قال الله تعالى لنبيه ص قُلْ إِنَّما أَعِظُكُمْ بِواحِدَةٍ فقال بعض السامعين سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ من الْواعِظِينَ فاعتنى الله بأهل الايمان فقال وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرىتَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ فالتفت إلى القابل و ما التفت إلى المعرض فلم يرتبط الوجود إلا بالمؤمن و هو سبحانه الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ على المؤمنين فجزاء الله عندنا على هذا الاعتناء العمل بما شرع و المبادرة لما به نهي و أمر اعتناء باعتناء و هو أحق بنا فإن اعتناءنا بالقبول يعود علينا نفعه لافتقارنا إلى ذلك النفع و اعتناؤه بنا امتنان منه لأنه غني حميد بغناه فوعظنا بالحوادث الواقعة على خلاف الأغراض مما تنفر عنه طباعنا و ذكرنا بأنا معرضون لحلولها بنا إلا أن يعصم الله في بعضها لا في كلها فإن منتهى الدوائر و أعظمها الموت و لا بد منه بأي وجه كان و لست أعني بالموت إلا الانتقال عن هذه الدار فإن الشهيد منتقل و إن لم يتصف بالموت هكذا أمرنا المؤدب أن نقول فإن لنا نصيبا من الأدب الإلهي الذي أدب به الله رسوله ص فليس أدب الله خاصا بأحد دون أحد فمن قبله سعد و كان ممن أدبه الله و انتمى إلى الله في الأدب و هو أحسن الأدب و قد نهانا أن نقول لمن يقتل في سبيل الله إنه ميت و لا نحسب أنه ميت بل هو حي عند ربه و في إيماني يرزق و ذكرنا تعالى بموعظته ذكرى حال إذ أصاب من قبلنا بوقوع تلك الدوائر عليهم
و ذكر بأمور أخبر عنها في المستقبل عند الانتقال إلى الدار الآخرة تقع بالعباد مما يسر وقوعها و مما لا يسر و مما يوافق الغرض و يلائم الطبع و مما لا يلائم الطبع و لا يوافق الغرض و مما يدل على الكمال و النقص فذكر بالرغبة في ذلك و الرهبة من ذلك و ذكر بنفسه لما علم تعالى أن إفراط القرب حجاب عظيم عن القرب و قد قال إنه أقرب إلينا من حبل الوريد و حبل الوريد نعلم قربه و لا تراه أبصارنا كذلك قرب الحق منا نؤمن بقربه و لا تدركه أبصارنا فلذلك ذكر بنفسه لا لبعده لأنه حفيظ و الحفظ يطلب القرب بلا شك فنحن بعينه و هو معنا حيثما كنا لا بل أينما كنا و نستغفر الله من عثرات اللسان و إن كان من عند الله فالأدب أولى و لا سيما فيما ينسب إلى الجناب الإلهي لا ينبغي للأديب إن يتكل على المعنى بل الأدب في مراعاة الألفاظ فإنه تعالى لم يعدل إلى لفظ دون غيره سدى فلا نعدل عنه فإن العدول عنه إلى مثله في المعنى تحريف بغير فائدة و يقنع العدو من الكبراء بهذا القدر فهي مزلة قدم و مكر خفي و رعونة نفس و إظهار مرتبة دنية يتخيل مظهرها أنها زلفى و إنها رتبة أسنى و أعلى فلما ذكر بنفسه ذكر أنه إليه يرجع الأمر كله لنعلم أن المرجع إليه فلا نقوم في شيء نحتاج فيه إلى الاعتذار عنه أو نستحي منه عند المرجع إليه و العبد الصحيح العبودية مع الموافقة لا يكون له إدلال فكيف مع المخالفة و لما ذكر بنفسه أحال عباده على أنفسهم و قال لهم إن عرفتم نفوسكم عرفتمونيفمن الأدب أن نرجع بالنظر إلى نفسي فإن نظرت فيه و تركت نفسي فما تأدبت و إذا لم أكن أديبا لم نكن من أهل البساط فحرمت المشاهدة فحرمت العلم الذي يعطيه الشهودفإني إن نظرت فيه حتى أعرفه فربما أعرفه المعرفة التي تليق بهذا النظر و ليست المطلوبة فإن الذي طلب سبحانه أن نعرفه معرفة الارتباط به و تلك المعرفة التي عدل إليها من عدل لا تعطي الارتباط فلم تحصل الفائدة التي قصد الله بها عبده فالأديب يرجع بالنظر إلى نفسه عن أمر ربه فإذا عرف نفسه فكرا أو شهودا عرف ارتباطه بربه فعرف ربه تنزيها و تشبيها معرفة عقلية شرعية إلهية تامة كاملة غير ناقصة كما شاء الحق فإنه تعالى أبان لنا في هذه الإحالة عن أحسن الطرق و العلم به فتبين لنا أنه الحق و أنه على كل شيء شهيد و قال في حق من عدل عن هذا النظر بالنظر فيه ابتداء أَلا إِنَّهُمْ في مِرْيَةٍ من لِقاءِ رَبِّهِمْ فلو رجعوا إلى ما دعاهم إليه من النظر في نفوسهم لم يكونوا في مرية من لقاء ربهم فإنهم يجدونه في عين نفوسهم ثم تمم و قال أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ و أراد هنا شيئية الوجود لا شيئية الثبوت فإن الأمر هناك لا يتصف بالإحاطة فمن وقف مع ما ذكرناه كان ممن اتعظ فإن شاء أخذ بنصيبه من الورث فوعظ و إن شاء بقي في النظر على حاله بنفسه دائما فإن النفس بحر لا ساحل له لا يتناهى النظر فيها دنيا و آخرة و هي الدليل الأقرب فكلما ازداد نظر ازداد علما بها و كلما ازداد علما بها ازداد علما بربه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