قال الله تعالى تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ و قال تعالى إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ و قال تعالى رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِاعلم أن الممكنات هي كلمات الله التي لا تنفدوا بها يظهر سلطانها الذي لا يبعد و هي مركبات لأنها أتت للافادة فصدرت عن تركيب يعبر عنه في اللسان العربي بلفظة كُنْ فلا يتكون عنه إلا مركب من روح و صورة ثم تلتحم الصور بعضها ببعض لما بينهما من المناسبات فتحدث المعاني فينا بحدوث تأليفها الوضعي و ما وقع فيها الوضع في الصور المخصوصة إلا لذاتها لا بحكم الإنفاق و لا بحكم الاختيار لأنها بأعيانها أعطت العلم الذي لا يتحول و القول الذي لا يتبدل و المشيئة الماضية فهي في الشهادة بحسب ما هي عليه في الغيب فهي في الغيب بصورة كل ما تتقلب إليه في الظاهر مما لا نهاية له في الغيب من التقليب و هو في الظاهر يبدو مع الآيات إذ لا يصح دخول ما لا يتناهى في الوجود لأن ما لا يتناهى لا ينقضي فلا يقف عند حد و المادة التي ظهرت فيها كلمات الله التي هي العالم هي نفس الرحمن و لهذا عبر عنه بالكلمات و قيل في عيسى ع إنه كلمة اللهثم اعلم أن الله تعالى لما أظهر من كلماته ما أظهر قدر لهم من المراتب ما قدر فمنهم الأرواح النورية و النارية و الترابية و هم على مراتب مختلفة و كلهم أوقفهم مع نفوسهم و أشهدهم إياها و احتجب لهم فيها ثم طلب منهم أن يطلبوه و نصب لهم معارج يعرجون عليها في طلبها إياه فدخل لهم بهذه المعارج في حكم الحد و جعل لهم قلوبا يعقلون بها و لبعضهم فكرا يتفكرون به ثم جعل من معارجهم نفي المثلية عنه من جميع الوجوه ثم تشبه لهم بهم فأثبت عين ما نفى ثم نصب لهم الدلالة على صدق خبره إذا أخبرهم فتفاضلت أفهامهم لتفاضل حقائقهم في نشأتهم فكل طائفة سلكت فيه مسالك ما خرجت فيها عما هي عليه فلم يجدوا في انتهاء طلبهم إياه غير نفوسهم فمنهم من قال بأنه هو و منهم من قال بالعجز عن ذلك و قال لم يكن المطلوب منا إلا أن نعلم أنه لا يعلم فهذا معنى العجز و منهم من قال يعلم من وجه و يعجز عن العلم به من وجه و منهم من قال كل طائفة مصيبة فيما ذهبت إليه و أنه الحق سواء سعد أو شقي فإن السعادة و الشقاء من جملة النسب المضافة إلى الخلق كما نعلم أن الحق و الصدق نسبتان محمودتان و مع هذا فلها مواطن تذم فيه شرعا و عقلا فما ثم شيء لنفسه و ما ثم شيء إلا لنفسه و بالجملة فالخلق كله مرتبط بالله ارتباط ممكن بواجب سواء عدم أو وجد و سعد أو شقي و الحق من حيث أسماؤه مرتبط بالخلق فإن الأسماء الإلهية تطلب العالم طلبا ذاتيا فما في الوجود خروج عن التقييد من الطرفين فكما نحن به و له فهو بنا و لنا و إلا فليس لنا برب و لا خالق و هو ربنا و خالقنا فبنا لكونه به و لنا لكونه له إلا أن له الإمداد فينا الوجودي و لنا فيه الإمداد العلمي فتكليفه إيانا تكليف له فبنا تكلف للتكليف فما كلفنا سوانا و لكن به لا بنا فتداخلت المراتب فهو الرفيع الدرجات مع النزول الذاتي و الخلق في النزول مع العروج و الصعود الذاتي فما خرج موجود عن تأثير وجودي و عدمي و لا مؤثر في الحقيقة إلا النسب و هي أمور عدمية عليها روائح وجودية فالعدم لا يؤثر من غير أن تشم منه روائح الوجود و الوجود لا أثر له إلا بنسبة عدمية فإذا ارتبط النقيضان و هما الوجود و العدم فارتباط الموجدين أقرب فما ثم إلا ارتباط و التفاف كما نبه تعالى وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ أي التف أمرنا بأمره و انعقد فلا ننحل عن عقده أبدا و لما تمم و هو الصادق بقوله إِلىرَبِّكَ أثبت وجود رتبته بك يَوْمَئِذٍ يعني يوم يكشف عن الساق الْمَساقُ رجوع الكل إليه من سعد أو من شقي أو من تعب أو من استراحقال ص في الدجال إن جنته نار و ناره جنة فأثبت الأمرين و لم يزلهما فالجنة جنة ثابتة و النار نار ثابتة و الصور الظاهرة لرأي العين قد تكون مطابقة لما هو الأمر عليه في نفسه و قد لا تكون و على كل حال فهما أمران لا بد منهما خيالا كان أو غير خيال و إذا ارتبط الأمران كما قلنا هذا الارتباط فلا بد من جامع بينهما و هو الرابط و ليس إلا ما تقتضيه ذات كل واحد منهما لا يحتاج إلى أمر وجودي زائد فارتبطا لا نفسهما لأنه ما ثم إلا خلق و حق فلا بد أن يكون الرابط أحدهما أو كلاهما و من المحال أن ينفرد واحد منهما بهذا الحكم دون الآخر لأنه لا بد أن يكونا عليه من قبول هذا الارتباط فبهما يظهر لا بواحد منهما و مع هذا الارتباط فما هما مثلان بل كل واحد منهما ليس مثله شيء فلا بد أن يتميزا بأمر آخر ليس في واحد منهما أمر الآخر به يشار إلى كل واحد منهما فالافتقار موجب للميل و قبول الحركة و الغناء ليس حكمه ذلك في الغني فإنا نعلم أن بين المغناطيس و الحديد مناسبة و ارتباط لا بد منه كارتباط الخلق و الخالق و لكن إذا مسكنا المغناطيس جذب الحديد إليه فعلمنا إن في المغناطيس الجذب و في الحديد القبول و لهذا انفعل بالحركة إليه و إذا مسكنا الحديد لم ينجذب إليه المغناطيس فهما و إن ارتبطا فقد افترقا و تميزا فالناس بل العالم فقراء إلى الله فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ
وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