قرآن کریمبه زبان فارسی

(الباب الموفي ستين و خمسمائة في وصية حكمية ينتفع بها المريد السالك و ا (بخش ۱)

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
وصى الإله و أوصت رسله فلذاكان التأسي بهم من أفضل العمل
لو لا الوصية كان الخلق في عمهو بالوصية دار الملك في الدول
فاعمل عليها و لا تهمل طريقتهاإن الوصية حكم الله في الأزل
ذكرت قوما بما أوصى الإله بهو ليس إحداث أمر في الوصية لي
فلم يكن غير ما قالوه أو شرعوامن السلوك بهم في أقوم السبل
فهدى أحمد عين الدين أجمعهو ملة المصطفى من أنور الملل
لم تطمس العين بل أعطته قوتهاحتى يقيم الذي فيه من الميل
و خذ بسرك عنه من مراكزهعلوا إلى القمر العالي إلى زحل
إلى الثوابت لا تنزل بساحتهاو انهض إلى الدرج العالي من الحمل
و منه للقدم الكرسي ثم إلىالعرش المحيط إلى الأشكال و المثل
إلى الطبيعة للنفس النزيهة للعقلالمقيد بالأعراض و العلل
إلى العماء الذي ما فوقه نفسمنه إلى المنزل المنعوت بالأزل
و انظر إلى الجبل الراسي على الجبلو قد رآه فلم يبرح و لم يزل
لو لا العلو الذي في السفل ما سفلتوجوهنا تطلب المري بالمقل
لذلكم شرع الله السجود لنافنشهد الحق في علو و في سفل
هذي وصيتنا إن كنت ذا نظرفإنها حيلة من أحسن الحيل
ترى بها كل معلوم بصورتهعلى حقيقة ما هو لا على البدل
حتى ترى المنظر الأعلى و ليس لهسواك مجلى فلا تبرح و لا تزل
فإن دعاك إلى عين شربهافلا تجبه و كن منه على وجل
إنا إناث لما فينا يولدهفلنحمد الله ما في الكون من رجل
إن الرجال الذين العرف عينهمهم الإناث و هم نفسي و هم أملي

