من محمود الأغراض الإعراض قال أعرض عن من تولى عن ذكر الله و هو قوله وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ لأن مستولى عن ذكر الله معرض فأظهر له صفته في إعراضك عنه لعله يتنبه فإنه يأنف من إعراضك عنه لما هو عليه في نفسه من العزة فإن إعراضك عنه إذلال في حقه و عدم مبالاة به و ما خالفك إلا لتقاومه لا لتعرض عنه فإن المعرض بالتولي إذا تبعته زاده اتباعك نفور أو عدم التفات فإذا أعرضت عنه و وليته ظهرك كما ولاك ظهره لم يحس بأقدام خلفه تهدي في مشيته و أخذ نفسه و ارتأى مع نفسه فيما أعرض عنه و التفت و ما رآك خلفه فصار يحقق النظر فيك و أنت ذو نور فلا بد أن يلوح له من نورك ما يؤديه و يدعوه إلى التثبت في أمرك و فيما جئت به فلعله إن يكون من المهتدين فهذا الإعراض صنعة في الدعاء إلى اللهو من ذلك
ذكر الذكر أمن من المكر قال ذكر الذكر مثل حمد الحمد و حمد الحمد أصدق المحامد بلا شك و أوفاها كذلك ذكر الذكر أنفع الأذكار و أصدقه شهادة للذاكر فإن الذكر إذا ذكرك فإنه لا يذكرك إلا من مقامه و مقامه عزيز و أنت في تلك الحالة ذكره فيكون كما هو الحق إذا سميناه ملك الملك فهذا وراثتك من هذا الاسم الإلهي و قال إذا تجسدت الصفات و ظهرت لها أعيان في الصور كان الذكر أجملها صورة و أعلاها مرتبة فإنه لا شيء أعلى من الذكر و سبب ذلك أنه ما بأيدينا من الحق إلا الذكر و لذلكقال أنا جليس من ذكرنيفقد صير ذاته ذكرهو من ذلك
ما تعدى من إذا شهد صفة الحق تصدى قال العارف من ينظر المحال من حيث ظهورها بصفات الحق فيعظم الصفة حيث ما ظهرت إلا إن تخيل المحل أن التعظيم له فيجب على العالم إذا كان حكيما أن لا يظهر تعظيم الصفة لما يطرأ على المحل من الأمر الذي يؤدي إلى هلاكه فإن فعل ذلك وجب عليه العتب إن لم يحق عليه العذاب فالإنسان إما أن يلحق المحل بالصفة أو يلحق الصفة بالمحل فإن ألحق المحل بالصفة عظم المحل بوجه في وقت و مقته بمقت الله في وقت كالمتكبرين و الجبارين الذين ذمهم الله و إن ألحق الصفة بالمحل لم يقدر قدرها و لم ينزلها منزلتها فكان من الجاهلين فإذا كان مشهوده الصفة فلا يبالي ألحق المحل بها أو ألحقها بالمحل فإن التعظيم منه لها مصاحب و ينظر في المحل بحسب الوقت و حكم الشرع فيه و الموطن كأبي دجانة و أمثالهو من ذلك
من وقف مع الدليل حرم المدلول قال من وقف عند شيء كان له فقف مع الحق تكن للحق بلا خلق و إياك أن تقف مع الحق من كونه دليلا على نفسه فإنك إن وقفت معه على هذا الحد حرمته لأن الدليل و المدلول لا يجتمعان أبدا فإن الناظر في الشيء في كونه كذا إنما هو ناظر إلى الحكم لا إلى الشيء من حيث عينه فيحرم عين ذلك الشيء و لا تنظر إليه من حيث ما هو مشهود لك فتراه من حيث حكم أنه مشهود فما تراه و لا من حيث أنت تشهده بك أو به كل ذلك حجاب على عين شهودك إياه في عين شهودك فقف مع الحق لعينه خاصة فإنك تحوز بذلك أعلى رتبة في العلم بهو من ذلك من علم إن عمله يرى لم يعبد الورى
قال لا بد أن يوقفك الحق و يشخص لك أعمالك كلها و هو قد أمرك بالعمل فيرى هل عملت بما أمرك به من الأعمال و قد أمرتك نفسك بعمل و أمرك الخلق بعمل فتأتي و لك ثلاثة أنواع من العمل ترفع إليك خزائنها فما كان لله فهو لله مخلص فيزول إضافته إليك و كذلك ما كان للناس و لا يبقى لك إلا ما كان لك فيقال لك هل خلعت على هذه الأعمال كلها حكم الحق عليها فجريت فيها بحكم الحق حتى تكون مؤمنا أو كنت في وقت عملك تشهد أنك آلة يعمل بها خالقك كل عمل ظهر منك أو ما تعديت بالعمل غير ذات العمل لما أمرك به من أمرك كان من كان فأنت عند ذلك بحسب ما يكون الأمر في نفسه و الرسول حاضر معك و كل من أمرك حاضر عند ذلك فإنه في وقت أمره إياك بالعمل قد تعبدك و أنت لمن تعبدك في كل عمل فتكون في الزمن الواحد في أحوال مختلفة فتكون الرائي المحجوب المعذب المنعم كما يجمع الحق بين الأضداد و من ذلك عمل بعلمه من استغفر في ظلمه
