحق تعالى فإنه قال عن نفسه إنه بديع أي خلق ما لا مثل له في مرتبة من مراتب الوجود لأنه عالم بطريق الإحاطة بكل ما دخل في كل مرتبة من مراتب الوجود و لذلك قال في خلقة الإنسان لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً لأن الذكر له تعالى و هو للمذكور منا مرتبة من مراتب الوجود بخلاف المعلوم و مراتب الوجود أربعة عيني و ذهني و رقمى و لفظي فالعيني معلوم و اللفظي راجع إلى قول القائل في ذكره ما ذكره فللشيء وجود في ذكر من ذكره فلم يكن الإنسان شيئا مذكورا فحدث الإنسان لما حدث ذكره مثل قوله ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فوصف الذكر بالحدوث و إن كان كلامه قديما و لكن الذكر هنا هو التكلم به لا عين الكلام فالكلام موصوف بالقدم لأنه راجع إلى ذات المتكلم إذا أردت كلام الله و المتكلم به ما هو عين الكلام و قد يكون المتكلم به معنى و قد يكون غير معنى ثم إنه ذلك المعنى قد يكون قديما و قد يكون حادثا فالمتكلم به أيضا لا يلزم قدمه و لا حدوثه إلا من حيث إسماع المخاطب فإنه سمع أمرا لم يكن سمعه قبل ذلك فقد حدث عنده كما حدث الضيف عند صاحب المنزل و إن كان موجودا قبل ذلك و لكن في مثل هذا تجوز و هو قولك حدث عندنا اليوم ضيف و أنت تريد عين الشخص و ما حدث الشخص و إنما حدث كونه ضيفا عندك و ضيفيته عندك لا شك أنها حدثت لأنها لم تكن قبل قدومه عليك فعلى الحقيقة إتيان الذكر على من أتى عليه هو حادث بلا شك لأن ذلك الإتيان الخاص لم يكن موصوفا بالوجود و إن كان الآتي أقدم من إتيانه لا من حيث إتيانه بل من حيث عينه فأصل كل ما سوى الله مبتدع و الله هو الذي ابتدعه و لكن من الأشياء ما لها أمثال و منها ما ليس لها أمثال أعني وجودية هكذا بحكم العين لا الوجود في نفسه فما في الوجود إلا مبتدع و في الشهود أمثال و العلم يقتضي الوجه الخاص في كل موجود و معلوم حتى يتميز به عن غيره فكله مبتدع و إنوقع الاشتراك في التعبير عنه كما تقول في الحركة تقول إنها حركة في كل متحرك فيتخيل أنها أمثال و ليست على الحقيقة أمثال لأن الحركة من حيث عينها واحدة أي حقيقة واحدة حكمها في كل متحرك فهي عينها في كل متحرك بذاتها فلا مثل لها فهي مبتدعة مهما ظهر حكمها و هكذا جميع المعاني التي توجب الأحكام من أكوان و ألوان فافهم فإن لم تعرف كون الحق بديعا على ما ذكرته لك فما هو بديع من جميع الوجوه لأن الجوهر القابل جوهر واحد من حيث حده و حقيقته و لا تتعدد حقيقته بالكثرة و المعنى الموجب لها حكما ما لا يتعدد من حيث حقيقته فهو بحقيقته في كل محكوم عليه بحكمه فما ثم مثل فالبياض في كل أبيض و الحركة في كل متحرك فافهم ذلك فكل ما في الوجود مبتدع لله فهو البديع و انظر في قوله تعالى تجده ينبه على هذا الحكم أعني حكم الابتداع وَ نُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ من باب الإشارة أي لا يعلم له مثال و ما ثم إلا العالم و هو المخاطب بهذا و هو كل ما سوى الله فعلمنا إن الله ينشئ كل منشئ فيما لا يعلم إلا إن أعلمه الله وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولىفَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ أنها كانت على غير مثال سبق كما هو الأمر في نفسه و كذلك قوله كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ و بدأنا على غير مثال فيعيدنا على غير مثال فإن الصورة لا تشبه الصورة و لا المزاج المزاج و قد وردت الأخبار الإلهية بذلك على ألسنة الأنبياء ع و هم الرسلو هذا يدلك على إن العالم ما هو عين الحق و إنما هو ما ظهر في الوجود الحق إذ لو كان عين الحق ما صح كونه بديعا كما تحدث صورة المرئي في المرآة ينظر الناظر فيها فهو بذلك النظر كأنه أبدعها مع كونه لا تعمل له في أسبابها و لا يدري ما يحدث فيها و لكن بمجرد النظر في المرآة ظهرت صور هذا أعطاه الحال فما لك في ذلك من التعمل إلا قصدك النظر في المرآة و نظرك فيها مثل قوله إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ و هو قصدك النظر أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ و هو بمنزلة النظر فَيَكُونُ و هو بمنزلة الصورة التي تدركها عند نظرك في المرآة ثم إن تلك الصورة ما هي عينك لحكم صفة المرآة فيها من الكبر و الصغر و الطول و العرض و لا حكم لصورة المرآة فيك فما هي عينك و لا عين ما ظهر ممن ليست أنت من الموجودات الموازية لنظرك في المرآة و لا تلك الصورة غيرك لما لك فيها من الحكم فإنك لا تشك إنك رأيت وجهك و رأيت كل ما في وجهك ظهر لك بنظرك في المرآة من حيث عين ذلك لا من حيث ما طرأ عليه من صفة المرآة فما هو المرئي غيرك و لا عينك كذلك الأمر في وجود العالم و الحق أي شيء جعلت مرآة أعني حضرة الأعيان الثابتة أو وجود الحق فأما أن تكون الأعيان الثابتة لله مظاهر فهو حكم المرآة في صورة الرائي فهو عينه و هو الموصوف بحكم المرآة فهو الظاهر في المظاهر بصورة المظاهر أو يكون الوجود الحق هو عين المرآة فترى الأعيان الثابتة من وجود الحق ما يقابلها منه فترى صورتها في تلك المرآة و يتراءى بعضها لبعض و لا ترى ما ترى من حيث ما هي المرآة عليه و إنما ترى ما ترى من حيث ما هي عليه من غير زيادة و لا نقصان كما لا يشك الناظر وجهه في المرآة إن وجهه رأى و بما للمرآة في ذلك من الحكم يعلم أن وجهه ما رأى فهكذا الأمر فانسب بعد ذلك ما شئت كيف شئت

فالكل مبتدع في عين موجدةو الحق مبتدع لما بدا فظهر
فالعين ثابتة و الذات ثابتةو كون إبداعه لما أتى فنظر
فما بدت صور إلا لها صورمنها و منه فبالمجموع كان أثر

(الوارث حضرة الورث)

أنا وارث و الحق وارث ما عنديمن الحب و الشوق المبرح و الود
عهدت الذي قد همت فيه و إننيمقيم على ما تعلمون من العهد
إذا ما تراءى البرق من جانب الحيو قد زادني مسراه وجدا إلى وجد
أقول له أهلا و سهلا و مرحبابمن قد أنى من غير قصد و لا وعد
فيذهب بالأبصار عند خفوقهفيا ليت شعري من يقوم له بعدي