فمن ذلكوصية قال الله تعالى في الوصية العامة شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا به إِبْراهِيمَ وَ مُوسىوَ عِيسىأَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ فأمر الحق بإقامة الدين و هو شرع الوقت في كل زمان و ملة و أن يجتمع عليه و لا يتفرق فيهفإن يد الله مع الجماعة و إنما يأكل الذئب القاصية و هي البعيدة التي شردت و انفردت عما هي الجماعة عليه و حكمة ذلك أن الله لا يعقل إلها إلا من حيث أسماؤه الحسنى لا من حيث هو معرى عن هذه الأسماء الحسنى فلا بد من توحيد عينه و كثرة أسمائه و بالمجموع هو الإله فيد الله و هي القوة مع الجماعة أوصى حكيم أولاده عند موته و كانوا جماعة فقال لهم ائتوني بعصي فجمعها و قال لهم اكسروها و هي مجموعة فلم يقدروا على ذلك ثم فرقا فقال لهم خذوا واحدة واحدة فاكسروها فكسروها فقال لهم هكذا أنتم بعدي لن تغلبوا ما اجتمعتم فإذا تفرقتم تمكن منكم عدوكم فأبادكم و كذلك القائمون بالدين إذا اجتمعوا على إقامة الدين و لم يتفرقوا فيه لم يقهرهم عدو و كذلك الإنسان في نفسه إذا اجتمع في نفسه على إقامة دين الله لم يغلبه شيطان من الإنس و لا من الجن بما يوسوس به إليه مع مساعدة الايمان و الملك بلمته له وصية إذا عصيت الله تعالى بموضع فلا تبرح من ذلك الموضع حتى تعمل فيه طاعة و تقيم فيه عبادة فكما يشهد عليك إن استشهد يشهد لك و حينئذ تنتزح عنه و كذلك ثوبك إن عصيت الله فيه فكن كما ذكرته لك اعبد الله فيه و كذلك ما يفارقك منك من قص شارب و حلق عانة و قص أظفار و تسريح شعر و تنقية وسخ لا يفارقك شيء من ذلك من بدنك إلا و أنت على طهارة و ذكر الله عز و جل فإنه يسأل عنك كيف تركك و أقل عبادة تقدر عليها عند هذا كله إن تدعو الله في أن يتوب عليك عن أمره تعالى حتى تكون مؤديا واجبا في امتثالك أمر الله و هو قوله وَ قالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ فأمرك أن تدعوه ثم قال في هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي يعني هنا بالعبادة الدعاء أي من يستكبر عن الذلة إلي و المسكنة فإن الدعاء سماه عبادة و العبادة ذلة و خضوع و مسكنة سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ أي أذلاء فإذا فعلوا ما أمروا به جازاهم الله بدخول الجنة أعزاء و لقد دخلت يوما الحمام لغسل طرا علي سحرا فلقيت فيه نجم الدين أبا المعالي ابن اللهيب و كان صاحبيفاستدعى بالحلاق يحلق رأسه فصحت به يا أبا المعالي فقال لي من فوره قبل أن أتكلم إني على طهارة قد فهمت عنك فتعجبت من حضوره و سرعة فهمه و مراعاته الموطن و قرائن الأحوال و ما يعرفه مني في ذلك فقلت له بارك الله فيك و الله ما صحت بك إلا لتكون على طهارة و ذكر عند مفارقة شعرك فدعا لي ثم حلق رأسه و مثل هذا قد أغفله الناس بل يقولون إذا عصيت الله في موضع فتحول عنه لأنهم يخافون عليك إن تذكرك البقعة بالمعصية فتستحليها فتزيد ذنبا إلى ذنب فما ذكروا ذلك إلا شفقة و لكن فاتهم علم كبير فأطع الله فيه و حينئذ تتحول عنه فتجمع بين ما قالوه و بين ما وصيتك به و كلما ذكرت خطيئة أتيتها فتب عنها عقيب ذكرك إياها و استغفر الله منها و اذكر الله عندها بحسب ما كانت تلك المعصية فإن رسول الله ص يقول اتبع السيئة الحسنة تمحها و قال تعالى إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ و لكن يكون لك ميزان في ذلك تعرف به مناسبات السيئات و الحسنات التي تزنها وصية حسن الظن بربك على كل حالو لا تسيء الظن به فإنك لا تدري هل أنت على آخر أنفاسك في كل نفس يخرج منك فتموت فتلقى الله على حسن ظن به لا على سوء ظن فإنك لا تدري لعل الله يقبضك في ذلك النفس الخارج إليه و دع عنك ما قال من قال بسوء الظن في حياتك و حسن الظن بالله عند موتك و هذا عند العلماء بالله مجهول فإنهم مع الله بأنفاسهم و فيه من الفائدة و العلم بالله إنك وفيت في ذلك الحق حقه فإن من حق الله عليك الايمان بقوله وَ نُنْشِئَكُمْ في ما لا تَعْلَمُونَ فلعل الله ينشئك في النفس الذي تظن أنه يأتيك نشأة الموت و الانقلاب إليه و أنت على سوء ظن بربك فتلقاه على ذلك و قد ثبت عن رسول الله ص فيما رواه عن ربه أنه عز و جل يقول أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا و ما خص وقتا من وقت و اجعل ظنك بالله علما بأنه يعفو و يغفر و يتجاوز و ليكن داعيك الإلهي إلى هذا الظن قوله تعالى يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىأَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا من رَحْمَةِ الله فنهاك و ما نهاك عنه يجب عليك الانتهاء عنه ثم أخبر و خبره صدق لا يدخله نسخ فإنه لو دخله نسخ لكان كذبا و الكذب على الله محال فقال إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً و ما خص ذنبا من ذنب و أكدها بقوله جَمِيعاً ثم تمم فقال إِنَّهُ هُوَ فجاء بالضمير الذي يعود عليه الْغَفُورُ الرَّحِيمُ من كونه سبقت رحمته غضبه و كذلك قال الَّذِينَ أَسْرَفُوا و لم يعين إسرافا من إسراف و جاء بالاسم الناقص الذي يعم كل مسرف ثم إضافة العباد إليه لأنهم عباده كما قال الحق عن العبد الصالح عيسى ع إنه قال إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ فأضافهم إليه تعالى و كفى شرفا شرف الإضافة إلى الله تعالىوصية عليكم بذكر الله في السر و العلنو في أنفسكم و في الملإ فإن الله يقول فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ فجعل جواب الذكر من العبد الذكر من الله و أي ضراء على العبد أضر من الذنب و كان يقول ص في حال الضراء الحمد لله على كل حال و في حال السراء الحمد لله المنعم المفضلفإنك إذا أشعرت قلبك ذكر الله دائما في كل حال لا بد أن يستنير قلبك بنور الذكر فيرزقك ذلك النور الكشف فإنه بالنور يقع الكشف للأشياء و إذا جاء الكشف جاء الحياء يصحبه دليلك على ذلك استحياؤك من جارك و ممن ترى له حقا و قدرا و لا شك أن الايمان يعطيك تعظيم الحق عندك و كلامنا إنما هو مع المؤمنين و وصيتنا إنما هي لكل مسلم مؤمن بالله و بما جاء من عندهو الله يقول في الخبر المأثور الصحيح عنه الحديث و فيه و أنا معه يعني مع العبد حين يذكرني إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي و إن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهمو قال تعالى وَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ و أكبر الذكر ذكر الله على كل حال وصية ثابر على إتيان جميع القرب جهد الاستطاعة في كل زمان و حال بما يخاطبك به الحق بلسان ذلك الزمان و لسان ذلك الحال فإنك إن كنت مؤمنا فلن تخلص لك معصية أبدا من غير أن تخالطها طاعة فإنك مؤمن بها إنها معصية فإن أضفت إلى هذا التخليط استغفار أو توبة فطاعة على طاعة و قربة إلى قربة فيقوي جزء الطاعة التي خلط به العمل السيئ و الايمان من أقوى القرب و أعظمها عند الله فإنه الأساس الذي أنبنى عليه جميع القرب و من الايمان حكمك على الله بما حكم به على نفسهفي الخبر الذي صح عنه تعالى الذي ذكر فيه و إن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا و إن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا و إن أتاني يمشي أتيته هرولة و سبب هذا التضعيف من الله و الأقل من العبد و الأضعف فإن العبد لا بد له أن يتثبت من أجل النية بالقربة إلى الله في الفعل و أنهي مأمور بأن يزن أفعاله بميزان الشرع فلا بد من التثبط فيه و إن أسرع و وصف بالسرعة فإنما سرعته في إقامة الميزان في فعله ذلك لا في نفس الفعل فإن إقامة الميزان به تصح المعاملة و قرب الله لا يحتاج إلى ميزان فإن ميزان الحق الموضوع الذي بيده هو الميزان الذي وزنت أنت به ذلك الفعل الذي تطلب به القربة إلى الله فلا بد من هذا نعته أن يكون في قربه منك أقوى و أكثر من قربك منه فوصف نفسه بأنه يقرب منك في قربك منه ضعف ما قربت منه مثلا بمثل لأنك على الصورة خلقت و أقل خلافة لك خلافتك على ذاتك فأنت خليفته في أرض بدنك و رعيتك جوارحك و قواك الظاهرة و الباطنة فعين قربه منك قربك منه و زيادة و هي ما قال من الذراع و الباع و الهرولة و الشبر إلى الشبر ذراع و الذراع إلى الذراع باع و المشي إذا ضاعفته هرولة فهو في الأول الذي هو قربك منه و هو في الآخر الذي هو قربه منك ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ و هذا هو القرب المناسب فإن القرب الإلهي من جميع الخلق غير هذا و هو قوله وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ من حَبْلِ الْوَرِيدِ فما أريد هنا ذلك القرب و إنما أريد القرب الذي هو جزاء قرب العبد من الله و ليس للعبد قرب من الله إلا بالإيمان بما جاء من عند الله بعد الايمان بالله و بالمبلغ عن الله (وصية) ألزم نفسك الحديث بعمل الخير و إن لم تفعل و مهما حدثت نفسك بشر فاعزم على ترك ذلك لله إلا أن يغلبك القدر السابق و القضاء اللاحق فإن الله إذا لم يقض عليك بإتيان ذلك الشيء الذي حدثت به نفسك كتبه لك حسنة و قد ثبت عن رسول الله ص عن ربه عز و جل إنه يقول إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعملها و كلمة ما هنا ظرفية فكل زمان يمر عليه في الحديث بعمل هذه الحسنة و إن لم يعملها فإن الله يكتبها له حسنة واحدة في كل زمان يصحبه الحديث بها فيه بلغت تلك الأزمنة من العدد ما بلغت فله بكل زمان حديث حسنة و لهذا قال ما لم يعملها ثمقال تعالى فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها و من هنا فرض العشر فيما سقت السماء إن علمت فإن كانت من الحسنات المتعدية التي لها بقاء فإن الأجر يتجدد عليها ما بقيت إلى يوم القيامة كالصدقة الجارية مثل الأوقاف و العلم الذي يبثه في الناس و السنة الحسنة و أمثال ذلك ثم تمم نعمه على عبادهفقال تعالى و إذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملهاو ما هنا ظرفية كما كانت في الحسنة سواء و الحكم كالحكم في الحديث و الجزاء بالغا ما بلغثم قال فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها فجعل العدل في السيئة و الفضل في الحسنة و هو قوله لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىوَ زِيادَةٌ و هو الفضل و هو ما زاد على المثل ثم أخبر تعالى عن الملائكة أنها تقول بحكم الأصل عليها الذي نطقها في حق أبينا آدم بقولها أَ تَجْعَلُ فِيها من يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ فما ذكرت إلا مساوينا و ما تعرضت للحسن من ذلك فإن الملأ الأعلى تغلب عليه الغيرة على جناب الله أن يهتضم و علمت من هذه النشأة العنصرية أنها لا بد أن تخالف ربها لما هي عليه من حقيقتها و ذلك عندها بالذوق من ذاتها و إنما هي في نشأتنا أظهر و لو لا إن الملائكة في نشأتها على صورة نشأتنا ما ذكر الله عنهم أنهم يَخْتَصِمُونَ و الخصام ما يكون إلا مع الأضداد و ما ذكر الله عن الملائكة في حقنا أنهم يقولون ذاك عبدك يريد أن يعمل حسنة فانظر قوة هذا الأصل ما أحكمه لمن نظر و من هنا تعلم فضل الإنسان إذا ذكر خيرا في أحد و سكت عن شره أين تكون درجته مع القصد الجميل من الملائكة فيما ذكروه و لكن نبهتك على ما نبهتك عليه من ذلك لتعرف نشأتهم و ما جبلوا عليه ف كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىشاكِلَتِهِ كما قال تعالى و أخبر أن الملائكة تقول ذاك عبدك فلان يريد أن يعمل سيئة و هو أبصر به فقال ارقبوه فإن عملها فاكتبوها له بمثلها و إن تركها فاكتبوها له حسنة إنه إنما تركها من جرائيأي من أجلي فالملائكة المذكورة هنا هم الذين قال الله لنا فيهم إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ فالمرتبة و التولية أعطتهم أن يتكلموا بما تكلموا به فلهم كتابة الحسن من غير تعريف بما تقدم الله إليهم به في ذلك و يتكلمون في السيئة لما يعلمونه من فضل الله و تجاوزه و لو لا ما تكلموا في ذلك ما عرفنا ما هو الأمر فيه عند الله مثل ما يقولونه في مجالس الذكر في الشخص الذي يأتيها إلى حاجته لا لأجل الذكر فأطلق الله للجميع المغفرة و قال هم القوم لا يشقى جليسهم فلو لا سؤالهم و تعريفهم بهم ما عرفنا حكم الله فيهم فكلامهم ع تعليم و رحمة و إن كان ظاهرة كما يسبق إلى الأفهام القاصرة مع الأصل الذي نبهناك عليهو قد قال الله في الحسنة و السيئة من جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها و أزيد وَ من جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزىإِلَّا مِثْلَها و أغفر بعد الجزاء لقوم و قبل الجزاء لقوم آخرين فلا بد من المغفرة لكل مسرف على نفسه و إن لم يتب فمن تحقق بهذه الوصية عرف النسبة بين النشأة الإنسانية و الملكية و أن الأصل واحد كما أن ربنا واحد و له الأسماء المتقابلة فكان الوجود على صورة الأسماء (وصية) ثابر على كلمة الإسلامو هي قولك لا إله إلا الله فإنها أفضل الأذكار بما تحوي عليه من زيادة علم و قال ص أفضل ما قلته أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا اللهفهي كلمة جمعت بين النفي و الإثبات و القسمة منحصرة فلا يعرف ما يحوي عليه هذه الكلمة إلا من عرف وزنها و ما تزن كما ورد في الخبر الذي نذكره في الدلالة عليها فاعلم أنها كلمة توحيد و التوحيد لا يماثله شيء إذ لو ماثله شيء ما كان واحد أو لكان اثنين فصاعدا فما ثم ما يزنه فإنه ما يزنه إلا المعادل و المماثل و ما ثم مماثل و لا معادل فذلك هو المانع الذي منع لا إله إلا الله أن تدخل الميزان فإن العامة من العلماء يرون أن الشرك الذي هو يقابل التوحيد لا يصح وجود القول به من العبد مع وجود التوحيد فالإنسان إما مشرك و إما موحد فلا يزن التوحيد إلا الشرك فلا يجتمعان في ميزان و عندنا إنما لم يدخل في الميزان لما ورد في الخبر لمن فهمه و اعتبره و هو خبر صحيح عن الله يقول الله لو أن السموات السبع و عامرهن غيري و الأرضين السبع و عامرهن غيري في كفة و لا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله فما ذكر إلا السموات و الأرض لأن الميزان ليس له موضع إلا ما تحت مقعر فلك الكواكب الثابتة من السدرة المنتهى التي ينتهي إليها أعمال العباد و لهذه الأعمال وضع الميزان فلا تتعدى الميزان الموضع الذي لا يتعداه الأعمال ثم قال و عامرهن غيري و ما لها عامر إلا الله فالخبير تكفيه الإشارة و في لسان العموم من علماء الرسوم يعني بالغير الشريك الذي أثبته المشرك لو كان له اشتراك في الخلق لكانت لا إله إلا الله تميل به في الميزان لأن لا إله إلا الله الأقوى على كل حال لكون المشرك يرجح جانب الله تعالى على جانب الذي أشرك به فقال فيهم إنهم قالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفىفإذا رفع ميزان الوجود لا ميزان التوحيد دخلت لا إله إلا الله فيه و قد تدخل في ميزان توحيد العظمة و هو توحيد المشركين فتزنه لا إله إلا الله و تميل به فإنه إذا لم يكن العامر غير الله فلا تميل و عينه ما ذكره إنما هو الله قال أين تميل و ما ثم إلا واحد في الكفتين و أما صاحب السجلات فما مالت الكفة إلا بالبطاقة لأنها هي التي حواها الميزان من كون لا إله إلا الله يلفظ بها قائلها فكتبها الملك فهي لا إله إلا الله المكتوبة المخلوقة في النطق و لو وضعت لكل أحد ما دخل النار من تلفظ بتوحيد و إنما أراد الله أن يرى فضلها أهل الموقف في صاحب السجلات و لا يراها و لا توضع إلا بعد دخول من شاء الله من الموحدين النار فإذا لم يبق في الموقف موحد قد قضى الله عليه أن يدخل النار ثم بعد ذلك يخرج بالشفاعة أو بالعناية الإلهية عند ذلك يؤتى بصاحب السجلات و لم يبق في الموقف إلا من يدخل الجنة ممن لا حظ له في النار و هو آخر من يوزن له من الخلق فإن لا إله إلا الله له البدء و الختام و قد يكون عين بدئها ختامها كصاحب السجلاتثم اعلم أن الله ما وضع في العموم إلا أفضل الأشياء و أعمها منفعة و أثقلها وزنا لأنه يماثل بها أضدادا كثيرة فلا بد أن يكون في ذلك الموضوع في العامة من القوة ما يقابل به كل ضد و هذا لا يتفطن له كل عارف من أهل الله إلا الأنبياء الذين شرعوا للناس ما شرعوا و لا شك أنهقال ص أفضل ما قلته أنا و النبيون من قبلي لا إله إلا اللهو قد قال ما أشارت إلى فضله من ادعى الخصوص من الذكر بكلمة الله الله و هو هو و لا شك أنه من جملة الأقوال التي لا إله إلا الله أفضل منها عند العلماء بالله فعليك يا ولي بالذكر الثابت في العموم فإنه الذكر الأقوى و له النور الأضوى و المكانة الزلفى و لا يشعر بذلك إلا من لزمه و عمل به حتى أحكمه فإن الله ما وسع رحمته إلا للشمول و بلوغ المأمول و ما من أحد إلا و هو يطلب النجاة و إن جهل طريقها فمن نفى بلا إله عينه أثبت بإلا الله كونه فتنفى عينك حكما لا علما و توجب كون الحق حكما و علما و الإله من له جميع الأسماء و ليست إلا لعين واحدة و هي مسمى الله عامر السموات و الأرض الذي بيده ميزان الرفع و الخفض فعليك بلزوم هذا الذكر الذي قرن الله به و بالعلم به السعادة فعم (وصية) و إياك و معاداة أهل لا إله إلا الله فإن لها من الله الولاية العامة فهم أولياء الله و إن أخطئوا و جاءوا بقراب الأرض خطايا لا يشركون بالله لقيهم الله بمثلها مغفرة و منثبتت ولايته فقد حرمت محاربته و من حارب الله فقد ذكر الله جزاءه في الدنيا و الآخرة و كل من لم يطلعك الله على عداوته لله فلا تتخذه عدوا و أقل أحوالك إذا جهلته أن تهمل أمره فإذا تحققت أنه عدو لله و ليس إلا المشرك فتبرأ منه كما فعل إبراهيم الخليل ع في حق أبيه آزر قال الله عز و جل فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ هذا ميزانك يقول الله تعالى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ من حَادَّ الله وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ كما فعل إبراهيم الخليل أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ و متى لا تعلم ذلك فلا تعاد عباد الله بالإمكان و لا بما ظهر على اللسان و الذي ينبغي لك أن تكره فعله لا عينه و العدو لله إنما تكره عينه ففرق بين من تكره عينه و هو عدو الله و بين من تكره فعله و هو المؤمن أو من تجهل خاتمته ممن ليس بمسلم في الوقت و احذر قوله تعالى في الصحيح من عادى لي وليا فقد آذنته بالحربفإنه إذا جهل أمره و عاداه فما وفى حق الحق في خلقه فإنه ما يدري علم الله فيه و ما بينه الله له حتى يتبرأ منه و يتخذه عدوا و إذا علم حاله الظاهر و إن كان عدوا لله في نفس الأمر و أنت لا تعلم فواله لإقامة حق الله و لا تعاده فإن الاسم الإلهي الظاهر يخاصمك عند الله فلا تجعل لله عليك حجة فتهلك فإن فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ فعامل عباد الله بالشفقة و الرحمة كما إن الله يرزقهم على كفرهم و شركهم مع علمه بهم و ما رزقهم إلا لعلمه بأن الذي هم فيه ما هم فيه بهم بل و هم فيه بهم لما قد ذكرناه بلسان العموم فإن الله خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ و كفرهم و شركهم مخلوق فيهم و بلسان الخصوص ما ظهر حكم في موجود إلا بما هو عليه في حال العدم في ثبوته الذي علمه الله منه فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ على كل أحد مهما وقع نزاع و محاجة فيسلم الأمر إليه و اعلم أنك على ما كنت عليه و عم برحمتك و شفقتك جميع الحيوان و المخلوقين و لا تقل هذا نبات و جماد ما عندهم خبر نعم عندهم أخبار أنت ما عندك خبر فاترك الوجود على ما هو عليه و ارحمه برحمة موجدة في وجوده و لا تنظر فيه من حيث ما يقام فيه في الوقت حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ تَعْلَمَ الْكاذِبِينَ فيتعين عليك عند ذلك أن تتخذهم أعداء لأمر الله لك بذلك حيث نهاك أن تتخذ عدوه وليا تلقي إليه بالمودة فإن اضطرك ضعف يقين إلى مداراتهم فدارهم من غير أن تلقي إليهم بمودة و لكن مسالمة لدفع الشر عنك ففوض الأمر إليه و اعتمد في كل حال عليه إلى أن تلقاه (وصية) و عليك بملازمة ما افترضه الله عليك على الوجه الذي أمرك أن تقوم فيه فإذا أكملت نشأة فرائضك و إكمالها فرض عليك حينئذ تتفرغ ما بين الفرضين لنوافل الخيرات كانت ما كانت و لا تحقر شيئا من عملك فإن الله ما احتقره حين خلقه و أوجده فإن الله ما كلفك بأمر إلا و له بذلك الأمر اعتناء و عناية حتى كلفك به مع كونك في الرتبة أعظم عنده فإنك محل لوجود ما كلفك به إذ كان التكليف لا يتعلق إلا بأفعال المكلفين فيتعلق بالمكلف من حيث فعله لا من حيث عينه و اعلم إنك إذا ثابرت على أداء الفرائض فإنك تقربت إلى الله بأحب الأمور المقربة إليه و إذا كنت صاحب هذه الصفة كنت سمع الحق و بصره فلا يسمع إلا بك و لا يبصر إلا بك فيد الحق يدك إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ الله يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ و أيديهم من حيث ما هي يد الله هي فوق أيديهم من حيث ما هي أيديهم فإنها المبايعة اسم فاعل و الفاعل هو الله فأيديهم يد الله فبأيديهم بايع تعالى و هم المبايعون و الأسباب كلها يد الحق التي لها الاقتدار على إيجاد المسببات و هذه هي المحبة العظمى التي ما ورد فيها نص جلي كما ورد في النوافل فإن للمثابرة على النوافل حبا إلهيا منصوصا عليه يكون الحق سمع العبد و بصره كما كان الأمر بالعكس في حب أداء الفرائض ففي الفرض عبودية الاضطرار و هي الأصلية و في الفرع و هو النفل عبودية الاختيار فالحق فيها سمعك و بصرك و يسمى نفلا لأنه زائد كما أنك بالأصالة زائد في الوجود إذ كان الله و لا أنت ثم كنت فزاد الوجود الحادث فأنت نفل في وجود الحق فلا بد لك من عمل يسمى نفلا هو أصلك و لا بد من عمل يسمى فرضا و هو أصل الوجود و هو وجود الحق ففي أداء الفرض أنت له و في النفل أنت لك و حبه إياك من حيث ما أنت له أعظم و أشد من حبه إياك من حيث ما أنت لك و قد ورد في الخبر الصحيح عن الله تعالى ما تقرب إلى عبد بشيء أحب إلي مما افترضته عليه و ما يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحببته فكنت سمعه الذي به يسمع و بصره الذي به يبصر و يده التي يبطش و رجله التي بها يمشي و لئن سألنيلأعطينه و لئن استعاذ بي لأعيذنه و ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن يكره الموت و أنا أكره مساءتهفانظر إلى ما تنتجه محبة الله فثابر على أداء ما يصح به وجود هذه المحبة الإلهية و لا يصح نفل إلا بعد تكملة الفرض و في النفل عينه فروض و نوافل فبما فيه من الفروض تكمل الفرائضورد في الصحيح أنه يقول تعالى انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فإن كانت تامة كتبت له تامة و إن كان انتقص منها شيئا قال انظروا هل لعبدي من تطوع فإن كان له تطوع قال الله أكملوا لعبدي فريضته من تطوعهثم تؤخذ الأعمال على ذاكم و ليست النوافل إلا ما لها أصل في الفرائض و ما لا أصل له في فرض فذلك إنشاء عيادة مستقلة يسميها علماء الرسوم بدعة قال الله تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها و سماها رسول الله ص سنة حسنة و الذي سنها له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئا و لما لم يكن في قوة النفل أن يسد مسد الفرض جعل في نفس النفل فروضا لتجبر الفرائض بالفرائض كصلاة النافلة بحكم الأصل ثم إنها تشتمل على فرائض من ذكر و ركوع و سجود مع كونها في الأصل نافلة و هذه الأقوال و الأفعال فرائض فيها (وصية) و عليك بمراعاة أقوالك كما تراعي أعمالك فإن أقوالك من جملة عملك و لهذا قال بعض العلماء من عد كلامه من عمله قل كلامهو اعلم أن الله راعي أقوال عباده و أن الله عند لسان كل قائل فما نهاك الله عنه إن تتلفظ به فلا تتلفظ به و إن لم تعتقده فإن الله سائلك عنه روينا أن الملك لا يكتب على العبد ما يعمله حتى يتكلم به قال تعالى ما يَلْفِظُ من قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ يريد الملك الذي يحصي عليك أقوالك يقول تعالى إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِراماً كاتِبِينَ يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ و أقوالك من أفعالك انظر في قوله تعالى وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبِيلِ الله أَمْواتٌ فنهاك عن القول فإنه كذب الله من قال مثل هذا القول فإن الله قال فيهم إنهم أحياء أ لا ترى إلى قوله تعالى حيث يقول وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ الله أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ و قال لا يُحِبُّ الله الْجَهْرَ بِالسُّوءِ من الْقَوْلِ و قال لا خَيْرَ في كَثِيرٍ من نَجْواهُمْ و هو القول فإذا تكلمت فتكلم بميزان ما شرع الله لك أن تتكلم به و كان رسول الله ص يمزح و لا يقول إلا حقا فعليك بقول الحق الذي يرضى الله فما كل حق يقال يرضى الله فإن النميمة حق و الغيبة حق و هي لا ترضي الله و قد نهيت أن تغتاب و إن تنم بأحد و من مراعاة الله الأقوالما رويناه في صحيح مسلم عن الله تعالى لما مطرت السماء قال عز و جل أصبح من عبادي مؤمن بي و كافر فمن قال مطرنا بنوء كذا و كذا فهو كافر بي مؤمن بالكوكب و أما من قال مطرنا بفضل الله و رحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكبفراعى أقوال القائلين و كان أبو هريرة يقول إذا مطرت السماء مطرنا بنوء الفتح ثم يتلو ما يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ من رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها و لو كنت تعتقد أن الله هو الذي وضع الأسباب و نصبها و أجرى العادة عندنا بأنه يفعل الأشياء عندها لا بها و مع هذا كله لا تقل ما نهاك الله عنه أن تقوله و تتلفظ به فإنه كما نهاك عن أمور نهاك عن القول و إن كان حقا و انظر ما أحكم قول الله عز و جل في قوله مؤمن بي كافر بالكوكب و كافر بي مؤمن بالكوكب فإنه مهما قال بفضل الله فقد ستر الكوكب حيث لم ينطق باسمه و من قال بالكوكب فقد ستر الله و إن اعتقد أنه الفاعل منزل المطر و لكن لم يتلفظ باسمه فجاء تعالى بلفظ الكفر الذي هو الستر فإياك و الاستمطار بالأنواء أن تتلفظ به فأحرى إن تعتقده فإن اعتقادك إن كنت مؤمنا أن الله نصبها أدلة عادية و كل دليل عادي يجوز خرق العادة فيه فاحذر من غوائل العادات و لا تصرفنك عن حدود الله التي حد لك فلا تتعداها فإن الله ما حدها حتى راعاها و ذلك في كل شيء ورد في الخبر الصحيح أن الرجل يتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيهوي بها في النار سبعين حريفا و إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيرفع بها في عليينفلا تنطق إلا بما يرضى الله لا بما يسخط الله عليك و ذلك لا يتمكن لك إلا بمعرفة ما حده لك في نطقك و هذا باب أغفله الناسقال رسول الله ص و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهمو قال الحكيم لا شيء أحق بسجن من لسان و قد جعله الله خلف بابين الشفتين و الأسنان و مع هذا يكثر الفضول و يفتح الأبواب (وصية) و إياك أن تصور صورة بيدك من شأنها أن يكون لها روح فإن ذلك أمر يهونه الناس على أنفسهم وَ هُوَ عِنْدَ الله عَظِيمٌفالمصورون أشد الناس عذابا يوم القيامة يقال للمصور يوم القيامة أحي ما خلقت أو انفخ فيها روحا و ليس بنافخو قد ورد في الصحيح عن الله تعالى أنه قال و من أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة و إن العبد إذا راعى هذا القدر و تركه لما ورد عن الله فيه و لم يزاحم الربوبية في تصوير شيء لا من حيوان و لا من غير حيوان فإنه يطلع على حياة كل صورة في العالم فيراه كله حيوانا ناطقا يسبح بحمد الله و إذا سامح نفسه في تصوير النبات و ما ليس له روح في الشاهد في نظر البصر في المعتاد فلا يطلع على مثل هذا الكشف أبدا فإنه في نفس الأمر لكل صورة من العالم روح أخذ الله بأبصارنا عن إدراك حياة ما يقول عنه إنه ليس بحيوان و في الآخرة يتكشف الأمر في العموم و لهذا سماها بالدار الحيوان فما ترى فيها شيئا إلا حيا ناطقا بخلاف حالك في الدنيا كما روى في الصحيح أن الحصى سبح في كف رسول الله صفجعل الناس خرق العادة في تسبيح الحصى و أخطئوا و إنما خرق العادة في سمع السامعين ذلك فإنه لم يزل مسبحا كما أخبر الله إلا أن يسبح بتسبيح خاص أو هيأة في النطق خاصة لم يكن الحصى قبل ذلك يسبح به و لا على تلك الكيفية فحينئذ يكون خرق العادة في الحصى لا في سمع السامع و الذي في سمع السامع كونه سمع نطق من لم تجر العادة أن يسمعه (وصية) و عليك يا أخي بعيادة المرضى لما فيها من الاعتبار و الذكرى فإن الله خلق الإنسان من ضَعْفٍ فينبهك النظر إليه في عيادتك على أصلك لتفتقر إلى الله في قوة يقويك بها على طاعته و أن الله عند عبده إذا مرض أ لا ترى إلى المريض ما له استغاثة إلا بالله و لا ذكر إلا الله فلا يزال الحق بلسانه منطوقا به و في قلبه التجاء إليه فالمريض لا يزال مع الله أي مريض كان و لو تطبب و تناول الأسباب المعتادة لوجود الشفاء عندها و مع ذلك فلا يغفل عن الله و ذلك لحضور الله عنده و إن الله يوم القيامة يقول يا ابن آدم مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك أو أنت رب العالمين قال أ ما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أ ما أنك لو عدته لوجدتني عنده الحديثو هو صحيح فقوله لوجدتني عنده هو ذكر المريض ربه في سره و علانيته و كذلك إذا استطعمك أحد من خلق الله أو استسقاك فأطعمه و اسقه إذا كنت موجدا لذلك فإنه لو لم يكن لك من الشرف و المنزلة إلا إن هذا المستطعم و المستسقي قد أنزلك منزلة الحق الذي يطعم عباده و يسقيهم و هذا نظر قل من يعتبره انظر إلى السائل إذا سأل و يرفع صوته يقول بالله أعطني فما نطقه الله إلا باسمه في هذه الحال و ما رفع صوته إلا ليسمعك أنت حتى تعطيه فقد سماك بالاسم الله و التجأ إليك برفع الصوت التجائه إلى الله و من أنزلك منزلة سيده فينبغي لك أن لا تحرمه و تبادر إلى إعطائه ما سالك فيه فإنفي هذا الحديث الذي سقناه آنفا في مرض العبد إن الله يقول يا ابن آدم استطعمتك فلم تطعمني قال يا رب كيف أطعمك و أنت رب العالمين قال أ ما علمت إن عبدي فلانا استطعمك فلم تطعمه أ ما لو أطعمته لوجدت ذلك عندي يا ابن آدم استسقيتك فلم تسقني قال يا رب كيف أسقيك و أنت رب العالمين قال أ ما علمت إن عبدي فلانا استسقاك فلم تسقه أما لو سقيته لوجدت ذلك عندي خرج هذا الحديث مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة قال قال رسول الله صفأنزل الله نفسه في هذا الخبر منزلة عبده فالعبد الحاضر مع الله الذاكر الله في كل حال في مثل هذه الحال يرى الحق أنه الذي استطعمه و استسقاه فيبادر لما طلب الحق منه فإنه لا يدري يوم القيامة لعله يقام في حال هذا الشخص الذي استطعمه و استسقاه من الحاجة فيكافئه الله على ذلك و هو قوله لوجدت ذلك عندي أي تلك الطعمة و الشربة كنت أرفعها لك و أربيها حتى تجيء يوم القيامة فاردها عليك أحسن و أطيب و أعظم مما كانت فإن لم تكن لك همة أن ترى هذا الذي استسقاك قد أنزلك منزلة من بيده قضاء حاجته إذ جعلك الله خليفة عنه فلا أقل أن تقضي حاجة هذا السائل بنية التجارة طلبا للريح و تضاعف الحسنة فكيف إذا وقفت على مثل هذا الخبر و رأيت أن الله هو الذي سألك ما أنت مستخلف فيه فإن الكل لله و قد أمرك بالإنفاق مما استخلفك فيه فقال وَ أَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ و عظم الأجر فيه إذا أنفقت فلا ترد سائلا و لو بكلمة طيبة و ألقه طلق الوجهمسرورا به فإنك إنما تلقى الله و كان الحسين أو الحسن ع إذا سأله السائل سارع إليه بالعطاء و يقول أهلا و الله و سهلا بحامل زادي إلى الآخرةلأنه رآه قد حمل عنه فكان له مثل الراحلة لأن الإنسان إذا أنعم الله عليه نعمة و لم يحمل فضلها غيره فإنه يأتي بها يوم القيامة و هو حاملها حتى يسأل عنها فلهذا كان الحسن يقول إن السائل حامل زاده إلى الآخرة فيرفع عنه مئونة الحمل (وصية)و إياكم و مظالم العباد فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و ظلم العباد إن تمنعهم حقوقهم التي أوجب الله عليك أداءها إليهم و قد يكون ذلك بالحال فيما تراه عليه من الاضطرار و أنت قادر واجد لسد خلته و دفع ضرورته فيتعين عليك أن تعلم أن له بحاله حقا في مالك فإن الله ما أطلعك عليه إلا لتدفع إليه حقه و إلا فأنت مسئول فإن لم يكن لك قدرة بما تسد خلتهفاعلم إن الله ما أطلعك على حاله سدى فاعلم أنه يريد منك أن تعينه بكلمة طيبة عند من تعلم أنه يسد خلته فإن لم تعمل فلا أقل من دعوة تدعو له و لا يكون هذا إلا بعد بذل المجهود و الياس حتى لا يبقى عندك إلا الدعاء و مهما غفلت عن هذا القدر فأنت من جملة من ظلم صاحب هذا الحال هذا كله إن مات ذلك المحتاج من تلك الحاجة فإن لم يمت و سد خلته غيرك من المؤمنين فقد أسقط أخوك عنك هذه المطالبة من حيث لا يشعر فإن المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه و إن لم ينو المعطي ذلك و لكن هكذا هو في نفس الأمر و كذا يقبله الله فإذا أعطيت أنت سائلا بالحال ضرورته فانو في ذلك أن تنوب عن أخيك المؤمن الأول الذي حرمه و تجعل ذلك منه إيثارا لجنابك عليه بذلك الخير الذي أبقاه من أجلك حتى تصيبه إذ لو أعطاه اقتنع بما أعطاه و لم تكن تجد أنت ذلك الخير فبهذه النية عطاء العارفين أصحاب الضرورات السائلين بأحوالهم و أقوالهم وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ و سواء كان ذلك في القوت المحسوس أو المعنوي فإن العلم من هذا الباب و الإفادة فإن الضال يطلب الهداية و الجائع يطلب الإطعام و العاري يطلب الكسوة التي تقيه برد الهواء و حره و تستر عورته و الجاني العالم بأنك قادر على مؤاخذته يطلب منك العفو عن جنايته فاهد الجيران و أطعم الجائع و اسق الظمآن و اكس العريان و اعلم إنك فقير لما يفتقر إليك فيه و الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و مع هذا يجيب دعاءهم و يقضي حوائجهم و يسألهم أن يسألوه في دفع المضار عنهم و إيصال المنافع إليهم فأنت أولى أن تعامل عباد الله بمثل هذا لحاجتك إلى الله في هذه الأمور خرج مسلم في الصحيح عن عبد الله بن عبد الرحمن بن بهرام الدارمي عن مروان بن محمد الدمشقي عن سعيد بن عبد العزيز عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذر عن النبي ص فيما روى عن الله تبارك و تعالى أنه قال يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي و جعلته بينكم محرما فلا تظالموا يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم يا عبادي أنتم تخطئون بالليل و النهار و أنا اغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكمو الحق تعالى يعطيكم هذا كله من غير سؤال منك إياه فيه و لكن مع هذا أمرك أن تسأله فيعطيك إجابة لسؤالك ليريك عنايته بك حيث قبل سؤالك و هذه منزلة أخرى زائدة على ما أعطاك و إذا كان سؤالك عن أمره و قد علم منك أنك تسأله و لا بد من ضرورة أصل ما خلقت عليه من الحاجة و السؤال لتكون في سؤالك مؤديا أمرا واجبا فتجزى جزاء من امتثل أمر الله فتزيد خيرا إلى خير فما أمرك إلا رحمة بك و إيصال خير إليك و لينبهك على إن حاجتك إليه لا إلى غيره فإنه ما خلقك إلا لعبادته أي لتذل له فالذي أوصيك به الوقوف عند أوامر الحق و نواهيه و الفهم عنه في ذلك حتى تكون من العلماء بما أراده الحق منك في أمره و نهيه إياك و من لم يسأل ربه فقد بخله هذا في حق العموم فإن فرطت فيما أوصيتك به فلا تلومن إلا نفسك فإنك إن كنت جاهلا فقد علمتك و إن كنت ناسيا و نافلا فقد نبهتك و ذكرتك فإن كنت مؤمنا فإن الذكرى تنفعك فإني قد امتثلت أمر الله بما ذكرتك به و انتفاعك بالذكرى شاهد لك بالإيمان قال الله عز و جل في حقي و في حقك وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىتَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فإن لم تنفعك الذكرى فاتهم نفسك في إيمانك فإن الله صادق و قد أخبر بأن الذكرى تنفع المؤمنين و من تمام هذا الخبر الإلهي الذي أوردناه بعد قوله اغفر لكم أن قال يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني و لن تبلغوا نفعي فتنفعونيو معلوم أنه سبحانه لا يتضرر و لا ينتفع فإنه الغني عن العالمين و لكن لما أنزلنفسه منزلة عبده فيما ذكرناه من الاستطعام و الاستسقاء نبهنا بالعجز عن بلوغ الغاية في ضر العباد له أو في نفعهم فمن المحال بلوغ الغاية في ذلك و لكون الله قد قال في حق قوم بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ الله و هو في الظاهر ضرر نزه نفسه عن ذلك و كذلك من فعل فعلا يرضي الله به و يفرحه كالتائب في فرح الله بتوبة عبده فكان هذا الخبر كالدواء لما يطرأ من المرض من ذلك في بعض النفوس الضعيفة في العلم بالله التي لا علم لها بما يعطيه قوله لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ثم من تمام هذا الخبر قوله يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد ما نقص ذلك من ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم و آخركم و إنسكم و جنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا دخل في البحرو هذا كله دواء لما ذكرناه من أمراض النفوس الضعيفة فاستعمل يا ولي هذه الأدوية يقول الله إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أو فيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله و من وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه و من سأل عن حاجة فقد ذل و من ذل لغير الله فقد ضل و ظلم نفسه و لم يسلك بها طريق هداها و هذه وصيتي إياك فألزمها و نصيحتي فأعلمها و ما زال الله تعالى يوصي عباده في كتابه و على ألسنة رسله فكل من أوصاك بما في استعماله سعادتك فهو رسول من الله إليك فاشكره عند ربك (وصية) إذا رأيت عالما لم يستعمله علمه فاستعمل أنت علمك في أدبك معه حتى توفي العالم حقه من حيث ما هو عالم و لا تحجب عن ذلك بحاله السيئ فإن له عند الله درجة علمه فإن الإنسان يحشر يوم القيامة مع من أحب و من تأدب مع صفة إلهية كسيها يوم القيامة و حشر فيها و عليك بالقيام بكل ما تعلم أن الله يحبه منك فتبادر إليه فإنك إذا تحليت به على طريق التحبب إليه تعالى أحبك و إذا أحبك أسعدك بالعلم به و بتجليه و بدار كرامته فينعمك في بلائك و الذي يحبه تعالى أمور كثيرة اذكر منها ما تيسر على جهة الوصية و النصيحة فمن ذلك التجمل لله فإنه عبادة مستقلة و لا سيما في عبادة الصلاة فإنك مأمور به قال الله تعالى يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ و قال في معرض الإنكار قُلْ من حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ من الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الْحَياةِ الدُّنْيا خالِصَةً يَوْمَ الْقِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ و أكثر من هذا البيان في مثل هذا في القرآن فلا يكون و لا فرق بين زينة الله و زينة الحياة الدنيا إلا بالقصد و النية و إنما عين الزينة هي هي ما هي أمر آخر فالنية روح الأمور و إنما لامرئ ما نوى فالهجرة من حيث ما كانت هجرة واحدة العين فمن كانت هجرته إلى الله و رسوله فهجرته إلى الله و رسوله و من كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه و كذلك ورد في الصحيح في بيعة الإمام في الثلاثة الذين لا يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ و فيه و رجل بايع أما ما لا يبايعه إلا لدنيا فإن أعطاه منها وفى و إن لم يعطه منها لم يف فالأعمال بالنيات و هي أحد أركان بيت الإسلام و ورد في الصحيح في مسلم أن رجلا قال لرسول الله ص يا رسول الله إني أحب أن يكون نعلي حسنا و ثوبي حسنا فقال له رسول الله ص إن الله جميل يحب الجمالو قال إن الله أولى من يتجمل له (و من هذا الباب) كون الله تعالى لم يبعث إليه جبريل في أكثر نزوله عليه إلا في صورة دحية و كان أجمل أهل زمانه و بلغ من أثر جماله في الخلق أنه لما قدم المدينة و استقبله الناس ما رأته امرأة حامل إلا ألقت ما في بطنها فكان الحق يقول يبشر نبيه ص بإنزال جبريل عليه في صورة دحية يا محمد ما بيني و بينك إلا صورة الجمال يخبره تعالى بما له في نفسه سبحانه بالحال فمن فاته التجمل لله كما قلناه فقد فاته من الله هذا الحب الخاص المعين و إذا فاته هذا الحب الخاص المعين فاته من الله ما ينتجه من علم و تجل و كرامة في دار السعادة و منزلة في كثيب الرؤية و شهود معنوي علمي روحي في هذه الدار الدنيا في سلوكه و مشاهده و لكن كما قلنا ينوي بذلك التجمل لله لا للزينة و الفخر بعرض الدنيا و الزهو و العجب و البطر على غيره (و من ذلك) الرجوع إلى الله عند الفتنة فإن الله يحب كل مفتن تواب كذا قال رسول الله صقال الله عز و جل خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا و البلاء و الفتنة بمعنى واحد و ليس إلا الاختبار لما هو الإنسان عليه من الدعوىإِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي اختبارك تُضِلُّ بِها من تَشاءُ أي تحيره وَ تَهْدِي بها من تَشاءُ أي تبين له طريق نجاته فيها (و أعظم الفتن) النساء و المال و الولد و الجاههذه الأربعة إذا ابتلى الله بها عبدا من عباده أو بواحد منها و قام فيها مقام الحق في نصبها له و رجع إلى الله فيها و لم يقف معها من حيث عينها و أخذها نعمة إلهية أنعم الله عليه بها فردته إليه تعالى و إقامته في مقام حق الشكر الذيأمر الله نبيه ع موسى به فقال له يا موسى اشكرني حق الشكر قال موسى يا رب و ما حق الشكر قال له يا موسى إذا رأيت النعمة منى فذلك حق الشكر ذكره ابن ماجة في سننه عن رسول الله صو لما غفر الله لنبيه محمد ص ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و بشره ذلك بقوله تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ قام حتى تورمت قدماه شكر الله تعالى على ذلك فما فتر و لا جنح إلى الراحة و لما قيل له في ذلك و سئل في الرفق بنفسه قال ص أ فلا أكون عبدا شكورا و ذلك لما سمع الله يقول إن الله يحب الشاكرينفإن لم يقم في مقام شكر المنعم فاته من الله هذا الحب الخاص بهذا المقام الذي لا يناله من الله إلا الشكور فإن الله يقول وَ قَلِيلٌ من عِبادِيَ الشَّكُورُ و إذا فاته فاته ما له من العلم بالله و التجلي و النعيم الخاص به في دار الكرامة و كثيب الرؤية يوم الزور الأعظم فإنه لكل حب إلهي من صفة خاصة علم و تجل و نعيم و منزلة لا بد من ذلك يمتاز بها صاحب تلك الصفة من غيره (فأما فتنة النساء) فصورة رجوعه إلى الله في محبتهن بأن يرى أن الكل أحب بعضه و حن إليه فما أحب سوى نفسه لأن المرأة في الأصل خلقت من الرجل من ضلعه القصيري فينزلها من نفسه منزلة الصورة التي خلق الله الإنسان الكامل عليها و هي صورة الحق فجعلها الحق مجلى له و إذا كان الشيء مجلى للناظر فلا يرى الناظر في تلك الصورة إلا نفسه فإذا رأى في هذه المرأة نفسه اشتد حبه فيها و ميلة إليها لأنها صورته و قد تبين لك أن صورته صورة الحق التي أوجده عليها فما رأى إلا الحق و لكن بشهوة حب و التذاذ و صلة يفنى فيها فناء حق بحب صدق و قابلها بذاته مقابلة المثلية و لذلك فنى فيها فما من جزء فيه إلا و هو فيها و المحبة قد سرت في جميع أجزائه فتعلق كله بها فلذلك فنى في مثله الفناء الكلي بخلاف حبه غير مثله فاتحد بمحبوبه إلى أن قال أنا من أهوى و من أهوى أنا و قال الآخر في هذا المقام أنا الله فإذا أحببت مثلك شخصا هذا الحب ردك إلى الله شهودك فيه هذا الرد فأنت ممن أحبه الله و كانت هذه الفتنة فتنة أعطتك المهداة و أما الطريقة الأخرى في حب النساء فإنهن محال الانفعال و التكوين لظهور أعيان الأمثال في كل نوع و لا شك أن الله ما أحب أعيان العالم في حال عدم العالم إلا لكون تلك الأعيان محل الانفعال فلما توجه عليها من كونه مريدا قال لها كن فكانت فظهر ملكه بها في الوجود و أعطت تلك الأعيان لله حقه في الوهته فكان إلها فعبدته تعالى بجميع الأسماء بالحال سواء علمت تلك الأسماء أو لم تعلمها فما بقي اسم لله إلا و العبد قد قام فيه بصورته و حاله و إن لم يعلم نتيجة ذلك الاسم و هو الذيقال فيه رسول الله ص في دعائه بأسماء الله أو استأثرت به في علم غيبك أو علمته أحدا من خلقكيعني من أسمائه أن يعرف عينه حتى يفصله من غيره علما فإن كثيرا من الأمور في الإنسان بالصورة و الحال و لا يعلم بها و يعلم الله منه أن ذلك فيه فإذا أحب المرأة لما ذكرناه فقد رده حبها إلى الله تعالى فكانت نعمة الفتنة في حقه فأحبه الله برجعته إليه تعالى في حبه إياها و أما تعلقه بامرأة خاصة في ذلك دون غيرها و إن كانت هذه الحقائق التي ذكرناها سارية في كل امرأة فذلك لمناسبة روحانية بين هذين الشخصين في أصل النشأة و المزاج الطبيعي و النظر الروحي فمنه ما يجري إلى أجل مسمى و منه ما يجري إلى غير أجل بل أجله الموت و التعلق لا يزول كحب النبي ص عائشة فإنه كان يحبها أكثر من حبه جميع نسائه و حبه أبا بكر أيضا و هو أبوها فهذه المناسبات الثواني هي التي تعين الأشخاص و السبب الأول هو ما ذكرناه و لذلك الحب المطلق و السماع المطلق و الرؤية المطلقة التي يكون عليها بعض عباد الله ما تختص بشخص في العالم دون شخص فكل حاضر عنده له محبوب و به مشغول و مع هذا لا بد من ميل خاص لبعض الأشخاص لمناسبة خاصة مع هذا الإطلاق لا بد من ذلك فإن نشأة العالم تعطي في آحاده هذا لا بد من تقييد و الكامل من يجمع بين التقييد و الإطلاق فالإطلاق مثلقول النبي ص حبب إلي من دنياكم ثلاث النساء و ما خص امرأة من امرأة و مثل التقييد ما روى من حبه عائشة أكثرمن سائر نسائهلنسبة إلهية روحانية قيدته بها دون غيرها مع كونه يحب النساء فهذا قد ذكرنا من الركن الواحد ما فيه كفاية لمن فهمو أما الركن الثاني من بيت الفتن و هو الجاه المعبر عنه بالرياسة يقول فيه الطائفة التي لا علم لها منهم آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة فالعارفون من أصحاب هذا القول ما يقولون ذلك على ما تفهمه العامة من أهل الطريق منهم و إنما ذلك على ما نبينه من مقصود الكمل من أهل الله بذلك و ذلك أن في نفس الإنسان أمورا كثيرة خبأها الله فيه و هو الذي يُخْرِجُ الْخَبْءَ في السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ يَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَ ما تُعْلِنُونَ أي ما ظهر منكم و ما خفي مما لا تعلمونه منكم فيكم فلا يزال الحق يخرج لعبده من نفسه مما أخفاه فيها ما لم يكن يعرف أن ذلك في نفسه كالشخص الذي يرى منه الطبيب من المرض ما لا يعرفه العليل من نفسه كذلك ما خبأه الله في نفوس الخلق أ لا تراهيقول ص من عرف نفسه عرف ربهو ما كل أحد يعرف نفسه مع أن نفسه عينه لا غير ذلك فلا يزال الحق يخرج للإنسان من نفسه ما خبأه فيها فيشهده فيعلم من نفسه عند ذلك ما لم يكن يعلمه قبل ذلك فقالت الطائفة الكثيرة آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة فيظهر لهم إذا خرج فيحبون الرئاسة بحب غير حب العامة لها فإنهم يحبونها من كونهم على ما قال الله فيهم إنه سمعهم و بصرهم و ذكر جميع قواهم و أعضاءهم فإذا كانوا بهذه المثابة فما أحبوا الرئاسة إلا بالله إذ التقدم لله على العالم فإنهم عبيده و ما كان الرئيس إلا بالمرءوس وجودا و تقديرا فحبه للمرءوس أشد الحب لأنه المثبت له الرئاسة فلا أحب من الملك في ملكه لأن ملكه المثبت له كونه ملكا فهذا معنى آخر ما يخرج من قلوب الصديقين حب الرئاسة لهم فيرونه و يشهدونه ذوقا لا أنه يخرج من قلوبهم فلا يحبون الرئاسة فإنهم إن لم يحبوها فما حصل لهم العلم بها ذوقا و هي الصورة التي خلقهم الله عليها فيقوله ص إن الله خلق آدم على صورتهفي بعض تأويلات هذا الخبر و محتملاته فاعلم ذلك و الجاه إمضاء الكلمة و لا أمضى كلمة من قوله إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فأعظم الجاه من كان جاهه بالله فيرى هذا العبد مع بقاء عينه فيعلم عند ذلك أنه المثل الذي لا يماثل فإنه عبد رب و الله عز و جل رب لا عبد فله الجمعية و للحق الانفراد (و أما الركن الثالث) و هو المالو ما سمي المال بهذا الاسم إلا لكونه يمال إليه طبعا فاختبر الله به عباده حيث جعل تيسير بعض الأمور بوجوده و علق القلوب بمحبة صاحب المال و تعظيمه و لو كان بخيلا فإن العيون تنظر إليه بعين التعظيم لتوهم النفوس باستغنائه عنهم لما عنده من المال و ربما يكون صاحب المال أشد الناس فقرا إليهم في نفسه و لا يجد في نفسه الاكتفاء و لا القناعة بما عنده فهو يطلب الزيادة مما بيده و لما رأى العالم ميل القلوب إلى رب المال لأجل المال أحبوا المال فطلب العارفون وجها إلهيا يحبون به المال إذ و لا بد من حبه و هنا موضع الفتنة و الابتلاء التي لها الضلالة و المهداة فأما العارفون فنظروا إلى أمور إلهية منها قوله تعالى وَ أَقْرِضُوا الله قَرْضاً حَسَناً فما خاطب إلا أصحاب الجدة فأحبوا المال ليكونوا من أهل هذا الخطاب فيلتذوا بسماعه حيث كانوا فإذا أقرضوه رأوا أن الصدقة تقع بيد الرحمن فحصل لهم بالمال و إعطائه مناولة الحق منهم ذلك فكانت لهم وصلة المناولة و قد شرف الله آدم بقوله لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ فمن يعطيه عن سؤاله القرض أتم في الالتذاذ بالشرف ممن خلقه بيده فلو لا المال ما سمعوا و لا كانوا أهلا لهذا الخطاب الإلهي و لا حصل لهم بالقرض هذا التناول الرباني فإن ذلك يعم الوصلة مع الله فاختبرهم الله بالمال ثم اختبرهم بالسؤال منه و أنزل الحق نفسه منزلة السائلين من عباده أهل الحاجة أهل الثروة منهم و المال بقوله فيالحديث المتقدم في هذا الباب يا عبدي استطعمتك فلم تطعمني و استسقيتك فلم تسقنيفكان لهم بهذا النظر حب المال فتنة مهداة إلى مثل هذا و أما فتنة الولد فلكونه سر أبيه و قطعة من كبده و ألصق الأشياء به فحبه حب الشيء نفسه و لا شيء أحب إلى الشيء من نفسه فاختبره الله بنفسه في صورة خارجة عنه سماه ولدا ليرى هل يحجبه النظر إليه عما كلفه الحق من إقامة الحقوق عليهيقول رسول الله ص في حق ابنته فاطمة و مكانتها من قلبه المكانة التي لا تجهل لو أن فاطمة بنت محمد سرقت قطعت يدها و جلد عمر بن الخطاب ابنه في الزنا فمات و نفسه بذاك طيبة و جاد ماعز بنفسه و المرأة في إقامة الحد عليهما الذي فيه إتلاف نفوسهما و قال في توبتهما رسول الله ص و أي توبة أعظم من أن جادت بنفسها و الجود بإقامة الحق المكروهعلى الولد أعظم في البلاء يقول الله في موت الولد في حق الولد ما لعبدي المؤمن إذا قبضت صفيه من أهل الدنيا عندي جزاء إلا الجنة فمن أحكم هذه الأركان التي هي من أعظم الفتن و أكبر المحن و آثر جناب الحق و رعاه فيها فذلك الرجل الذي لا أعظم منه في جنسه (و من وصيتي إياك) إنك لا تنام إلا على وتر لأن الإنسان إذا نام قبض الله روحه إليه في الصورة التي يرى نفسه فيها إن رأى رؤيا فإن شاء ردها إليه إن كان لم ينقض عمره و إن شاء أمسكها إن كان قد جاء أجله فالاحتياط إن الإنسان الحازم لا ينام إلا على وتر فإذا نام على وتر نام على حالة و عمل يحبه اللهورد في الخير الصحيح أن الله وتر يحب الوتر فما أحب إلا نفسه و أي عناية و قرب أعظم من أن أنزلك منزلة نفسه في حبه إياك إذا كنت من أهل الوتر في جميع أفعالك التي تطلب العدد و الكمية و قد أمرك الله تعالى على لسان رسوله ص فقال أوتروا يا أهل القرآنو أهل القرآن هم أهل الله و خاصته و كذلك إذا اكتحلت فاكتحل وترا في كل عين واحدة أو ثلاثة فإن كل عين عضو مستقل بنفسه و كذلك إذا طعمت فلا تنزع يدك إلا عن وتر و كذلك شربك الماء في حسواتك إياه اجعله وترا و إذا أخذك الفواق اشرب من الماء سبع حسوات فإنه ينقطع عنك هذا جربته بنفسيو إذا تنفست في شربك فتنفس ثلاث مرات و أزل القدح عن فيك عند التنفس هكذا أمرك رسول الله ص فإنه أبرأ و أمرأ و أروى و إذا تكلمت بالكلمة لتفهم السامع فأعدها عليه ثلاث مرات وترا حتى تفهم عنك فهكذا كان يفعل رسول الله صفإني ما أوصيك إلا بما جرت السنة الإلهية عليه و هذا هو عين الاتباع الذي أمرك الله تعالى به في القرآن فقال إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله فهذه محبة الجزاء و أما محبته الأولى التي ليست جزاء فهي المحبة التي وفقك بها للاتباع فحبك قد جعله الله بين حبين إلهيين حب منة و حب جزاء فصارت المحبة بينك و بين الله وترا حب المنة و هو الذي أعطاك التوفيق للاتباع و حبك إياه و حبه إياك جزاء من كونك اتبعت ما شرعه لك لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و بهذه الآية ثبتت عصمة رسول الله ص فإنه لو لم يكن معصوما ما صح التأسي به فنحن نتأسى برسول الله ص في جميع حركاته و سكناته و أفعاله و أحواله و أقواله ما لم ينه عن شيء من ذلك على التعيين في كتاب أو سنة مثل نكاح الهبة خالِصَةً لَكَ من دُونِ الْمُؤْمِنِينَ و مثل وجوب قيام الليل عليه و التهجد فهو ص يقومه فرضا و نحن نقومه تأسيا و ندبا فاشتركنا في القياميقول أبو هريرة أوصاني خليلي ص بثلاث فأوتر في وصيته و فيها إن لا أنام إلا على وتر و ورد في الحديث الصحيح أن لله تسعة و تسعين اسما مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة فإن الله وتر يحب الوتر و قد تقدم في هذا الكتاب في باب سؤالات الترمذي الحكيم و هو آخر أبواب فصل المعارف في حب الله التوابين و المتطهرين و الشاكرين و الصابرين و المحسنين و غيرهم مما ورد أن الله يحب إتيانه كما وردت أشياء لا يحبها الله قد ذكرناها في هذا الكتاب فأغنى عن إعادتها (وصية) عليك بمراقبة الله عز و جل فيما أخذ منك و فيما أعطاك فإنه تعالى ما أخذ منك إلا لتصبر فيحبك فإنه يُحِبُّ الصَّابِرِينَ و إذا أحبك عاملك معاملة المحب محبوبه فكان لك حيث تريد إذا اقتضت إرادتك مصلحتك و إذا لم تقتض إرادتك مصلحتك فعل بحبه إياك معك ما تقتضيه المصلحة في حقك و إن كنت تكره في الحال فعله معك فإنك تحمد بعد ذلك عاقبة أمرك فإن الله غير متهم في مصالح عبده إذا أحبه فميزانك في حبه إياك أن تنظر إلى ما رزقك من الصبر على ما أخذه منك و رزأك فيه من مال أو أهل أو ما كان مما يعز عليك فراقه و ما من شيء يزول عنك من المألوفات إلا و لك عوض منه عند الله إلا الله كما قال بعضهم