قال الظالم ظالمان ظالم لنفسه و ظالم نفسه فالظالم نفسه طلب منه الاستغفار مع أنه يغفر له و إن لم يستغفر و إنما أمره الحق بالاستغفار ليقيمه إذا جنى ثمرة ذلك في مقام الإذلال لما له في ذلك من الكسب فإن الذي يأخذ من جهة الهبة قصير اليد و الذي يأخذ من كسبه طويل اليد فإنه طالب حق و مستحقه فالرجل من أخذ من كسبه في حال ذلة و يده قصيرة ما دام في الحياة الدنيا فإنه لا ينفذ في ظلمة الكسب إلى الوهب إلا بنور ساطع قوي من المعرفة الصحيحة التي لا علة فيها و لا تأثير للاكوان و إن غولط فيتغالط إذا كان أديبا لأنه لا يغالط إلا و الموطن يعطيه فيجري مع الحق فيما أجراه فيه و الحق يعلم ما هو فيهو من ذلك ما أحاط من شاهد البساط
قال أهل البساط لا يتعدى طرفهم من هم في بساطه غير إن البسط كثيرة بساط عمل و بساط علم و بساط تجل و بساط مراقبة فإن كنت في العمل فما و إن كنت في العلم فيمن و إن كنت في التجلي فمن و إن كنت في المراقبة فلمن و هكذا في كل بساط يكون فيقال لك في العمل ما قصدت و في العلم من هو معلومك و في التجلي من تراه و في المراقبة لمن راقبت فأنت بحسب جوابك عن هذه الأسئلة فأنت محصور بالخطاب محصور بالجواب فما تشاهد سوى الحال الخاص بك ما دمت في البساط فإن أجبت بما يقتضيه الحال كنت حكيما حكما و إن أجبت بالحق لا بك فكنت على قدر اعتقادك في الحق ما هو و إن أجبت بنفسك أجبت إجابة عبد و المراتب متفاضلة و من ذلك علم الاختصاص بالختم الخاص
قال الختم الخاص هو المحمدي ختم الله به ولاية الأولياء المحمديين أي الذين ورثوا محمدا ص و علامته في نفسه أن يعلم قدر ما ورث كل ولي محمدي من محمد ص فيكون هو الجامع علم كل ولي محمدي لله تعالى و إذا لم يعلم هذا فليس بختم أ لا ترى إلى النبي ص لما ختم به النبيين أوتي جوامع الكلم و اندرجت الشرائع كلها في شرعه اندراج أنوار الكواكب في نور الشمس فيعلم قطعا إن الكواكب قد ألقت شعاعاتها على الأرض و تمنع الشمس أن تميز ذلك فتجعل النور للشمس خاصة و من ذلك المدى الشاسع مانع
قال لما خلق الله الإنسان عجولا و خلق فيه الطلب و لم يحصل له مطلوبه في أول قدم بعد عليه المدى لعجلته فيقف مع طولالمدى فيمتنع من حصول الفائدة فإن الله لا ينال بالطلب فالعارف يطلب سعادته ما يطلب الله فإن الحاصل لا يبتغى فإن الله يجل أن يطلب بمسافات الاقدام و بمشاقات الأعمال و بالأفكار فكما أنه لا يتحيز كذلك لا يتميز فهو معلوم لنا أنه في كل شيء عين كل شيء و مجهول التمييز لما نشهده من اختلاف الصور فما تقول في صورة هو هذا إلا و تحجبك عنها صورة هو عينها تقول فيها هو هذا و تغيب عنك هويته بمغيب الصورة الذاهبة فلا تدري على ما تعتمد كالمتحير بالنظر الفكري لا يدري ما يعتقد سواء كلما لاح دليل له لاحت له شبهة فيه فلا يسلم له دليل من شبهة أبدا لأنه أعظم دليل و نحن شبهتهو من ذلك منزلة الإمام في الأنام
قال المالك مملوك بلا شك فإن ملكه يملكه بما يحتاج إليه فإن الملك فقير إلى أشياء لا بد منها لا تحصل له إلا من مالكه فيقيد به مالكه فيكون مملوكا له إن أراد أن يكون ملكا و إلا فهو معزول تعزله المرتبة لا يمكن أن يكون أحد من المالكين أعظم من الحق و هو كل يوم في شأن و قال سَنَفْرُغُ لَكُمْ و ما ثم الأسماء و أرض فالسماء تمور و الأرض تذهب و ذلك لما هو مالك و لو لم يحفظنا ما حفظ ملكه عليه و زال عنه حكم اسم الملكو من ذلك الفرق بين المسيح و المسيح