يدعى صاحبها عبد الوارث قال الله تعالى إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها فورثها ليورثها من يَشاءُ من عِبادِهِفهو في هذه المسألة كالموصي فهو مورث لا وارث و ما هو وارث إلا إذا مات من عليها فإنه قد وقعت الفرقة بين المالك و المملوك فهو الوارث لهما فهو قوله إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَ من عَلَيْها و لم يقل و من فيها لأن الميت من حيث جسمه فيها لا عليها فإذا نزهت الحق عن خلقه الأشياء لنفسه و إنما خلقها بعضها لبعضها فقد فارقها من هذا الوجه و فارقته و تميز عنها و تميزت عنه فراقا ما فيه اجتماع فأنت وارث و الحق موروث منه و هو قوله يُورِثُها من يَشاءُ من عِبادِهِ و هو الذي أطلعه الله على هذا العلم الذي فرق به بين الخالق و المخلوق فخلق الخلق للخلق لا لنفسه فإن المنافع إنما تعود من الخلق على الخلق و الله هو النافع الموجد للمنافع و إن كان خلقنا لنعبده فمعناه لنعلم أنا عبيد له فإنا في حال عدمنا لا نعلم ذلك لأنه ما ثم وجود يعلم فهو سبحانه الحي الذي لا يموت مع أنه يتميز عن خلقه بما هو عليه من صفات الجلال و الكبرياء الذي لا نعقله إلا منا فما نعلم الإجلال الحادثات و كبريائها لا غير و لا تنسب إليه ما نحن عليه مما حمده الحق أو ذمه فينا فإن ذلك كله محدث و المحدثات لا نصفه بها و إنما نصفه بإيجادها و ما أوجده لا يقوم به فالكبرياء و الجلال الذي ننسبه إليه غير معلوم لنا فإنه لا يقبل جلالنا و لا كبرياءنا و جميع ما نحن عليه من الصفات وصف نفسه بها ثم نزه نفسه عنها فقال سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ و هي المنع عما يصفون فأخذنا هذه الصفات التي كنا نصفه بها بعد تنزيهه عنها بحكم الورث لأنه قد وصف نفسه بها و وصفناه بها فقام التنزيه بعد ذلك مقام الورث لنا فهو يرثنا بالموت و نحن نرثه بالتنزيه

فكل وصف فعلينا يعودمن كل ما أظهره في الوجود
فالجود لله على خلقه و نحن من إحسانه في مزيد
فنحن بالحق كما هو بنافإنه المولى و نحن العبيد
و إن في ذلك ذكرى لمنكان له قلب و كان الشهيد

وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(الصبور حضرة الصبر)

عبد الصبور هو الذي لا يصبرإلا به فهو الذي لا يضجر
يشكى إليه و يشتكي بالحال فيصمت فتبصره به يتضرر
حبست نفسي لربيو إنني لصبور
و إن ربي بحاليكما علمت خبير
فإن أقلفيه قولا
فالقولصدق و زور
و إنني لصدوقفيما أقول بصير
ما لي إليه دليلما لي عليه نصير

عبد الصبور قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله فوصف نفسه بأنه يؤذي و لم يؤاخذ على أذاه في الوقت من أذاه فوصف نفسه بالصبور لكنه ذكر لنا من يؤذيه و بما ذا يؤذيه لنرفع عنه ذلك مع بقاء اسم الصبور عليه ليعلمنا أنا إذا شكونا إليه ما نزل بنا من البلاء من اسم ما من الأسماء إن تلك الشكوى إليه لا تقدح في نسبة الصبر إلينا فنحن مع هذه الشكوى إليه في رفع البلاء عنا صابرون كما هو صابر مع تعريفنا و إعلامه إيانا بمن يؤذيه و بما يؤذيه لننتصر له و ندفع عنه ذلك و هو الصبور و مع هذا التعريف فنحن الصابرون مع الشكوى إليه فلا أرفع ممن يدفع عن الله أذى إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ فمن كان عدوا لله فهو عدو للمؤمن و قد ورد في الخبر ليس من أحد أصبر على أذى من الله لكونه قادرا على الأخذ و ما يأخذ و يمهلباسمه الحليم و على الحقيقة فما صبر على أحد و إنما صبر على نفسه أعني على حكم اسم من أسمائه لأن الأذى إنما وقع بالنطق و ما أنطق من نطق بما يقع به الأذى إلا الذي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ و هو الله تعالى قالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ و الجلود عدل فإن الله قبل شهادتهم على من أقامها عليهم و قال المنطقون اتَّخَذَ الله وَلَداً و أمثال ذلك و كذبوا الله و شتموه و سبوه مختارين ذلك مع علمنا بأنهم مجبورون في اختيارهم منطقون بما أراده لا بما رضيه إلا أن الدقيقة الخفية إن الله نطقهم أي أعطاهم قوة النطق التي بها نطقوا و بقي عين ما نطقوا بهو ما قالت الجلود إلا أنها منطقة ما تعرضت بالاعتراف إلى ما نطقت به فإن ذلك إذا وقع بالاختيار دون الاضطرار و الكرة نسب إلى من وقع منه نسبة صحيحة إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ أي بينا له و خلقنا له الإرادة في محله و التعلق نسبة لا تتصف بالوجود فتكون مخلوقة لأحد فتعلقت بأمر ما متعين مما فيه أذى لله و رسوله و مما يسمى به شاكرا أو كفورا فهو تعلق خاص مع كون الناطق غافلا عن استحضار هذه النسب كلها وردها إلى الله بحكم الأصل فإنه لو استحضرها ما نطق بها إذ لا ينطق بها إلا جاهل أو غافل ثم إنه من الحجة البالغة لله في هذا إنه ما وقع في الوجود من ممكن من الممكنات إلا ما سبق بوقوعه العلم الإلهي فلا بد من وقوعه و ما علم الله معلوما من المعلومات إلا بما هو عليه ذلك المعلوم في نفسه فإن العلم يتبع المعلوم ما يتبع الوجود الحادث يعني حدوث الوجود يتبع العلم و العلم يتبع المعلوم و هذا المعلوم الممكن في حال عدمه و شيئية ثبوته على هذا الحكم الذي ظهر به في وجوده فما أعطى العلم لله إلا المعلوم فيقول له الحق هذا منك لا مني لو لم يكن في عينك الثبوتية على ما علمتك به ما علمتك فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فَلَوْ شاءَ لكنه لم يشأ و لا تحدث له عز و جل مشيئة لأنه ليس بمحل للحوادث مع أن المشيئة تابعة للعلم فهي تابع التابع فلهذا الأمر الذي قررناه يقول الله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ و قال في الصحيح شتمني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلك و كذبني ابن آدم و لم يكن ينبغي له ذلكو ذكر الحديث فقوله و لم يكن ينبغي له ذلك لما له عليه تعالى من فضل إخراجه من الشر الذي هو العدم إلى الخير الذي بيده تعالى و هو الوجود و الله يقول في مكارم الأخلاق هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ فأحكام الأسماء الحسنى لذاتها و تعيين تلك الأحكام بكذا دون كذا مع جواز كذا لما أعطاه الممكن المعلوم من نفسه فمن هنا نسب الأذى إلى المخلوق و اتصف الحق بالصبر على أذى العبد و عرف أهل الاعتناء من المؤمنين بذلك صورة الشاكي بهم ليدفعوا عنه ذلك الأذى فيكون لهم من الله أعظم الجزاء كما قررناه قبل فهذه حضرة عجيبة فقد ذكرنا مائة حضرة كما اشترطنا على إن الحضرات الإلهية تكاد لا تنحصر لأنها نسب و قد ذكر منها أن لله ثلاثمائة خلق هذه التي ذكرنا من تلك الثلاث مائة و كل اسم إلهي فهو حضرة و من أسمائه ما نعلم و منها ما لا نعلم و منها ما نحوز إطلاق ما نعلم عليه و منها ما لا نجوزه لما يقتضي في العرف من سوء الأدب فسكتنا عنه أدبا مع الله لكن جاء في القرآن من ذلك شيء بطريق التضمن و أسماء الأفعال التي ما بنى منها أسماء كثيرة و جاء أسماء أشياء نسب إليها حكم ما هو لله و لم يتسم الله بها و نسب ذلك الحكم إليها مثل قوله سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ و الواقي إنما هو الله و السربال هنا نائب علق به الذكر في الحكم و نسب الوقاية إليه و ليس الواقي إلا الله و لكن ما يطلق على الله اسم السربال بل كل ما يفتقر إليه هو اسم من أسمائه تعالى لأنه قال يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله وَ الله هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ و لما كان الله يحب الوتر لأنه وتر و جئنا بمائة حضرة فجئنا بالشفعية أوترناها بحضرة الحضرات لتكون مائة و واحدة فإن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن و نحن أهل القرآن فإنه علينا أنزل وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ

(حضرة الحضرات الجامعة للأسماء الحسنى)

قال الله تعالى وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنىفَادْعُوهُ بِها قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنىفاعلم إن أسماء الله منها معارف كالاسماء المعروفة و هي الظواهر و منها مضمرات مثل كاف الخطاب و تائه تاء المتكلم و يائه و ضمير الغائب و ضمير التثنية من ذلك و ضمير الجمع مثل نَحْنُ نَزَّلْنَا و نون الضمير في الجمع مثل إِنَّا نَحْنُ و كلمة أنا و أنت و هو و منها أسماء تدل عليها الأفعال و لم يبن منها أسماء مثل سَخِرَ الله مِنْهُمْ و مثل الله يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و منها أسماء النيابة هي لله و لكن نابوا عن الله منابه مثل قولنا سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ و كل فعل منسوب إلى كون ما من الممكنات إنما ذلك المسمى نائب فيه عن الله لأن الأفعال كلها لله سواء تعلق بذلك الفعل ذم أو حمد فلا حكم لذلك التعلق بالتأثير فيما يعطيه العلم الصحيح فكل ما ينسب إلى المخلوق من الأفعال فهو فيه نائب عن الله فإن وقع محمودا نسب إلى الله لأجل المدح فإن الله يحب أن يمدح كذا ورد في الصحيح عن رسول الله ص و إن تعلق به ذم لم ننسبه إلى الله أو لحق به عيب مثل المحمود قول الخليل فَهُوَ يَشْفِينِ و قال في المرض إِذا مَرِضْتُ و لم يقل أمرضني و ما أمرضه إلا الله فمرض كما أنه شفاه و كذلك فأردت أَنْ أَعِيبَها فكنى العالم العدل الأديب عن نفسه إرادة العيب و قال في المحمود فَأَرادَ رَبُّكَ في حق اليتيمينو قال في موضع الحمد و الذم فَأَرَدْنا بنون الجمع لما فيه من تضمن الذم في قتل الغلام بغير نفس و لما فيه من تضمن الحمد في حق ما عصم الله بقتله أبويه فقال فَأَرَدْنا و ما أفرد و لا عين هكذا حال الأدباء ثم قال وَ ما فَعَلْتُهُ يعني ما فعل عَنْ أَمْرِي بل الأمر كله لله فإذا كنى الحق عن نفسه بضمير الجمع فلأسمائه لما في ذلك المذكور من حكم أسماء متعددة و إذا ثنى فلذاته و نسبة اسم خاص و إذا أفرد فلاسم خاص أو ذات و هي المسمى إذا كنى بتنزيه فليس إلا الذات و إذا كنى بفعل فليس إلا الاسم على ما قررناه و انحصر فيما ذكرناه جميع أسماء الله لا بطريق التعيين فإنه فيها ما ينبغي أن يعين و ما ينبغي أن لا يعين و قد جاء من المعين مثل الفالق و الجاعل و لم يجيء المستهزئ و الساخر و هو الذي يستهزئ بمن شاء من عباده و يكيد و يسخر ممن شاء من عباده حيث ذكره و لا يسمى بشيء من ذلك و لا بأسماء النواب و نوابه لا يأخذهم حصر و لكن انظر إلى كل فعل منسوب إلى كون من الأكوان فذلك المسمى هو نائب عن الله في ذلك الفعل كآدم و الرسل خلفاء الله على عباده و من أطاع الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله فلننبه من ذلك على يسير يكون خاتمة هذا الباب لنفيد المؤمنين بما فيه سعادتهم لأن السعادة كلها في العلم بالله تعالىفنقول إن من الأفعال ما علق الله الذم بفاعله و الغضب عليه و اللعنة و أمثال ذلك و من الأفعال ما علق الله المدح و الحمد بفاعله كالمغفرة و الشكر و الايمان و التوبة و التطهير و الإحسان و قد وصف نفسه بأنه يحب المتصفين بهذا كله كما أنه لا يحب الموصوفين بالأفعال التي علق الذم بفاعلها مع قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و الأمر كله لله و قال أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ فأخبر أنه يحب الشاكرين و المحسنين و الصابرين و التوابين و المتطهرين و الذين اتقوا و لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ و يغفر لهم و لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ و لا الظالمين و ما جاء في القرآن من صفة من لا يحبه عز و جل فالأدب من العلماء بالله أن تكون مع الله في جميع القرآن و ما صح عندك أنه قول الله في خبر وارد صحيح فما نسب إلى نفسه بالإجمال نسبناه مجملا لا نفصله و ما نسبه مفصلا نسبناه إليه مفصلا و عيناه بتفصيل ما فصل فيه لا نزيد عليه و ما أطلق لنا التصرف فيه تصرفنا فيه لنكون عبيدا واقفين عند حدود سيدنا و مراسمه

فإنه الرب و نحن العبيدفنبتغي بالشكر منه المزيد
لكوننا بالفقر في فاقةأولها حال حصول الوجود
و بعد ذا استمراره دائماإلى مقامات الفناء في الشهود
لأنه سبحانه فاعليفعل في أعياننا ما يريد
و لا يريد الحق إلا الذيأعطاه في التحقيق حال العبيد
و ما يزيد الله في علمهفجودهم منهم عليهم يعود
و ننسب الجود إليه لماله من الخير الذي لا يبيد
فكل خيرنا لنا حادثنعيمنا منا فما نستزيد
بنا نعمنا لا به فانظروافي قولنا فنحن عين الحدود