لكل شيء إذا فارقته عوض و ليس لله إن فارقت من عوض

فإنه لا مثل له و كذلك إذا أعطاك و أنعم عليك و من جملة ما أنعم به عليك و أعطاك الصبر على ما أخذه منك فأعطاك لتشكر كما أخذ منك لتصبر فإنه تعالى يحب الشاكرين و إذا أحبك حب الشاكرين غفر لكقال رسول الله ص في رجل رأى غصن شوك في طريق الناس فنحاه فشكر الله فعله فغفر لهفإنالايمان بضع و سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق و هو ما ذكرناه و أرفعها قول لا إله إلا الله فالمؤمن الموفق يبحث عن شعب الايمان فيأتيها كلها و بحثه عن ذلك من جملة شعب الايمان فذلك هو المؤمن الذي حاز الصفة و ملأ يديه من الخير و ما شكرك الله بسبب أمر أتيته مما شرع لك الإتيان به إلا لتزيد في أعمال البر كما أنك إذا شكرته على ما أنعم به عليك زادك من نعمه لقوله لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ و وصف نفسه بأنه يشكر عباده فهو الشكور فزاده كما زادك لشكرك و مع هذا فاعتقد إن كل شيء عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ و كل شيء في الدنيا يجري إلى أجل مسمى عند الله فما ثم شيء في العالم إلا و هو لله فإن أخذه منك فما أخذه إلا إليه و إن أعطاك فما أعطاك إلا منه فالأمر كله منه و إليه و كفى بك إذا علمت إن الأمر على ما أعلمتك أن تكون مع الله تشهده في جميع أحوالك من أخذ و عطاء فإنك لن تخلو في نفسك من أخذ و عطاء في كل نفس أول ذلك أنفاسك التي بها حياتك فيأخذ منك نفسك الخارج بما خرج من ذكر بقلب أو لسان فإن كان خيرا ضاعف لك أجره و إن كان غير ذلك فمن كرمه و عفوه يغفر لك ذلك و يعطيك نفسك الداخل بما شاءه و هو وارد وقتك فإن ورد بخير فهو نعمة من الله فقابلها بالشكر و إن كان غير ذلك مما لا يرضى الله فاسأله المغفرة و التجاوز و التوبة فإنه ما قضى بالذنوب على عباده إلا ليستغفروه فيغفر لهم و يتوبوا إليه فيتوب عليهم و ورد في الحديث لو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون و يتوبون فيغفر الله لهم و يتوب عليهمحتى لا يتعطل حكم من الأحكام الإلهية في الدنيا ورد في الصحيح عن رسول الله ص أنه قال لله ما أخذ و له ما أعطى و كل شيء عنده بأجل مسمى فإذا انتهى أجله انقضى و جاء غيره و إنما قال رسول الله ص هذا معرفا إيانا بما هو الأمر عليه لنسلم الأمر إليه فنرزق درجة التسليم و التفويض مع بذل المجهود فيما يحب منا أن نرجع إليه فيه بحسب الحال إن كان في المخالفة فبالتوبة و الاستغفار و في الموافقة بالشكر و طلب الإقامة على طاعة الله و طاعة رسوله و نجد عزاء في نفوسنا بمعرفتنا إن كل شيء عند الله في الدنيا يجري إلى أجل مسمى و للصابرين حمد يخصهم و هو الحمد لله على كل حال و للشاكرين حمد يخصهم و هو الحمد لله المنعم المفضل كذا كان يحمد رسول الله ص ربه عز و جل في حالة السراء و الضراءو التأسي برسول الله ص في ذلك أولى من أن تسنبط حمدا آخر فإنه لا أعلى مما وضعه العالم المكمل الذي شهد الله له بالعلم به و أكرمه برسالته و اختصاصه و أمرنا بالاقتداء به و اتباعه فلا تحدث أمرا ما استطعت فإنك إذا سننت سنة لم يجيء مثلها عن رسول الله ص و هي حسنة فإن لك أجرها و أجر من عمل بها و إذا تركت تسنينها اتباعا لكون رسول الله ص لم يسنها فإن أجرك في اتباعك ذلك أعني ترك التسنين أعظم من أجرك من حيث ما سننت بكثير فإن النبي ص كان يكره كثرة التكليف على أمته و كان يكره لهم أن يسألوا في أشياء مخافة أن ينزل عليهم في ذلك ما لا يطيقونه إلا بمشقة و من سن فقد كلف و كان النبي ص أولى بذلك و لكن تركه تخفيفا فلهذا قلنا الاتباع في الترك أعظم أجرا من التسنين فاجعل بالك لما ذكرته لك و لقد بلغني عن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنه ما أكل البطيخ فقيل له في ذلك فقال ما بلغني كيف كان رسول الله ص يأكله فلما لم تبلغ إليه الكيفية في ذلك تركه و بمثل هذا تقدم علماء هذه الأمة على سائر علماء الأمم هكذا هكذا و إلا فلا لا فهذا الإمام علم و تحقق معنى قوله تعالى عن نبيه ص فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله و قوله لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ و الاشتغال بما سن من فعل و قول و حال أكثر من أن نحيط به فكيف أن نتفرغ لتسن فلا نكلف الأمة أكثر مما ورد (وصية)عليك بأداء الأوجب من حق الله و هو أن لا تشرك به شيئا من الشرك الخفي الذي هو الاعتماد على الأسباب الموضوعة و الركون إليها بالقلب و الطمأنينة بها و هي سكون القلب إليها و عندها فإن ذلك من أعظم رزية دينية في المؤمن و هو قوله و الله أعلم من باب الإشارة وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ يعني و الله أعلم به هذا الشرك الخفي الذي يكون معه الايمان بوجود اللهو النقض في الايمان بتوحيد الله في الأفعال لا في الألوهة فإن ذلك هو الشرك الجلي الذي يناقض الايمان بتوحيد الله في ألوهته لا الايمان بوجود اللهورد في الحديث الصحيح عن رسول الله ص أنه قال أ تدرون ما حق الله على العباد أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا فأتى بلفظة شيء و شيء نكرة فدخل فيه الشرك الجلي و الخفيثم قال أ تدرون ما حقهم على الله إذا فعلوا ذلك أن لا يعذبهمفاجعل بالك من قوله أن لا يعذبهم فإنهم إذا لم يشركوا بالله شيئا لم يتعلق لهم خاطر إلا بالله إذ لم يكن لهم توجه إلا إلى الله و إذا أشركوا بالله الشرك الناقض للإسلام أو الشرك الخفي الذي هو النظر إلى الأسباب المعتادة فإن الله قد عذبهم بالاعتماد عليها لأنها معرضة للفقد ففي حال وجودها يتعذبون بتوهم فقدها و بما ينقص منها و إذا فقدوها تعذبوا بفقدها فهم معذبون على كل حال في وجود الأسباب و فقدها و إذا لم يشركوا بالله شيئا من الأسباب استراحوا و لم يبالوا بفقدها و لا بوجودها فإن الذي اعتمدوا عليه و هو الله قادر على إتيان الأمور من حيث لا يحتسبون كما قال تعالى وَ من يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ و لقد قال في ذلك بعضهم نظما و هو

وَ من يَتَّقِ الله يَجْعَلْ لَهُكما قال من أمره مَخْرَجاً
وَ يَرْزُقْهُ من غير حسبانهو إن ضاق أمر به فرجا

فمن علامة التحقق بالتقوى أن يأتي رزقه من حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ و إذا أتاه من حيث يحتسب فما تحقق بالتقوى و لا اعتمد على الله فإن معنى التقوى في بعض وجوهه أن تتخذ الله وقاية من تأثير الأسباب في قلبك باعتمادك عليها و الإنسان أبصر بنفسه و هو يعلم من نفسه بمن هو أوثق و بما تسكن إليه نفسه و لا يقول إن الله أمرني بالسعي على العيال و أوجب على النفقة عليهم فلا بد من الكد في الأسباب التي جرت العادة أن يرزقهم الله عندها فهذا لا يناقض ما قلناه فنحن إنما نهيناك عن الاعتماد عليها بقلبك و السكون عندها ما قلنا لك لا تعمل بها و لقد نمت عند تقييدي هذا الوجه ثم رجعت إلى نفسي و أنا أنشد بيتين لم أكن أعرفهما قبل ذلك و هما

لا تعتمد إلا على اللهفكل أمر بيد الله
و هذه الأسباب حجابهفلا تكن إلا مع الله

فانظر في نفسك فإن وجدت أن القلب سكن إليها فاتهم إيمانك و اعلم إنك لست ذلك الرجل و إن وجدت قلبك ساكنا مع الله و استوى عندك حالة فقد السبب المعين و حالة وجوده و لكن مع الفقد يكون ذلك فاعلم إنك ذلك الرجل الذي آمن و لم يشرك بالله شيئا و إنك من القليل فإن رزقك من حيث لا تحتسب فذلك بشرى من الله إنك من المتقين و من سر هذه الآية إن الله و إن رزقك من السبب المعتاد الذي في خزانتك و تحت حكمك و تصريفك و أنت متق أي قد اتخذت الله وقاية فإنه الواقي إنك مرزوق من حيث لا تحتسب فإنه ليس في حسبانك إن الله يرزقك و لا بد مما بيدك و من الحاصل عندك فما رزقك إلا من حيث لا تحتسب و إن أكلت و ارتزقت من ذلك الذي بيدك فاعلم ذلك فإنه معنى دقيق و لا يشعر به إلا أهل المراقبة الإلهية الذين يراقبون بواطنهم و قلوبهم فإن الوقاية ليست إلا لله تمنع العبد من أن يصل إلى الأسباب بحكم الاعتماد عليها لاعتماده على الله عز و جل و هذا هو معنى قوله يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً فهذا مخرج التقوى في هذه الآية و هي وصية الله عبده و إعلامه بما هو الأمر عليه (وصية) احذر يا ولي أن تريد علوا في الأرض و الزم الخمول و إن أعلى الله كلمتك فما أعلى إلا الحق و إن رزقك الرفعة في قلوب الخلق فذلك إليه عز و جل و الذي يلزمك التواضع و الذلة و الانكسار فإنه إنما أنشاك من الأرض فلا تعلوا عليها فإنها أمك و من تكبر على أمه فقد عقها و عقوق الوالدين حرام ثم إنهقد ورد في الحديث أن حقا على الله أن لا يرفع شيئا من الدنيا إلا وضعهفإن كنت أنت ذلك الشيء فانتظر وضع الله إياك و ما أخاف على من هذه صفته إلا إن الله تعالى إذا وضعه يضعه في النار و ذلك إذا رفع ذلك الشيء نفسه لا إذا رفعه الله فذلك ليس إليه إلا أنه لا بد أن يراقب الله فيما أعطاه من الرفعة في الأرض بولاية و تقدم يخدم من أجله و يغشى بابه و يلزم ركابه فلا يبرح ناظرا في عبوديته و أصله فإنه خلق من ضعف و من أصل موصوف بأنه ذلول و يعلم أن تلكالرفعة إنما هي للرتبة و المنصب لا لذاته فإنه إذا عزل عنها لم يبق له ذلك الوزن الذي كان يتخيله و ينتقل ذلك إلى من أقامه الله في تلك المنزلة فالعلو للمنزلة لا لذاته فمن أراد العلو في الأرض فقد أراد الولاية فيها و قد قال رسول الله ص في الولاية إنها يوم القيامة حسرة و ندامة فلا تكن من الجاهلين فالذي أوصيك به أنك لا تريد علوا في الأرض و إن أعطاك الله لا تطلب أنت من الله إلا أن تكون في نفسك صاحب ذلة و مسكنة و خشوع فإنك لن تحصل ذلك إلا أن يكون الحق مشهودا لك و ليس مدار الخلق و الأكابر إلا على أن يحصل لهم مقام الشهود فإنه الوجود المطلوب (وصية) و عليك بالاغتسال في كل يوم جمعة و اجعله قبل رواحك إلى صلاة الجمعة و إذا اغتسلت فانو فيه إنك تؤدي واجبا فإنهقد ورد في الصحيح أن غسل الجمعة واجب على كل مسلمو قد ورد عن رسول الله ص حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيامفيجمع بين الحديثين بغسل الجمعة و ذلك أن الله خلق سبعة أيام و هي أيام الجمعة فإذا انقضت جمعة دارت الأيام فهي الجديدة الدائرة فلا تنصرف عنك دورة إلا عن طهارة تحدثها فيها إكراما لذاتها و تقديسا و تنظيفا كما جاء في السواك أنه مطهرة للفم و مرضاة للرب و كذلك الغسل في الأسبوع مطهرة للبدن و مرضاة للرب أي العبد فعل فعلا يرضي الله به من حيث إن الله أمره بذلك فامتثل أمره (وصية) إياك و المراء في شيء من الدين و هو الجدال فلا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون محقا أو مبطلا كما يفعل فقهاء زماننا اليوم في مجالس مناظراتهم ينوون في ذلك تلقيح خواطرهم فقد يلتزم المناظر في ذلك مذهبا لا يعتقده و قولا لا يرتضيه و هو يجادل به صاحب الحق الذي يعتقد فيه أنه حق ثم تخدعه النفس في ذلك بأن تقول له إنما نفعل ذلك لتلقيح الخاطر لا لإقامة الباطل و ما علم إن الله عند لسان كل قائل و أن العامي إذا سمع مقالته بالباطل و ظهوره على صاحب الحق و هو عنده إنه فقيه عمل العامي المقلد على ذلك الباطل لما رأى من ظهوره على صفة الحق و عجز صاحب الحق عن مقاومته فلا يزال إلا ثم يتعلق به ما دام هذا السامع يعمل بما سمع منه و لهذا ورد في الخبر عن رسول الله ص الثابت أنه قال أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء و إن كان محقا و ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب و إن كان مازحا و منه المراء في الباطل و كان رسول الله ص يمزح و لا يقول إلا حقا (وصية)و عليك بحسن الأخلاق و إتيان مكارمها و تجنب سفسافها فإن النبي ص يقول إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاقوإنه ص قد ضمن بيتا في أعلى الجنة لمن حسن خلقهو لما كانت الأخلاق الحسنة عبارة عن أن نفعل مع المتخلق معه الذي يصرف أخلاقه معه في معاملته إياه و علمنا إن أغراض الخلق متقابلة و إنه إن أرضى زيدا أسخط عدوه عمرا و لا بد من ذلك فمن المحال أن يقوم في خلق كريم يرضى جميع الخلائق و لما رأينا أن الأمر على هذا الحد و أدخل الله نفسه مع عباده في الصحبة كما ثبت عن رسول الله ص أنه قال لربه أنت الصاحب في السفر و الخليفة في الأهلو قال وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ و قال إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا و قال إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَ أَرىقلنا فلا نصرف مكارم الأخلاق إلا في صحبة الله خاصة فكل ما يرضي الله نأتيه و كل ما لا يرضيه نجتنبه و سواء كانت المعاملة و الخلق مما يخص جانب الحق أو تتعدى إلى الغير و إنها و إن تعدت إلى الغير فإنها مما يرضى الله و سواء عندك سخط ذلك الغير أو رضي فإنه إن كان مؤمنا رضي بما يرضى الله و إن كان عدوا لله فلا اعتبار له عندنا فإن الله يقول إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ و قال لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ فحسن الخلق إنما هو فيما يرضى الله فلا تصرفه إلا مع الله سواء كان ذلك في الخلق أو فيما يختص بجناب الله فمن راعى جناب الله انتفع به جميع المؤمنين و أهل الذمة فإن لله حقا على كل مؤمن في معاملة كل أحد من خلق الله على الإطلاق من كل صنف من ملك و جان و إنسان و حيوان و نبات و جماد و مؤمن و غير مؤمن و قد ذكرنا ذلك في رسالة الأخلاق لنا كتبنا بها إلى بعض إخواننا سنة إحدى و تسعين و خمسمائة و هي جزء لطيف غريب في معناه فيه معاملة جميع الخلق بالخلق الحسن الذي يليق به و حسن الخلق بحسب أحوال من تصرفها فيه و معه هذا أمر عام و التفصيل فيه لك بالواقع فانظر فيه فإنه أكثر من أن تحصى آحاده لما في ذلك من التطويل و الله الموفق لا رب غيره و كذلك تجنب سفساف الأخلاق و لا تعرف مكارم الأخلاق من سفسافها إلا حتىتعرف مصارفها فإذا علمت مصارفها علمت مكارمها و سفسافها و هو علم خفي شريف فلا يفوتنك علم مصارف الأخلاق فإن ذلك يختلف باختلاف الوجوه (وصية) و عليك بالهجرة و لا نقم بين أظهر الكفار فإن في ذلك إهانة دين الإسلام و إعلاء كلمة الكفر على كلمة الله فإن الله ما أمر بالقتال إلا لتكون كلمة الله هي العليا و كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلىو إياك و الإقامة أو الدخول تحت ذمة كافر ما استطعت و اعلم أن المقيم بين أظهر الكفار مع تمكنه من الخروج من بين ظهرانيهم لا حظ له في الإسلام فإن النبي ص قد تبرأ منه و لا يتبرأ رسول الله ص من مسلم و قد ثبت عنه أنه ص قال أنا بريء من مسلم يقيم بين أظهر المشركينفما اعتبر له كلمة الإسلام و قال الله تعالى فيمن مات و هو بين أظهر المشركين إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الْأَرْضِ قال الله لهم أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً و لهذا حجرنا في هذا الزمان على الناس زيارة بيت المقدس و الإقامة فيه لكونه بيد الكفار فالولاية لهم و التحكم في المسلمين و المسلمون معهم على أسوإ حال نعوذ بالله من تحكم الأهواء فالزائرون اليوم البيت المقدس و المقيمون فيه من المسلمين هم من الذين قال الله فيهم ضَلَّ سَعْيُهُمْ في الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً و كذلك فلتهاجر عن كل خلق مذموم شرعا قد ذمه الحق في كتابه أو على لسان رسوله ص (وصية) و عليك باستعمال العلم في جميع حركاتك و سكناتك فإن السخي الكامل السخاء من يسخي بنفسه على العلم فكان بحكم ما شرع الله له فعلم و عمل و علم من لم يعلم و قد أثنى رسول الله ص على من قبل العلم و عمل به و علمه و ذم نقيض ذلكفثبت عنه ص أنه قال مثل ما بعثني الله به من الهدى و العلم كمثل غيث أصاب أرضا فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلاء و العشب الكثير و كان منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله به الناس فشربوا منها و سقوا و زرعوا و أصاب منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء و لا تنبت كلا و كذلك من فقه في دين الله و نفعه الله بما بعثني به فعلم و عمل و علم و مثل من لم يرفع بذلك رأسا مثل القيعان التي لم تمسك ماء و لا أنبتتكلا فكن يا أخي ممن علم و عمل و علم و لا تكن ممن علم و ترك العمل فتكون كالسراج أو كالشمعة تضيء للناس و تحرق نفسك فإنك إذا عملت بما علمت جعل الله لك فرقانا و نورا و ورثك ذلك العمل علما آخر لم تكن تعلمه من العلم بالله و بما لك فيه منفعة عند الله في آخرتك فاجهد أن تكون من العلماء العاملين المرشدين (وصية) و عليك بالتودد لعباد الله من المؤمنين بإفشاء السلام و إطعام الطعام و السعي في قضاء حوائجهم و اعلم أن المؤمنين أجمعهم جسد واحد كإنسان واحد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سائر الجسد بالحمى كذلك المؤمن إذا أصيب أخوه المؤمن بمصيبة فكأنه هو الذي أصيب بها فيتألم لتالمه و متى لم يفعل ذلك المؤمن مع المؤمنين فما ثبتت أخوة الايمان بينه و بينهم فإن الله قد واخى بين المؤمنين كما واخى بين أعضاء جسد الإنسان و بهذا وقع المثل من النبي ص في الحديث الثابت و هو قوله ص مثل المؤمنين في توددهم و تعاطفهم و تراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعي له سار الجسد بالحمى و السهر و اعلم أن المؤمن كثير بأخيه و أن المؤمن لما كان من أسماء الله مع ما ينضاف إلى ذلك من خلقه على الصورة ثبت النسب و المؤمن أخو المؤمن لا يسلمه و لا يخذله فمن كان مؤمنا بالله من حيث ما هو الله مؤمن فإنه يصدقه في فعله و قوله و حاله و هذه هي العصمة فإن الله من كونه مؤمنا يصدقه في ذلك و لا يصدق الله إلا الصادق فإن تصديق الكاذب على الله محال فإن الكذب عليه محال و تصديق الكاذب كذب بلا شك فمن ثبت إيمانه بالله من كون الله مؤمنا فإن هذا العبد لا شك أنه من الصادقين في جميع أموره مع الله لأنه مؤمن بالله مؤمن به أيضا فتنبه لما دللتك عليه و وصيتك به في الايمان بالله من كونه مؤمنا تنتفع فإني قد أريتك الطريق الموصل إلى نيل ذلك و اعتصم باللهو من يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيمفإن الله عَلىصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ و ليس إلا ما شرعه لعباده (وصية) لا تكترث لما يصيبك الله به من الرزايا في مالك و من يعز عليك من أهلك مما يسمى في العرف رزية و مصابا و قل إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ عند نزولها بك و قل فيها كما قالعمر بن الخطاب رضي الله عنه ما أصابتني من مصيبة إلا رأيت أن لله علي فيها ثلاث نعم النعمة الواحدة حيث لم تكن المصيبة في ديني و النعمة الثانية حيث لم يكن ما هو أكبر منها فدفع الله بها ما هو أعظم منها و النعمة الثالثة ما جعل الله فيها من الأمر بالكفارة لما كنا نتوقاه من سيئات أعمالنا و اعلم أن المؤمن في الدنيا كثير الرزايا لأن الله يحب أن يطهره حتى ينقلب إليه طاهرا مطهرا من دنس المخالفات التي كتب الله عليه في الدنيا أن يقام فيها فلا يزال المؤمن مرزأ في عموم أحواله و قد ثبت عن رسول الله ص في ذلك مثل المؤمن كمثل الخامة من الرزغ تصرعها الريح مرة و تعدلها أخرى حتى تهيج (وصية) عليك بتلاوة القرآن و تدبره و انظر في تلاوتك إلى ما حمد فيه من النعوت و الصفات التي وصف الله بها من أحبه من عباده فاتصف بها و ما ذم الله في القرآن من النعوت و الصفات التي اتصف بها من مقته الله فاجتنبها فإن الله ما ذكرها لك و أنزلها في كتابه عليك و عرفك بها إلا لتعمل بذلك فإذا قرأت القرآن فكن أنت القرآن لما في القرآن و اجتهد أن تحفظه بالعمل كما حفظته بالتلاوة فإنه لا أحد أشد عذابا يوم القيامة من شخص حفظ آية ثم نسيها كذلك من حفظ آية ثم ترك العمل بها كانت عليه شاهدة يوم القيامة و حسرة و إنهقد ثبت عن رسول الله ص في أحوال من يقرأ القرآن و من لا يقرءوه من مؤمن و منافق فقال ص مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة ريحها طيبيعني بها التلاوة و القراءة فإنها أنفاس تخرج فشبهها بالروائح التي تعطيها الأنفاسو طعمها طيبيعني به الايمان و لذلكقال ذاق طعم الايمان من رضي بالله ربا و بالإسلام دينا و بمحمد ص نبيا فنسب الطعم للإيمانثم قال و مثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل الثمرة طعمها طيبمن حيث إنه مؤمن ذو إيمانو لا ريح لها من حيث إنه غير تال في الحال التي لا يكون فيها تاليا و إن كان من حفاظ القرآنثم قال و مثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيبلأن القرآن طيب و ليس سوى أنفاس التالي و القاري في وقت تلاوته و حال قراءتهو طعمها مر لأن النفاق كفر الباطن لأن الحلاوة للإيمان لأنها مستلذة ثم قال و مثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر و لا ريح لها لأنه غير قارئ في الحال و على هذا المساق كل كلام طيب فيه رضي الله صورته من المؤمن و المنافق صورة القرآن في التمثيل غير إن القرآن منزلته لا تخفى فإن كلام الله لا يضاهيه شيء من كل كلام مقرب إلى الله فينبغي للذاكر إذا ذكر الله متى ذكره أن يحضر في ذكره ذلك ذكرا من الأذكار الواردة في القرآن فيذكر الله به ليكون قارئا في الذكر و إذا كان قارئا فيكون حاكيا للذكر الذي ذكر الله به نفسه و إذا كان كذلك فقد أنزل نفسه فيه منزلة ربه منه و هو قوله فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و قوله إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده و يقال للقارئ يوم القيامة اقرأ و ارقو رقية في الدنيا في أيام التكليف في قراءته أن يرقى من تلاوته إلى تلاوته بأن يكون الحق هو الذي يتلو على لسان عبده كما يكون سمعه الذي به يسمع و بصره الذي به يبصر و يديه اللتين بهما يبطش و رجليه اللتين بهما يسعى كذلك هو لسانه الذي به ينطق و يتكلم فلا يحمد الله و لا يسبحه و لا يهلله إلا بما ورد في القرآن عن استحضار منه لذلك فيرقى من قراءته بنفسه إلى قراءته بربه فيكون الحق هو الذي يتلو كتابه فيرتفع يوم القيامة في الآية التي ينتهي إليها في قراءته و يقف عندها إلى الدرجة التي تليق بتلك الآية التي يكون الحق هو التالي لها بلسان هذا العبد عن حضور من العبد التالي لذلك فإن أفضل الكلام كلام الله الخاص المعروف في العرف (وصية) و عليك بمجالسة من تنتفع بمجالسته في دينك من علم تشهده منه أو عمل يكون فيه أو خلق حسن يكون عليه فإن الإنسان إذا جالس من تذكره مجالسته الآخرة فلا بد أن يتحلى منها بقدر ما يوفقه الله لذلك و إذا كان الجليس له هذا التعدي فاتخذ الله جليسا بالذكر و الذكر القرآن و هو أعظم الذكر قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ يعني القرآن و قال أنا جليس من ذكرنيوقال ص أهل القرآن هم أهل الله و خاصتهو خاصة الملك جلساؤه في أغلب أحوالهم و الله له الأخلاق و هي الأسماء الحسنى الإلهية فمن كان الحق جليسه فهو أنيسه فلا بد أن ينال من مكارم أخلاقه على قدر مدة مجالسته و من جلس إلى قوم يذكرون الله فإن الله يدخلهمعهم في رحمته فهم القوم الذين لا يشقى جليسهم فكيف يشقى من كان الحق جليسه و قد ورد في الحديث الثابت أن الجليس الصالح كصاحب المسك إن لم يصبك منه أصابك من ريحه و الجليس السوء كصاحب الكير إن لم يصبك من شرره أصابك من دخانهو هو أنه من خالط أصحاب الريب ارتيب فيه و ذلك لما غلب على الناس من سوء الظن بالناس لخبث بواطنهم و هنا فائدة أنبهك عليها أغفلها الناس و هي تدعو إلى حسن الظن بالناس ليكون محلك طاهرا من السوء و ذلك إنك إذا رأيت من يعاشر الأشرار و هو خير عندك فلا تسيء الظن به لصحبته الأشرار بل حسن الظن بالأشرار لصحبتهم ذلك الخير و اجعل المناسبة في الخير لا في الشر فإن الله ما سأل أحدا قط يوم القيامة عن حسن الظن بالخلق و يسأله عن سوء الظن بالخلق و يكفيك هذا نصحا إن قبلت و وصية إن قلت بها و الذاكر ربه حياته متصلة دائما لا تنقطع إلا بالموت فهو حي و إن مات بحياة هي خير و أتم من حياة المقتول في سبيل الله إلا أن يكون المقتول في سبيل الله من الذاكرين فهي حياة الشهيد و حياة الذاكر فالذاكر حي و إن مات و الذي لا يذكر الله ميت و إن كان في الدنيا من الأحياء فإنه حي بالحياة الحيوانية و جميع العالم حي بحياة الذكر فمثل الذي يذكر ربه و الذي لا يذكر ربه مثل الحي و الميت كذا مثله رسول الله ص و أما ما ادعيته أن الذاكر أفضل من الشهيد الذي لا يذكر الله فلما صح عن رسول الله ص في قوله أ لا أنبئكم أو كما قال بخير لكم من أن تلقوا عدوكم فيضرب رقابكم و تضربون رقابهم ذكر اللهفذكر ضرب الرقاب و هو الشهادة و ذكر العبد ربه أفضل من قتل الشهيد و ثبت عنه إن الذاكر حيفخرج من ذلك أن حياة الذاكر خير من حياة الشهيد إذا لم يكن ذاكرا ربه عز و جل (وصية) و عليك بإقامة حدود الله في نفسك و فيمن تملكه فإنك مسئول من الله عن ذلك فإن كنت ذا سلطان تعين عليك إقامة حدود الله فيمن ولاك الله عليهفكلكم راع و مسئول عن رعيتهو ليس سوى إقامة حدود الله فيهم و أقل الولايات ولايتك على نفسك و جوارحك فأقم فيها حدود الله إلى الخلافة الكبرى فإنك نائب الله على كل حال في نفسك فما فوقها و قد ورد الحديث الثابت في الذي يقيم حدود الله و الواقع فيها فمثلهما رسول الله ص بقوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها و بعضهم أسفلها فكان الذين أسفلها إذا استقوا مروا على من فوقهم فقالوا إنا نخرق في نصيبنا لا نؤذي من فوقنا فإن تركوهم و ما أرادوا هلكوا جميعا فإذا خطر لك يا وليي خاطر يأمرك بالخير فذلك لمة الملك ثم يأتي بعد ذلك خاطر ينهاك عن ذلك الخير إن تفعله فذلك لمة الشيطان و لا تعرف الخير و الشر إلا بتعريف الشرع و إذا خطر لك خاطر يأمرك بفعل الشر فذلك لمة الشيطان فإذا أعقبه خاطر ينهاك عن فعل ذلك الشر فذلك لمة الملك و أنت السفينة إن انخرقت هلكت و هلك جميع من فيك فعليك بعلم الشريعة فإنك لن تعلم حدود الله حتى تقوم بها أو تعرف من يقع فيها ممن قام بها إلا أن تعلم علم الشريعة فيتعين عليك طلب علم الشريعة لإقامة حدود الله (وصية) و عليك بالصدقة فإن الله قد ذكر الْمُتَصَدِّقِينَ وَ الْمُتَصَدِّقاتِ و هي فرض و نفل فالفرض منها يسمى زكاة و النفل منها يسمى تطوعا و بالفرض منها يزول عنك اسم البخل و بصدقة التطوع منها تنال الدرجات العلى و تتصف بصفة الكرم و الجود و الإيثار و السخاء و إياك و البخل ثم إنه عليك في مالك حق زائد على الزكاة المفروضة و هو إذا رأيت أخاك المؤمن على حالة الهلاك بحيث إنك إذا لم تعطه من فضل مالك شيئا هلك هو و عائلته إن كانت له عائلة فيتعين عليك إن تواسيه إما بالهبة أو بالقرض فلا بد من العطاء و ذلك العطاء صدقة حتى إني سمعت بعض علمائنا بإشبيلية يقول في حديث هل على غيرها يعني في الزكاة المفروضة قال لا إلا أن تطوع قال لي ذلك الفقيه فيجب عليك فاستحسنت ذلك منه رحمه الله و إنما سمي الله الإنسان متصدقا و سمي ذلك العطاء صدقة فرضا كان أو نفلا لأنه أعطى ذلك عن شدة لكونه مجبولا على البخل فإن الله يقول فيه وَ إِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً فقال ص في فضل الصدقة و زمانها إن تصدق و أنت صحيح شحيح تخاف الفقر و تأمل الحياة و الغني يقول الله تعالى وَ من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الناجون لأن الإنسان إذا كان له مال و يأمل الحياة فإنه يخاف أن يفتقر و يذهب ما بيده من المال بطول حياته لنوائب الزمان و أمله بطول حياته فيؤديه ذلك إلى البخلبما عنده من المال و الإمساك عن الصدقة و التوسعة على المحتاجين مما أتاه الله من الخير فهو يكنزه و لا ينفقه و لا يؤدي زكاته حتى يكوى به جنبه و جبينه و ظهره كما قال تعالى فيهم يَوْمَ يُحْمىعَلَيْها في نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوىبِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ فلهذا العطاء عن شدة سميت صدقة يقال رمح صدق أي صلب و قد ضرب رسول الله ص مثلا في البخيل و المتصدقفقال ص مثل البخيل و المتصدق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد قد اضطرت أيديهما إلى تراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عليه حتى تجن ثيابه و تعفو أثره و جعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت و أخذت كل حلقة مكانها فإياك و البخل فإنه يرديك و يوردك الموارد المهلكة في الدنيا و الآخرة و لا يجعلك تتكرم و تتصدق إلا استعمال العلم فإنك إذا علمت إن رزقك لا يأكله و لا يقتات به و لا يحيى به غيرك و لو اجتمع أهل السموات و الأرض على أن يحولوا بينك و بين رزقك ما أطاقوا و إذا علمت إن رزق غيرك فيما أنت مالكه لا بد أن يصل إليه حتى يتغدى به و يحيى و إن أهل السموات و الأرض لو اجتمعوا على أن يحولوا بينه و بين رزقه الذي هو في ملكك ما أطاقوا فادفع إليه ماله إذا خطر لك خاطر الصدقة تتصف بالكرم و الثناء الجميل و أنت ما أعطيته إلا ما هو له بحق في نفس الأمر عند الله و أنت محمود فإذا علمت هذا هان عليك إخراج ما بيدك و لحقت بأهل الكرم و كتبت في المتصدقين أن أخرجت ذلك عن تردد و مكابدة و اتبعته نفسك و رأيت بذلك أن لك فضلا على من أوصلته تلك الراحة فإياك إن تجهل على أحد كما تحب أن لا يجهل عليك و قد كان رسول الله ص يقول في تعوذاته و أعوذ بك أن أجهل أو يجهل علي فمن حكم فيك بالعلم فقد أنصفك (وصية) و عليك بالجهاد الأكبر و هو جهادك هواك فإنه أكبر أعدائك و هو أقرب الأعداء إليك الذين يلونك فإنه بين جنبيك و الله يقول سبحانه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ من الْكُفَّارِ و لا أكفر عندك من نفسك فإنها في كل نفس تكفر نعمة الله عليها من بعد ما جاءتها فإنك إذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلص لك الجهاد الآخر في الأعداء الذي إن قتلت فيه كنت من الشهداء الأحياء الذين عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ الله من فَضْلِهِ مستبشرين بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ من خَلْفِهِمْ و قد علمت فضل المجاهد في سبيل الله في حال جهاده حتى يرجع إلى أهله بما اكتسبه من أجر أو غنيمة إنه كالصائم القائم القانت بآيات الله لا يفتر من صلاة و لا من صيام حتى يرجع المجاهد و قد علمت بالحديث الصحيح أن الصوم لا مثل له و قد قام الجهاد مقامه و مقام الصلاة و ثبت هذا عن رسول الله صو هذا في الجهاد الذي فرضه الله تعالى المعين و يعصي الإنسان بتركه لا بد من ذلك و لا يزال العبد العالم الناصح نفسه المستبرئ لدينه في جهاد أبدا لأنه مجبول على خلاف ما دعاه إليه الحق فإنه بالأصالة متبع هواه الذي هو بمنزلة الإرادة في حق الحق فيفعل الحق ما يريده فإننا كلنا عبيده و لا تحجير عليه و يريد الإنسان أن يفعل ما يهوى و عليه التحجير فما هو مطلق الإرادة فهذا هو السبب الموجب في كونه لا يزال مجاهدا أبدا و لذلك طلب أصحاب الهمم أن يلحقوا بدرجات العارفين بالله حتى تكون إرادتهم إرادة الحق أي يريدون جميع ما يريده الحق و هو ما هم الخلق عليه فيريدونه من حيث إن الله أراد إيجاده و يكرهون منه بكراهة الحق ما كرهه الحق و وصف نفسه بأنه لا يرضاه فهو يريده و لا يرضاه و يريده و يكرهه في عين إرادته إن أراد أن يكون مؤمنا و إن لم يكن كذلك و إلا فقد انسلخ من الايمان نعوذ بالله من ذلك فإنه غاية الحرمان و هذا هو الحق الممقوت كما تقول في الغيبة إنها الحق المنهي عنه (وصية) و عليك بإسباغ الوضوء على المكاره و ذلك في زمان البرد و احذر من الالتذاذ باستعمال الماء البارد في زمان الحر فتسبغ الوضوء لالتذاذك به في زمان الحر فتتخيل أنك ممن أسبغ الوضوء عبادة و أنت ما أسبغته إلا لوجود الالتذاذ به لما أعطاه الحال و الزمان من شدة الحر فإذا أسبغته في شدة البرد صار لك عادة و قال رسول الله ص الخير عادة فأصحب تلك النية في زمان الحر فإن غلبتك النفس على الإسباغ بما تجده من اللذة المحسوسة في ذلك فاعلم إن الالتذاذ هنا إنما وقع بدفع ألم الحر و إزالته فانو في ذلك دفع الألم عن نفسك أ لا ترى قاتل نفسه كيف حرم الله عليه الجنة فحق النفس على صاحبها أعظم من حق الغيرعليه فكذلك يؤجر في دفع الألم عن نفسه و إن الله يرفع بإسباغ الوضوء على المكاره درجة العبد و يمح الله به الخطايا قال ص أ لا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا و يرفع به الدرجات إسباغ الوضوء على المكارهفهذا محو الخطايا فإنه تنظيف و تطهير ثم قال و كثرة الخطاء إلى المساجد فإنه سلوك في صعود و مشي ثم قال تمام الحديث و هو و انتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط و الرباط الملازمة من ربطت الشيء و بالانتظار قد ألزم نفسه فربط الصلاة بالصلاة المنتظرة بمراقبة دخول وقتها ليؤديها في وقتها و أي لزوم أعظم من هذا فإنه يوم واحد مقسم على خمس صلوات ما منها صلاة يؤديها فيفرغ منها إلا و قد ألزم نفسه مراقبة دخول وقت الأخرى إلى أن يفرغ اليوم و يأتي يوم آخر فلا يزال كذلك فما ثم زمان لا يكون فيه مراقبا لوقت أداء صلاة لذلك أكده بقوله ثلاث مرات فانظر إلى علم رسول الله ص بالأمور حتى أنزل كل عمل في الدنيا منزلته في الآخرة و عين حكمه و أعطاه حقه فذكر وضوء و مشيا و انتظارا و ذكر محوا و رفع درجة و رباطا ثلاث لثلاث هذا يدلك على شهوده مواضع الحكم و من هنا و أمثالهقال عن نفسه إنه أوتي جوامع الكلم (وصية) و عليك بمراعاة كل مسلم من حيث هو مسلم و ساو بينهم كما سوى الإسلام بينهم في أعيانهم و لا تقل هذا ذو سلطان و جاه و مال و كبير و هذا صغير و فقير و حقير و لا تحقر صغيرا و لا كبيرا في ذمته و اجعل الإسلام كله كالشخص الواحد و المسلمين كالأعضاء لذلك الشخص و كذلك هو الأمر فإن الإسلام ما له وجود إلا بالمسلمين كما إن الإنسان ما له وجود إلا بأعضائه و جميع قواه الظاهرة و الباطنة و هذا الذي ذكرناه هو الذي راعاه رسول الله ص فيما ثبت عنه من قوله في ذلك المسلمون تتكافأ دماؤهم و يسعى بذمتهم أدناهم و هم يد واحدة على من سواهمو قال المسلمون كرجل واحد إن اشتكى عينه اشتكى كله و إن اشتكى رأسه اشتكى كلهو مع هذا التمثيل فأنزل كل واحد منزلته كما أنك تعامل كل عضو منك بما يليق به و ما خلق له فتغض بصرك عن أمر لا يعطيه السمع و تفتح سمعك لشيء لا يعطيه البصر و تصرف يدك في أمر لا يكون لرجلك و هكذا جميع قواك فتنزل كل عضو منك فيما خلق له كذلك و إن اشترك المسلمون في الإسلام و ساويت بينهم فأعط العالم حقه من التعظيم و الإصغاء إلى ما يأتي به و أعط الجاهل حقه من تذكرك إياه و تنبيهه على طلب العلم و السعادة و أعط الغافل حقه بأن توقظه من نوم غفلته بالتذكر لما غفل عنه مما هو عالم به غير مستعمل علمه و كذلك الطائع و المخالف و أعط السلطان حقه من السمع و الطاعة فيما هو مباح لك فعله و تركه فيجب عليك بأمره و نهيه أن تسمع له و تطيع فيعود لأمر السلطان و نهيه ما كان مباحا قبل ذلك واجبا أو محظورا بالحكم المشروع من الله في قوله وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ و أعط الصغير حقه من الرفق به و الرحمة له و الشفقة عليه و أعط الكبير حقه من الشرف و التوقير فإن من السنة رحمة الصغير و توقير الكبير و معرفة شرفهثبت عن رسول الله ص أنه قال ليس منا من لم يرحم صغيرنا و يعرف شرف كبيرنا و في حديث و يوقر كبيرنا و عليك برحمة الخلق أجمع و مراعاتهم كانوا ما كانوا فإنهم عبيد الله و إن عصوا و خلق الله و إن فضل بعضهم بعضا فإنك إذا فعلت ذلك أوجرتفإنه ص قد ذكر أنه في كل ذي كبد رطبة أجر أ لا ترى إلىالحديث الوارد في البغي أن بغيا من بغايا بنى إسرائيل و هي الزانية مرت على كلب قد حرج لسانه من العطش و هو على رأس بئر فلما نظرت إلى حاله نزعت خفها و ملأته بالماء من البئر و سقت الكلب فشكر الله فعلها فغفر لها بكلبو أخبرني الحسن الوجيه المدرس بملطية الفارسي عن والي بخارى و كان ظالما مسرفا على نفسه فرأى كلبا أجرب في يوم شديد البرد و هو ينتفض من البرد فأمر بعض شاكريته فاحتمل الكلب إلى بيته و جعله في موضع حار و أطعمه و سقاه و دفى الكلب فرأى في النوم أو سمع هاتفا الشك مني يقول له يا فلان كنت كلبا فوهبناك لكلب فما بقي إلا أيام يسيرة و مات فكان له مشهد عظيم لشفقته على كلب و أين المسلم من الكلب فافعل الخير و لا تبال فيمن تفعله تكن أنت أهلا له و لتأت كل صفة محمودة من حيث ما هي من مكارم الأخلاق تتحلى بها و كن محلا لها لشرفها عند الله و ثناء الحق عليها فاطلب الفضائل لأعيانها و اجتنب الرذائل العرفية لأعيانها و اجعل الناس تبعا لا تقف مع ذمهم و لا حمدهم إلا أنك تقدم الأولى فالأولى إن أردت أن تكون مع الحكماءالمتأدبين بآداب الله التي شرعها للمؤمنين على ألسنة الرسل ع و اعلم أن المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا و ما في العالم إلا مؤمن لأن ما في العالم إلا من هو ساجد لله إلا بعض الثقلين من الجن و الإنس فإن في الإنسان الواحد منهم كثيرا ممن يسبح الله و يسجد لله و فيه من لا يسجد لله و هو الذي حق عليه العذاب انظر في قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا فسماهم مؤمنين و أمرهم بالإيمان فالأول عموم الايمان فإن الله قال في حق قوم وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ و الثاني خصوص الايمان و هو المأمور به و الأول إقرار منهم من غير إن يقترن به تكليف بل ذلك عن علم و أيسره في بنى آدم حين أشهدهم على أنفسهم كما قال وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ من بَنِي آدَمَ من ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىأَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلىفخاطبهم بالمؤمنين حين أيه بهم ثم أمرهم بالإيمان في هذه الحالة لأخرى و ما تعرض للتوحيد المطلق رحمة بهم فإنه القائل وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ الشرك الخفي و قد ذكرناه فلذلك قال لهم آمِنُوا بِاللَّهِ و لم يقل بتوحيد الله فمن آمن بوجود الله فقد آمن و من آمن بتوحيده فما أشرك فالإيمان إثبات و التوحيد نفي شريك و من أسماء الله المؤمن و هو يشد من المؤمن المخلوققال ص يرحم الله أخي لوطا لقد كان يأوي إِلىرُكْنٍ شَدِيدٍ و هو الاسم المؤمن فالمؤمن يشد من المؤمن فافهم (وصية) كن عمري الفعل فإن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يقول من خدعنا في الله نخدعنا له فاحذر يا أخي إذا رأيت أحدا يخدعك في الله و أنت تعلم بخداعه إياك فمن كرم الأخلاق أن تنخدع له و لا توجده إنك عرفت بخداعه و تباله له حتى يغلب على ظنه أنه قد أثر فيك بخداعه و لا يدري إنك تعلم بذلك لأنك إذا قمت في هذه الصفة فقد وفيت الأمر حقه فإنك ما عاملت إلا الصفة التي ظهر لك بها و الإنسان إنما يعامل الناس لصفاتهم لا لأعيانهم أ لا تراه لو كان صادقا غير مخادع لوجب عليك إن تعامله بما ظهر لك منه و هو ما يسعد إلا بصدقه كما أنه يشقى بخداعه و نفاقه فإن المخادع منافق فلا تفضحه في خداعه و تجاهل له و انصبغ له باللون الذي أراده منك أن تنصبغ له به و ادع له و ارحمه عسى الله أن ينفعه بك و يجيب فيه صالح دعائك فإنك إذا فعلت هذا كنت مؤمنا حقا فإن المؤمن غر كريم لأن خلق الايمان يعطي المعاملة بالظاهر و المنافق خب لئيم أي لئيم على نفسه حيث لم يسلك بها طريق نجاتها و سعادتها كن رداء و قميصا لأخيك المؤمن و حطه من ورائه و احفظه في نفسه و عرضه و أهله و ولده فإنك أخوه بنص الكتاب العزيز و اجعله مرآة ترى فيها نفسك فكما تزيل عنك كل أذى تكشفه لك المرآة في وجهك كذلك فلتزل عن أخيك المؤمن كل أذى يتأذى به في نفسه فإن نفس الشيء وجهه و حقيقته (وصية) و احفظ حق الجار و الجوار و قدم الأقرب دارا إليك فالأقرب و تفقد جيرانك مما أنعم الله به عليك فإنك مسئول عنهم و ادفع عنهم ما يتضررون به كان الجيران ما كانوا و ما سميت جارا له و جارا لك إلا لميلك إليه بالإحسان و ميلة إليك و دفع الضرر مشتق من جار إذا مال فإن الجور الميل فمن جعله من الجور الذي هو الميل إلى الباطل و الظلم في العرف فهو كمن يسمى اللديغ سليما في النقيض و في هذا فغلبت حق الجوار كان الجار ما كان كأنه يقول و إن كان الجار من أهل الجور أي الميل إلى الباطل بشرك أو كفر فلا يمنعنك ذلك منه عن مراعاة حقه فكيف بالمؤمن فحق الجار إنما هو على الجار و أعجب ما رويته في ذلك عن بعض شيوخنا فذكر من مناقب بعض الأعراب أن جراد أنزل بفناء بيته فخرجت الأعراب إليه بالعدد ليقتلوه و يأكلوه فقال لهم صاحب البيت ما تبتغون فقالوا له نبتغي قتل جارك يريدون الجراد فقال لهم بعد أن سميتموه جاري فو الله لا أترك لكم سبيلا إليه و جرد سيفه يذب عنه مراعاة لحق الجوار فهذا كما سئل مالك بن أنس عن أكل خنزير البحر فقال هو حرام فقيل له إنه سمك من حيوان البحر الذي أحل الله أكله لنا فقال لهم مالك أنتم سميتموه خنزيرا ما قلتم ما تقول في سمك البحر فاهجر ما نهاك الله عنه و قد نهاك عن أذى الجار فاهجر أذاه و ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ و فيما روينا من الأخبار في سبب نزول هذه الآية إن أعرابيا جاء إلى رسول الله ص من المشركين من فصحاء العرب و قد سمع أن الله قد أنزل عليه قرآنا عجز عن معارضته فصحاء العرب فقال له يا رسول الله هل فيما أنزلعليك ربك مثل ما قلته فقال له رسول الله ص و ما قلت فقال الأعرابي قلت