قال عيسى ع هو المسيح و كل من مسح أرضه بالمشي فيها و السياحة في نواحيها ليرى آثار ربه فيما يراه منها و هو قوله أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا في الْأَرْضِ بأقدامهم و أفكارهم و الأرض أيضا نظرهم في عبوديتهم فإنها تقبل المساحة بما فيها من التفصيل غير أنه في كل فصل منها وصل حق فلله في كل فصل عين و المسيح أيضا من مسحت عينه التي يرى بها نفسه و بقي عليه عينه الذي يرى بها ربه فإذا لم ير إلا الله يقول أنا الله و يصدق فإن عينه التي يرى بها نفسه ذهبت و هو بالنشأة دجال تكذبه النشأة فهو الدجال الصادق فجمع بين الصدق و الكذب فصدق من حيث ما شاهد و كذب من حيث ما فاته فلو علم إن عينه ممسوحة لعلم ما فاته و ادعى الحق بالحق و لكن جرى الأمر هكذا فعيسى أحيا الموتى الذين ما له تعمل في موتهم فهو أتم لأنه لا يحيي إلا من أمات فعلم من أين تؤكل الكتف و الدجال أحيا الميت الذي قتله خاصة و من ذلك سما من علم أسماء الأسماء
و من ذلك علم الأسرار و الأنوار
قال الأنوار شهادة و الحق نور و لهذا يشهد و يرى و الأسرار غيب فلها الهو فلا يظهر الهو أبدا فالحق من حيث الهو لا يشهد و هويته حقيقته و من حيث تجليه في الصور يشهد و يرى و لا يرى إلا في رتبة الرائي و هو ما يعطيه استعداده و استعداده على نوعين استعداد ذاتي و به تكون الرؤية العامة و استعداد عارض و هوما اكتسبه من العلم بالله و تحلت به نفسه من نظره العقلي فيكون التجلي تابعا لهذا الاستعداد الخاص و فيه يقع التفاضلو من ذلك دين الأنبياء واحد ما ثم أمر زائد و إن اختلقت الشرائع فثم أمر جامع
قال هو إقامة الدين و أن لا يتفرق فيه ما خلق الله حلالا أبغض إليه من الطلاق و هو بيد من أخذ بالساق فلما ذا يقصد إلى البغيض مع هذا التعريض نكاح عقد و عرس شهدوا بتنا ببكر صهيا في لجة عمياء نفوس زوجت بأبدانها و لم يكن ناكحها غير أعيانها ثم إنه مع التكدر و الانتقاص لاتَ حِينَ مَناصٍ ثم مع هذا يدعو و يجاب إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ و أعجب من ذلك جبال سيرت فَكانَتْ سَراباً و سماء فتحت فَكانَتْ أَبْواباً ذات حبك و بروج و أرواح لها فيها نزول و عروج و ما لَها من فُرُوجٍ فأين الولوج و أين الخروج و أين النزول و أين العروج هذا موضع الاعتبار فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ و الله إن أمرا نحن فيه لمريج و أن زوجا زوجنا به لبهيج سقف مرفوع و مهاد موضوع و وتد مفروق و وتد مجموع ظلمة و نور و بيت معمور و بحر مسجور و مياه تغور و مراجل تفور فار التنور و اتضحت الأمور نجوم مشرقة و رجوم محرقة شهب ثواقب و شهب ذات ذوائب كلما نجمت ذهبت يا ليت شعري ما الذي أنارها و ما الذي أوجب شرارها و أخواتها ثوابت لا تزول في طلوع و أفول ليل عسعس فظهرت كواكبه و صباح تنفس فضحه راكبة جوار خنس في مجاريها و ظبا كنس لتحفظ ما فيها ليل و نهار أنجاد و أغوارا بدار و سرار يا أهل الأفكار أقسم نجيكم قسما لا لغو فيه و لا ثنيا إن الذي جاء بهذا كله لصادق يؤمن به لا بل يعلمه الظالم لنفسه و المقتصد و السابق شخص من الجنس أيد بروح القدس قيل له بلغ فبلغ و ذكر فأبلغ و قذف بالحق على الباطل فدمغ فزهق الباطل و تحلى العاطل نشأة الآخرة رده في الحافرة كيف يكون التجسد مع التقيد إن كان في نفس الأمر انقلاب العين فقد جهل الكون و إن كان في النظر فهو من مغالط البصر فإذا انبهم الأمر و أشكل فما لك إلا أن تتوكل فأسلم وجهك إلى الله و أنت محسن تكن ممن اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقىفإنه خير لك و أبقى و كن مع الرعيل الذي خوطب بقوله وَ الله خَيْرٌ وَ أَبْقىتكن السعيد الذي لا يشقى فإن نزلت عن هذه الدرجة فأنزل إلى الآخرة خير و أبقى فإنهم و إن كانوا سعداء فإنه لا يستوي المؤمنون الميتون على فرشهم و الشهداء فلكل علم رجال و لكل مقام حال و لكل بيت أهل و مع كل صعب سهل و هذا القدر كاف في هذا الباب لمن علم فطاب و أوتي الحكمة و فصل الخطاب انتهى الباب بانتهاء المجلدة الخامسة و الثلاثين من هذا الكتاب و الحمد لله و صلى الله على محمد رسوله بخط يد منشئ هذا الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم