اعلم أيدنا الله و إياك بروح القدس أن رحمة الله وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و من رحمته إن خلق الله بها قلب عبده و جعله أوسع من رحمته فإن قلب المؤمن وسع الحق كما ورد أن الله يقول ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبدي المؤمنفرحمته مع اتساعها يستحيل أن تتعلق به أو تسعه فإنها و إن كانت منه فلا تعود عليه و ما أحال تعالى عليه أن يسعه قلب عبده و ذلك أنه الذي يفقه عن الله و يعقل عنه و قد أمره بالعلم به و ما أمره إلا بما يمكن أن يقوم به فيكون الحق معلوما معقولا للعبد في قلبه و لا يتصف بأنه تعالى مرحوم فهذا يدلك على إن الرحمة لا تناله من خلقه كما يناله التقوى أعني تقوى القلوب كما قال وَ لكِنْ يَنالُهُ التَّقْوىمِنْكُمْ و قال فَإِنَّها يعني شعائر الله و هي ضرب من العلم به من تَقْوَى الْقُلُوبِ و قال تعالى فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها و ما جعلها عقلا إلا ليعقل عنه العبد بها ما يخاطبه به و مما خاطبه به إن رحمته وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و أن قلبه وسعه جل جلاله إلا أن ثم سرا أشير إليه و لا أبسطه و هو أن الله أخبر أنه أحب أن يعرف و مقتضى الحب معروف فخلقالخلق و تعرف إليهم فعرفوه فما عرفوه بنظرهم و إنما عرفوه بتعريفه إياهم فهذي إشارة لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَ هُوَ شَهِيدٌ و المحبة علم ذوق و ما فينا إلا محب و من أحب عرف مقتضى الحب فمن هنا تعرف عموم الرحمة و الحديث الآخر غضب الله الكائن من إغضاب العبد ثمقال عنه التراجمة ع في باب الشفاعة إذا سألوهم الخلق فيها يوم القيامة فيقولون إن الله قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله و لن يغصب بعده مثله فزال الغضب بالانتقامو أخبر ص أن الصدقة تطفئ غضب الربو هو الموفق عبده لما تصدق به فهو المطفئ غضبه بما وفق إليه عبده و هذا كثير لكن هذا القدر عند عباد الله منه فإنا لا نزيد عليه لأنا ما عرفناه إلا بتعريفه و هذا من جملة تعريفه لا من نظر المخلوق فلما اتخذ الله قلب عبده بيتا لأنه جعله محل العلم به العرفاني لا النظري حماه و غار عليه أن يكون محلا لغيره و العبد جامع فلا بد أن يظهر الحق تعالى لهذا العبد في صور شتى أي في صورة كل شيء لأنه محل للعلم بكل شيء و ليس محل العلم بالأشياء إلا القلب و الحق يغار على قلب عبده أن يكون فيه غير ربه فاطلعه أنه صورة كل شيء و عين كل شيء فوسع كل شيء قلب العبد لأن كل شيء حق فما وسعه إلا الحق فمن علم الحق من حقيته فقد علم كل شيء و ليس من علم شيئا علم الحق و على الحقيقة فما علم العبد ذلك الشيء الذي يزعم أنه علمه لأنه لو علمه علم أنه الحق فلما لم يعلم أنه الحق قلنا فيه إنه لم يعلمه و إنما قال قلب المؤمن لا غير المؤمن لكون المعرفة بالله لا تكون إلا بتعريفه لا بحكم النظر الفكري و لا يقبل تعريفه به تعالى إلا المؤمن فإن غير المؤمن لا يقبل ذلك جملة واحدة فإنه الناظر على أحد ثلاثة أمور إما أن يحيل ذلك الذي ورد به التعريف على الحق فينقسم هنا المحيلون على أقسام فمنهم من يطعن في الرسل و يجعلهم تحت سلطان الخيال و هذه الطائفة من الأخسرين الذين