فما نعمنا إلا بحادث فبنا نعمنا لأنه يستحيل تنعمنا به و يستحيل قيام الحوادث به فتنعمه و ابتهاجه بذاته و كماله فإنه الغني عن العالمين فما رأى راء سوى نفسه لا رؤية علم و لا رؤية حس فانظر ما ذا ترى و أنظر من ذا يرى و أنظر ما يحصل عن كل رؤية في نفس الرائي فإن اقتضى ذلك الحاصل حكم رضي رضي و إن اقتضى حكم سخط و غضب سخط و غضب كان ذلك الرائي من كان ذلك بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ الله فقد أسخطوا الله و أغضبوه فعاد وبال ذلك الغضب على من أغضبه فلو لا شهود ما أغضبه ما غضب و ما أسخطه ما سخط و ما أرضاه ما رضي فإن الأصل التعري و التنزيه عن الصفات و لا سيما في الله إذا كان أبو يزيد يقول لا صفة لي فالحق أولى أن يطلق عن التقييد بالصفات لغناه عن العالم لأن الصفات إنما تطلب الأكوان فلو كان في الحق ما يطلب العالم لم يصح كونه غنيا عما هو له طالبو اعلم أن هذه الحضرة الجامعة للحضرات تتضمن ملك الله و ليس ملك الله سوى الممكنات و هي أعياننا فنحن ملكه و بناء كان ملكا و هو القائل لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ و قول رسول الله ص في الثناء على الله إنه رب كل شيءو مليكهفجاء بلفظة شيء و هي تنطلق على الأعيان الثابتة و الوجودية فما وجد منها فهو متناه و ما لم يوجد فلا يوصف بالتناهي ثم أنظر في الخبر الإلهي الثابت الصحيح قوله لو أن أولكم و آخركم و ما له آخر لأن الأمر لا يتناهى فلا يظهر الآخر إلا فيما وجد ثم يوجد آخر فيزول عن ذلك حكم الآخر و ينتقل إلى هذا الذي وجد هكذا إلى ما لا يتناهى و قد يتناهى الأمر في نوع خاص كالإنسان فإن أشخاص هذا النوع متناهية لا أشخاص العالم و لا يتناهى أيضا خلق أشخاص النوع الإنساني بوجه آخر لا يعثر عليه كل أحد و هو في قوله تعالى بَلْ هُمْ في لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ فعين كل شخص يتجدد في كل نفس لا بد من ذلك فلا يزال الحق فاعلا في الممكنات الوجود و يدل على ذلك اختلاف الأحكام على الأعيان في كل حال فلا بد أن تكون تلك العين التي لها هذه الحال الخاص ليست تلك العين التي كان لها ذلك الحال الذي شوهد مضيه و زواله فيما شوهد من ذلك ثم قال و إنسكم و جنكم و هو ما تبصرون و ما لا تبصرون و جاء بلو و هي كلمة امتناع لامتناع أي لو وقع هذا لكان الحكم فيه كما قرره ثم قال كانوا على أتقى قلب رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا و هو الصحيح لأن ذلك عين ملكه فما زاد شيء في ملكه بل يقبل الزيادة ملك الوجود و هو إنما أراد ملك الثبوت فالنقص و الزيادة في الوجود ثم قال و لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا و كيف ينقص منه و الكل عين ملكهثم قال لو أن أولكم لكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد ثم سألوا فأعطيت كل واحد منهم مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا لأن المعطى و المعطي إياه ما هو سوى عين ملكه فما خرج شيء عن ملكه إلا أن ملكه منه ما هو موصوف بالوجود و منه ما هو موصوف بالثبوت فالثبوت و الوجود منه لا بد أن يكون متناهيا و الثابت لا نهاية له و ما لا نهاية له لا يتصف بالنقص لأن الذي حصل منه في الوجود ما هو نقص في الثبوت لأنه في الثبوت لعينه في حال وجوده إلا إن الله كساه حلة الوجود بنفسه فالوجود لله الحق و هو على ثبوته ما نقص و لا زاد فما كسي منه حلة الوجود كأنه تعين و تخصص و حده مما لا يتناهى حد المخيط إذا غمسته في اليم فانظر ما يتعلق به فإنا نعلم أن المثال صحيح فإنا نعلم أن من الأعيان الثابتة ما يتصف بالوجود كما نعلم أن المخيط قد تعلق به من اليم في الغمس و نسبة ما تعلق من الماء بالمخيط من اليم ما هو في الدرجة مثل ما اكتسى من الأعيان الثابتة حلة الوجود لأن اليم محصور يأخذه العدد و التناهي لوجوده و الأعيان الثابتة لا نهاية لها و ما لا يتناها لا يأخذه حد و لا يحصيه عدد مع صحة المثال بلا شك و هكذا مثل الخضر لموسى بنقر الطائر في البحر بمنقاره و هو على حرف السفينة فقال له الخضر تدري ما يقول هذا الطائر و كان الخضر قد أعطى منطق الطير فكان نقره كلاما عند الخضر لا علم لموسى بذلك و كان الخضر قد ذكر لموسى ع أنه على علم علمه الله لا يعلمه موسى و موسى على علم علمه الله لا يعلمه خضر مع العلم الكثير الذي كان عند كل واحد منهما فقال ما نقص علمي و علمك من علم الله إلا بقدر ما نقر هذا الطائر و معلوم أنه قد حصل شيئا من الماء في نقره كذلك حصل بما علمه موسى و الخضر من العلم شركه مع الله في ذلك القدر فعلمنا من علم الله شيئا مما يعلمه الله فحقق ما حصل لك و ما بقي و لم يحصل لك فوقع التشبيه الصحيح من جهة ما حصل لا من جهة ما لم يحصل لأن الذي لم يحصل من اليم متناه و الذي لم يحصل من العلم لموسى و الخضر غير متناه فلذلك جاء ضرب المثل من جهة ما حصل خاصة فإنا لا نشك في أنه حصل شيء في نفس الأمر إلا أن حصول المعاني في النفوس بأي نوع كان حصولها لا يتصف من حصلت منه و من كان موصوفا بها أنه نقص منه بقدر ما حصل عند المتعلم منه بل هو عنده كما هو عند من حصل له و إنما لما ظهر ذلك المعنى في محلين كأنه وقع فيه الاشتراك و في المثال المحسوس ما يؤيد هذا و هو أخذ النور من السراج بالفتائل فتتقد به فتائل لا تتناهى و لا ينتقص منه شيء و إنما حصل ذلك باستعداد القابل أن يقبل و استعداد لمأخوذ منه أن لا يمتنع و السراج سراج على حاله و قد ملأ العالم سرجا كذلك العلم و التعلم فإذا كان المحسوس بهذه السعة و على هذه الحقيقة فما ظنك بالمعاني ثم لتعلم إن لنا أحكاما في حضرة الحق تضاف إليها بها من موالاة و عبادة و سؤال و غير ذلك مما لا يحصى كثرة إذا تتبع الإنسان أحوال نفسه مع ربه و لهذا وصف نفسه بأن له أسماء و أخلاقا و هي معلومة عند علماء الرسوم ألفاظها و معانيها و عند أهل الله الاتصاف بها حتى أطلق عليهم منهاأعيان أسمائها كما قال عن نبيه ص بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ و وصف نفسه بأنه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و خير الشاكرين و خَيْرُ النَّاصِرِينَ و كل ذلك اتصف به أهل الله على السنة المشروعة و الطريقة الإلهية الموضوعة فاتخذوا ذلك قربة إلى الله فالله يجعلنا من أهله فإنا من هذه الأهلية إلهية واليناه و من كونه مجيبا لما يطلبه منه عباده حين ينادونه سألناه و من كونه نزل إلينا في ألطافه الخفية و سأل منا أمورا وردت بها الأخبار الإلهية بالسنة الشرائع بادرنا إلى ذلك و قبلناه و من كونه إذا تقربنا إليه بنوافل الخيرات و أحبنا فكان سمعنا و بصرنا و جميع قوانا بهويته كنا و من كونه خلقنا دون جميع صور العالم على صورته و ما بقي اسم ورد إلا و ظهرنا به حتى أضيف إلينا وسعناه و من كونه أعطانا الانفعال عنا و التأثير في الأكوان علمنا ما حصل لنا من ذلك منه و حققناه و من استنادنا إلى ذات موجدة لها غنى عنا و لنا إليها افتقار ذاتي لإمكاننا عرفناه و من كون هذا الأمر الذي استندنا إليه له نسبة إلينا بها ظهرت أعياننا بما نحن عليه من جميع ما يقوم بنا و نتصف به علمناه و بتجليه في صورة كل شيء من العالم في قوله يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى الله خشعنا له و شهدناه و من اسمه الظاهر في المظاهر فلا فاعل في الكون إلا هو رأيناه و من كونه يطلب آثار عباده و ما يكون منهم و إن كان ذلك خلقا له كما قال وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ الصَّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ طالعناه و من كونه وصف نفسه بصفات المحدثات تنزلا لنا آمنا بذلك القول إذ نسبه إلى نفسه و اعتقدناه و من كونهأوحى إلى رسوله ص أن يقول لنا اعبد الله كأنك تراهو إن الله في قبلة المصلي إذا هو ناجاه تخيلناهو من قوله الله نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ الْمِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ من شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَ لا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلىنُورٍ شبهناه و من كونه قال فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ الله و مع هذا أمرنا باستقبال جهة خاصة سماها القبلة جعل نفسه لنا فيها فقال ع إن الله في قبلة المصليو أمرنا باحترامها و أن نستقبلها في مجالسنا و أداء صلواتنا و أن لا نستقبلها بغائط و لا بول فإن اضطررنا إلى هذه القاذورات انحرفنا عنها قليلا قدر الطاقة و استغفرنا الله مثلناه و من كونهقال له رسول الله ص عند سفره عن أهله أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهلو أمرنا أن نتخذه وكيلا وكلناه و من كونه أقرب إلينا من حَبْلِ الْوَرِيدِ و لكن لا نبصره كبرناه و من كونه أمرنا أن نعظم شعائر الله لدلالتها عليه و حرمات الله عظمناه و عن ملابسته إيانا في حركاتنا و سكناتنا مع شهودنا إياه فيها أجللناه و من أمره إيانا في الإهلال بالحج بتوحيده نفينا الشريك عنه تعالى و أثبتناه و بتهليله في قولنا لا إله إلا الله هللناه و من دعائه بأمره لنبيه ص في قوله وَ أَذِّنْ في النَّاسِ بِالْحَجِّ الآيات لبيناه و من كونه ظهر فينا بنا و إلينا عنا و كان أقرب إلينا منا كما أخبرنا آمنا بذلك كله ثم قال إنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ صدقناه و نزهناه و بقوله قال الله في غير موضع من كتابه و وعده و وعيده و تجاوزه عن سيئاتنا في خطابه و إضافة الكلام إليه صدقناه و من كونه أمرنا أن نعلمه و نصب الأدلة لنا محررة على الوصول إلى العلم به و البحث عنه لنتبين أنه الحق في قوله سَنُرِيهِمْ آياتِنا في الْآفاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ لنستدل بما ذكره عليه طلبناه و لما علمنا أنه ما طلبنا و لا طلب منا أن نطلبه إلا و لا بد أن نجده إما بالوصول إليه أو بالعجز عن ذلك و على كلا الأمرين فوجدناه فلما ظفرنا به في زعمنا و أردنا أن نقره على ما وجدناه تحول سبحانه لنا في غير الصورة التي ظفرنا به فيها ففقدناه و من قوله أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً علمنا بتقييد القرض بالحسن أنه يريد أن نرى النعمة منه و إنها نعمته فعلى هذا الحد من المعرفة بالإنعام و النعم أقرضناه و لما ظهر لنا سبحانه عند صور التجلي في صور العالم لنحكم عليه بما تعطيه حقائق ما ظهر فيها من الصور و قد ظهر في صور تقتضي الملل و أخبر ص أن الله لا يمل حتى تملوا فأشار إن ملل الإنسان ملله فأثبته للإنسان و نفاه وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ الله رَمىو مع هذا التعريف مللناه و بما أطلعنا عليه من أسراره في عباده و اطلع على أسرار عباده بما أطلعوه عليه من ذلك من هذه النسبة لا من كونه عالما بها من غير نسبة اطلاعنا إياه عليها كاشفناه و من كونه غيورا كما ذكره رسول الله ص في حديث الغيرة في خبر سعد إن الله غيور و من غيرته حرم الفواحش سترناهو من قوله تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍو من كونه من ورائنا محيطا حجبناه و من كونه أنزل نفسه منا منزلة السر و أخفى مع شدة ظهوره بكونه صورة كل شيء و قال قُلْ سَمُّوهُمْ علمنا أنه يريد الإخفاء فأخفيناه و من كونه يقول في نزوله هل من داع دعونا و هل من تائب و من سائل و من مستغفر و أمثال هذا نازلناه و من كونه أعلمنا أنه معنا أينما كنا بطريق الشهود و الحفظ صاحبناه و من كونه أظهرنا بكل صورة ظهر بها لا نزيده عليها في الحال الذي يظهر به في عباده وافقناه و من كونه صادق القول فقال نَسُوا الله مع علمه بأن العالم منا يعلم أنه هوية كل شيء نسيناه و من كونه أنزل قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ نسبا له عند قول اليهود لمحمد ص انسب لنا ربك فنسبناه و من كونه سمى نفسه لنا بأسماء تطلب معانيها تقوم به ما هي عين ذاته من حيث ما يفهم منها مع اختلافها وصفناه و من كونه سمى نفسه بأسماء لا يفهم منها معان تقوم به بل يفهم منها نسب و إضافات كالأول و الآخر و الظاهر و الباطن و الغني و العلي و أمثال ذلك نعتناه و من قوله لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا الله لَفَسَدَتا فنبه على العلة وحدناه و من كونه في عماء و عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىو جعلنا على أحوال نطلب بها نزول الذكر إلينا و هو كلامه و الصفة لا تفارق الموصوف فإذا نحن لضعفنا نزلناه فإذا نزل إلينا لما طلبناه له بقلوبنا أنزلناه و لما أنزلناه في آنية مخصوصة معينة عينها سبحانه لنفسه حصرناه و باستمرار بقائه بالأين الذي أنزلناه به مع الأناة وصفنا بأنا مسكناه و من كونه حيا و سمى نفسه المحيي و جعلنا بلدا ميتا دعوناه إلى إحيائه و سقيناه و لما عرضنا هذه الصفات التي نسبنا إليه مع ما تقرر عندنا من لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ و سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ و كل تسبيح ورد عن الله تعالى و عن رسوله ص أنكرناه و لما آية بنا من مكان قريب و بعيد لحكمة يريد ظهورها فينا أجبناه و بما استعمله منا في ابتلائنا أعلمناه و من كونه عند عبده في لسانه إذا مرض و قلبه و التجائه و اضطراره إليه عدناه و باستسقاء الظمآن الذي تخيل السراب ماء فلما جاءه لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً سقيناه و باستطعام الجائع أطعمناه و إلى كل ملمة و نازلة مهمة ليرفعها عن الضعفاء دعوناه و بقولنا في دعائنا إياه عن أمره اغفر لنا و ارحمنا و انصرنا أمرناه و بقولنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ من قَبْلِنا رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا به نهيناه و بقولنا إنه لن يعيدنا كما بدأنا كذبناه و بقولنا إن له صاحبة و ولدا شتمناه و بتكذيبه و شتمه آذيناه و باستفهامه إيانا عن أمور يعلمها أخبرناه و بتلاوتنا كلامه العزيز بالنهار حدثناه و به في ظلام الليل سامرناه و في الصلاة عند ما نقول و يقول ناجيناه و عند سفرنا في أهلنا استخلفناه و عند طلبه منا نصرة دينه نصرناه و إذا لم نطلب سواه شاهد أو غائبا و اعتمدنا عليه في كل حال حصلناه و بمحاسبتنا نفوسنا و هو السريع الحساب سابقناه و بأسمائنا التي أدخلتنا عليه و أعطتنا الحظوة لديه كالخاشع و الذليل و الفقير قابلناه و بكونه سمعنا سمعناه و بصرنا أبصرناه و رأيناه و بما أوجدنا له بلام العلة عبدناه و في اعتمارنا الذي شرع لنا زرناه و في بيته الذي أذن فينا بالحج إليه قصدناه و أملناه و لنيل جميع أغراضنا أردناه و ذلك لما نسب إلى نفسه من الأسماء الحسنى دون غيرها من الأسماء و إن كانت أسماء له في الحقيقة إلا أنه عراها عن النعت بالحسنى فهو عز و جل الله من حيث هويته و ذاته الرحمن بعموم رحمته التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ الرحيم بما أوجب على نفسه للتائبين من عباده الرب بما أوجده من المصالح لخلقه