قرآن کریمبه زبان فارسی

«الباب الثالث و الستون و أربعمائة في معرفة الاثني عشر قطبا الذين يدور

الفتوحات المكية — المجلد الرابع — الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي (أربعة مجلدات)
منتهى الأسماء في العددلاثنتي عشر مع العقد
فبهم حفظ الوجود و مافي وجود الحق من عدد
و هو المنعوت بالعددو هو المنعوت بالأحد
ظهرت أحكام نشأتهمفي التي قامت بلا عمد
تم في الأركان حكمهموفي أب منها و في ولد

قال الله تعالى لنبيه ص قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ و عرفه فقال وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنىفَادْعُوهُ بِها وَ ذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ في أَسْمائِهِ يقول يميلون عن أسمائه لا بل يقول يميلون في أسمائه إلى غير الوجه الذي قصد بها سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ من ذلك فكل يجزى بما مال إليه فيما أوحينا يقول اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ من رَبِّكَ و لا تمل بميلهم فإني خلقتك متبعا لا متبعا اسم مفعول لا اسم فاعل و لذلك قال له عند ذكر الأنبياء فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ لا بهم و هداهم ليس سوى شرع الله فقال شَرَعَ لَكُمْ من الدِّينِ ما وَصَّى به نُوحاً و ذكر من ذكر فكان الشارع لنا الله الذي شرع لهم فلو أخذ عنهم لكان تابعا فافهم فأقطاب هذه الأمة اثنا عشر قطبا عليهم مدار هذه الأمة كما إن مدار العالم الجسمي و الجسماني في الدنيا و الآخرة على اثني عشر برجا قد وكلهم الله بظهور ما يكون في الدارين من الكون و الفساد المعتاد و غير المعتاد و أما المفردون فكثيرون و الختمان منهم أي من المفردين فما هما قطبان و ليس في الأقطاب من هو على قلب محمد ص و أما المفردون فمنهم من هو على قلب محمد ص و الختم منهم أعني خاتم الأولياء الخاص فأما الأقطاب الاثنا عشر فهم على قلوب الأنبياء ع فالواحد منهم على قلب و إن شئت قلت على قدم و هو أولى فإني هكذا رأيته في الكشف بإشبيلية و هو أعظم في الأدب مع الرسل و الأدب مقامنا و هو الذي أرتضيه لنفسي و لعباد الله فنقول إن الأول أعني واحدا منهم على قدم نوح ع و الثاني على قدم إبراهيم الخليل ع و الثالث على قدم موسى ع و الرابع على قدم عيسى ع و الخامس على قدم داود ع و السادس على قدم سليمان ع و السابع على قدم أيوب ع و الثامن على قدم الياس ع و التاسع على قدم لوط ع و العاشر على قدم هود ع و الحادي عشر على قدم صالح ع و الثاني عشر على قدم شعيب ع و رأيت جميع الرسل و الأنبياء كلهم مشاهدة عين و كلمت منهم هودا أخا عاد دون الجماعة و رأيت المؤمنين كلهم مشاهدة عين أيضا من كان منهم و من يكون إلى يوم القيامة أظهرهم الحق لي في صعيد واحد في زمانين مختلفين و صاحبت من الرسل و انتفعت به سوى محمد ص جماعة منهم إبراهيم الخليل قرأت عليه القرآن و عيسى تبت على يديه و موسى أعطاني علم الكشف و الإيضاح و علم تقليب الليل و النهار فلما حصل عندي زال الليل و بقي النهار في اليوم كله فلم تغرب لي شمس و لا طلعت فكان لي هذا الكشف أعلاما من الله أنه لا حظ لي في الشقاء في الآخرة و هود ع سألته عن مسألة فعرفني بها فوقعت في الوجود كما عرفني بها هذا إلى زماني هؤلاء و عاشرت من الرسل محمدا ص و إبراهيم و موسى و عيسى و هودا و داود