قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثاني و الستون و أربعمائة في الأقطاب المحمديين و منازلهم»

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
اليثربي الذي لا نعت يضبطهو لا مقام و لا حال يعينه
مرخى العنان على الإطلاق نشأتهقامت فلا أحد منا يبينه
من قال إن له نعتا فليس لهعلم به عند ما يبدو مكونه
فعلمنا إن علمناه يشير بهو جهلنا هو في علمي يزينه

قال الله تعالى عن الملائكة و الملإ الأعلى وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ و قال يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فأشبه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌأي تشبه هذه الآية الآية الأخرى و أصل باب الأقطابقوله ص كلكم راعحتى الإنسان على جوارحه و جميع قواه من بادية و هي الظاهرة و حاضرة و هي الباطنة فاعلم أن الأمور كثيرة مختلفة في العالم فكل شيء يدور عليه أمر ما من الأمور فذلك الشيء قطب ذلك الأمر و ما من شيء إلا و هو مركب من روح و صورة فلا بد أن يكون لكل قطب روح و صورة فروحه تدور عليه أرواح ذلك الأمر الذي هذا قطبه و صورة ذلك القطب تدور عليه صورة ذلك الأمر الذي هذا قطبه يسمى الوجه الواحد من القطب جنوبيا و هو الروح و الآخر شماليا و هو الصورة فمن جملة أصناف العالم الأناسي و هم المقصودون من وجود العالم بالقصد الثاني لا بالقصد الأول و أما القصد الأول فالقصد بوجود العالم عبادة الله أعني عبادة العرفان الحادث لكمال الوجود غير أنه في كل صنف من أصناف العالم تام غير كامل و ما كمل إلا بهذه النشأة الإنسانية الكاملة و ما عدا الكاملة فهو الإنسان الحيوان المسمى بالحد حيوانا ناطقا و الأقطاب من الكملثم إن الله جعل العالم الجسمي و الجسماني في منزلين منزل يسمى الدنيا و منزل يسمى الآخرة و جعل سكانهما الإنس و الجان و المعتبر فيهما الإنس و المعتبر من الإنس الكمل لا غير و هم الذين ذكرهم الله لا يزيدون عليه في نفوسهم هذا ذكرهم في نفوسهم و في خلواتهم باللسان و أما في العموم فلا إله إلا الله ثم بعدها أنواع الذكر من سبحان الله المقيد و المطلق و الحمد لله كذلك و الله أكبر كذلك و لا حول و لا قوة إلا بالله كذلك فعمر بهذا الصنف المقصود من العالم أولا الدار الدنيا من الدارين و جعل سكناهم فيها بآجال مسماة ينتهون إليها ثم ينتقلون عند فراغ مدتهم إلى الدار الآخرة و نقلتهم على ضربين منهم من ينتقل بموت و هو مفارقة الحياة الدنيا فيحيي بحياة الآخرة و منهم من ينتقل بالحياة الدنيا من غير موت و هو الشهيد في سبيل الله خاصة و ما يقال فيه بأنه أفضل من الميت إلا أنه أفضل من بعض الموتى ثم إن الله جعل هذا الصنف الإنساني في الدنيا أمما كثيرين ثم بعث في كل أمة رسولا ليعلمها ما هو الأمر عليه الذي خلقوا له و يعلمهم بما للحق عليهم أن يفعلوه و ما لهم إذا فعلوا ذلك من الخير عند الله في الدار الآخرة و ما ذا عليهم إذا لم يفعلوا من العقوبة عند الله في الدار الدنيا إذا علم ولاة أمرهم ذلك و في الآخرة ثم جعل الفضل فيهم فمنهم الفاضل و الأفضل من الأمم و من الرسل و ختم الأمم بأمة محمد ص و جعلهم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ و ختم بمحمد ص جميع الرسل ع و ختم بشرعه جميع الشرائع فلا رسول بعده يشرع و لا شريعة بعد شريعته تنزل من عند الله إلا ما قرره شرعه من اجتهاد علماء أمته في استنباط الأحكام من كتابه و سنة نبيه و أعني بالسنة الحديث لا من قياس و أعني بالقياس هنا قياس فرع على فرع لا قياس فرع على أصل فإن قياس الفرع على الأصل هو المستنبط الذي ثبت بالاجتهاد و جعله الفقهاء أصلا رابعا كما جعلوا الإجماع أصلا ثالثا و هو إجماع الصدر الأول و قالوا إنهم ما أجمعوا على أمر إلا و لا بد أن يعرفوا فيه نصا يرجعون فيه إليه إلا أنه ما وصل إلينا مع قطعنا به فإنه من المحال أن يجتمعوا على حكم لا يكون لهم فيه نص لأن نظرهم و فطرهم مختلفة فلا بد من الاختلاف و قد أجمعوا على أمر فذلك الحكم مقطوع به عندنا أنهم فيه على نص من الرسول ص و لا حكم بإجماع بعد إجماع الصدر الأول فلما كان الأمر على ما قررناه في هذا الباب فاشتغلنا بذكر الأقطاب المحمديين لكون محمد ص سيد الناس يوم القيامة و هو و أمته الآخرون الأولون فاعتبرنا من الرسل محمدا ص و من الأمم أمته صو اعلم أن الأقطاب المحمديين على نوعين أقطاب بعد بعثته و أقطاب قبل بعثته فالأقطاب الذين كانوا قبل بعثته هم الرسل و هم ثلاثمائة و ثلاثة عشر رسولا و أما الأقطاب من أمته الذين كانوا بعد بعثته إلى يوم القيامة فهم اثنا عشر قطبا و الختمان خارجان عن هؤلاء الأقطاب فهم من المفردين و سيأتي في آخر الكتاب ذكر الختم و يأتي بعد هذا الباب ذكر الاثني عشر قطبا مستوفى إن شاء الله تعالىفأما منازل الأقطاب المحمديين الذين هم الرسل صلوات الله عليهم أجمعين فلا سبيل لنا إلى الكلام على منازلهم فإن كلامنا عن ذوق و لا ذوق لنا في مقامات الرسل ع و إنما أذواقنا في الوراثة خاصة فلا يتكلم في الرسل إلا رسول و لا في الأنبياء إلا نبي أو رسول و لا في الوارثين إلا رسول أو نبي أو ولي أو من هو منهم هذا هو الأدب الإلهي فلا تعرف مراتب الرسل إلا من الختم العامالذي يختم الله به الولاية العامة في آخر الزمان و هو عيسى بن مريم روح الله فإن سئل عن ذلك فهو يترجم عنهم و عن تفاضلهم فإنه رسول منهم و أما نحن فلا سبيل إلى ذلك فكلامنا في أقطاب الأمم الذين هم ورثة أنبيائهم و إرسالهم و في أقطاب هذه الأمة المحمدية المتأخرة المنعوتة بالخيرية على جميع الأمم السالفة مؤمنيهم و كافريهم فكافرهم شر من كافري الأمم و مؤمنهم خير من مؤمني الأمم فلهم التقدم كما ورد في الخبر في قريش أنهم المقدمون على جميع القبائل في الخير و الشر و جعل الإمامة فيهم سواء عدلوا أم جاروا فإن عدلوا فلرعيتهم و لهم و إن جاروا فلرعيتهم و عليهم يعني ما فرطوا فيه من حقوق الله و حقوق من استرعاهم الله عليهم فأقطاب هذه الأمة المختارة مقدمون على الأقطاب المتقدمين في الأمم السالفة أعني الأقطاب الوارثين المتبعين آثار رسلهم ثم نرجع و نقول إن أقطاب هذه الأمة المحمدية على أقسام مختلفة و ما أعني بالأقطاب الذين لا يكون في كل عصر منهم إلا واحد إنما نذكر ذلك في الاثني عشر قطبا في الباب الذي يلي هذا الباب و إنما أذكر في الأقطاب المحمديين كل من دار عليه أمر جماعة من الناس في إقليم أو جهة كالإبدال في الأقاليم السبعة لكل إقليم بدل هو قطب ذلك الإقليم و كالأوتاد الأربعة لهم أربع جهات يحفظها الله بهم من شرق و غرب و جنوب و شمال لكل جهة وتد و كأقطاب القرى فلا بد في كل قرية من ولي لله تعالى به يحفظ الله تلك القرية سواء كانت تلك القرية كافرة أو مؤمنة فذلك الولي قطبها و كذلك أصحاب المقامات فلا بد للزهاد من قطب يكون المدار عليه في الزهد في أهل زمانه و كذلك في التوكل و المحبة و المعرفة و سائر المقامات و الأحوال لا بد في كل صنف صنف من أربابها من قطب يدور عليه ذلك المقام و لقد أطلعني الله تعالى على قطب المتوكلين فرأيت التوكل يدور عليه كأنه الرحى حين تدور على قطبها و هو عبد الله بن الأستاذ الموروري من مدينة مورور ببلاد الأندلس كان قطب التوكل