قال الله تعالى وَ إِنَّكَ لَعَلىخُلُقٍ عَظِيمٍ و قال إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا و لما سألت عائشة عن خلق رسول الله ص قالت كان خلقه القرآنو إنما قالت ذلك لأنه أفرد الخلق و لا بد أن يكون ذلك الخلق المفرد جامعا لمكارم الأخلاق كلها و وصف الله ذلك الخلق بالعظمة كما وصف القرآن في قوله وَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فكان القرآنخلقه فمن أراد أن يرى رسول الله ص ممن لم يدركه من أمته فلينظر إلى القرآن فإذا نظر فيه فلا فرق بين النظر إليه و بين النظر إلى رسول الله ص فكان القرآن انتشا صورة جسدية يقال لها محمد بن عبد الله بن عبد المطلب و القرآن كلام الله و هو صفته فكان محمد صفة الحق تعالى بجملته ف من يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ الله لأنه لا ينطق عن الهوى فهو لسان حق فكان ص ينشئ في ليل هيكله و ظلمة طبيعته بما و فقه الله إليه من العمل الصالح الذي شرعه له صورا عملية ليلية لكون الليل محل التجلي الإلهي الزماني من اسمه الدهر تعالى يستعين بالحق لتجليه في إنشائها على الشهود و هو قوله تعالى إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً و لم تكن هذه الصور إلا الصلاة بالليل دون سائر الأعمال و إنما قلنا بالاستعانة لقوله تعالى قسمت الصلاة بيني و بين عبديو قوله اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ و لا يطلب العون إلا من له نوع تعمل في العمل و هو قوله وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فكن أنت يا وارثه هو المراد بهذا الخطاب في هذا العمل فيكون محمد ص ما فقد من الدار الدنيا لأنه صورة القرآن العظيم فمن كان خلقه القرآن من ورثته و أنشأ صورة الأعمال في ليل طبيعته فقد بعث محمدا ص من قبره فحياة رسول الله ص بعد موته حياة سنته و من أحياه فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً فإنه المجموع الأتم و البرنامج الأكمل و لهذا قال في ناشئة الليل إنها أَقْوَمُ قِيلًا و لا أقوم قيلا من القرآن و كذلك أَشَدُّ وَطْئاً أي أعظم تمهيدا لأنه قال ما فَرَّطْنا في الْكِتابِ من شَيْءٍ و ليس إلا القرآن الجامع و أشد ثباتا فإنه لا ينسخ كما نسخت سائر الكتب قبله به و إن ثبت ما ثبت منها مما ورد في القرآن و لهذا جاء بلفظ المفاضلة في الثبوت فهو أشد ثبوتا منها لاتصاله بالقيامة و فيه ما في الكتب و ما ليس في الكتب كما كان في محمد ص ما كان في كل نبي و كان فيه ما لم يكن في نبي لأن القرآن كان خلقه فأعطى هو و أمته ما لم يعط نبي قبله فإذا أنشأ من أنشأ صورة هذه الأعمال الليلية و نفخ الحق لشهوده من كونه معينا له أرواحها فيها قامت حية ناطقة عن أصل كريم الطرفين بين عبد متحقق بعبوديته موف حق سيده لم يلتفت إلى نفسه و لا إلى صورة ما خلقه الله عليها التي توجب له الكبرياء بل كان عبدا محضا مع هذه المنزلة و لهذا قدم إِيَّاكَ نَعْبُدُ فإنه ما قبل الصورة إلا في ثان حال فقال بذاته إِيَّاكَ نَعْبُدُ و قال بالصورة وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ثم رجع فقال اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لا الضَّالِّينَ فجمع بين الأمرين و بين رب عظيم وفاه حقه على قدر ما شرعه له لا يطالب بغير ذلك فإنه تعالى هو الذي أدبه أي جمع له و فيه جميع فوائد الخيرات فلما نشأت هذه الصورة العملية الليلية بين هذين الطرفين الكريمين كانت وسطا جامعة للطرفين فكانت عبدا سيدا حقا خلقا و بهذه الصفة أنشأ الله العالم ابتداء فإن له في أسمائه و نعوته الطرفين فإنه وصف نفسه بما يتعالى به عن الخلق و وصف نفسه بما هو عليه الخلق و لم يزل بهذين النعتين موصوفا لنفسه و هما طرفا نقيض فجمع بين الضدين و لو لا ما هو الأمر على هذا ما خلق الضدين في العالم و المثلان ضدان فهما ضدا المماثلة حتى تعلم أن العالم على صورته في قبول الضدين بل هو العالم الذي هو عين الضدين صورة من أنشأه فظهر العالم بالأصالة بين الطرفين و مشى الأمر في خلق ما خلق الله بأيدي العالم فللعالم إنشاء الصور و للحق أرواحها و حياتها كما قال في حق عيسى ع وَ إِذْ تَخْلُقُ من الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ في الصورة الخلقية فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ الله فجعل الصورة للخلق و كونه طائرا للحق و في إنشائك قال فَإِذا سَوَّيْتُهُ هو مثل تَخْلُقُ من الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ ثم قال وَ نَفَخْتُ فِيهِ من رُوحِي و هو قوله فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي فمن كان مع الحق في مقام الشهود و الجمع عند إنشاء العبد صور الأعمال قامت حية ناطقة و إن أنشأها على غير هذا النعت من الجمع و الشهود كانت صورا بلا أرواح كصور المصورين الذينيقول الله لهم يوم القيامة أحيوا ما خلقتم فلا يستطيعونلأن الأحياء ليس لهم و إنما هو لله و أعني بالإحياء الأحياء الذي تقع به الفائدة من الحي فإن الطبيعة تعطي حياة في الصورة و لكن حياة لا فائدة معها و هي الحياة التي توجد في المعفنات فليس في قوة الطبيعة أكثر من وجود الإحساس لا غير و أما القوي الروحانية التي عنها تكون الصنائع العملية بالتفكر فمن الروح الإلهي فمن علم مراتب الأرواح يعلم ما أومأنا إليه في هذه العجالة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السادس و الأربعون و أربعمائة في معرفة منازلة في تعمير نواشئ الل
نواشئ الليل فيها الخير أجمعهفيها النزول من الرحمن بالكرم
يدنو إلينا بنا حتى يساعدنابما يدليه من طرائف الحكم
فالكل يعبده و الكل يشكرهإلا الذي خص بالخسران و النقم
إن الولي تراه وقت غفلتهيبكي و يدعوه في داج من الظلم
يا رب يا رب لا يبغي به بدلاخلقا عظيما كما قد جاء في القلم