و ما بقي فرؤية لا صحبة و اعلم أن كل قطب من هؤلاء الأقطاب له لبث في العالم أعني دعوتهم فيمن بعث إليهم آجال مخصوصة مسماة تنتهي إليها ثم تنسخ بدعوة أخرى كما تنسخ الشرائع بالشرائع و أعنيبدعوتهم ما لهم من الحكم و التأثير في العالم فلنذكر مدد أعمارهم في حياتهم الدنيا فمنهم من كان عمره في ولايته ثلاثة و ثلاثين سنة و أربعة أشهر و منهم من كانت مدته ثلاثين سنة و ثلاثة أشهر و عشرين يوما و منهم من دامت مدته ثمانيا و عشرين سنة و ثلاثة أشهر و عشرة أيام و منهم من دامت مدته خمسا و عشرين سنة و منهم من دامت مدته اثنتين و عشرين سنة واحد عشر شهرا و عشرين يوما و منهم من دامت مدته تسع عشرة سنة و خمسة أشهر و عشرة أيام و منهم من دامت مدته ستة عشر سنة و ثمانية أشهر و منهم من دامت مدته ثلاث عشرة سنة و عشرة أشهر و عشرين يوما و منهم من دامت مدته إحدى عشرة سنة و ثلاثة أشهر و عشرة أيام و منهم من دامت مدته سنتين و تسعة أشهر و عشرة أيام و منهم من دامت مدته ثمان سنين و أربعة أشهر و منهم من دامت مدته خمس سنين و ستة أشهر و عشرين يوما و هجيرهم واحد و هو الله الله بسكون الهاء و تحقيق الهمزة ما لهم هجير سواه و ما عدا هؤلاء الأقطاب من أقطاب القرى و الجهات و الأقاليم و شيوخ الجماعات فأنواع كثيرة و هي التي أذكر منها في هذا الفصل ما تيسر و ما أذكر ذلك إلا لأجل نتيجة ذلك الذكر لمن دام عليه على الحال المعروفة في الذكر في الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ و لو لم نقصد ذلك لم يكن في ذكري و تعييني له في هذا الكتاب منفعة فلنذكر أولا من أحوال هؤلاء الأقطاب ما تيسر مع أحدية هجيرهم و إنما توحد لتوحد مقام القطبية فذلك هو هجير القطبية لا هجير الشخص و لكل واحد منهم هجير في أوقات خلاف هذا و قال ع لا تقوم الساعة حتى لا يبقى في الأرض من يقول الله اللهيريد لا يبقى قطب يكون عليه مدار العالم و لا مفرد يحفظ الله بهمته العالم و إن لم يكن قطبا فلا تقوم الساعة إلا على أشرار الناسفأما أحد الأقطاب فهو على قدم نوح ع فله من سور القرآن سورة يس فإنه لكل قطب سورة من القرآن من هؤلاء الاثني عشر و قد يكون لمن سواهم من الأقطاب الذين ذكرناهم السورة من القرآن و الآية الواحدة من القرآن و قد يكون للواحد منهم ما يزيد على الصورة و قد يكون منهم من له القرآن كله كأبي يزيد البسطامي ما مات حتى استظهر القرآن فلنذكر ما يختص به هؤلاء الاثنا عشر من سور القرآن فهذا القطب الواحد له سورة يس و هو أكمل الأقطاب حكما جمع الله له بين الصورتين الظاهرة و الباطنة فكان خليفة في الظاهر بالسيف و في الباطن بالهمة و لا أسميه و لا أعينه فإني نهيت عن ذلك و عرفت لأي أمر منعت من تعيينه باسمه و ليس في جماعة هؤلاء الأقطاب من أوتي جوامع ما تقتضيه القطبية غير هذا كما أوتي آدم ع جميع الأسماء كما أوتي محمد ص جوامع الكلم و لو كان ثم قطب على قدم محمد ص لكان هذا القطب إلا أنه ما ثم أحد على قدم محمد ص إلا بعض الأفراد الأكابر و لا يعرف لهم عدد و هم أخفياء في الخلق أبرياء علماء بالله لا يرزءون و لا يعرفون فيرزءون مقامهم الحفظ فيما يعلمون لا يدخل عليهم في علمهم شبهة تحيرهم فيما علموه بل هم على بينة من ربهم هذا حال الأفراد فلنرجع إلى ذكر هذا القطبفنقول إن منازله عند الله على عدد آيات هذه السورة و كذلك كل قطب منازله على عدد آيات