و حي ذوي الأضغان تسبى عقولهمتحيتك القربى فقد ترقع النفل
و إن جهروا بالقول فاعف تكرماو إن ستروا عنك الملامة لم تبل
فإن الذي يؤذيك منه استماعهو إن الذي قد قيل خلفك لم يقل

فأنزل الله تعالى وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ فقال الأعرابي هذا و الله هو السحر الحلال و الله ما تخيلت و لا كان في علمي أنه يزاد أو يؤتى بأحسن مما قلته أشهد أنك رسول الله و الله ما خرج هذا إلا من ذي إلفمثل هؤلاء عرفوا إعجاز القرآن أ ترى يا وليي يكون هذا الأعرابي فيما وصف به نفسه بأكرم من الله في هذا الخلق في تحمل الأذى و إظهار البشر و المخالفات عن العقوبة و العفو مع القدرة و تهوين ما يقبح على النفس و التغافل عمن أراد التستر عنك بما يشينه لو ظهر به بل و الله أكرم منه و أكثر تجاوزا و عفوا و حلما و أصدق قيلا فإن هذا القول من العربي و إن كان حسنا فما يدري عند وقوع الفعل ما يكون منه و الحق صادق القول بالدليل العقلي فما يأمر بمكرمة إلا و هي صفته التي يعامل بها عباده و لا ينهى عن صفة مذمومة لئيمة إلا و هو أنزه عنها لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الغفور الرحيمانصر أخاك ظالما أو مظلوما فنصرة الظالم من حيث ما هو مظلوم فإن الشيطان ظلمه بما وسوس إليه به في صدره من ظلم غيره فتنصره بأن تعينه على دفع ما ألقى الشيطان عنده من تزيينه ظلم الغير حتى سمي بظالم فما نصرته إلا لكونه مظلوما لمن وسوس في صدره و حال بينه و بين الهدى الذي هو له ملك فابتاعه منه الشيطان بالضلالة فاشترى الضلالة بالهدى فسمي ظالما فإذا أبنت له أنت بنصحك و أفتيته إن هذا البيع مفسوخ لا يجوز شرعا فلا ينعقد و أن صفقته خاسرة و تجارته بائرة فقد نصرته مع كونه ظالما فرجع عن ظلمه و تاب و ذلك هو فسخ البيع يقول الله في مثل هؤلاء أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدىفَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ فإياك إن تخذل من استنصر بك و قد قال مع غناه عنك إِنْ تَنْصُرُوا الله يَنْصُرْكُمْ فطلب منكم أن تنصروه و ما هو إلا هذا و لا تظلمه فإن الظلم ظلمات يوم القيامة و من كان سعيه في ظلمة لا يدري متى يقع في مهواة أو ما يؤذيه في طريقه من هوام يكون في أذاه هلاكه و أوصيك لا تحقر أحدا من خلق الله فإن الله ما احتقره حين خلقه

لا تحقرن عباد الله أن لهم قدرا و لو جمعت لك المقامات

فلا يكون الله يظهر العناية بإيجاد من أوجده من عدم و تحقره أنت فإن في ذلك تسفيه من أوجده و احتقاره نعوذ بالله أن نكون من الجاهلين فإن هذا من أكبر الكبائر فالكل نعم الله يتغذى بها عباد الله كانوا ما كانوا قال ص لا تحقرن أحداكن ما تهديه لجارتها و لو فرسن شاة فإن الاحتقار جهل محض و لا تكن لعانا و لا سبابا و لا سخابا فإن لعن المؤمن مثل قتله سواء لقي عيسى ع خنزيرا فقال له أنج بسلام فقيل له في ذلك فقال ع ما أريد أن أعود لساني إلا قول الخير كن حديثا حسنا و في ذلك قلت

إنما الناس حديث كلهمفلتكن خير حديث يسمع
و إذا شاكتك منهم شوكةفلتكن أقوى مجن يدفع
و إذا ما كنت فيهم هكذاأنت و الله إمام ينفع
إنما الشمعة تؤذي نفسهاو هي للناظر نور يسطع
إنما اللؤم الذي تعرفهنعمة في يد شخص يمنع

(وصية) إياك و الخيلاء و ار ثوبك فوق كعبك أو إلى نصف ساقكروى عن رسول الله ص أنه قال إزرة المؤمن إلى نصف ساقهأو كما قال و لعلي ابن أبي طالب في ذلك

تقصيرك الثوب حقا أنقى و أبقى و أتقى

فأما قوله أنقى فلارتفاعه عن القاذورات التي تكون في الطرق و النجاسات و أما قوله أبقى فإن الثوب إذا طال حك في الأرض بالمشي فيسارع إليه التقطيع فيقل عمر الثوب فإنه يخلق بالعجلة إذا طال بما يصيب الأرض منه و أما قوله أتقى فإنه مشروع أعني تقصير الثوب إلى نصف الساق و المتقي من جعل الشرع له وقاية و جنة يتقي به ما يؤذيه من شياطين الإنس و الجن و إن الله لا ينظر لمن يجر ثوبه خيلاء و إياك أن تسأل الناس تكثرا و عندك ما يغنيك في حال سؤلك فإن المسألة خدوش أو خموش في وجهك يوم القيامة فإذا اضطررت و لم تقدر على شغل فسل قوتك لا تتعداه إذا لم يرزقك الله يقينا و ثقة به و كفارة ذلك السؤال عدم تكثرك و اقتصارك في المسألة على بلغة وقتك فإن مسألة المؤمن حرق النار و معنى ذلك أن المؤمن يجد عند سؤاله مخلوقا مثله في دفع ضرورته مثل حرق النار في قلبه من الحياء في ذلك حيث لم ينزل مسألته و دفع ضرورته بربه الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ و هو الذي يسخر له هذا السؤال منه حتى يعطيه و من وجد ذلك تعززا و تكبرا حيث التجأ إلى مخلوق مثله فذلك من شرف همته من حيث لا يشعر و شرف الهمة أحسن من دناءة الهمة فإن العبد يتعزز على عبد مثله كما إن فخره و شرفه في فقره إلى سيده و سؤاله في دفع ضروراته و ملماته و قضاء مهماته (وصية) إذا رأيت أنصار يا أو أنصارية و إن كان عدوا لك فلتحبه الحب الشديد و احذر أن تبغضه فتخرج من الايمانفإن النبي ص لقي امرأة من الأنصار في طريقه فقال لها إنكم لمن أحب خلق الله إليو ثبت عن رسول الله ص أنه قال آية الايمان حب الأنصار و آية النفاق بغض الأنصار و اعلم أن كل من نصر دين الله في أي زمان كان فهو من الأنصار و هو داخل في حكم هذا الحديث و اعلم أن الأنصار لدين الله رجلان الواحد نصر دين الله ابتداء من نفسه من غير إن يعرف وجوب ذلك عليه و رجل عرف نصرة الدين عليه بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ الله فأمرهم بنصرة الله فادى واجبا في نصرته فله أجر النصرة و أجر أداء الواجب بما نواه من امتثال أمر الله في ذلك و تعين عليه و لو كفاه غيره مئونة ذلك فلا يتأخر عن أمر الله و نصرة الله قد تكون بما يعطي من العلم المظهر للحق الدافع للباطل فهو جهاد معنوي محسوس فكونه معنويا لأن الباطن يقبله فإن العلم متعلقة النفس و أما كونه محسوسا فما يتعلق بذلك من العبارة عنه باللسان أو الكتابة فيحصل للسامع أو الناظر بطريق السمع من المتكلم أو بطريق النظر من الكتابة و جهاد العدو نصرة محسوسة ما هي معنوية فإنه ما نال العدو من المقاتل له شيئا في الباطن برده عن اعتقاده كما ناله من العالم إذا علمه و أصغى إليه و و فقه الله للقبول و فتح عين فهمه لما يورده عليه العالم في تعليمه و هي أعظم نصرة و هو أعظم أنصاري للهيقول النبي ص لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمسو قد طلعت الشمس على كل عالم عامل بخير فأنت خير منه إذا نصرت بتعليم العلم دين الله في نفس هذا المخاطب و عليك بصدق الحديث و أداء الأمانة و صدق الوعد فاجتنب الكذب و الخيانة و خلف الوعد و إذا خاصمت أحدا فلا تفجر عليهفإن علامة المنافق و آيته إذا حدث كذب و إذا وعد أخلف و إذا اؤتمن خان و إذا خاصم فجر و أعظم الخيانة أن تحدث أخاك بحديث يرى أنك صادق فيه و أنت على غير ذلك و إن الإنسان إذا كذب الكذبة تباعد منه الملك ثلاثين ميلا من نتن ما جاء به و كذلك الشيطان إذ أمر ابن آدم بالمعصية فعصى تبرأ منه الشيطان خوفا من الله تعالى فاعمل على ذوق هذه الروائح المعنوية و استنشاقها فإن له حجبا على أنفك تمنعك من إدراك أنتن ذلك فلا يكن الشيطان مع كفره أدرك للأمور و أخوف من الله منك و اعتبر في تبريه من ذلك فإنها خميرة من الله في قلبه إلى زمان ما يظهر حكمها فيه مع كونه مجبولا على الإغواء كما هو مجبول على التبري و الخوف من الله أخبر الله عنه أنه يقول لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فإذا كفر يقول الشيطان إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ الله رَبَّ الْعالَمِينَ فما أخذ الشيطان قط يعلمه لشرف علمه و إنما يؤخذ لصدق الحق فيما قاله فيما شرعه فيمن سن سنة سيئة فله وزرها و وزر من عمل بها فالشيطان يوم القيامة يحمل أثقال غيره فإنه في كل إغواء يتوب عقيبه ثم يشرع في إغواء آخر فيؤخذ بعمل غيره لأنه من وسوسته و الإنسان الذي لا يتوب إذا سن سنة سيئة يحمل ثقلها و أثقال من عمل بها فيكون الشيطان أسعد حالا منه بكثير و إياك أن تخلف وعدك و لتخلفإيعادك و لكن سم إخلاف إيعادك تجاوزا حتى لا تتسمى بأنك مخلف ما أوعدت به من الشر و هذه شبهة المعتزلة و غاب عنها قوله تعالى و ما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه و ما تواطئوا عليه أعني الأعراب إذا أوعدت أو وعدت بالشر التجاوز عنه و جعلت ذلك من مكارم الأخلاق فعاملهم الحق بما تواطئوا عليه فزلت هنا المعتزلة زلة عظيمة أوقعها في ذلك استحالة الكذب على الله تعالى في خبره و ما علمت إن مثل هذا لا يسمى كذبا في العرف الذي نزل به الشرع فحجبهم دليل عقلي عن علم وضع حكمي و هذا من قصور بعض العقول و وقوفها في كل موطن مع أدلتها و لا ينبغي لها ذلك و لتنظر إلى المقاصد الشرعية في الخطاب و من خاطب و بأي لسان خاطب و بأي عرف أوقع المعاملة في تلك الأمة المخصوصة يقول بعض الأعراب في كرم خلقه و إني إذا أوعدته أو وعدته لمخلف إيعادى و منجز موعدي لكن لا ينبغي أن يقال مخلف بل ينبغي أن يقال إنه عفو متجاوز عن عبده (وصية) و عليك بالبذاذة فإنها من الايمان و هي عدم الترفه في الدنيا و قد ورد قوله اخشوشنوا و هي من صفات الحاج و صفة أهل يوم القيامة فإنهم شعث غير حفاة فإن ذلك كله أنفى للكبر و أبعد من العجب و الزهو و الخيلاء و الصلف و هي أمور ذمها الشرع و كرهها و هي مذمومة في العرف عند الناس و عند الله و لذلك جعل النبي ص البذاذة من الايمان و ألحقها بشعبهفإن النبي ص يقول الايمان بضع و سبعون شعبة أعلاها لا إله إلا الله و أدناها إماطة الأذى عن الطريقو لا شك أن الزهو و العجب و الكبر أذى في طريق سعادة المؤمن و لا يماط هذا الأذى إلا بالبذاذة فلهذا جعلها رسول الله ص من الايمان(وصية) و عليك بالحياء فإن الله حيي و الحياء من الايمان و الحياء خير كله و إن الله يستحي من ذي الشيبة يوم القيامة فإن العبد إذا اتصف بالحياء من الله ترك كل ما لا يرضى الله و ما يشينه عند الله تعالى و عند رسول الله ص و الحياء معناه الترك قال الله تعالى إِنَّ الله لا يَسْتَحْيِي يقول إن الله لا يترك أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها في الصغر لقول من ضل بهذا المثل من المشركين الذين تكلموا فيه فإن الله قال يُضِلُّ به أي بهذا المثل كَثِيراً وَ يَهْدِي به كَثِيراً وَ ما يُضِلُّ به إِلَّا الْفاسِقِينَ فإنهم حاروا فيه و الضلالة الحيرة و رأوا عزة الله و جلاله و كبرياءه و حقارة البعوضة في المخلوقات فاستعظموا جلال الله أن ينزل في ضرب المثل لعباده هذا النزول و ذلك لجهلهم بالأمور فإنه لا فرق بين أعظم المخلوقات و هو العرش المحيط و بين الذرة في الخلق و البعوضة و إخراجها من العدم إلى الوجود فما هي حقيرة إلا من صغر جسمها إذا أضفته إلى ذي الجسم الكبير بل الحكمة في البعوضة أتم و القدرة أنفذ فإن البعوضة على صغرها خلقها الله على صورة الفيل على عظمه فخلق البعوضة أعظم في الدلالة على قدرة خالقها من الفيل لأهل النظر و الاعتبار و لهذا لم يصف نفسه بالحياء في ذلك لما فيها من الدلالة على تعظيم الحق ثم إن مواطن الحياء التي في الإنسان كثيرة فإن الحياء صفة يسرى نفعها ممن قامت به في أكثر الأشياء و لهذا قال الحياء خير كله و الحيا لا يأتي إلا بخير و هو أن لا يفعل الإنسان ما يخجل فيه إذا عرف منه بأنه فعله و قد علم المؤمن أن الله يعلم و يرى كلما يتحرك فيه العبد فيلزمه الحياء منه لعلمه بذلك و لإيمانه أنه لا بد أن يقرره يوم القيامة على ما عمله فيخجل فيؤديه ذلك إلى ترك العمل فيه و ذلك هو الحياء فمن هنا لا يأتي إلا بخير و الله أحق أن يستحيي منه (وصية) و عليك بالنصيحة على الإطلاق فإنها الدينخرج مسلم في الصحيح عن رسول الله ص أنه قال الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله قال لله و لرسوله و لأئمة المسلمين و عامتهمو اعلم أن النصاح الخيط و المنصحة الإبرة و الناصح الخائط و الخائط هو الذي يؤلف أجزاء الثوب حتى يصير قميصا أو ما كان فينتفع به بتأليفه إياه و ما ألفه إلا بنصحه و الناصح في دين الله هو الذي يؤلف بين عباد الله و بين ما فيه سعادتهم عند الله و يؤلف بين الله و بين خلقه و هو قوله النصيحة لله و فيه تنبيه في الشفاعة عند الله إذا رأى العبد الناصح أن الله يريد مؤاخذة العبد على جريمته فيقول لله يا رب إنك ندبت إلى العفو عبادك و جعلت ذلك من مكارم الأخلاق و هو أولى من جزاء المسيء بما يسوؤه و ذكرت للعبد أن أجر العافين عن الناس فيما أساءوا إليهم فيه مما توجهت عليهم به الحقوق على الله فأنت أحق بهذه الصفة لما أنت عليه من الجود و الكرم و الامتنان و لا مكره لك فأنت أهل العفو و التكرم بالتجاوز عن هذا العبد المسيء المتعدي حدودك عن إساءته و إسبال ذيل الكرة عليهو اتصاف الحق بالجود و العفو عن الجاني أعظم من المؤاخذة على الإساءة فإن المؤاخذة و العقوبة جزاء و ما في الجزاء على الشر فضل إلا إذا كان في الدنيا لما في إقامة الحدود من دفع المضرة العامة و ما في ذلك من المصالح التي تعود على الناس مثل قوله عز و جل وَ لَكُمْ في الْقِصاصِ حَياةٌ و أما في الآخرة فما ثم ما يندفع بجزاء المسيء ما يندفع به في الدنيا فكان العبد إذا قال هذا يوم القيامة أو حيث قاله لله بطريق الشفاعة كأنه ناصح للمقام الإلهي في أن يثني عليه إذا عفا عن المسيء بالكرم و الطول و الفضل فإن في ذلك عين الامتنان فهذا معنى قوله الدين النصيحة لله أي في حق الله فإنه يسعى في أن يثني على الله إذا عفا بما يكون ثناء حسنا و لا سيما و قد ورد في الحديث الثابت أنه لا شيء أحب إلى الله من أن يمدحفكما أنه مدح في الدنيا بما نصب من الحدود التي درأ بها المضار عن عباده إذا أقامها أئمة المسلمين على المذنبين كذلك يمدح بالعفو و التجاوز في الدار الآخرة لأنه هنالك ما تمشي هذه المصلحة التي نصبت من أجلها إقامة الحدود التي لا يتمكن الشفاعة فيها كحد السارق و الزاني و حقوق الله على الإطلاق و أما ما هو حق للعبد فإن الله قد ندب فيه إلى العفو و التجاوز فالعفو من ولي الدم أو قبول الدية فإن المظلوم هو المقتول و قد مات فالطالب قد تقدم كالشاكي الذي يمشي إلى السلطان رافعا على من ظلمه فجعل الدية كالإحسان لولي الدم لعل ذلك الشاكي إذا بلغه إحسانه لذوي رحمه يسكت عنه و لا يطالبه عند الله الحكم العدل بشيء من دمه و أما النصيحة لرسول الله ص ففي زمانه إذا رأى منه الصاحب أمرا قد قرر خلافه و الإنسان صاحب غفلات فينبه الصاحب رسول الله ص على ذلك حتى يواصل فعله بالقصد فيكون حكما مشروعا أو فعله عن نسيان فيرجع عنه فهذا من النصح لرسول الله ص مثل سهوه في الصلاة فالواجب عليه في الرباعية أن يصليها أربعا فسلم من اثنتين فقيل له في ذلك فهذه نصيحة لرسول الله ص فرجع و أتم صلاته و سجد سجدتي السهو و كان ما قد روى في ذلك و أمثال هذا و لهذا أمر الله عز و جل نبيه ص بمشاورة أصحابه فيما لم يوح إليه فيه فإذا شاورهم تعين عليهم أن ينصحوه فيما شاورهم فيه على قدر علمهم و ما يقتضيه نظرهم في ذلك أنه مصلحة كنز و له يوم بدر على غير ماء فنصحوه و أمروه أن يكون الماء في حيزه ص ففعل و نصحه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في قتل أسارى بدر حين أشار بذلك و أما بعد رسول الله ص فلم تبق له نصيحة و لكن إذا كانت هذه اللام لام الأجلية بقيت النصيحة فهذا قد بينا ما في نصيحة رسول الله ص أن المشير الناصح قد جمع بين رسول الله ص و بين الرأي الذي فيه المصلحة كما يجمع الناصح الذي هو الخائط بالخياطة بين قطعة الكم و البدن في الثوب و أما النصيحة لأئمة المسلمين و هم ولاة الأمور منا القائمون بمصالح عباد الله الدينية و الحكام و أهل الفتاوى في الدين من العلماء يدخلون في أئمة المسلمين أيضا فإن كان الحاكم عالما كان و إن لم يكن من العلماء بتلك المسألة سأل من يعلم عن الحكم فيها فيتعين على المفتي أن ينصح و يفتيه بما يراه أنه حق عنده و يذكر له دليله على ما أفتاه به فيخلصه عند الله فهذه هي النصيحة لأئمة المسلمين و لما لم تفرض العصمة لأئمة المسلمين و علم أنهم قد يخطئون و يتبعون أهوائهم تعين على أهل الدين من العلماء بالدين أن ينصحوا أئمة المسلمين و يردوهم عن اتباع أهوائهم في الناس فيؤلفون بين ما هو الدين عليه و بينهم فمثل هذا هو النصح لأئمة المسلمين فيعود على الناس نفع ذلك و أما النصيحة لعامتهم فمعلومة و هي أن يشير عليهم بما لهم فيه المصلحة التي لا تضرهم في دينهم و لا دنياهم فإن كان و لا بد من ضرر يقوم من ذلك إما في الدين أو في الدنيا فيرجحوا في النصيحة ضرر الدنيا على ضرر الدين فيشيرون عليهم بما يسلم لهم فيه دينهم فإن الله يقول ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ في الدِّينِ من حَرَجٍ و قال دين الله يسر و قال فَاتَّقُوا الله ما اسْتَطَعْتُمْ و إن أضر بدنياهم و مهما قدروا على دفع الضرر في الدين و الدنيا معا بوجه من الوجوه و عرفوه تعين عليهم في الدين أن ينصحوه في ذلك و يبينوه و المستفتي بالخيار في ذلك بحسب ما يوفقه الله إليه و الذي أقول به إن النصيحة تعم إذ هي عين الدين و هي صفة الناصح فتسري منفعتها في جميع العالم كله من الناصح الذي يستبرئ لدينه و يطلب معالي الأمور فيرى حيوانا قد أضر به العطش و قد حاد ذلك الحيوان عنطريق الماء فيتعين عليه أن يرده إلى طريق الماء و يسقيه إن قدر على ذلك فهذا من النصيحة الدينية و كذلك لو رأى من ليس على ملة الإسلام يفعل فعلا من سفساف الأخلاق تعين على الناصح أن يرده عن ذلك مهما قدر إلى مكارم الأخلاق و إن لم يقدر عليه تعين عليه أن يبين له عيب ذلك فربما انتفع بتلك النصيحة ذلك الشخص بما له في ذلك من الثناء الحسن و ينتفع بتلك النصيحة من اندفع عنه ضرر هذا الذي أراد أن يضره و إن لم يكن مسلما ذلك المدفوع عنه فيتعين على صاحب الدين نصح عباد الله مطلقا و لهذا يتعين على السلطان أن يدعو عدوه الكافر إلى الإسلام قبل قتاله فإن أجاب و إلا دعاه إلى الجزية إن كان من أهل كتاب فإن أجاب إلى الصلح بما شرط عليه قبل منه يقول الله وَ إِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَ تَوَكَّلْ عَلَى الله فيبقى على المسلمين إن كانت المنفعة للمسلمين في ذلك فإن أبوا إلا القتال قاتلهم و أمر المسلمين بقتالهم على أن تكون كلمة الله هي العليا و كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلىإلا أنه من التزم النصح قل أولياؤه فإن الغالب على الناس اتباع الأهواء و لذلكيقول رسول الله ص ما ترك الحق لعمر من صديقو كذلك قال أويس القرني قولك الحق لم يترك لك صديقا و لنا في ذلك