أضلهم الله و أعماهم عن طريق الهدى بل في طريق الهدى لو علموا فهؤلاء قد جمعوا بين الجهل و بين المروق من الدين فلا حظ لهم في السعادة و قسم آخر منهم قالوا إن الرسل هم أعلم الناس بالله فتنزلوا في الخطاب على قدر أفهام الناس لا على ما هو الأمر عليه فإنه محال فهؤلاء كذبوا الله و رسوله فيما نسب الله إلى نفسه و إلى رسله بحسن عبارة كما يقول الإنسان إذا أراد أن يتأدب مع شخص آخر إذا حدثه بحديث يرى السامع في نظره أنه ليس كما قال المخبر فلا يقول له كذبت و إنما يقول له يصدق سيدي و لكن ما هو الأمر على هذا و إنما الأمر الذي ذكره سيدي على صورة كذا و كذا فهو يكذبه و يجهله بحسن عبارة هكذا فعل هؤلاء المتأولين و قسم آخر لا يقول بأنه نزل في العبارة إلى أفهام الناس و إنما يقول ليس المراد بهذا الخطاب إلا كذا و كذا ما المراد منه ما تفهمه العامة و هذا موجود في اللسان الذي جاء به هذا الرسول فهؤلاء أشبه حالا ممن تقدم إلا أنهم متحكمون في ذلك على الله بقولهم هذا هو المفهوم من اللسان و كذلك الذي يعتقده عامة ذلك اللسان هو أيضا المفهوم من ذلك فما يمنع أن يكون المجموع فأخطئوا في الحكم على الله بما لم يحكم به على نفسه فهؤلاء ما عبدوا إلا الإله الذي ربطت عليه عقولهم و قيدته و حصرته و قسم آخر قال نؤمن بهذا اللفظ كما جاء من غير أن نعقل له معنى حتى نكون في هذا الايمان به في حكم من لم يسمع به و نبقى على ما أعطانا دليل العقل من إحالة مفهوم هذا الظاهر من هذا القول فهذا القسم متحكم أيضا بحسن عبارة و إنه رد على الله بحسن عبارة فإنهم جعلوا نفوسهم حكم نفوس لم تسمع ذلك الخطاب و قسم آخر قالوا نؤمن بهذا اللفظ على حد علم الله فيه و علم رسوله ص فهؤلاء قد قالوا إن الله خاطبنا عبثا لأنه خاطبنا بما لا نفهم و الله يقول وَ ما أَرْسَلْنا من رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ و قد جاء بهذا فقد أبان كما قال الله لكن أبي هؤلاء أن يكون ذلك بيانا و هؤلاء كلهم مسلمون و أما الأمر الثالث فهم الذين كشف الله عن أعين بصائرهم غطاء الجهل فأشهدهم آيات أنفسهم و آيات الآفاق ف يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ لا غيره فآمنوا به بل علموه بكل وجه و في كل صورة و إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ فلا يرى العارف شيئا إلا فيه فهو ظرف إحاطة لكل شيء و كيف لا يكون و قد نبه على ذلك باسمه الدهر فدخل فيه كل ما سوى الله فمن رأى شيئا فما رآه إلا فيه و لذلك قال الصديق ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله لأنه ما رآه حتى دخل فيه فبالضرورة يرى الحق قبل الشيء بعينه لأنه يرى صدور ذلك الشيء منه فالحق بيت الموجودات كلها لأنه الوجود و قلب العبد بيت الحق لأنه وسعه و لكن قلب المؤمن لا غير
فمن كان بيت الحق فالحق بيته فعين وجود الحق عين الكوائن