في زمانه عاينته و صحبته بفضل الله و كشفه لي و لما اجتمعت به عرفته بذلك فتبسم و شكر الله تعالى و كذلك اجتمعت بقطب الزمان سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة بمدينة فاس أطلعني الله عليه في واقعة و عرفني به فاجتمعنا يوما ببستان بن حيون بمدينة فاس و هو في الجماعة لا يؤبه له فحضر في الجماعة و كان غريبا من أهل بجاية أشل اليد و كان في المجلس معنا شيوخ من أهل الله معتبرون في طريق الله منهم أبو العباس الحصار و أمثاله و كانت تلك الجماعة بأسرها إذا حضروا يتأدبون معنا فلا يكون المجلس إلا لنا و لا يتكلم أحد في علم الطريق فيهم غيري و إن تكلموا فيما بينهم رجعوا فيها إلي فوضع ذكر الأقطاب و هو في الجماعة فقلت لهم يا إخواني إني أذكر لكم في قطب زمانكم عجبا فالتفت إلى ذلك الرجل الذي أراني الله في منامي أنه قطب الوقت و كان يختلف إلينا كثيرا و يحبنا فقال لي قل ما أطلعك الله عليه و لا تسم الشخص الذي عين لك في الواقعة و تبسم و قال الحمد لله فأخذت أذكر للجماعة ما أطلعني الله عليه من أمر ذلك الرجل فتعجب السامعون و ما سميته و لا عينته و بقينا في أطيب مجلس مع أكرم إخوان إلى العصر و لا ذكرت للرجل أنه هو فلما انفضت الجماعة جاء ذلك القطب و قال جزاك الله خيرا ما أحسن ما فعلت حيث لم تسم الشخص الذي أطلعك الله عليه و السلام عليك و رحمة الله فكان سلام وداع و لا علم لي بذلك فما رأيته بعد ذلك في المدينة إلى الآن فالأقطاب المحمديون هم الذين ورثوا محمدا ص فيما اختص به من الشرائع و الأحوال مما لم يكن في شرع تقدمه و لا في رسول تقدمه فإن كان في شرع تقدم شرعه و هو من شرعه أو في رسول قبله و هو فيه ص فذلك الرجل وارث ذلك الرسول المخصوص و لكن من محمد ص فلا ينسب إلا إلى ذلك الرسول و إن كان في هذه الأمة فيقال فيه موسوي إن كان من موسى أو عيسوي أو إبراهيمي أو ما كان من رسول أو نبي و لا ينسب إلى محمد ص إلا من كان بمثابة ما قلناه مما اختص به محمد ص و ليس أعم في الاختصاص من عدم التقييد بمقام يتميز به فما يتميز المحمدي إلا بأنه لا مقام له بتعين فمقامه إن لا مقام و معنى ذلك ما نبينه و هو أن الإنسان قد تغلب عليه حالته فلا يعرف إلا بها فينسب إليها و يتعين بها و المحمدي نسبة المقامات إليه نسبة الأسماء لي الله فلا يتعين في مقام ينسب إليه بل هو في كل نفس و في كل زمان و في كل حال بصورة ما يقتضيه ذلك النفس أو الزمان أو الحال فلا يستمر تقيده فإن الأحكام الإلهية تختلف في كل زمان فيختلف باختلافها فإنه عز و جل كُلَّ يَوْمٍ هُوَ في شَأْنٍفكذلك المحمدي و هو قوله تعالى إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرىلِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ و لم يقل عقل فيقيده و لقلب ما سمي إلا بتقلبه في الأحوال و الأمور دائما مع الأنفاس فمن عباد الله من يعلم ما يتقلب فيه في كل نفس و منهم من يغفل عن ذلكفالقطب المحمدي أو المفرد هو الذي يتقلب مع الأنفاس علما كما يتقلب معها حالا كل واحد من خلق الله فما زاد هذا الرجل إلا بالعلم بما يتقلب فيه و عليه لا بالتقليب فإن التقلب أمر يسرى في العالم كله و فيه وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك على التفصيل و التعيين و إن علموه على الإجمال فمنازلهم على قدر علمهم فيما يتقلبون فيه و عليه وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ و شرح هذا الباب و بسطة يطول فرأينا الاقتصار على ما ذكرناه و أومانا إليه و توخيناه و في ذكرنا هجيرهم بتبين مقامهم و الله يتولى التوفيق