لما لزمت النصح و التحقيقا لم يتركا لي في الوجود صديقا

و يحتاج الناصح إلى علم كثير من علم الشريعة لأنه العلم العام الذي يعم جميع أحوال الناس و علم زمانه و مكانه و ما ثم إلا الحال و الزمان و المكان و بقي للناصح علم الترجيح إذا تقابلت هذه الأمور فيكون ما يصلح الزمان يفسد الحال أو المكان و كذلك كل واحد منها فينظر في الترجيح فيفعل بحسب ما يترجح عنده و ذلك على قدر إيمانه مثال ذلك أن يعلم أن الزمان قد أعطى بحاله في أمرين هما صالحان في حق شخص و ضاق الزمان عن فعلهما معا فيعدل إلى أولاهما فيشير به على المستشير و كذلك إذا عرف من حال شخص المخالفة و اللجاج و إنه إذا دله على أمر فيه مصلحته يفعل بخلافه فمن النصيحة أنه لا ينصحه بل يشير عليه بخلاف ذلك إذا علم إن الأمر محصور بين أن يفعل ذلك أو هذا الذي فيه المصلحة و شأنه المخالفة و اللجاج فيشير عليه بما لا ينبغي فيخالفه فيفعل ما ينبغي و الأولى عندي تركه و لقد جرى لي مع أشخاص أظهرنا لهم أن في فعلهم ذلك الخير الذي نريده منهم نكايتنا و هم يريدون نكايتنا فأشرنا عليهم أن لا يفعلوا ذلك و لهم في فعله الخير العظيم لهم فلم يفعلوا و فعلوا ما نهيتهم عنه أن يفعلوه فهذه نصيحة خفية لا يشعر بها كل أحد و هذا يسمى علم السياسة فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة الشاردة عن طريق مصالحها فلذلك قلنا إن الناصح في دين الله يحتاج إلى علم كثير و عقل و فكر صحيح و روية حسنة و اعتدال مزاج و تؤدة و إن لم تكن فيه هذه الخصال كان الخطاء أسرع إليه من الإصابة و ما في مكارم الأخلاق أدق و لا أخفى و لا أعظم من النصيحة و لنا فيه جزء سميناه كتاب النصائح ذكرنا فيه ما لا يعول عليه و ما يعول عليه و لكن أكثره فيما لا يعول عليه مما يعول الناس عليه و لكن لا يعلمون (وصية) و عليك بمراعاة حالك في الزمان بين الصلاتين و أنت لا تخلو أبدا أن تكون بين صلاتين فإن الأمر دور و الزمان الذي بين الظهر و العصر زمان بين صلاتين و كذلك بين العصر و المغرب و بين المغرب و العشاء و بين العشاء و الصبح و بين الصبح و الظهر و دار الدور و جاء الكور و إذا خرج وقت صلاة دخل وقت صلاة لأخرى إلا صلاة الصبح فإنه لا يدخل وقت صلاة الظهر بخروج وقت صلاة الصبح بلا خلاف و كذلك العتمة و الصبح بخلاف إلا أنه لا يدخل وقت الظهر إلا بعد خروج وقت الصبح لا بد من ذلك فلا يدخل وقت صلاة حتى يخرج وقت التي قبلها فالداخلة أبدا على أثر الخارجة و قد يكون بعد طلوع الشمس وقت أداء الصبح بوجه إلى أن تزول الشمس فيدخل وقت الظهر و ذلك أن الإنسان قد يصلي الركعة الأولى من الصبح مثلا قبل طلوع الشمس و يقول الشارع فيه إنه أدرك الصبح فتطلع الشمس عليه و قد شرع في الركعة الثانية من الصبح فلو أطالها إلى حد الزوال لجاز و ذلك وقتها و هو مؤد لها فما خرج وقت صلاة الصبح في حق هذا حتى دخل وقت الظهر و هكذا في جميع الصلوات فإن أوقات هذه الصلوات فيها خلاف بين العلماء فلهذا ذكرناها تنبيها على إن فيها خلافا فيجوز على هذا أن تكون صلاة على أثر صلاة و لا لغو بينهما فقد جعل أن بين الصلاتين زمانا لا صلاة فيه ذلك الزمان هو زمان اللغو أو تركه و إنما قلنا زمان اللغوأو تركه للحديث الثابت صلاة على أثر صلاة لا لغو بينهما كتاب في عليين و يدخل في هذا الحديث صلاة النافلة بعد النافلة و النافلة بعد الفريضة و الفريضة بعد النافلة و الفريضة بعد الفريضة و اللغو من الكلام هو الساقط لا دخول له في الميزان و هو المباح فيقول رسول الله ص في الرجل يصلي الصلاة ثم يتبعها بصلاة أخرى و لم يفعل بين هاتين الصلاتين في الزمان الذي لا يكون فيه مصليا فعلا مباحا من قول و عمل بل كان مشتغلا بما يدخل الميزان من أمر مندوب إليه من ذكر أو غير ذكر ثم يصلي الصلاة الأخرى فإن ذلك كتاب في عليين لأنه لم يفعل بين الصلاتين لغوا أصلا و هذا عزيز الوقوع فإن أحمد أحوال الناس اليوم من يتصرف في المباح فلا عليه و لا له و الغالب من أحوال الناس التصرف في المكروه أو المحظور فلهذا أوصيتك بمراعاة الزمان الذي بين الصلاتين و ما رأيت أحدا نبه عليه إلا إن كان و ما وصل إلينا إلا رسول الله ص و منه أخذنا ذلك (وصية) و عليك بالصلاة المكتوبة حيث ينادى بها مع الجماعة فإن المساجد ما اتخذت إلا لإقامة الصلاة المكتوبة فيها و ما ينادى إلا إلى الإتيان إليها فإن ذلك سنة رسول الله ص و المراد بذلك الاجتماع على إقامة الدين و أن لا نتفرق فيه و لهذا اختلف الناس في صلاة الفذ المكتوبة إذا قدر على الجماعة هل تجزيه أم لا و من ترك سنة رسول الله ص ضل بلا شك لأنه ص ما سن إلا ما هو المهداة فَما ذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ فحافظ على المكتوبة في الجماعات و الأرض كلها مسجد فحيث ما قامت الجماعة من الأرض فما قامت إلا في مسجد و لهذا ينبغي لمن صلى في جماعة في مسجد بيته أن يؤذن لها و إن كانت الإقامة أذانا و إنما سميت إقامة لقيام المصلي إلى الصلاة عند هذا الأذان الخاص ففرق بين الأذانين بالإقامة و الأذان معناه الإعلام و أبقوا اسم الأذان على الأول المعلم بدخول الوقت فالأذان الأول للاعلام بدخول الوقت و الأذان الثاني الذي هو الإقامة للاعلام بالقيام إلى الصلاة فزاد على الأذان بقوله قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة (وصية) و عليك بالمحافظة على صلاة الأوابين و هي الصلاة في الأوقات المغفول عنها عند العامة و هي ما بين الضحى إلى الزوال و ما بين الظهر و العصر و ما بين المغرب و العشاء الآخرة و التهجد و هو أن ينام من أول الليل بعد صلاة العشاء الآخرة ثم يقوم إلى الصلاة ثم ينام ثم يقوم إلى الصلاة إلى أن يطلع الفجر فإذا طلع الفجر فاركع ركعتي الفجر ثم اضطجع على شقك الأيمن من غير نوم ثم قم إلى صلاة الصبح و اجعل و ترك ثلاث عشرة ركعة في تهجدك فإن هذا كان وتر رسول الله ص و أطل الركعتين الأوليين من التهجد ثم اللتين بعدهما أقل منهما في الطول و الركعة الأولى من كل ركعتين على قدر الثانية من اللتين تقدمتهما و الركعة الثانية من كل ركعتين على النصف من الركعة الأولى منهما أو قريب من ذلك إلى أن توتر بركعة واحدة إن شئت أن لا تجلس إلا في آخر ركعة من وتر صلاتك و هي الأحدي عشر و إن شئت جلست في كل ركعتين و لا تسلم إلا في آخر ركعة مفردة و إن شئت خمست و سبعت و تسعت كل ذلك مباح لك و لا تثلث من أجل التشبه بصلاة المغرب و قد ورد في النهي عن ذلك خبر و كذلك في الركعة الواحدة و تسمى البتيراء فاجتنب مواقع الخلاف ما استطعت و اهرب إلى محل الإجماع مع أنه ثبت أنه أوتر بثلاث فإن أوترت بثلاث فلا تجلس إلا في آخرها و تسلم حتى تفرق في الشبه بينها و بين المغرب و إذا قمت إلى الصلاة بالليل و توضأت فاركع ركعتين خفيفتين ثم بعدهما اشرع في صلاة الليل كما رسمت لك و عند قيامك للتهجد امسح عينيك من النوم بيديك ثم اتل إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ الآيات بكمالها ثم قم فتوضأ و استفتح صلاتك بركعتين خفيفتين ثم اشرع في قيام الليل على ما وصفته لك في باب الصلاة من هذا الكتاب و أذكاره فانظره فيه و انظر اعتباره إن شاء الله و قد ثبت أن صلاة الأوابين حين ترمض الفصال و اجتنب الصلاة عند الاستواء و يعد العصر حتى تغربها الشمس و بعد الصبح حتى تطلع الشمس و حافظ على الصلاة في جماعة فإنها تزيد على صلاة الفذ بسبع و عشرين درجة و حافظ على أربع ركعات في أول النهار عند الإشراق كما قال يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِشْراقِ و السبحة صلاة النافلة بقول عبد الله بن عمر و هو عربي في النافلة فيالسفر لو كنت مسبحا أتممت ثم صلاة الضحى ثمان ركعات بعد صلاة الإشراق ثم أربع ركعات قبل الظهر و بعد الزوال ثم أربع ركعات بعد صلاة الظهر ثم أربع ركعات قبل صلاة العصر ثم ست ركعات بعد المغرب ثم ثلاث عشرة ركعة و ترك من الليل فيها ركعتي الفجر و تبقي إحدى عشرة ركعة هي صلاة الليل هذا لا بد منه لمن يريد اتباع السنة و الاقتداء و في رواية ركعتين قبل المغرب ثم إن زدت فأنت و ذلكفإن الصلاة خير موضوع فمن شاء فليستقلل و من شاء فليستكثر فإنه يناجي ربه و الحديث مع الله و الاستكثار منه أشرف الأحوال و أما الوصية بالصدقة و الصوم فقد تقدم في باب الزكاة و باب الصيام و كذلك الحج من هذا الكتاب (وصية) و عليك بالورع في المنطق كما تتورع في المأكل و المشرب و الورع عبارة عن اجتناب الحرام و الشبهات و أما الشبهة فما حاك في صدركثبت عن رسول الله ص أنه قال الإثم ما حاك في صدركقال بعض العلماء من أهل الله ما رأيت أسهل علي من الورع كل ما حاك له في نفسي شيء تركته و قد ورد في الخبر دع ما يريبك إلى ما لا يريبكوورد أيضا استفت قلبك و إن أفتاك المفتونيعني بالحل و تجد أنت في نفسك وقفة في ذلك فاجتنبه فهو أولى بك و لا تحرمه و عليك بالهدى الصالح و هو هدى الأنبياء و هو اتباع آثارهم الذي أمر رسول الله ص باتباعهم في قوله أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و كذلك السمت الصالح و الاقتصاد في أمورك كلها فإن النبي ص قد ثبت عنه إن الهدى الصالح و السمت الصالح و الاقتصاد جزء من خمسة و عشرين جزءا من النبوة و تحفظ من العجلة إلا في المواطن التي أمرك رسول الله ص بالعجلة فيها و المسارعة إليها مثل الصلاة لأول ميقاتها و إكرام الضيف و تجهيز الميت و البكر إذا أدركت بل و كل عمل للآخرة فالمسارعة إليه أولى من التؤدة فيه و اجعل التسويف و التؤدة في أمور الدنيا فإنه ما فاتك من الدنيا ما تندم عليه بل تفرح بفوته و ما فاتك من أمور الآخرة فإنك تندم عليه و قد ثبت عن رسول الله ص أنه قال التؤدة في كل شيء إلا في عمل الآخرة و قد ذكر مسلم أن رسول الله ص قال للاشج أشج عبد القيس إن فيك لخصلتين يحبهما الله و رسوله قال و ما هما يا رسول الله قال الحلم و الأناة أراد الحلم عمن جنى عليك و الأناة في أمور الدنيا و أغراض النفس و إن كان لك عائلة فكد عليهم فإن الساعي على الأرملة و المسكين كالمجاهد في سبيل الله و كن خير الرعاة في كل ما استرعاك الله فيه على الإطلاق فالسلطان راع و كل راع مسئول عن رعيته ما فعل فيهم هل اتقى الله فيهم أو لم يتق و الرجل راع على أهل بيته و المرأة راعية على بيت زوجها و ولده و العبد راع على مال سيده و لا تغفل عن الصلاة على رسول الله ص إذا ذكرته أو ذكر عندك تأمن من البخل فإنهثبت عنه ص أنه قال البخيل من ذكرت عنده فلم يصل عليو لو لم يكن في ذلك إلا إطلاق البخل عليك و هو من أذم الصفات و أرداها و معنى البخيل هنا بخله على نفسه فإنهقد ثبت فيمن صلى على النبي ص مرة صلى الله عليه عشرا فمن ترك الصلاة على النبي ص فقد بخل على نفسه حيث حرمها صلاة الله عليه عشرا إذا صلى هو واحدة فما زاد (وصية) الله الله أن تعود في شيء خرجت عنه لله تعالى و لا تعقد مع الله عقدا و لا عهدا ثم تنقضه بعد ذلك و تحله و لا تفي به و لو تركته لما هو خير منه فإن ذلك من خاطر الشيطان فافعله و افعل الخير الآخر الذي أخطره لك الشيطان حتى لا تفي بالأول فإن غرضه أن توصف بوصف الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ الله من بَعْدِ مِيثاقِهِ و عليك بصلة الرحم فإنها شجنة من الرحمن و بها وقع النسب بيننا و بين الله فمن وصل رحمه وصله الله و من قطع رحمه قطعه الله و إذا استشرت في أمر فقد أمنك المستشير فلا تخنه فإن كان في نكاح فإن شئت أن تذكر ما تعرفه فيمن سألت عنه مما يكرهه لو سمعه فإن ذلك الذكر ليس بغيبة يتعلق بها ذم فإن كنت من أهل الورع الأشداء فيه و يحوك في نفسك شيء من هذا الذكر فلا تذكر ما تعرف فيه من القبيح و قل كلاما مجملا مثل أن تقول ما تصلح لكم مصاهرته من غير تعيين و يكفي هذا القدر من الكلام فإن كنت تعلم من قرائن الأحوال إن هذا الأمر الذي تذمه به في نظرك لا يقدح عند القوم الذين يطلبون نكاحه فما خنتهم إذا لم تذكر لهم ما يقبح عندك فإنه ليس بقبيح عندهم و هم مقدمون عليه و هذا موقوف على معرفة أحوال الناس و مثلهذا الكلام في الأسانيد في حديث رسول الله ص كان أحمد بن حنبل يقول ليحيى بن معين تعال نعتب في الله و المستشار مؤتمن و إياك و الأكل و الشرب في أواني الذهب و الفضة و إياك و الجلوس على مائدة يدار عليها الخمر و لا حرام أصلا و اجتنب لباس الحرير و الذهب إن كنت رجلا و هو حلال للمرأة و إذا رأيت رؤيا تحزنك و استيقظت فاتفل عن يسارك ثلاث مرات و قل أعوذ بالله من شر ما رأيت و تحول عن جنبك الذي كنت عليه في حال رؤياك إلى الجنب الآخر و لا تحدث بما رأيت فإنها لا تضرك فحافظ على مثل هذا تر برهانه فإن كثيرا من الناس و إن استعاذوا يتحدثون بما رأوه و قد ورد أن الرؤيا معلقة من رجل طائر فإذا قالها سقطت لما قيلت لهو عليك باستعمال الطيب فإنه سنة و استعمل منه إن كنت ذكرا ما ظهر ريحه و خفي لونه و إن كنت امرأة فاستعمل منه ما ظهر لونه و خفي ريحه فإن الحديث النبوي بهذا ورد و عليك بالسواك لكل صلاة و عند كل وضوء و عند دخولك إلى بيتك فإنه مطهرة للفم و مرضاة للرب و قد ورد أن صلاة بسواك تفضل سبعين صلاة بغير سواك ذكره ابن زنجويه في كتاب الترغيب في فضائل الأعمالو إياك و اليمين الغموس فإنها تغمس صاحبها في الإثم فإن الناس اختلفوا في كفارتها فمنهم من ألحقها في الكفارة بالإيمان و منهم من قال إنها لا كفارة فيها و هي اليمين التي تقطع بها حقا للغير وجب عليك و في هذا فقه عجيب دقيق لمن نظر و تفقه في وجوب الحق متى بكون و بأي صفة يكون و ما منعني أن أبينه للناس الأسد الذريعة حتى لا يتأول فيه الجاهل فيجاوز القدر الذي نذكره فيقع في الإثم و هو لا يشعر فإن الفقهاء أغفلوا هذا الوجه الذي أومأنا إليه و ما ذكروه و إياك و المراء في القرآن فإنه كفر بنص الحديثو هو الخوض فيه بأنه محدث أو قديم أو هل هذا المكتوب في المصاحف و المتلو المتلفظ به عين كلام الله أو ما هو عين كلام الله فالكلام في مثل هذا و الخوض فيه هو الخوض في آيات الله و هذا هو المراء و الجدال في القرآن الداخل في قوله تعالى وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ في آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ فسماه حديثا و ليس إلا القرآن فلو أراد آيات غير القرآن لقال فيها بضمير الآية أو الآيات فليس للذكورية هنا دخول إلا إذا أراد آيات القرآن و القرآن خبر الله و الخبر عين الحديث و قال ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ و إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ و الذكر الحديث(وصية) اكظم التثاؤب ما استطعت فإنه من الشيطان و إياك أن تصوت فيه فإن ذلك صوت الشيطان و العطاس في الصلاة من الشيطان أيضا و في غير الصلاة العطاس ليس من الشيطان و إياك و الطرق و هو الضرب بالحصى قال الشاعر

لعمرك ما يدري الضوارب بالحصى و لا زاجرات الطير ما الله صانع

و كذلك العيافة و الطيرة و عليك بالفال و الطيرة شرك و إياك و البصاق في المسجد فإن غفلت فادفنها فذلك كفارتها و إياك أن تستقبل القبلة ببصاقك و لا بخلائك و لا تستدبرها أيضا ببول و لا غائط فإن ذلك من آداب النبوة و إذا أردت أن تأكل فاغسل يديك قبل الأكل و بعده و زد المضمضة منه في الغسل بعده و عليك بالإحسان إذا ملكت يمينك من جارية و غلام و لا تكلفهما فوق طاقتهما و إن كلفتهما فأعنهما فإنهما من إخوانكم و إنما الله ملككم رقابهم الكل بنو آدم فهم إخوتنا فراع الله فيهم و اعلم إنك مسئول عنهم يوم القيامة و إذا عاقبت أحدهم على جناية فاعلم إن الله يوم القيامة يوقف العبد و سيده بين يديه و يحاسبه على جنايته و على عقوبته على ذلك فإن خرجت رأسا برأس كان و إن كانت العقوبة أكثر من الجناية اقتص للعبد من السيد فتحفظ و لا تزد في العقوبة على ثلاثة أسواط فإن كثرت فإلى عشرة و لا تزد إلا في إقامة حد من حدود الله فذلك حد الله لا تتعداه و إن عفوت عن العبد في جنايته فهو أولى بك و أحوط لك و إذا جئت إلى بيت قوم فاستأذن ثلاث مرات فإن أذن لك و إلا فارجع و لا تنظر في بيت أخيك من حيث لا يعرف بك فإنك إذا نظرت فقد دخلت و إنما جعل الأذن من أجل البصر قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا و قال فَلا تَدْخُلُوها حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَ إِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا و ثبت في الحديث الاستئذان ثلاث فإن أذن لك و إلا فارجعو إياك أن تتخذ الجرس في عنق دابتك فإن الملائكة تنفر منه و قد ورد بذلك الحديث النبويو كان بمكة رجل من أهل الكشف يقال له ابن الأسعد من أصحاب الشيخأبي مدين صحبه ببجاية فكان يوما بالطواف و هو يشاهد الملائكة تطوف مع الناس فنظر إليهم و إذا هم قد تركوا الطواف و خرجوا من المسجد سراعا فلم يدر ما سبب ذلك حتى بقيت الكعبة ما عندها ملك و إذا بالجمال بالأجراس في أعناقها قد دخلت المسجد بالروايا تسقى الناس فلما خرجوا رجعت الملائكة و قد ثبت أن الجرس مزامير الشيطان و الذي أوصيك به أن تحافظ على أن تشتري نفسك من الله بعتق رقبتك من النار بأن تقول لا إله إلا الله سبعين ألف مرة فإن الله يعتق رقبتك بها من النار أو رقبة من تقولها عنه من الناس ورد في ذلك خبر نبويو لقد أخبرني أبو العباس أحمد بن علي بن ميمون بن أبو التوزري عرف بالق طلاني بمصر قال في هذا الأمر إن الشيخ أبا الربيع الكفيف المالقي كان على مائدة طعام و كان قد ذكر هذا الذكر و ما وهبه لأحد و كان معهم على المائدة شاب صغير من أهل الكشف من الصالحين فعند ما مد يده إلى الطعام بكى فقال له الحاضرون ما شأنك تبكي فقال هذه جهنم أراها و أرى أمي فيها و امتنع من الطعام فأخذ في البكاء قال الشيخ أبو الربيع فقلت في نفسي اللهم إنك تعلم أني قد هللت بهذه السبعين ألفا و قد جعلتها عتق أم هذا الصبي من النار هذا كله في نفسي فقال الصبي الحمد لله أرى أمي قد خرجت من النار و ما أدري ما سبب خروجها و جعل الصبي يبتهج سرورا و أكل مع الجماعة قال أبو الربيع فصح عندي هذا الخبر النبوي بكشف هذا الصبي و صح عندي كشف هذا الصبي بالخبر و قد عملت أنا على هذا الحديث و رأيت له بركة في زوجتي لما ماتت و عليك بإصلاح ذات البين و هو الفراق فإن الإصلاح بين الناس من الخبر المعين في الكتاب و إذا كان الله قد رغب بل أمر المسلمين إذا جنح الكفار إلى السلم أن يجنحوا لها فأحرى الصلح بين المتهاجرين من المسلمين و إياك و إفساد ذات البين فإنها الحالقة و البين هنا هو الوصل و معنى قول النبي ص الحالقة إنها تحلق الحسنات كما يحلق الحلاق الشعر من الرأس قال الله تعالى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ بالرفع يعني الوصل و البين في اللسان من الأضداد كالجون يا ولى أطعم عبدك مما تأكل و ألبسه مما تلبس و راع قدره و انظر فيما ثبت فيهم من رسول الله ص بقوله إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل و ليلبسه مما يلبس و اغتنم صحة البدن و الفراغ من شغل الدنيا و استعن بهاتين النعمتين اللتين أنعم الله عليك بهما على طاعة الله فإنه ما أصح بدنك و لا فرغك من هموم الدنيا إلا لطاعته و القيام بحدوده و إلا كانت الحجة عليك لله فاحذر إن يكون الله خصمك و لتقل في كل يوم عند كل صباح مائة مرة سبحان الله و بحمده سبحان الله العظيم فإن هذا الذكر لا يبقى عليك ذنبا (وصية) عليك بحفظ جوارحك فإنه من أرسل جوارحه أتعب قلبه و ذلك أن الإنسان لا يزال في راحة حتى يرسل جوارحه فربما نظر إلى صورة حسنة تعلق قلبه بها و يكون صاحب تلك الصورة من المنعة بحيث لا يقدر هذا الناظر على الوصول إليها فلا يزال في تعب من حبها يسهر الليل و لا يهنأ له عيش هذا إذا كان حلالا فكيف به إن كان أرسله فيما لا يحل له النظر إليه فلهذا أمرنا بتقييد الجوارح فإن زنا العيون النظر و زنا اللسان النطق بما حرم عليه و زنا الأذن الاستماع إلى ما حجر عليه و زنا اليد البطش و زنا الرجل السعي و كل جارحة تصرفت فيما حرم عليها التصرف فيه فذلك التصرف منها على هذا الوجه الحرام هو زناها فاللسان يقول بعضهم هو الذي أوردني الموارد المهلكة و قال ص و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهمقال الله تعالى يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني بها فتقول اليد بطش بي في كذا يعني في غير حق فيما حرم عليه البطش فيه و تقول الرجل كذلك و اللسان و البصر و جميع الجوارح كذلك إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا خرج مسلم عن محمد بن أبي عمر عن سفيان عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال قالوا يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة قال رسول الله ص و الذي نفسي بيده لا تضارون في رؤية ربكمفيلقي العبد فيقول أي قل أ لم أكرمك و أسودك و أزوجك و أسخر لك الخيل و الإبل و أذرك ترأس و تربع فيقول بلى يا رب فيقول أ فظننت إنك ملاقي فيقول آمنت بك و بكتابك و برسلك و صليت و صمت و تصدقت و يثني بخير ما استطاع فيقول هاهنا أذن قال ثم يقال له الآن نبعث شاهداعليك و يتفكر في نفسه من ذا الذي يشهد علي فيختم علي فيه و يقال لفخذه انطقي فينطق فخذه و لحمه و عظامه بعمله و ذلك ليعذر من نفسه و ذلك المنافق و ذلك الذي سخط الله عليه و قد ورد في الحديث الثابت في أمر الدنيا أن الساعة لا تقوم حتى تكلم الرجل بما فعل أهلهفخذه و عذبة سوطه و قد قيل في التفسير إن الميت الذي أحياه الله في بنى إسرائيل في حديث البقرة في قوله اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها قال ضرب بفخذها و إن الله ما عين ذلك البعض فاتفق إن ضربوه بالفخذ فاحذر يا أخي يوما تشهد فيه عليك الجلود و الجوارح و أنصف من نفسك و عامل جوارحك بما تشكرك به عند الله و لقد رأينا ذلك عيانا في الدنيا في زمان الأحوال التي كنا فيها أعني نطق الجوارح إذا أراد العبد أن يصرفها فيما لا يجوز شرعا تقول له الجارحة يا هذا لا تفعل لا تجبرني على فعل ما حجر عليك فعله فإني شهيد عليك يوم القيامة فاجعلني شاهدا لك لا عليك و اصحبني بالمعروف و هو في غفلة لا يسمع فإذا وقع منه الفعل تقول الجارحة يا رب قد نهيته كما نهيته فلم يسمع اللهم إني أبرأ إليك مما وصل إليه من مخالفتك بي و على كل حال فارسال الجوارح يؤدي إلى تعب القلب فإن الله خلقك لك و اصطفى منك لنفسه قلبك و ذكر أنه يسعه إذا كان مؤمنا تقيا ذا ورع فإذا شغلته بما تصرفت فيه جوارحك كنت ممن غصب الحق فيما ذكر أنه له منك و أي ظلم أعظم من ظلم الحق فلا تجعل الحق خصمك فإن لله الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ كما ذكر عن نفسه و بكل وجه أشهدني الله حجته على خلقه كيف تقوم و ذلك في أن العلم يتبع المعلوم إن فهمت فأكثر من هذا التصريح ما يكون (وصية) و عليك بالأذان لكل صلاة أو تقول ما يقول المؤذن إذا أذن و إذا أذنت فارفع صوتك فإن المؤذن يشهد له يوم يوم القيامة مدى صوته من رطب و يابس و لو علم الإنسان ما له في الأذان ما تركهقال ص لو يعلم الناس ما في النداء و الصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا و لو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه و لو يعلمون ما في العتمة و الصبح لأتوهما و لو حبوا فإن لم يؤذن و سمع الأذان فليقل مثل ما يقول المؤذن سواء و إن قال ذلك عند كل كلمة إذا فرغ المؤذن منها قالها هذا السامع بحضور و خشوع و لقد أذنت يوما فكلما ذكرت كلمة من الأذان كشف الله عن بصري فرأيت ما لها مد البصر من الخير فعاينت خيرا عظيما لو رآه الناس العقلاء لذهلوا لكل كلمة و قيل لي هذا الذي رأيت ثواب الأذان و إنما ارتضينا و وصينا أن يقول السامع مثل ما يقول المؤذن عند فراغ كل كلمة لما رويناه من حديث الترمذي عن ابن وكيع عن إسماعيل بن محمد بن حجادة يبلغ به النبي ص إن رسول الله ص قال من قال لا إله إلا الله و الله أكبر صدقه ربه و قال لا إله إلا أنا و أنا أكبر و إذا قال لا إله إلا الله وحده يقول الله لا إله إلا أنا و أنا وحدي و إذا قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له قال الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي و إذا قال لا إله إلا الله له الملك و له الحمد قال الله لا إله إلا أنا لي الملك و لي الحمد و إذا قال لا إله إلا الله و لا حول و لا قوة إلا بالله قال الله لا إله إلا أنا و لا حول و لا قوة إلا بي قال و كان يقول من قالها في مرضه لم تطعمه النار و يكفي العاقل في الأمر بالأذانأمر النبي ص من سمع المؤذن يؤذن أن يقول مثل قوله فهو أذانفما رغبة فيه إلا و له أجره فإنه معلم لذلك نفسه و ذاكر ربه بصورة الأذان فما أمره إلا بما له فيه خير كثير و ليؤذن على أكمل الروايات و أكثرها ذكرا فإن الأجر يكثر بكثرة الذكر قال تعالى وَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ و قال اذْكُرُوا الله ذِكْراً كَثِيراً و قد ورد أن الإنسان إذا كان بأرض فلاة فدخل الوقت و ليس معه أحد قام فاذن فإذا أذن صلى خلفه من الملائكة كأمثال الجبالو من كانت جماعته مثل أولئك يؤمنون على دعائه كيف يشقى و إنما وصينا بمثل هذا لغفلة الناس عن مثله فالعاقل من لا يغفل عن فعل ما له فيه الخير الباقي عند الله عز و جل فإن ذلك من رحمتك بنفسك فإن الله جعل رحمتك بنفسك أعظم من رحمتك بغيرك كما جعل أذاك نفسك أعظم في الوزر من أذاك غيرك قال في قاتل الغير إذا لم يقتل به أمره إلى الله إن شاء عفا عنه و إن شاء أخذه و قال في القاتل نفسه حرمت عليه الجنة و قال ص الراحمون يرحمهم الرحمنفمن رحم نفسه يسلك بها سبيل هداها و يحول بينها و بين هواها فرحمه الله رحمة خاصة خارجةعن الحد و المقدار فإنه رحم أقرب جار إليه و هي نفسه و رحم صورة خلقها الله على صورته فجمع بين الحسنيين مراعاة قرب الجوار و مراعاة الصورة و أي جار سوى نفسه فهو أبعد منها و لذلك أمر الداعي إذا دعا أن يبدأ بنفسه أولا مراعاة لحقها و السر الآخر أن الداعي لغيره يحصل في نفسه افتقار غيره إليه و يذهل عن افتقاره فربما يدخله زهو و عجب بنفسه لذاك و هو داء عظيم فأمره رسول الله ص أن يبدأ لنفسه بالدعاء فتحصل له صفة الافتقار في حق نفسه فتزيل عنه صفة الافتقار صفة العجب و المنة على الغير و في أثر ذلك يدعو للغير على افتقار و طهارة فلهذا ينبغي للعبد أن يبدأ بنفسه في الدعاء ثم يدعو لغيره فإنه أقرب إلى الإجابة لأنه أخلص في الاضطرار و العبودية و مثل هذا النظر مغفول عنه لا أحد أعظم من الوالدين و أكبر بعد الرسل حقا منهما على المؤمن و مع هذا أمر الداعي أن يقدم في الدعاء نفسه على والديه فقال نوح ع رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ و قال الخليل إبراهيم ع في دعائه وَ اجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ فقدم نفسه رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ من ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَ لِوالِدَيَّ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ فبدأ بنفسه و قال أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و إنما أوصيتك بالأذان لما فيه عند الله يوم القيامة فإن المؤذنين أطول الناس أعناقا في ذلك اليوم يقول تمتد أعناقهم دون الناس لينظروا ما أثابهم الله به و ما أعطاهم من الجزاء على أذانهم هذا إن كان من الطول فإن كان من الطول الذي هو الفضل و العنق الجماعة فهم أفضل الناس جماعة و من رواه بكسر الهمزة فهو أفضلهم سيرا لما يرونه من الخير الذي لهم على الأذان فإن المؤذن يحافظ على الأوقات فهو يسرع إلى الإعلام بدخول وقت الصلاة فإنه مراع ذلك (وصية) و إن كنت واليا فاقض بالحق بين الناس وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوىفَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ الله و سبيل الله هو ما شرعه لعباده في كتبه و على ألسنة رسله الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ يعني به و الله أعلم يوم الدنيا حيث لم يحاسبوا نفوسهم فيه فإن النسيان التركيقول رسول الله ص حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبواو لقد أشهدني الله في هذا مشهدا عظيما بإشبيلية سنة ست و ثمانين و خمسمائة و يوم الدنيا أيضا هو يوم الدين أي يوم الجزاء لما فيه من إقامة الحدود لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ و هذا عين الجزاء و هو أحسن في حق العبد المذنب من جزاء الآخرة لأن جزاء الدنيا مذكر و هو يوم عمل و الآخرة ليست كذلك و لهذا قال في الدنيا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ يعني إلى الله بالتوبة فيوم الجزاء أيضا يوم الدنيا كما هو يوم الآخرة و هو في يوم الدنيا أنفع فاقض بالحق فإن الله قد قضى في الدنيا بالحق بما شرعه لعباده و في الآخرة بما قال فإن القضاة في الدنيا ثلاث واحد في الجنة و اثنان في النار و الذي أوصيك به إذا فتح الله عين بصيرتك و رزقك الرجوع إليه المسمى توبة فانظر أي حالة أنت عليها من الخير لا تزل عنها إن كنت واليا أثبت على ولايتك و إن كنت عزبا أثبت على ذلك و إن كنت ذا زوجة فلا تطلق و اثبت على ذلك مع أهلك و اشرع في العمل بتقوى الله في الحالة التي أنت عليها من الخير كانت ما كانت فإن لله في كل حال باب قربة إليه تعالى فاقرع ذلك الباب يفتح لك و لا تحرم نفسك خيره و أقل الأحوال إنك في الحال التي كنت عليها في زمان مخالفتك إذا ثبت عليها عند توبتك تحمدك تلك الحالة فإن فارقتها كانت عليك لا لك فإنها ما رأت منك خيرا و هذا معنى دقيق لطيف لا ينتبه له كل أحد فإنها لا تشهد لك إلا بما رأته منك فإذا رأت منك خيرا شهدت لك به و لا يفوتك ما ذكرته لك من نيل ما فيها من الخير المشروع و أعني بذلك كل حال أنت عليها من المباحات فإن توبتك إنما كان رجوعك عن المخالفات و إياك أن تتحرك بحركة إلا و أنت تنوي فيها قربة إلى الله حتى المباح إذا كنت في أمر مباح فانو فيه القربة إلى الله من حيث إيمانك به أنه مباح و لذلك أتيته فتؤجر فيه و لا بد حتى المعصية إذا أتيتها انو المعصية فيها فتؤجر على الايمان بها إنها معصية و لذلك لا تخلص معصية المؤمن أبدا من غير أن يخالطها عمل صالح و هو الايمان بكونها معصية و هم من الذين قال الله فيهم وَ آخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً فهذا معنى المخالطة فالعمل الصالح هنا الايمان بالعمل الآخر السيئ أنه سيئ و عسى من الله واجبة فترجع عليهم بالرحمةفيغفر لهم تلك المعصية بالإيمان الذي خلطها به فمتعلق عسى هنا رجوعه سبحانه عليهم بالرحمة لا رجوعهم إليه فإنه ما ذكر لهم توبة كما قال في موضع آخر ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا و هنا جاء بحكم آخر ما فيه ذكر توبتهم بل فيه توبة الله تعالى عليهم و الذي أوصيك به إنك لا تنقل مجلسا و لا تبلغ ذا سلطان حديثا إلا خير أخرج الترمذي حديثا عن حذيفة أو غيره أنا الشاك إن رجلا مر عليه فقيل له عنه إن هذا يبلغ الأمراء الحديثفقال سمعت رسول الله ص يقول لا يدخل الجنة قتاتقال أبو عيسى و القتات النمام و إذا حدثك إنسان و تراه يلتفت يمينا و شمالا يحذر أن يسمع حديثه أحد فاعلم إن ذلك الحديث أمانة أودعك إياه فاحذر أن تخونه في أمانته بأن تحدث بذلك عند أحد فتكون ممن أدى الأمانة إلى غير أهلها فتكون من الظالمين و قد ثبت أن المجالس بالأمانة و أما وصيتي لك أن لا تبلغ ذا سلطان حديثا بشر فإن ذلك نميمة قال تعالى في ذمه مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ و من الوصايا الحذر من الطعن في الأنساب فلا تحل بين شخص و بين أبيه صاحب الفراش فإن ذلك كفر بنص الشارع فيه و عليك بمراعاة الأوقات في الدعاء مثل الدعاء عند الأذان و عند الحرب و عند افتتاح الصلاة فإن المطلوب من الدعاء إنما هو الإجابة فيما وقع السؤال فيه من الله و أسباب القبول كثيرة و تنحصر في الزمان و المكان و الحال و نفس الكلمة التي تذكر الله بها من الذكر حين تدعوه في مسألته فإنه إذا اقترن واحد من هذه الأربعة بالدعاء أجيب الدعاء و أقوى هذه الأربعة الاسم ثم الحال و عليك بمراعاة حق الله و حق الخلق أن توجه لهم عليك حق فإن الله يؤتيك أجرك مرتين من حيث ما أديته من حقه و من حيث ما أديت من حق من تعين عليك له حق من خلق الله و إن كانت لك جارية فأدبتها و أحسنت أدبها فإن لك في ذلك أجرا عظيما ثم إن أعتقتها فلك في العتق الأجر العظيم العام لذاتك فإن تزوجت بها فلك أجر آخر أعظم من أنك لو تزوجت بغيرها فإذا رأيت غازيا فأعنه بطائفة من مالك و كذلك المكاتب و كذلك الناكح يريد بنكاحه عصمة دينه و العفاف فإنك إذا فعلت ذلك و أعنتهم فإنك نائب الله في عونهم فإن عون هؤلاء حق على الله بنص الخبر فمن أعانهم فقد أدى عن الله ما أوجبه الله على نفسه لهم فيكون الله يتولى كرامته بنفسه فما دام المجاهد في سبيل الله مجاهدا بما أعنته عليه فإنك شريكه في الأجر و لا ينقصه شيء و كذلك إعانة الناكح حتى أنه لو ولد له ولد فكان صالحا فإن لك في ولده و في عقبه أجرا وافرا تجده يوم القيامة عند الله و هو أعظم من المكاتب و المجاهد فإن النكاح أفضل نوافل الخيرات و أقربه نسبة إلى الفضل الإلهي في إيجاده العالم و يعظم الأجر بعظم النسبو اعلم أن الإنسان مجبول على الفاقة و الحاجة فهو مجبول على السؤال فإن رزقك الله يقينا فلا تسأل إلا الله تعالى في طلب نفع يعود عليك أو دفع ضرر نزل بك فإذا سألك أحد بالله لا بقرابة و لا بشيء غير الله عز و جل فأعطه مسألته بحيث لا يعلم بذلك أحد إلا هو خاصة و لا بد لك في مثل هذه الأعطية أن تعرفها له فإنه ينجبر في نفسه ما انكسر منها عند سؤاله فإذا لم يعلم أن سؤاله نفع انكسر فلا بد أن تجيبه إلى مسألته على علم منه فإن علمت بحاله من غير سؤال منه فمثل هذا تعمل أن تعطيه مسألته بالحال من غير أن يعلم أنك أعطيته فإنه يخجل بلا شك و لا سيما إن كان من أهل المروءات و البيوت و ممن لم تتقدم له عادة بذلك و فرق بين الحالتين فإن الفرق بينهما دقيق فإن السائل الأول يخجل إذا لم يعلم أنك أعطيته و الثاني يخجل إذا علم أنك أعطيته و المقصود رفع الخجل عن صاحب الفاقة و عليك بذكر الله بين الغافلين عن الله بحيث لا يعلمون بك فتلك خلوة العارف بربه و هو كالمصلي بين النائمين و إياك و منع فضل الماء من ذي الحاجة إليه و احذر من المن في العطاء فإن المن في العطاء يؤذن بجهل المعطي من وجوه منها رؤيته نفسه بأنه رب النعمة التي أعطى و النعمة إنما هي لله خلقا و إيجاد أو الثاني نسيانه منة الله عليه فيما أعطاه و ملكه من نعمه و أحوج هذا الآخر لما في يده و الثالث نسيانه أن الصدقة التي أعطاها إنما تقع بيد الرحمن و الآخر ما يعود عليه من الخير في ذلك فلنفسه أحسن و لنفسه سعى فكيف له بالمنة على ذلك الآخر إنه ما أوصل إليه إلا ما هو له إذ لو كان رزقه ما أوصله إليه فهو مؤد أمانة من حيث لا يشعر فجهله بهذه الأمور كلها جعله يمتن بالعطاء على من أوصل إليه راحة و أبطل عمله فإن الله يقول لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىو قال الله يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ الله يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ و إياك أن تتقدم قوما في الصلاة إماما و هم يكرهون تقدمك عليهم في صلاة و في غيرها غير إن هنا دقيقة و هي أن تنظر ما يكرهون منك فإن كرهوا منك ما كره الشرع منك فهو ذاك و إن كرهوا منك ما أحبه الشرع منك فلا تبال بكراهتهم فإنهم إذا كرهوا ما أحب الشرع فليسوا بمؤمنين و إذا لم يكونوا مؤمنين فلا مراعاة لهم و لتتقدم شاءوا أم أبوا فمن ذلك الصلاة إذا كنت أقرأ القوم فأنت أحق بالإمامة بهم أو ذا سلطان فإن الله قدمك عليهم و مع هذا فينبغي للناصح نفسه أن لا يتصف بصفة يكره منها تقدمه في أمر ديني و ليسع في إزالة تلك الصفة عن نفسه ما استطاع و حافظ على الصلاة لأول ميقاتها و لا تؤخرها حتى يخرج وقتها و إياك أن تتعبد حرا و تسترقه بشبهة و لا ترى أن لك فضلا على أحد فإن الفضل لله يؤتيه من يشاء و الله ذو الفضل العظيم و تعبد الحر على نوعين إما أن تأخذ من هو حر الأصل فتبيعه و إما أن تعتق عبد أو لا تمكنه من نفسه و تتصرف فيه تصرف السيد لعبده و ليس لك ذلك إلا بإذنه أو إجازته فإني رأيت كثيرا من الناس من يعتق المملوك و لا يمكنه من كتاب عتقه و يستعبده مع حريته و السيد إذا أعتق عبده ما له عليه حكم إلا الولاء فإذا أعتقت عبدا فلا تستخدمه إلا كما تستخدم الحر إما برضاه و إما بالإجازة كالحر سواء فإنه حر ثبت عن رسول الله ص الوعيد الشديد فيمن تعبد محرره و فيمن اعتبد حرا و فيمن باع حرا فأكل ثمنهو الذي أوصيك به إذا استأجرت أجيرا و استوفيت منه فأعطه حقه و لا تؤخره (وصية)إذا كنت جنبا و لم تغتسل فتوضأ إن كان لك ماء و إلا فتيمم و إذا أردت أن تعاود فتوضأ بينهما وضوءا و إذا أردت أن تنام و أنت جنب فتوضأ و إن لم تكن جنبا فلا تنم إلا على طهارة و إذا أردت أن تأكل أو تشرب و أنت جنب فتوضأ و إياك و التضمخ بالخلوق فإن الله لا يقبل صلاة أحد و على جسده شيء من خلوق و ثبت أن الملائكة لا تقربه و لا تقرب الجنب إلا أن يتوضأ كما أنهقد ثبت أن الملائكة لا تقرب جيفة الكافر فإياك أن تنزل نفسك بترك الوضوء في الجنابة منزلة جيفة الكافر في بعد الملك منك فإنهم المطهرون بشهادة الله في قوله تعالى إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ في كِتابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ يعني بالكتاب المكنون الذي هو صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ و إياك و الغدر و هو أن تعطي أحدا عهدا ثم تغدر بهفإن رسول الله قبل إسلام المغيرة و ما قبل غدرته بصاحبهمع كون صاحبه كافرا فكيف حال من يغدر بمؤمن فإن الله قد أوعد على ذلك الوعد الشديد و ليس من مكارم الأخلاق و لا مما أباحته الشريعة و إياك و عقوق الوالدين إن أدركتهما فأشقى الناس من أدرك والديه و دخل النار قال فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ وَ لا تَنْهَرْهُما وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ من الرَّحْمَةِ وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً و قال في الوالدين إذا كانا كافرين وَ صاحِبْهُما في الدُّنْيا مَعْرُوفاً و قال أَنِ اشْكُرْ لِي وَ لِوالِدَيْكَ و رجح الأم و قدمها في الإحسان و البر على أبيكثبت أن رجلا قال لرسول الله ص من أبر قال له أمك ثم قال له من أبر قال أمك ثلاث مرات ثم قال في الرابعة من أبر قال أمك ثم أباكفقدم الأم على الأب في البر و هو الإحسان كما قدم الجار الأقرب على الأبعد و لكل حق و إن لم يكن لك أم و كانت لك خالة فبرها فإنها بمنزلة الأمفإن النبي ص أوصى ببر الخالة يا أخي و ما أوصيتك في هذه الوصية بشيء أستنبطه من نفسي فإني لا أحكم على الله بأمر في حق أحد فما أوصيتك في هذه الوصية إلا بما أوصاك به الله تعالى أو رسوله ص إما معينا فاذكره على التعيين و إما مجملا فافصله لك غير ذلك ما أقول به و إياك يا أخي أن تزكي على الله أحدا فإن الله قد نهاك عن ذلك في قوله فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ أي أمثالكم هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقىو لكن قل أحسبه كذا أو أظنه كذا كما أمرك به رسول الله صقال و لا أزكي على الله أحدا فإنه من الأدب مع الله عدم التحكم عليه في خلقه إلا بتعريفه و إعلامه و ما هذا من قوله قَدْ أَفْلَحَ من زَكَّاها فإن ذلك تحلية النفس و تطهيرها من مذام الأخلاق و إتيان مكارمها و اعلمأن الايمان بضع و سبعون شعبة أدناها إماطة الأذى عن الطريق و أعلاها لا إله إلا اللهو ما بينهما هو على قسمين من الله عمل و ترك أي مأمور به و منهي عنه فالمنهي عنه هو الذي يتعلق به الترك و هو قوله لا تفعل و المأمور بههو الذي يتعلق به العمل و هو قوله افعل وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و قال ص ما نهيتكم عنه فانتهوا و أطلق و لم يقيد و قال في الأمر و ما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتمفهذا من رحمته بأمته و هو لا ينطق عن الهوى فهذا من رحمة الله تعالى بعباده و أمره بما وجب به الايمان على نوعين فرض و مندوب و النهي على قسمين نهي حظر و نهي كراهة و الفرض على نوعين فرض كفاية و فرض عين و كذلك الواجب أقول فيه واجب موسع و واجب مضيق فالواجب الموسع موسع بالزمان و موسع بالتخيير و هو الواجب المخير مثل كفارة المتمتع و إتيان ما يؤتى من هذا كله و ترك ما يترك من هذا كله هو الايمان الذي فيه سعادة العباد فالبضع و السبعون من الايمان هو الفرض منه من عمل و ترك و أما غير الفرض كالمندوبات و المكروهات فيكاد لا ينحصر عند أحد فابحث عليها في الكتاب و السنة فمن شعب الايمان الشهادة بالتوحيد و بالرسالة و الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد و الوضوء و الغسل من الجنابة و الغسل يوم الجمعة و الصبر و الشكر و الورع و الحياء و الأمان و النصيحة و طاعة أولي الأمر و الذكر و كف الأذى و أداء الأمانة و نصرة المظلوم و ترك الظلم و ترك الاحتقار و ترك الغيبة و ترك النميمة و ترك التجسس و الاستئذان و غض البصر و الاعتبار و سماع الأحسن من القول و اتباعه و الدفع بالتي هي أحسن و ترك الجهر بالسوء من القول و الكلمة الطيبة و حفظ الفرج و حفظ اللسان و التوبة و التوكل و الخشوع و ترك اللغو و الاشتغال بما يعني و ترك ما لا يعني و حفظ العهد و الوفاء بالعقود و التعاون على البر و التقوى و ترك التعاون على الإثم و العدوان و التقوى و البر و القنوت و الصدق و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إصلاح ذات البين و ترك إفساد ذات البين و خفض الجناح و اللين و بر الوالدين و ترك العقوق و الدعاء و الرحمة بالخلق و توقير الكبير و معرفة شرفه و رحمة الصغير و القيام بحدود الله و ترك دعوى الجاهلية