و ما حاز المؤمن هذه السعة إلا بكونه على صورة العالم و على صورة الحق و كل جزء من العالم ما هو على صورة الحق فمن هنا وصفه الحق بالسعة قال أبو يزيد البسطامي في سعة قلب العارف لو أن العرش يعني ملك الله و ما حواه من جزئيات العالم و أعيانه مائة ألف ألف مرة لا يريد الحصر و إنما يريد ما لا يتناهى و لا يبلغه المدى فعبر عنه بما دخل في الوجود و يدخل أبدا في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به و ذلك لأن قلبا وسع القديم كيف يحس بالمحدث موجودا و هذا من أبي يزيد توسع على قدر مجلسه لإفهام الحاضرين و أما التحقيق في ذلك أن يقول إن العارف لما وسع الحق قلبه وسع قلبه كل شيء إذ لا يكون شيء إلا عن الحق فلا تتكون صورة شيء إلا في قلبه يعني في قلب ذلك العبد الذي وسع الحق
و ينظر إلى قول أبي يزيد ما قال الجنيد أن المحدث إذا قرن بالقديم لم يبق له أثر إلا أن قول الجنيد هنا أتم من قول أبي يزيد فإن المحدث إذا قرنته بالقديم كان الأثر للقديم لا للمحدث فتبين لك بهذه المقارنة ما هو الأمر عليه و هو ما قلناه فإنه لا يمكن أن يجهل الأثر و إنما كان قبل هذه المقارنة ينسب إلى المحدث فلما قرنه بالقديم رأى الأثر من القديم و رأى المحدث عين الأثر فقال ما قال و لا نشك بعد أن تقرر هذا أن الخليل إبراهيم ع بهذه المثابة هو و الرسول صلوات الله عليهم قد وسع قلبه الحق فجعله تعالى مسندا ظهره إلى البيت المعمور و ما دخله لأنه لو دخله لوسع البيت المعمور الحق لأنه قد وسع من وسعه و هي إشارة لا حقيقة فإن جسم إبراهيم ع محصور بجيرون بلا شك فما نريد إلا الصورة التي هو عليها في البرزخ الذي انتقل إليه بالموت و أما قوله و أخلاه من غيري هو قوله ع فيمن يقرأ القرآن من شغله ذكرييعني القرآن يقرأه العبد عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطى السائلين قال تعالى إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ و هو القرآن و قال فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ يعني أهل القرآن لأنه قال ما فَرَّطْنا في الْكِتابِ من شَيْءٍ فهو الجامع لكل شيء فمن اعتقد غير أوجب عليه أن يخلي قلبه للحق و الناس يتفاضلون في الدرجات فإن الله قد فضل العالم بعضه على بعض و أفضل المفاضلة فضل العلم بالله أ لا تراه قد أعطاه تعالى أعني للإنسان بمنزلة الاسم الآخر الذي لله و أعطى نفسه تعالى الاسم الأول في رتبة العلم به و جعل الملك محاطا به بين الأول و الآخر فمن كان له علم بالمراتب علم ما للملك من الله و ما له من الإنسان و لهذا كان الملك و هو الروح الأمين يأتي بالوحي من الاسم الأول الذي لله إلى العبد الكامل الرسول النازل في منزل الاسم الإلهي الآخر و هو قوله تعالى شَهِدَ الله فبدأ بنفسه في الشهادة بتوحيده ثم ذكر الملائكة ثم ذكر بعد الملائكة أولي العلم و هم الأناسي ف لِلَّهِ الْأَمْرُ من قَبْلُ وَ من بَعْدُ و الملك ما بينهما و هكذا كان أمر الوجود فالأولية للحق ثم أوجد الملك ثم أوجد الإنسان و أعطاه الخلافة و لم يعطها الملك لأن الوسط له و كل وسط فهو محاط به فافهم فصورة فضل الملك على الإنسان بما أتاه به من عند الله و ليس ذلك بدليل قاطع على الفضيلية في العقل و في اللسان كما إن خلق السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَكْبَرُ من خَلْقِ النَّاسِ لأن الناس في رتبة الانفعال عن حركة الأفلاك و قبول التكوين الذي في العناصر فما ثم إلا وجوه خاصة و ما ثم وجه محيط فمن وجه يفضل و من وجه يكون مفضولا وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