قال الله تعالى إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يعني حكم مما توجه عليه أمر كن كان ما كان فيعدم به و يوجد فليس متعلقة إلا الأثر و لهذا سماه في اللسان العربي كلاما مشتقا من الكلم و هو الجرح و هو أثر في المجروح فلما وجد الأثر سمي ما وجد عنه كلاما كان ما كان فافهم و الحركة انتقال من حال إلى حال أي من حال يكون عليه السامع إلى حال يعطيه سماعه عند كلام المتكلم و هو فيه بحسب فهمه فهو مجبور على الحركة و لهذا لا تسلم الصوفية حركة الوجد الذي يبقى معه الإحساس بمن في المجلس حتى تسلم له حركته بالله فمهما أحس تعين عليه أن يجلس إلا أن يعرف الحاضرين بأنه متواجد لا صاحب وجد فيسلم له ذلك و لكن لا تحمد هذه الحالة عندهم على كل حال لأنهم يكرهون الحركة في الأصل بنفس المتحرك و يحمدونها بالمحرك فأصل السماع الذي يقول به أهل الطريق شريفو هو يسرى في كل شيء فلا يختص به حال إيقاع و غناء على طريق خاص طبيعي فإن الوزن الطبيعي إنما يؤثر فيما تركب من الطبيعة على مزاج خاص لا يشترط في حركة الطبع الفهم بخلاف حركة النفوس العقلية و إن كان للطبيعة فيها أثر في أصل وجودها و لكن ليست لها في النفوس العاقلة تلك القوة إلا بالفهم فلا يحركه إلا الفهم أ لا ترى الكائنات ما ظهرت و لا تكونت إلا بالفهم لا بعدم الفهم لأنها فهمت معنى كُنْ فتكونت و لهذا قال فَيَكُونُ يعني ذلك الشيء لأنه فهم عند السماع ما أراد بقوله كن فبادر لفهمه دون غير التكوين من الحالات فما سميت هذه الحركة بالوجد إلا لحصول الوجود عندها أعني وجود الحكم سواء كان بعين أو بلا عين فإنه عين في نفسه هذا الكائن ثم إن الحق أعطى هذه الصفة لعباده و جعل نفسه سامعا و أقام نفسه محلا لتكوين ما يطلبه منه العبد في سؤاله سماه إجابة و جعل ذلك بلفظ الأمر كما جعل كُنْ ليريه أن الحقائق لا نفسها تكون أحكامها ما هي بجعل جاعل لمن عقل و علم الأمور على ما هي عليه فإن العلم بهذا النوع من العلوم المختزنة عن أكثر الناس بل يحرم كشفها لهم من العارف بها لما يؤدي إلى إنكار الحق مع علمهم بأن المعاني توجب أحكامها لمن قامت به عقلا يريدون أن ذلك لذاتها و لهذا تمكن المتكلم بالرد على من يقول بالإرادة الحادثة لا في محل و أما كلام الله من الشجرة لموسى فهو عند بعضهم دليل على أن الكلام ينسب لمن خلقه كما تقول الطائفة الأخرى إن السمع تعلق بالمناسب و هو الخطاب من الشجرة و ليس إلا كلام الله كما قال فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ الله و معلوم بما ذا تعلق السمع منه و هؤلاء القائلون بأن المتكلم من قامت به صفة الكلام و أهل الكشف الذين يرون أن الوجود لله بكل صورة جعلوا الشجرة هي صورة المتكلم كما كان الحق لسان العبد و سمعه و بصره بهويته لا بصفته كما يظهر في صورة تنكر و تتحول إلى صورة تعرف و هو هو لا غيره إذ لا غير فما تكلم من الشجرة إلا الحق فالحق صورة شجرة و ما سمع من موسى إلا الحق فالحق صورة موسى من حيث هو سامع كما هو الشجرة من حيث هو متكلم و الشجرة شجرة و موسى موسى لا حلول لأن الشيء لا يحل في ذاته فإن الحلول يعطي ذاتين و هنا إنما هو حكمان
فانظر إلى هذه النكت الإلهية في هذه المنازلات ما أخصرها و ما أعطاها للأمور على ما هي عليه في إيجاز وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