سورته و سورهم معلومة أذكرها جملة ثم أذكرها إن شاء الله تعالى فالواحد له كما قلنا سورة يس و الثاني سورة الإخلاص و الثالث سورة إذا جاء نصر الله و الرابع سورة الكافرون و الخامس سورة إذا زلزلت و السادس سورة البقرة و السابع سورة المجادلة و الثامن سورة آل عمران و التاسع سورة الكهف و هو الذي يقتله الدجال و يدرك عيسى ع و العاشر سورة الأنعام و الحادي عشر سورة طه و هذا القطب هو نائب الحق تعالى كما كان علي بن أبي طالب نائب محمد ص في تلاوة سورة براءة على أهل مكة و قد كان بعث بها أبا بكر ثم رجع عن ذلك فقال لا يبلغ عني القرآن إلا رجل من أهل بيتي فدعا بعلي فأمره فلحق أبا بكر فلما وصل إلى مكة حج أبو بكر بالناس و بلغ علي إلى الناس سورة براءة و تلاها عليهم نيابة عن رسول الله صو هذا مما يدلك على صحة خلافة أبي بكر الصديق و منزلة علي رضي الله عنهما و الثاني عشر سورة تبارك الملك فهذه سور الأقطاب من القرآن إلا إن صاحب سورة المجادلة التي هي قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها وَ تَشْتَكِي إِلَى الله إنما هو سورته الواقعة و له تولع بهذه السورة و كذلك الذي له سورة الإخلاصلا غير و منازلهم كما قد ذكرنا غير إن المنازل بحسب الآيات و من ذكر و ما ذكر فيها فإن التفاضل في الآيات مشهور على الوجه الذي جاء و فضلها يرجع إلى التالي من حيث ما هي عليه الآية في التلاوة متكلم بها لا من حيث إنها كلام الله فإن ذلك لا تفاضل فيه و إنما التفاضل يكون فيما تكلم به لا في كلامه فاعلم ذلك فأما حال هذا القطب فله التأثير في العالم ظاهرا و باطنا يشيد الله به هذا الدين أظهره بالسيف و عصمه من الجور فحكم بالعدل الذي هو حكم الحق في النوازل و ربما يقع فيه من خالف حكمه من أهل المذاهب مثل الشافعية و المالكية و الحنفية و الحنابلة و من انتمى إلى قول إمام لا يوافقها في الحكم هذا القطب و هو خليفة في الظاهر فإذا حكم بخلاف ما يقتضيه أدلة هؤلاء الأئمة قال أتباعهم بتخطئته في حكمه ذلك و أثموا عند الله بلا شك وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ فإنه ليس لهم أن يخطئوا مجتهدا لأن المصيب عندهم واحد لا بعينه و من هذه حاله فلا يقدم على تخطئة عالم من علماء المسلمين كما تكلم من تكلم في إمارة أسامة و أبيه زيد بن حارثة حتى قال في ذلك رسول الله ص ما قال فإذا طعن فيمن قدمه رسول الله ص و أمره و رجحوا نظرهم على نظر رسول الله ص فما ظنك بأحوالهم مع القطب و أين الشهرة من الشهرة هيهات فزنا و يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ فو الله لا يكون داعيا إلى الله إلا من دعا على بصيرة لا من دعا على ظن و حكم به لا جرم أن من هذه حاله حجر على أمة محمد ص ما وسع الله به عليهم فضيق الله عليهم أمرهم في الآخرة و شدد الله عليهم يوم القيامة المطالبة و المحاسبة لكونهم شددوا على عباد الله أن لا ينتقلوا من مذهب إلى مذهب في نازلة طلبا لرفع الحرج و اعتقدوا أن ذلك تلاعب بالدين و ما عرفوا أنهم بهذا القول قد مرقوا من الدين بل شرع الله أوسع و حكمه أجمع و أنفع وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ ما لَكُمْ لا تَناصَرُونَ بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ هذا حال هؤلاء يوم القيامة وَ لا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ و لهذا