فإن النبي ص يقول دعوها فإنها منتنةو التودد و الحب في الله و البغض في الله و التؤدة و الحلم و العفاف و البذاذة و ترك التدابر و ترك التحاسد و ترك التباغض و ترك التناجش و ترك شهادة الزور و ترك قول الزور و ترك الهمز و اللمز و الغمز و شهود الجماعات و إفشاء السلام و التهادي و حسن الخلق و السمت الصالح و حسن العهد و حفظ السر و النكاح و الإنكاح و حب الفال و حب أهل البيت و ترك الطيرة و حب النساء و حب الطيب و حب الأنصار و تعظيم الشعائر و تعظيم حرمات الله و ترك الغش و ترك حمل السلاح على المؤمن و تجهيز الميت و الصلاة على الجنائز و عيادة المريض و إماطة الأذى و أن تحب لكل مؤمن ما تحب لنفسك و أن يكون الله و رسوله أحب إليك مما سواهما و أن تكره أن تعود في الكفر و أن تؤمن بملائكة الله و كتبه و رسله و بكل ما جاءت به الرسل من عند الله إلى ما لا يحصى كثرة يأتي إن شاء الله من ذلك في هذه الوصية ما يذكرني الله به و يجريه على خاطري و قلمي و من تتبع كتاب الله و حديث رسوله ص يجد ما ذكرناه و زيادة مما لم نذكره و كلما ورد فله أوقات تخصه و أمكنة و محال و أحوال و الجامع للخير كله في ذلك أن تنوي في جميع ما تعمله أو تتركه القربة إلى الله بذلك العمل أو الترك و إن فاتتك النية فإنك الخير كله فكثير ما بين تارك بنية القربة إلى الله من حيث إن الله أمره بترك ذلك و بين تارك له بغير هذه النية و كذلك في العمل وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا الله مُخْلِصِينَ و الإخلاص هي النية و العبادة عمل و ترك و الإخلاص مأمور به شرعا (وصية) إذا كنت إمام قوم فدعوت فلا تخص نفسك بالدعاء دونهم فإنك إن فعلت ذلك فقد خنتهم و فيه من مذام الأخلاق بتبخيل الحق و تحجير الرحمة التي وسعت كل شيء و إيثار نفسك على غيرك و أن الله ما مدح في القرآن إلا من آثر على نفسهسمع رسول الله ص رجلا من الأعراب يقول اللهم ارحمني و محمدا و لا ترحم معنا أحدا فقال رسول الله ص لقد حجر هذا واسعا يريد قوله تعالى وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و الذي أوصيك به إياك أن تصلي و أنت حاقن حتى تخفف و إذا حضر الطعام و أقيمت الصلاة فابدأ بالطعام ثم تصلي بعد ذلك أن كنت ممن يتناوله بعد الصلاة فحينئذ تفعل ذلك و ارغب في دعاء الوالدين و دعاء المسافر و اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها و بين الله حجاب و عليك بالاستحداد و هو حلق العانة و تقليم الأظفار و نتف الإبط و قص الشارب و إعفاء اللحية و رد السلام و تشميت العاطس و إجابة الداعي و عليك بالعدل في أمورك كلها و المحافظة علىعبادة الله و كسر الشهوتين و تعاهد المساجد للصلاة و البكاء من خشية الله و الاعتصام بحبل الله و عليك بمحاب الله و مراضيه فاتبعها فمنها تعاهد المساجد و عليك بصيام داود ع فهو أحب الصيام إلى الله و أفضله و أعدله و هو صيام يوم و فطر يوم و قد ذكرنا ما يختص من الأسرار و الفوائد بالصوم في باب الصوم من هذا الكتاب و كذلك في الطهارة و الصلاة و الزكاة و الحج فلتنظر هناك و أحب الصلاة إلى الله بالليل صلاة داود كان ينام نصف الليل و يقوم ثلثه و ينام سدسه و ذلك هو التهجد و إن كان لك ولد فسمه عبد الله أو عبد الرحمن و كنه أبا محمد أو سمع محمدا و كنه بأبي عبد الله أو بأبي عبد الرحمن و إذا عملت عملا من الخير فداوم عليه و إن قل فهو أفضل فإن الله لا يمل حتى تملوا فإن في قطع العمل و عدم المداومة عليه قطع الوصل مع الله فإن العبد لا يعمل عملا إلا بنية القربة إلى الله و حينئذ يكون عملا مشروعا فمتى تركه فقد ترك القربة إلى الله و من أراد أنه لا يزال في حال قربة من الله دائما فعليه بالحضور الدائم مع الله في جميع أفعاله و تروكه فلا يعمل عملا إلا و هواه مؤمن بما لله فيه من الحكم و لا يترك عملا إلا و هو مؤمن بما في تركه من الحكم لله فإذا كان هذا حاله فلا يزال في كل نفس مع الله و هو الذي يحرم ما حرم الله و يحل ما أحل الله و يكره ما كره الله و يبيح ما أباح الله فهو مع الله في كل حال و احذر من الإلحاد في آيات الله و من الإلحاد في حرم الله إن كنت فيه و الإلحاد الميل عن الحق شرعا و لذلك قال وَ من يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ فذكر الظلم و عليك بأفضل الصدقات و أفضل الصدقات ما كان عن ظهر غني و معنى عن ظهر غني أن تستغني بالله عن ذلك الذي تعطيه و تصدق به و إن كنت محتاجا إليه فإن الله مدح قوما فقال وَ يُؤْثِرُونَ عَلىأَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ و ذلك أنهم لم يؤثروا على أنفسهم مع الخصاصة حتى استغنوا بالله فإن نزلت عن هذه الدرجة فلتكن صدقتك بحيث أن لا تتبعها نفسك فلتغن أولا نفسك بأن تطعمها فإذا استغنت عن الفاضل فتصدق بالفضل فإنك ما تصدقت إلا بما استغنيت عنه و تلك هي الصدقة عن ظهر غني في حق هذا و الأول أفضل و عليك بصيام رجب و شعبان و إن قدرت على صومهما على التمام فافعل فإنهورد أفضل الصيام بعد شهر رمضان صيام شهر الله المحرم و هو رجب فإنه يقال له شهر الله هذا الاسم له دون الأشهر كلها و كان رسول الله ص يكثر صوم شعبان يقول الراوي ربما صامه كله و حافظ على صوم سررهو لا يفوتنك إن فاتك صومه و أفطر السادس عشر من شعبان و لا بد حتى تخرج من الخلاف فإنه أولى فإن فطره جائز بلا خلاف و صومه فيه خلاففإن رسول الله ص قال إذا انتصف شعبان فأمسكوا عن الصوم عليك بقول الحق في مجلس من يخاف و يرجى من الملوك و لا يعظم عندك على الحق شيء إلا ما أمرك الله بتعظيمه و عليك بعمل البر في يوم النحر فإنه أعظم الأيام عند الله ورد في ذلك خبر نبويفأكثر فيه من ذكر الله و من الصدقة و كل فعل فيه لله رضي و تقدر عليه في هذا اليوم فلا تتخلف عنه فإنه أفضل من يوم عرفة و يوم عاشوراء و فيه خير كما قلنا أعط كل ذي حق حقه حتى الحق أعطه حقه و لا ترى أن لك على أحد حقا فتطلبه منه فانصف من نفسك و لا تطلب النصف من غيرك و اقبل العذر ممن اعتذر إليك و إياك و الاعتذار فإن فيه سوء الظن منك بمن اعتذرت إليه فإن علمت إن في اعتذارك إليه خيرا له و صلاحا في دينه فاعتذر إليه في حقه من غير سوء ظن به بل قضاء حق له تعين عليك و أحق الحقوق حق الله (وصية) و عليك بكثرة الدعاء في حال السجود فإنك في أقرب قربة إلى الله لما ثبت من قوله ص أقرب ما يكون العبد من ربه و هو ساجد فأكثروا الدعاء و لا قرب أقرب من قرب السجود و لا دعاء إلا في القرب من الله فإذا دعوت في السجود فادع في دوام الحال الذي أوجب لك القرب المطلوب من الله فإنك تعلم أنه قريب من خلقه و هو معهم أين ما كانوا و المطلوب أن يكون العبد قريبا من الله و أن يكون مع الله في أي شأن يكون الله فيه فإن الشئون لله كالأحوال للخلق بل هي عين أحوال الخلق التي هم فيها و عليك بصلة أهل ود أبيك بعد موته فإن ذلك من أبر البر ورد في الحديث أن من أبر البر ان يصل الرجل أهل ود أبيه و إن ذلك من أحب الأعمال إلى اللهو هو الإحسان إليهم و التودد بالسلام و الخدمة و بما تصل إليه يدك من الراحات و السعي في قضاء حوائجهم و عليك بالتلطف بالأهل و القرابة و لا تعامل أحدا من خلق الله إلا بأحب المعاملة إليه ما لم تسخط الله فإن أرضاه ما يسخط الله فارض الله و ابدأ بالسلام على من عرفت و من لم تعرف فإن عرفت من الذي تلقاهأنه يسلم عليك فاتركه يبدأ بالسلام ثم ترد عليه فيحصل لك أجر الوجوب فإن رد السلام واجب و الابتداء به مندوب إليه و أحب ما يتقرب به إلى الله ما افترضه على خلقه و إذا علمت من شخص أنه يكره سلامك عليه و ربما تؤديه تلك الكراهة إلى أنه لو سلمت عليه لم يرد عليك فلا تسلم عليه ابتداء إيثارا له على نفسك و شفقة عليه فإنك تحول بينه و بين وقوعه في المعصية إذا لم يرد عليك السلام فإنه يترك أمر الله الواجب عليه و من الايمان الشفقة على خلق الله فبهذه النية اترك السلام عليه و إن علمت من دينه أنه يرد السلام عليك فسلم عليه و إن كره و اجهر بالسلام عليه و ابدأ به فإنك تدخل عليه ثوابا برد السلام و تسقط من كراهته فيك بسلامك عليه بقدر إيمانه و نفسه الصالحة إن كان ممن جبل على خلق حسن و عليك بالنظر إلى من هو دونك في الدنيا و لا تنظر إلى أهل الثروة و الاتساع خوفا من الفتنة فإن الدنيا حلوة خضرة محبوبة لكل نفس فإن النعيم محبوب للنفوس طبعا و لو لا النعيم الذي يجده الزاهد في زهده ما زهد و الطائع في طاعته ما أطاع فإن أخوف ما خافه رسول الله ص علينا ما يخرج الله لنا من زهرة الدنيا قال الله تعالى لنبيه وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىما مَتَّعْنا به أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ثم حبب إليه رزق ربه الذي هو خَيْرٌ وَ أَبْقىو هو الحال الذي هو عليه في ذلك الوقت هو رزق ربه الذي رزقه فإنه تعالى لا يتهم في إعطائه الأصلح لعبده فما أعطاه إلا ما هو خير في حقه و أسعد عند الله و إن قل فإنه ربما لو أعطاه ما يتمناه لعبد طغى و حال بينه و بين سعادته فإن الدنيا دار فتنة و إذا كان لأحد عندك دين و قضيته فأحسن القضاء و زده في الوزن و أرجح تكن بهذا الفعل من خير عباد الله بأخبار رسول الله ص فهو من السنة و هو الكرم الخفي اللاحق بصدقة السر فإن المعطي إياه لا يشعر بأنه صدقة و هو عند الله صدقة سر في علانية و يورث ذلك محبة و ودا في نفس الذي أعطيته و تخفي نعمتك عليه في ذلك ففي حسن القضاء فوائد جمة و عليك يا أخي بالذب و الدفع عن أخيك المؤمن عن عرضه و نفسه و ماله و عن عشيرتك بما لا تأثم به عند الله فلا تبرح من يدك ميزان مراعاة حق الله في جميع تصرفاتك و لا تتبع هواك في شيء يسخط الله فإنك لا تجد صاحبا إلا الله فلا تفرط في حقه و حقه أحق الحقوق و أوجبها علينا كما ثبت حق الله أحق أن يقضى و إن عزمت على نكاح فاجهد في نكاح القرشيات و إن قدرت على نكاح من هي من أهل البيت فأعظم و أعظم فإنه قد ثبت أنه خير نساء ركبن الإبل نساء قريش و عاشرهن بالمعروف و اتق الله فيهن و أحق الشروط ما استحللت به فروجهن و أحسن إليهن في كل شيء و إياك أن تعذب ذا روح إذا كان في يدك حتى الأضحية إذا ذبحتها فحد الشفرة و أسرع و أرح ذبيحتك و ادفع الألم عن كل من يتألم جهد استطاعتك كان ما كان الألم الحسي من كل حيوان و إنسان و من النفسي ما تعلم أنه يرضي الله و اعلم أنه مما يرضي الله ما أباحه لك أن تفعله و إذا رأيت أنصاريا من بنى النجار فقدمه على غيره من الأنصار مع حبك جميعهم و عليك بأحسن الحديث و هو كتاب الله فلا تزل تاليا إياه بتدبر و تفكر عسى الله أن يرزقك الفهم عنه فيما تتلوه و علم القرآن تكن نائب الرحمن فإن الرحمن عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ و هو القرآن فإنه قال فيه هذا بيان للناس و هو القرآن و هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ فعلم القرآن قبل الإنسان أنه إذا خلق الإنسان لا ينزل إلا عليه و كذلك كان فإنه نَزَلَ به الرُّوحُ الْأَمِينُ على قلب محمد ص و هو ينزل على كل قلب تال في حال تلاوته فنزوله لا يبرح دائما فعلم الله القرآن كما عمل الإنسان القرآنفخيركم من علم القرآن و علمهو اتق شح الطبيعة فإن المفلح عند الله من يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ و كن شجاعا مقداما على إتيان العزائم التي شرع الله لك أن تأتيها فتكن من أولي العزم و لا تكن جبانا فإن الله أمرك بالاستعانة به في ذلك و إذ كان الله المعين فلا تبال فإنه لا يقاومه شيء بل هو القادر على كل شيء فما ثم مع الإعانة الإلهية قوة نقاوي قوة الحق فإن الله يقول فيمن سأله الإعانة و لعبدي ما سأل في الخبر الصحيح فإذا قال العبد إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ يقول الله هذه الآية بيني و بين عبدي و لعبدي ما سأل و إذا قال اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ إلى آخر السورة و هدايته من معونته يقول الله هؤلاء لعبدي و لعبدي ما سأل و خبره صدق و قد قال و لعبدي ما سأل فلا بد من إعانته و لكن هنا شرط لا يغفل عنه العالم إذا تلا مثل هذا لا يتلوه حكاية فإن ذلك لا ينفعه فيما ذهبنا إليه و فيما أريد له و إنما الله تعالى ما شرع له أن يقرأ القرآن و يذكره بهذاالذكر إلا ليعلمه كيف يذكره فيذكره ذكر طلب و اضطرار و افتقار و حضور في طلبه من ربه ما شرع له أن يطلبه فذلك هو الذي يجيبه الحق إذا سأله فإن تلا حكاية فما هو سائل و إذا لم يسأل و حكى السؤال فإن الحق لا يجيب من هذه صفته و لا جرم أن التالين الغالب عليهم الحكاية لأنه لا ثمرة عندهم فهم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يجاوز تراقيهم و قلوبهم لاهية في حال التلاوة و في حال سماعه فإذا رأيت من يقدم على الشدائد في حق الله فاعلم أنه مؤمن صادق و إذا رأيته قوي العزم في دين الله و في غير دين الله فيعلم أنه قوي النفس لا قوي الايمان بالأصالة فإن المؤمن هو القوي في حق الله خاصة الضعيف في حق الهوى لا يساعد هواه في شيء إذا جاءه الهوى النفسي يطلب منه أن يعينه في أمر ما يريه من الضعف و الخوف ما يقطع به يأسه منه فينقمع الهوى إذ لا يجد معونة من قبول المؤمن عليه فيعصم جوارحه من إمضاء ما دعاه إليه الهوى و سلطانه فإذا جاءه وارد الايمان وجد عنده من القوة و المساعدة بالله ما لا يقاومه شيء فإن الله هو المعين له فإن الإنسان خلق هلوعا من حيث إنسانيته و إن المؤمن له الشجاعة و الإقدام من حيث ما هو مؤمن كما حكي عن بعض الصحابة و أظنه عمرو بن العاص أن رسول الله ص أخبره أنه لا بد له أن يلي مصر فحضر في حصار بلد فقال لأصحابه اجعلوني في كفة المنجنيق و ارموا بي إليهم فإذا حصلت عندهم قاتلت حتى أفتح لكم باب الحصن فقيل له في ذلك فقال إن رسول الله ص ذكر لي أني إلى مصر و إلى الآن ما وليتها و لا أموت حتى أليها فهذا من قوة الايمان فإن العادة تعطي في كل إنسان أن شخصا إذا رمى في كفة المنجنيق إنه يموت فالمؤمن أقوى الناس جأشا و من أسمائه تعالى المؤمن و قد ورد أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا من كونه مؤمنا فالمؤمن المخلوق يستعين بالمؤمن الخالق فيشد منه و يقوي ما ضعف عنه من كونه مخلوقا فإن الله خلقه من ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ من بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً فهي إشارة و ذلك أن كانت قوة الشباب تفسيرا فهي قوة الايمان بما أمر من الايمان به تنبيها فاعلم (وصية) كن فقيرا من الله كما أنت فقير إليه فهو مثلقوله ص و أعوذ بك منكو معنى فقرك من الله أن لا يشم منك رائحة من روائح الربوبية بل العبودية المحضة كما أنه ليس في جناب الحق شيء من العبودية و يستحيل ذلك عليه فهو رب محض فكن أنت عبدا محضا فكن مع الله بقيمتك لا بعينك فإن عينك عليه روائح الربوبية بما خلقك عليه من الصورة بالدعوى و قيمتك ليست كذلك بهذا أوصاني شيخي و أستاذي أبو العباس العريبي رحمه الله فلقيمتك التصرف بالحال لا بالدعوى فكن أنت كذلك فمتى قالت لك نفسك كن غنيا بالله فقد أمرتك بالسيادة فقل لها أنا فقير إلى الله و إلى ما أفقرني الله إليه فإن الله أفقرني إلى الملح أن يكون في عجيني (وصية) عليك بالرباط فإنه من أفضل أحوال المؤمنفكل إنسان إذا مات يختم على عمله إلا المرابط فإنه ينمي له إلى يوم القيامة و يأمن فتان القبر ثبت هذا عن رسول الله صو الرباط أن يلزم الإنسان نفسه دائما من غير حد ينتهي إليه أو يجعله في نفسه فإذا ربط نفسه بهذا الأمر فهو مرابط و الرباط في الخير كله ما يختص به خير من خير فالكل سبيل الله فإن سبيل الله ما شرعه الله لعباده أن يعملوا به فما يختص بملازمة الثغور فقط و لا بالجهاد فإن رسول الله ص قال في انتظار الصلاة بعد الصلاة إنه رباط و الله يقول في كتابه للمؤمنين اصْبِرُوا وَ صابِرُوا وَ رابِطُوا وَ اتَّقُوا الله يعني في ذلك كله أي اجعلوه وقاية تتقوا به هذه العزائم و ذلك معونته في قوله اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ و اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ و قوله وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فهذا معنى اتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي تكون لكم النجاة من مشقة الصبر و الرباط و ينبغي لك إذا ناجيت رسول الله ص و ذلك زمان قراءتك الأحاديث المروية عنه ص أن تقدم بين يدي نجواك صدقة أي صدقة كانت فإن ذلك خير لك و أطهر بهذا أمرت فإن الصدقات التي نص الشرع عليها كثيرة و لذلكورد أنه يصبح على كل سلامي منا صدقة في كل يوم تطلع فيه الشمس ثم أخبر ص أن كل تهليلة صدقة و كل تكبيرة صدقة و كل تسبيحة صدقة و كل تحميدة صدقة و أمر بمعروف صدقة و نهي عن منكر صدقة فانظر حالك عند ما تريد قراءة الحديث النبوي فهي التي بقيت في العامة من مناجات الرسول فالذي يعينلك حالك عند ذلك من الصدقات تقدمها بين يدي قراءتك الحديث كانت ما كانت فقد أوسع الله عليك في ذلك فلم يبق لك عذر في التخلف بعد أن أعلمك ص بأنواع الصدقات فقدم منها بين يدي نجواك ما أعطاه حالك بلغ ما بلغ و حينئذ تشرع في قراءة الحديث النبوي و إياك أن تحشر يوم القيامة مع المصورين الذين يصورون ذوات الأرواح من الحيوانات فإنك إن صورت صورة من صور الحيوانات تبعها روحها من عند الله من حيث لا تشعر بذلك في الدنيا فإذا كان في الآخرة يجعل الله لكل مصور في النار بكل صورة صورة نفسا تعذبه في نار جهنم فإن الخلق من اختصاص الله فمن نازعه في خلقه فإنه يعذبه بما خلق من ذلك و الخلق لله لا إليه إذ لم يكن بإذن الله كخلق عيسى ع الطير من الطين بإذن الله و نفخ فيه الروح بإذن الله فلو أذن الله للمصور في ذلك لكان طاعة فعل ذلك فاعلم إن كل نفس بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (وصية) و احذر أن تكفر أحدا من أهل القبلة بذنب فقد ثبت أنه من قال لأخيه كافر فقد باء به أحدهما إن كان كما قال و إلا رجعت عليه و معنى الرجوع عليه أنه هو الكافر فإنه من كفر مسلما لإسلامه فهو كافر يقول الله تعالى وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَ نُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ فقال الله تعالى فيهم أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ و السفيه هو الضعيف الرأي يقولون إنهم ما آمنوا إلا لضعف رأيهم و عقلهم فجاز ذلك عليهم لقول الله أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ أي هم الذين ضعفت آراؤهم فحال ذلك الضعف بينهم و بين الايمان و لكن لا يعلمون فتحفظ من الكلام القبيح و هو أن تنسب صفة مذمومة لأخيك المؤمن و إن كانت فيه لا في حضوره و لا في غيبته فإنك إن واجهته بذلك فقد عيرته فما تأمن أن يعافيه الله من تلك الصفة و يبتليك بها و قد ورد لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله و يبتليك و إن كان غائبا فهي غيبة و قد نهاك الله عن الغيبة فإنك إذا ذكرته بأمر هو فيه مما يسوؤه لو قابلته به فقد اغتبته و إن نسبت إليه من القبيح ما ليس فيه فذلك البهتان و لا بد أن تجني ثمرة غرسك إلا أن يعفو الله بإرضاء الخصم و إن يعود عليك وبال ما نسبته إلى أخيك المؤمن مما ليس هو عليه و كذلك خداع المؤمن فلا تكن ممن يخادع الله فإنك إن اعتقدت ذلك كنت من الجاهلين بالله حيث تخيلت إنك تلبس على الحق و أَنَّ الله لا يَعْلَمُ كَثِيراً مِمَّا تَعْمَلُونَ وَ ذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ من الْخاسِرِينَ و إن خادعت المؤمن فما تخادع إلا نفسك كما قال تعالى يُخادِعُونَ الله وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ في خداعهم الذين آمنوا فإنهم مؤمنون أيضا بالباطل قال تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَ كَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فوصفهم بالإيمان بالباطل و قال في حديث الأنواء فيمن قال مطرنا بنوء كذا إنه كافر بي مؤمن بالكوكبفهذا قوله وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ في خداعهم الذين آمنوا و أما في خداعهم الله فإن الله هُوَ خادِعُهُمْ بخداعهم أي هو خداع الله بهم لكونهم اعتقدوا أنهم يخادعون الله فإياك و الجهل فإنه أقبح صفة يتصف بها الإنسان فإن كنت يا ولي ذا زوجة فأوصها بل لا تتركها و لا أختا و لا بنتا و لا أي امرأة كانت ممن تحكم عليها أو تعلم أنها تسمع منك فانصحها كانت من كانت أن لا تستعطر إذا خرجت بطيب يكون له ريح فإنهقد ثبت عن رسول الله ص أنه قال أيما امرأة استعطرت فمرت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية و قد ورد مقيدا في ذلك أيما امرأة أصابت بخورا فلا تشهد معنا العشاء الاخيرة و ذلك لأن الليل آفاته كثيرة و الظلمة ساترة و ما تدري إذا أصاب الرجل ريحها الطيب في طريق المسجد ما يلقي منه إذا لم يتق الله فلهذا نهاها رسول الله ص عن شهود العشاء الآخرة و بالجملة فلا ينبغي للمرأة أن تخرج بطيب له رائحة لا في ليل و لا في نهار و إياك و الاستهزاء و السخرية بأهل الله استهزاء بدين الله و لا تتخذهم ضحكة فإن وبال ذلك يعود عليك يوم القيامة فيسخر الله منك و يستهزئ بك و هو أن يريك بالفعل ما فعلته أنت هنا أعني في الدنيا بالمؤمن إذا لقيته تقول أنا معك على طريق الهزء به و السخرية منه فإذا كان يوم القيامة يجازيك الله عدلا بقدر ما تراءيت به للمؤمنين من الإقبال عليهم و الايمان بما هم عليه أهل الله عز و جل و قد رأينا على ذلك جماعة من المدرسين الفقهاء يسخرون بأهل الله المنتمين إلى الله المخبرين عن الله بقلوبهم ما يرد عليهم من الله فيها فيأمر من هذه صفته إلى الجنة حتى ينظر إلى ما فيها من الخير فيسرون كما يسر أهل الله في حال استهزاءهم بهم و يتخيلون أنهم صادقون فيمايظهرون به إليهم فإذا وفى الله جزاء عملهم و انفهقت لهم الجنة بخيرها أمر الله بهم أن يصرفوا عنها إلى النار فتصرفهم الملائكة إلى النار فذلك استهزاء الله بهم كما إن هؤلاء المنافقين لما رجعوا إلى أهليهم قالوا إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ و قال سَخِرُوا مِنْهُ فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا من الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ كما كانوا في الدنيا يضحكون من المؤمنين لايمانهم و كذلك بعض المؤمنين يضحكون من أهل الله في الدنيا و لا سيما الفقهاء إذا رأوا العامة على الاستقامة يتحدثون بما أنعم الله عليهم في بواطنهم يضحكون منهم و يظهرون لهم القبول عليهم و هم في بواطنهم على خلاف ذلك فلا أقل يا أخي إذا لم يكن منهم أن تسلم لهم أحوالهم فإنك ما رأيت منهم ما ينكره دين الله و لا ما يرده العلم الصحيح النقلي و العقلي إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا من الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ وَ إِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ هكذا و الله رأيت فقهاء الزمان مع أهل الله يتغامزون عليهم و يضحكون منهم و يظهرون القبول عليهم و هم على غير ذلك فاحذر من هذه الصفة و من صحبة من هذه صفته لئلا يسرقك الطبع فما أعظم حسرتهم يوم القيامة فهم الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدىو الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ و الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَ ما كانُوا مُهْتَدِينَ (وصية) و احذر يا أخي أن تكون من شرار الناس فيتقي الناس لسانك فإن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم و أنت أعرف بنفسك في ذلكأقبل رجل على رسول الله ص فقال رسول الله ص فيه قبل أن يصل إليه و قد رآه مقبلا بئس ابن العشيرة فلما وصل إليه بش في وجهه و ضحك له فلما انصرف قالت له عائشة يا رسول الله قلت فيه ما قلت ثم بششت في وجهه فقال يا عائشة إن من شر الناس من أكرمه الناس اتقاء شرهفاحذر أن تكون ممن هذه صفتهم فتكون من شر الناس بشهادة رسول الله ص و إن كانت لك زوجة فإياك إذا أفضيت إليها و كان بينك و بينها ما كان إن تنشر سرها فإن ذلك من الكبائر عند الله فإنهثبت عن رسول الله ص أن من شر الناس عند الله يوم القيامة الذي يفضي إلى امرأته و تفضي إليه ثم ينشر سرها فذلك من الكبائر و إياك أن تسب أبا أحد أو أمه فيسب أباك و أمك فإن ذلك من العقوق و كذلك إذا جالست مشركا فلا تسب من اتخذه إلها مع الله و إذا جالست من تعرف أنه يقع في الصحابة من الروافض فلا تتعرض و لا تعرض بذكر أحد من الصحابة التي تعلم أن جليسك يقع فيهم بشيء من الثناء عليهم فإن لجاجه بجعله يقع فيهم فتكون أنت قد عرضتهم بذكرك إياهم للوقوع فيهم يقول الله وَ لا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ من دُونِ الله فَيَسُبُّوا الله عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ و نهى رسول الله ص عن شتم الرجل والديه فقيل له يا رسول الله و كيف يشتم الرجل والديه فقال ص يسب أبا الرجل فيسب أباه و يسب أمه فيسب أمهو إن من الكبائر استطالة الرجل في عرض رجل مسلم بغير حق هذا هو الثابت عن رسول الله صو عليك بشهود العتمة و الصبح في جماعة فإنه من شهد العشاء في جماعة فكأنما قام نصف ليله و من شهد الصبح في جماعة فكأنما قام ليله و عليك بالشفقة على عباد الله مطلقا بل على كل حيوان فإنه في كل ذي كبد رطبة أجر عند الله تعالى (وصية) احذر أن ترجح نظرك على علم الله في خلقه بمن قدمه من الولاة في النظر في أمور المسلمين و إن جاروا فإن لله فيهم سرا لا تعرفه و إن ما يدفع الله بهم من الشرور و يحصل بهم من المصالح أكثر من جورهم إن جاروا و هذا كثير ما يقع فيه الناس يرجحون نظرهم على ما فعل الله في خلقه و يأتيهم الشيطان فيعلق تسفيههم بالذين ولوه و يحول بينهم و بين الصحيح من كون الله ولاهم و ينسيهمأمر النبي ص أن لا تخرج يدا من طاعة و أن لا تنازع الأمر أهلهفيدخل عليهم الشيطان من التأويل في هذه الأحاديث و أمثالها بما يخرجهم بذلك من الإسلام و ينسيهمقوله ص فإن جاروا فلكم و عليهم و إن عدلوا فلكم و لهم و إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآنلو لم يكن في هذه المسألة إلا اعتراض الملائكة على الله تعالى في خلافة آدم ع لكان كافيا و قد جعل رسول الله ص من تمام الزكاة أن ينقلب المصدق و هو العامل الذي على الزكاة راضيا عنك و إن ظلمك و هذا باب قد أغفله الناس و قد أغلقوه على أنفسهم فما يرى أحد إلا و له في ذلك نصيب و لا يعلم ما فيه عند الله و قد رأينا على ذلك براهين من الله كثيرة و متى ذممت و لا بد فذم الصفة بذم الله و لا تذم الموصوف بها إن نصحت نفسك و متى حمدت فاحمد الصفة و الموصوف معا فإن الله يحمدك على ذلك (وصية) أوصيت بها في مبشرة أريتها سمعتها من كلام الله تعالى بلا واسطة في البقعة المباركة التي كلم الله فيها موسى ع من بلة على قدر الكف كلاما لا يكيف و لا يشبه كلام مخلوق عين الكلام هو عين الفهم من السامع فمما فهمت منه كن سماء و حي و أرض ينبوع و جبل تسكين فإذا تحركت فلتكن حركة أحياء و سطينة بتحريك عن وحي سماوي ثم وقع في نفسي نظم فكنت أنشد