الملك بنسبة ملك السموات و الأرض إليه فإنه رب كل شيء و مليكه القدوس بقوله وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و تنزيهه عن كل ما وصف به السلام بسلامته من كل ما نسب إليه مما كره من عباده أن ينسبوه إليه المؤمن بما صدق عباده و بما أعطاهم من الأمان إذ أوفوا بعهده المهيمن على عباده بما هم فيه من جميع أحوالهم مما لهم و عليهم العزيز لغلبة من غالبهإذ هو الذي لا يغالب و امتناعه في علو قدسه أن يقاوم الجبار بما جبر عليه عباده في اضطرارهم و اختيارهم فهم في قبضته المتكبر لما حصل في النفوس الضعيفة من نزوله إليهم في خفي ألطافه لمن تقرب بالحد و المقدار من شبر و ذراع و باع و هرولة و تبشيش و فرح و تعجب و ضحك و أمثال ذلك الخالق بالتقدير و الإيجاد البارئ بما أوجده من مولدات الأركان المصور بما فتح في الهباء من الصور و في أعين المتجلي لهم من صور التجلي المنسوبة إليه ما نكر منها و ما عرف و ما أحيط بها و ما لم يدخل تحت إحاطة الغفار بمن ستر من عباده المؤمنينالغافر بنسبة اليسير إليه الغفور بما أسدل من الستور من أكوان و غير أكوان القهار من نازعه من عباده بجهالة و لم يتب الوهاب بما أنعم به من العطاء لينعم لا جزاء و لا ليشكر به و يذكر الكريم المعطي عباده ما سألوه منه الجواد المعطي قبل السؤال ليشكروه فيزيدهم و يذكروه فيثيبهم السخي بإعطاء كل شيء خلقه و توفيته حقه الرزاق بما أعطى من الأرزاق لكل متغذ من معدن و نبات و حيوان و إنسان من غير اشتراط كفر و لا إيمان الفتاح بما فتح من أبواب النعم و العقاب و العذاب العليم بكثرة معلوماته العالم بأحدية نفسه العلام بالغيب فهو تعلق خاص و الغيب لا يتناهى و الشهادة متناهية إذا كان الوجود سبب الشهود و الرؤية كما يراه بعض النظار و على كل حال فالشهادة خصوص فإن من يقول إن العلة في الرؤية استعداد المرئي فما ثم مشهود إلا الحق و ما وجد من الممكنات و ما لم يوجد و بقي المحال معلوما غيبا لم يدخل تحت الرؤية و لا الشهادة القابض بكون الأشياء في قبضته و الأرض جميعا قبضته و كون الصدقة تقع بيد الرحمن فيقبضها الباسط بما بسطة من الرزق الذي لا يعطي البغي بسطة و هو القدر المعلوم و إنه تعالى يقبض ما شاء من ذلك لما فيه من الابتلاء و المصلحة و يبسط ما شاء من ذلك لما فيه من الابتلاء و المصلحة الرافع من كونه تعالى بيده الميزان يخفض القسط و يرفعه فيرفع ليؤتي الملك من يشاء و يعز من يشاء و يغني من يشاء الخافض لينزع الملك ممن يشاء و يذل من يشاء و يفقر من يشاء بيده الخير و هو الميزان فيوفي الحقوق من يستحقها و في هذه الحال لا يكون معاملة الامتنان فإن استيفاء الحقوق من بعض الامتنان أعم في التعلق المعز المذل فأعز بطاعته و أذل بمخالفته و في الدنيا أعز بما أتى من المال من أتاه و بما أعطى من اليقين لأهله و بما أنعم به من الرئاسة و الولاية و التحكم في العالم بإمضاء الكلمة و القهر و بما أذل به الجبارين و المتكبرين و بما أذل به في الدنيا بعض المؤمنين ليعزهم في الآخرة و يذل من أورثهم الذلة في الدنيا لإيمانهم و طاعتهم السميع دعاء عباده إذا دعوه في مهماتهم فأجابهم من اسمه السميع فإنه تعالى ذكر في حد السمع فقال وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ و معلوم إنهم سمعوا دعوة الحق بآذانهم و لكن ما أجابوا ما دعوا إليه و هكذا يعامل الحق عباده من كونه سميعا البصير بأمور عباده كما قال لموسى و هارون إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرىفقال لهما لا تَخافا فإذا أعطى بصره الأمان فذلك معنى البصير لا أنه يشهده و يراه فقط فإنه يراه حقيقة سواء نصره أو خذله أو اعتنى به أو أهمله الحكم بما يفصل به من الحكم يوم القيامة بين عباده و بما أنزل في الدنيا من الأحكام المشروعة و النواميس الوضعية الحكمية كل ذلك من الاسم الحكم العدل بحكمه بالحق و إقامة الملة الحنيفية قالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ فهو ميل إليه إذ قد جعل للهوى حكما من اتبعه ضل عن سبيل الله اللطيف بعباده فإنه يوصل إليهم العافية مندرجة في الأدوية الكريهة فأخفى من ضرب المثل في الأدوية المؤلمة المتضمنة الشفاء و الراحة لا يكون فإنه لا أثر لها في وقت الاستعمال مع علمنا بأنها في نفس استعمال ذلك الدواء و لا نحس بها للطافتها و من باب لطفه سريانه في أفعال الموجودات و هو قوله وَ الله خَلَقَكُمْ وَ ما تَعْمَلُونَ و لا نرى الأعمال إلا من المخلوقين و نعلم أن العامل لتلك الأعمال إنما هو الله فلو لا لطفه لشوهد الخبير بما اختبر به عباده و من اختباره قوله حَتَّى نَعْلَمَ فنرى هل ننسب إليه حدوث العلم أم لا فانظر أيضا هذا اللطف و لذلك قرن الخبير باللطيف فقال اللطيف الخبير الحليم هو الذي أمهل و ما أهمل و لم يسارع بالمؤاخذة لمن عمل سوءا بجهالة مع تمكنه أن لا يجهل و أن يسأل و ينظر حتى يعلم العظيم في قلوب العارفين به الشكور لطلب الزيادة من عباده مما شكرهم عليه و ذكرهم به من عملهم بطاعته و الوقوف عند حدوده و رسومه و أوامره و نواهيه و هو يقول لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ فبذلك يعامل عباده فطلب منهم بكونه شكورا أن يبالغوا فيما شكرهم عليه العلي في شأنه و ذاته عما يليق بسمات الحدوث و صفات المحدثات الكبير بما نصبه المشركون من الآلهة و لهذا قال الخليل فيمعرض الحجة على قومه مع اعتقاده الصحيح أن الله هو الذي كسر الأصنام المتخذة آلهة حتى جعلها جذاذا مع دعوى عابديها بقولهم ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفىفنسبوا الكبر له تعالى على آلهتهم فقال إبراهيم ع بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ و هنا الوقف و يبتدئ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ فلو نطقوا لاعترفوا بأنهمعبيد و أن الله هو الكبير العلي العظيم الحفيظ بكونه بكل شيء محيط فاحتاط بالأشياء ليحفظ عليها وجودها فإنها قابلة للعلم كما هي قابلة للوجود فمن شاء سبحانه أن يوجده فأوجده حفظ عليه وجوده و من لم يشأ أن يوجد و شاء أن يبقيه في العدم حفظ عليه العدم فلا يوجد ما دام يحفظ عليه العدم فأما أن يحفظه دائما أو إلى أجل مسمى المقيت بما قدر في الأرض من الأقوات و بما أوحى في السماء من الأمور فهو سبحانه يعطي قوت كل متقوت على مقدار معلوم الحسيب إذا عدد عليك نعمه ليريك منته عليك لما كفرت بها فلم يؤاخذك لحلمه و كرمه و بما هو كافيك عن كل شيء لا إله إلا هو العليم الحكيم الجليل لكونه عز فلم تدركه الأبصار و لا البصائر فعلا و نزل بحيث إنه مع عباده أينما كانوا كما يليق بجلاله لي أن بلغ في نزوله أنقال لعبده مرضت فلم تعدني و جعت فلم تطعمني و ظمئت فلم تسقنيفأنزل نفسه من عباده منزلة عباده من عباده فهذا من حكم هذا الاسم الإلهي الرقيب لما هو عليه من لزوم الحفظ لخلقه فإن ذلك لا يثقله و ليعلم عباده أنه إذا راقبهم يستحيون منه فلا يراهم حيث نهاهم و لا يفقدهم حيث أمرهم المجيب من دعاه لقربه و سماعه دعا عباده كما أخبر عن نفسه وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فوصف نفسه بأنه متكلم إذ المجيب من كان ذا إجابة و هي التلبية الواسع العطاء بما بسط من الرحمة التي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و هي مخلوقة فرحم بها كل شيء و بها أزال غضبه عن عباده فانظر فهنا سر عجيب في قوله وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و قوله كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ الحكيم بإنزال كل شيء منزلته و جعله في مرتبته و من أوتي الحكمة فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً و قد قال عن نفسه أن بيده الخير و قال ص له و الخير كله بيديكفلم يبق منه شيئا و الشر ليس إليكالْوَدُودُ الثابت حبه في عباده فلا يؤثر فيما سبق لهم من المحبة معاصيهم فإنها ما نزلت بهم إلا بحكم القضاء و القدر السابق لا للطرد و البعد لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ فسبقت المغفرة للمحبين اسم المفعول المجيد لما له من الشرف على كل موصوف بالشرف فإن شرف العالم بما هو منسوب إلى الله إنه خلقه و فعله فما هو شرفه بنفسه فالشريف على الحقيقة من شرفه بذاته و ليس إلا الله الباعث عموما و خصوصا فالعموم بما بعث من الممكنات إلى الوجود من العدم و هو بعث لم يشعر به كل أحد إلا من قال بأن للممكنات أعيانا ثبوتية و إن لم يعثر على ما أشرنا إليه القائل بهذا و لما كان الوجود عين الحق فما بعثهم إلا الله بهذا الاسم خاصة ثم خصوص البعث في الأحوال كبعث الرسل و البعث من الدنيا إلى البرزخ نوما و موتا و من البرزخ إلى القيامة و كل بعث في العالم في حال و عين فمن الاسم الباعث فهو من أعجب اسم تسمى الحق به تعريفا لعباده الشهيد لنفسه بأنه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ و لعباده بما فيه الخير و السعادة لهم بما جاءوا به من طاعة الله و طاعة رسوله و بما كانوا عليه من مكارم الأخلاق و شهيد عليهم بما كانوا فيه من المخالفات و المعاصي و سفساف الأخلاق ليريه منة الله و كرمه بهم حيث غفر لهم و عفا عنهم و كان مالهم عنده إلى شمول الرحمة و دخولهم في سعتها إذ كانوا من جملة الأشياء و إن تلك الأشياء المسماة مخالفة لم يبرزها الله من العدم إلى الوجود إلا برحمته فهي مخلوقة من الرحمة و كان المحل الذي قامت به سببا لوجودها لأنها لا تقوم بنفسها و إنما تقوم بنفس المخالف و قد علمت أنها مخلوقة من الرحمة و مسبحة بحمد خالقها فهي تستغفر للمحل الذي قامت به حتى ظهر وجود عينها لعلمها بأنها لا تقوم بنفسها الحق الوجود الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ و هو العدم من بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا من خَلْفِهِ فمن بين يديه من قوله لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ و من خلفهلقول رسول الله ص ليس وراء الله مرمىفنسب إليه الوراء و هو الخلف فهو وجود حق لا عن عدم و لا يعقبه عدم بخلاف الخلق فإنه عن عدم و يعقبه العدم من حيث لا يشعر به فإن الوجود و الإيجاد لا ينقطع فما ثم في العالم من العالم إلا وجود و شهود دنيا و آخرة من غير إنهاء و لا انقطاع فأعيان تظهر فتبصر الوكيل الذي وكله عباده على النظر في مصالحهم فكان من النظر في مصالحهم أن أمرهم بالإنفاق على حد معين فاستخلفهم فيه بعد ما اتخذوه وكيلا فالأموال له بوجه فاستخلفهم فيها و الأموال لهم بوجه فوكلوه في النظر فيها فهي لهم بما لهم فيها من المنفعة و هي له بما هي عليه من تسبيحه بحمده فمن اعتبر التسبيح قال إن الله ما خلق العالم إلا لعبادته و من راعى المنفعة قال إن الله ما خلق العالم إلا لينفع بعضه بعضا أول المنفعة فيهم للإيجاد فأوجد المحال لينتفع بالوجود من لا يقوم من الموجودات إلا بمحل و أوجد من لا قيام له بنفسهلينتفع به من لا يستغني عن قيام الحوادث به و لا يعري عنها فوجود كل واحد منهما موقوف على صاحبه من وجه لا يدخله الدور فيستحيل الوقوع القوي المتين هو ذُو الْقُوَّةِ لما في بعض الممكنات أو فيها مطلقا من العزة و هي عدم القبول للاضداد فكان من القوة خلق عالم الخيال ليظهر فيه الجمع بين الأضداد لأن الحس و العقل يمتنع عندهما الجمع بين الضدين و الخيال لا يمتنع عنده ذلك فما ظهر سلطان القوي و لا قوته إلا في خلق القوة المتخيلة و عالم الخيال فإنه أقرب في الدلالة على الحق فإن الحق هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ وَ الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ قيل لأبي سعيد الخراز بم عرفت الله قال بجمعه بين الضدين ثم تلا هذه الآية و إن لم تكن من عين واحدة و إلا فما فيها فائدة فإن النسب لا تنكر فإن الشخص الواحد قد تكثر نسبه فيكون أبا و ابنا و عما و خالا و أمثال ذلك و هو هو لا غيره فما حاز الصورة على الحقيقة إلا الخيال و هذا ما لا يسع أحدا إنكاره فإنه يجده في نفسه و يبصره في منامه فيرى ما هو محال الوجود موجودا فتنبه لقوله إِنَّ الله هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ الولي هو الناصر من نصره فنصرته مجازاة و من آمن به فقد نصره فالمؤمن يأخذ نصر الله من طريق الوجوب فإنه قال وَ كانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ مثل وجوب الرحمة عليه سوء قال تعالى كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلىنَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لمن عمل سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ من بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ و أين هذا من اتساعها فنصرة الله تشبه رحمة الوجوب و تفارق رحمة الامتنان الواسعة فإنه ما رأينا فيما أخبرنا به تعالى نصرة مطلقة و إنما رأيناها مقيدة إما بالإيمان و إما بقوله إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ و هنا سر من أسرار الله تعالى في ظهور المشركين على المؤمنين في أوقات فتدبره تعثر عليه إن شاء الله فما ورد حتى نؤمن به إلا أن الايمان إذا قوى في صاحبه بما كان فله النصر على الأضعف و الميزان يخرج ذلك و قولي هذا ما كان لقوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ فسماهم مؤمنين و لكن تحقق في إيمانهم بالباطل إنهم ما آمنوا به من كونه باطلا و إنما آمنوا به من كونهم اعتقدوا فيه ما اعتقد أهل الحق في الحق فمن هنا نسب الايمان إليهم و بما هو في نفس الأمر على غير ما اعتقدوه سماه الحق لنا باطلا لا من حيث ما توهموه الحميد بما هو حامد بلسان كل حامد و بنفسه و بما هو محمود بكل ما هو مثنى عليه و على نفسه فإن عواقب الثناء عليه تعود المحصي كل شيء عددا من حروف و أعيان وجودية إذ كان التناهي لا يدخل إلا في الموجودات فيأخذه الإحصاء فهذه الشيئية شيئية الوجود و في قوله وَ أَحْصىكُلَّ شَيْءٍ عَدَداً المبدئ هو الذي ابتدأ الخلق بالإيجاد في الرتبة الثانية و كل ما ظهر من العالم و يظهر فهو فيها و ما ثم رتبة ثالثة فهي الآخر و الأولى للحق فهو الأول فالخلق من حيث وجوده لا يكون في الأول أبدا و إنما له الآخر و الحق معه في الآخر فإنه مع العالم أَيْنَ ما كانُوا و قد تسمى بالآخر فاعلم المعيد عين الفعل من حيث ما هو خالق و فاعل و جاعل و عامل فهو إذا خلق شيئا و فرغ خلقه عاد إلى خلق آخر لأنه ليس في العالم شيء يتكرر و إنما هي أمثال تحدث و هي الخلق الجديد و أعيان توجد المحيي بالوجود كل عين ثابتة لها حكم قبول الإيجاد فأوجدها الحق في وجوده المميت في الزمان الثاني فما زاد من زمان وجودها فمفارقتها و انتقالها لحال الوجود الذي كان لها موت و قد يرجع إلى حكمها من الثبوت الذي كان لها فمن المحال وجودها بعد ذلك حتى تفرغ و هي لا تفرغ لعدم التناهي فيها فافهم و في تقييدي هذا الباب في هذه المسألة سمعت منشدا ينشد من زاوية البيت لا أرى له شخصا لكني أسمع الصوت و لا أدري لمن يخاطب بذلك الكلام و هو