القطب مقام الكمال فلا يقيده نعت هو حكيم الوقت لا يظهر إلا بحكم الوقت و بما يقتضيه حال الزمان الإرادة بحكمه ما هو بحكم الإرادة فله السيادة و فيه عشر خصال أولها الحلم مع القدرة لأن له الفعل بالهمة فلا يغضب لنفسه أبدا و إذا انتهكت محارم الله فلا يقوم شيء لغضبه فهو يغضب لله و الثانية الأناة في الأمور التي يحمد الله الأناة فيها مع المسارعة إلى الخيرات فهو يسارع إلى الأناة و يعرف مواطنها و الثالثة الاقتصاد في الأشياء فلا يزيد على ما يطلبه الوقت شيئا فإن الميزان بيده يزن به الزمان و الحال فيأخذ من حاله لزمانه و من زمانه لحاله فيخفض و يرفع و الرابعة التدبير و هو معرفة الحكمة فيعلم المواطن فيلقاها بالأمور التي تطلبها المواطنكما فعل أبو دجانة حين أعطاه النبي ص السيف بحقه في بعض غزواته فمشى به الخيلاء بين الصفين فقال رسول الله ص و هو ينظر إلى زهوه هذه مشية يبغضها الله و رسوله إلا في هذا الموطنو لهذا كان مشي رسول الله ص فيه سرعة كأنما ينحط في صبب فصاحب التدبير ينظر في الأمور قبل إن يبرزها في عالم الشهادة فله التصرف في عالم الغيب فلا يأخذ من المعاني إلا ما تقتضيه الحكمة ف هُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ فما ينبغي أن يبديه مجملا أبداه مجملا و ما ينبغي أن يبديه مفصلا أبداه مفصلا و ما ينبغي أن يبديه محكما أبداه محكما و ما ينبغي أن يبديه متشابها أبداه متشابها و الخصلة الخامسة التفصيل و هو العلم بما يقع به الامتياز بين الأشياء مما يقع به الاشتراك فينفصل كل أمر عن مماثله و مقابله و خلافه و يأتي إلى الأسماء الإلهية القريبة التشابه كالعليم و الخبير و المحصي و المحيط و الحكيم و كلها من أسماء العلم و هي بمعنى العليم غير إن بين كل واحد و بين الآخر دقيقة و حقيقة يمتاز بها عن الباقي هكذا في كل اسم يكون بينه و بين غيره مشاركة و السادسة العدل و هو أمر يستعمل في الحكومات و القسمة و القضايا و إيصال الحقوق إلى أهلها و هو في الحقوق شبيه بما ذكر الله عن نفسه أنه أَعْطىكُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و قوله في موسى قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ و قوله في ناقة صالح لَها شِرْبٌ وَ لَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ و يتعلق به علم الجزاء في الدارين و العدل بين الجناية و الحد و التعزير و السابعة الأدب و هو العلم بجوامع الخيرات كلها في كل عالم و هو العلم الذي يحضره في البساط و يمنحه المجالسة و الشهود و المكالمة و المسامرة و الحديث و الخلوة و المعاملة بما في نفس الحق في المواطن من الجلوة فهذا و أمثاله هو الأدب و الثامنة الرحمة و متعلقها منه كل مستضعف و كل جبار فيستنزله برحمته و لطفه من جبروته و كبريائه و عظمته بأيسر مئونةفي لين و عطف و جنان و التاسعة الحياء فيستحي من الكاذب عن الكاذب و يظهر له بصورة من صدقه في قوله لا يظهر له بصورة من تعامى عنه حتى يعتقد فيه الكاذب أنه قد مشى عليه حديثه و أنه جاهل بمقامه و بما جاء به فيذل في شغله ثم لا يكون في حقه عند ربه إلا واسطة خير يدعو له بالتجاوز فيما بينه و بين الله عند الوقوف و السؤال يوم القيامة و قد ورد في الخبر ان الله يوم القيامة يدعو بشيخ فيقول له ما فعلت فيقول من المقربات ما شاء الله و الله يعلم أنه كاذب في قوله فيأمر به إلى الجنة فتقول الملائكة يا رب إنه كذب فيما ادعاه فيقول الحق قد علمت ذلك و لكني استحييت منه أن أكذب شيبتهو ما أوصل إلينا رسول الله ص هذا الخبر عن الله إلا لنكون بهذه الصفة فنحن أحق بها لحاجتنا إن يعاملنا الحق بها و العاشرة الإصلاح و أعظمه إصلاح ذات البين و هو قوله تعالى وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ و قد ورد في الخبر إن الله يصلح بين عباده يوم القيامة فيوقف الظالم و المظلوم بين يديه للحكومة و الإنصاف ثم يقول لهما ارفعا رءوسكما فينظران إلى خير كثير فيقولان لمن هذا الخير فيقول الله لهما لمن أعطاني الثمن فيقول المظلوم يا رب و من يقدر على ثمن هذا فيقول الله له أنت بعفوك عن أخيك هذا فيقول المظلوم يا رب قد عفوت عنه فيقول الله له خذ بيد أخيك فادخلا الجنة ثم تلا رسول الله ص فَاتَّقُوا الله وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ فإن الله يصلح بين عباده يوم القيامة و أما القطب الثاني من الاثني عشرة فهو على قدم الخليل إبراهيم عو هو الذي له سورة الإخلاص الذي حبه إياها أدخله الجنة و لقارئها ثلث القرآن و له من المنازل بعدد آيها و هو صاحب الحجة و الدليل النظري يكون له خوض في المعقولات فيصيب و لا يخطئ و ذلك أن الناس قد اختلفوا في العلم الموهوب الذي من شأنه أن يدركه العاقل بفكره و يوصله إليه دليل النظر فقال بعضهم مثل هذا العلم إذا وهبه الله من وهبه وهبه بدليله فيعلم الدليل و المدلول لا بد من ذلك و رأيت أبا عبد الله الكتاني بمدينة فاس إماما من أئمة المسلمين في أصول الدين و الفقه يقول بهذا القول فقلت له هذا ذوقك هكذا أعطاكه الحق فذوقك صحيح و حكمك غير صحيح بل قد يعطيه العلم الذي لا يحصل إلا بالدليل النظري و لا يعطيه دليله و قد يعطيه إياه و يعطيه دليله كإبراهيم الخليل قال تعالى وَ تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلىقَوْمِهِ و هو أكمل من الذي يعطي العلم الذي يوصل إليه بالدليل و لا يعطي الدليل و لا يشترط أحد تخصيص دليل من دليل إنما يعطي دليلا في الجملة فإن الأدلة على الشيء الواحد قد تكثر و منها ما يكون في غاية الوضوح و منها ما يغمض كمسألة إبراهيم الخليل في إحياء الموتى و إماتة الأحياء و عدوله إلى إتيان الشمس من المشرق أن يأتي بها الخصم من المغرب و كلاهما دليل على المقصود و هذا القطب من الدعاة إلى الله بالأمر الإلهي و مسكنه في الهواء في فضاء الجو في بيت جالس على كرسي له نظر إلى الخلق لا يزال تاليا عنده جماعة من أهل الله و خاصته كلامه في الأحدية الإلهية و في أحدية الواحد و في أحدية الوحدانية بالأدلة النظرية و ما حصلها عن نظر و لكن هكذا وهبها الحق تعالى له و حاله الحضور دائما إلا أنه لم يحر مثل ما حار غيره بل أبان الله له ما وقف عنده و لم يشغل خاطره بما يوجب عنده الحيرة قد تفرغ مع الله لقضاء حوائج الناس يعرف الأسماء الإلهية معرفة تامة يقول بنفي المثلية في جانب الحق أخبرني الحق بالطريقة التي جرت العادة أن يخبر بها عباده في أسرارهم إن هذا العبد أعطاه الرحمة لعباده و الصلة لرحمه فسأله في أمر فلم يجبه الله إليه و هو أنه سأله أن يرث مقامه عقبه فقال له ليس ذلك إليك لا يكون مقام الخلافة بالورث ذلك في العلوم و الأموال و أما الخلافة فكل خليفة في قوم بحسب زمانهم فإن الناس في زمانهم أشبه منهم بآبائهم فإن الحق