أوص فإنك رائحلمنزل أنت رابح
فيه لأنك ممنله قبول النصائح
قد صاح في جانبالدار للمنية صائح
و قد دعاك إليهفلا تجب بالنوائح
و قد أتاك رسولمنه بخير المنائح
لقاء ربك فيهاو فيه كل المصالح

فهو بالنسبة إلى رؤية الله قريب و قد يكون بالنسبة إلينا بعيد مثل قوله في المعارج إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَ نَراهُ قَرِيباً الحي لنفسه لتحقيق ما نسب إليه مما لا يتصف به إلا من من شرطه أن يكون حيا القيوم لقيامه على كل نفس بما كسبت الواجد بالجيم لما طلب فلحق فلا يفوته هارب كما لا يلحقه في الحقيقة طالب معرفته الواحدمن حيث ألوهته فلا إله إلا هو الصمد الذي يلجأ إليه في الأمور و لهذا اتخذناه وكيلا القادر هو النافذ الاقتدار في القوابل الذي يريد فيها ظهور الاقتدار لا غير المقتدر بما عملت أيدينا فالاقتدار له و العمل يظهر من أيدينا فكل يد في العالم لها عمل فهي يد الله فإن الاقتدار لله فهو تعالى قادر لنفسه مقتدر بنا المقدم المؤخر من شاء لما شاء و من شاء عما شاء الأول الآخر بالوجوب و برجوع الأمر كله إليه الظاهر الباطن لنفسه ظهر فما زال ظاهر أو عن خلقه بطن فما يزال باطنا فلا يعرف أبدا البر بإحسانه و نعمه و آلائه التي أنعم بها على عباده التواب لرجوعه على عباده ليتوبوا و رجوعه بالجزاء على توبتهم المنتقم ممن عصاه تطهيرا له من ذلك في الدنيا بإقامة الحدود و ما يقوم بالعالم من الآلام فإنها كلها انتقام و جزاء خفي لا يشعر به كل أحد حتى إيلام الرضيع جزاء العفو لما في العطاء من التفاضل في القلة و الكثرة و أنواع الأعطيات على اختلافها لا بد أن يدخلها القلة و الكثرة فلا بد أن يعمها العفو فإنه لا بد من الأضداد كالجليل الرءوف بما ظهر في العباد من الصلاح و الأصلح لأنه من المقلوب و هو ضرب من الشفقة الوالي لنفسه على كل من ولي عليه فولى على الأعيان الثابتة فأثر فيها الإيجاد و ولي على الموجودات فقدم من شاء و أخر من شاء و حكم فعدل و أعطى فأفضل المتعالي على من أراد علوا في الأرض و ادعى له ما ليس له بحق المقسط هو ما أعطى بحكم التقسيط و هو قوله وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ و هو التقسيط الجامع بوجوده لكل موجود فيه الغني عن العالمين بهم المغني من أعطاه صفة الغني بأن أوقفه على إن علمه بالعالم تابع للمعلوم فما أعطاه من نفسه شيئا فاستغنى عن الأثر منه فيه لعلمه بأنه لا يوجد فيه إلا ما كان عليه البديع الذي لم يزل في خلقه على الدوام بديعا لأنه يخلق الأمثال و غير الأمثال و لا بد من وجه به يتميز المثل عن مثله فهو البديع من ذلك الوجه الضار النافع بما لا يوافق الغرض و بما يوافقه النور لما ظهر من أعيان العالم و إزالة ظلمة نسبة الأفعال إلى العالم الهادي بما أبانه للعلماء به مما هو الأمر عليه في نفسه المانع لإمكان إرسال ما مسكه و ما وقع الإمساك إلا لحكمة اقتضاها علمه في خلقه الباقي حيث لا يقبل الزوال كما قبلته أعيان الموجودات بعد وجودها فله دوام الوجود و دوام الإيجاد الوارث لما خلفناه عند انتقالنا إلى البرزخ خاصة الرشيد بما أرشد إليه عباده في تعريفه إياهم بأنه تعالى عَلىصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ في أخذه بناصية كل دابة فما ثم إلا من هو على ذلك الصراط و الاستقامة ما لها إلى الرحمة فما أنعم الله على عباده بنعمة أعظم من كونه آخذا بناصية كل دابة فما ثم إلا من مشى به على الصراط المستقيم الصبور على ما أوذى به في قوله إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ الله وَ رَسُولَهُ فما عجل لهم في العقوبة مع اقتداره على ذلك و إنما أخر ذلك ليكون منه ما يكون على أيدينا من رفع ذلك عنه بالانتقام منهم فيحمدنا على ذلك فإنه ما عرفنا به مع اتصافه بالصبور إلا لندفع ذلك عنه و نكشفه فهذا بعض ما أعطته حضرة الحضرات من هذا الباب فإنه باب الأسماء و أما الكنايات فنقول فيها لفظا جامعا و هو إذا جاءت في كلام الرسول عن الله تعالى أو في كتاب الله فلننظر القصة و الضمير و نحكم على تلك الكناية بما يعطيه الحال في القصة المذكورة لا يزاد في ذلك و لا ينقص منه و الباب يتسع المجال فيه فلنقتصر منه على ما ذكرنا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ انتهى السفر الثالث و الثلاثون

بسم الله الرحمن الرحيم