لا يحكم عليه خلق إلا في العلم و الخلق لا يعرف أن له هذه المرتبة إلا من أعلمه الله بذلك و لقد رأيت من فتح الله عليه بصحبتي و استفاد أحوالا و علوما و خرق عوائد أعطاه الله ذلك من حسن معاملته مع الله و أخبرني أنه ما استفاد شيئا مما هو عليه إلا مني و أنا لا علم لي بذلك إنما أدعو إلى الله و الله يعلم من يجيب يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرُّسُلَ فَيَقُولُ ما ذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ و صدقوا و كذا هو الأمر فلا علم لأحد إلا من يعلمه الله و ما عدا هذه الطريقة الإلهية في التعليم فإنما هو غلبة ظن أو مصادفة علم أو جزم على وهم و أما علم فلا فإن جميع الطرق الموصلة إلى العلم فيها شبه لا تثق النفس الطاهرة التي أوقفها الله على هذه الشبه أن تقطع بحصول علم منها إلا بالطريقة الإلهية و هي قوله تعالى إِنْ تَتَّقُوا الله يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً و قوله خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ فهو يبين عما في نفسه و لهذا القطب أسرار عجيبة و أما القطب الثالث و هو على قدم موسى ع فسورته إِذا جاءَ نَصْرُ الله وَ الْفَتْحُ و منازله بعدد آيها و لها ربع القرآن و هذا القطب كان من الأوتاد ثم نقل إلى القطبية كما كان القطب الثاني من الأئمة ثم نقل إلى القطبية و هو صاحب جهد و مكابدة لا ينفك عن الاشتغال بالخلق عند الله أعطاه الله في منزل النداء اثني عشر ألف علم ذوقا في ليلة واحدة و منزل النداء من أعظم المنازل و قد عيناه في منزل المنازل من هذا الكتاب و لنا فيه جزء مفرد أعني في طبقات المنازل و كمياتها فمن علوم هذا القطب علم الافتقار إلى الله بالله و هو علم شريف ما رأيت له ذائقا لما ذقته و معنى هذا و سره إن الله أطلعه على إن حاجة الأسماء إلى التأثير في أعيان الممكنات أعظم من حاجة الممكنات إلى ظهور الأثر فيها و ذلك أن الأسماء لها في ظهور آثارها السلطان و العزة و الممكنات قد يحصل فيها أثر تتضرر به و قد تنتفع به و هي على خطر فبقاؤها على حالة العدم أحب إليها لو خيرت فإنها في مشاهدة ثبوتية حالية ملتذة بالتذاذ ثبوتي منعزلة كل حالة عن الحالة الأخرى لا تجمع الأحوال عين واحدة في حال الثبوت فإنها تظهر في شيئية الوجود في عين واحدة فزيد مثلا الصحيح في وقت هو بعينه العليل في وقت آخر و المعافي في وقت هو المبتلى في وقته ذلك بعينه و في الثبوت ليس كذلك فإن الألم في الثبوت ما هو في عين المتألم و إنما هو في عينه فهو ملتذ بثبوته كما هو ملتذ بوجوده في المتألم و المحل متالم به و سبب ذلك أن الثبوت بسيط مفرد غير قائم شيء بشيء و في الوجود ليس إلا التركيب فحامل و محمول فالمحمول أبدا منزلته في الوجود مثل منزلته في الثبوت في نعيم دائم و الحامل ليس كذلك فإنه إن كان المحمول يوجب لذة التذ الحامل و إن أوجب ألما تألم الحامل و لم يكن له ذلك في حال الثبوت بل العين الحاملة في ثبوتها تظهر فيما تكون عليه في وجودها إلى ما لا يتناهى فكل حال تكون عليها هو إلى جانبها ناظر إليها لا محمول فيها فالعين ملتذة بذاتها و الحال ملتذ بذاته فحال الأحوال لا يتغير ذوقه بالوجود و حال الحامل يتغير بالوجود و هو علم عزيز و ما تعلم الأعيان ذلك في الثبوت إلا بنظر الحال إليها و لكن لا تعلم أنه إذا حملته تتألم به لأنها في حضرة لا تعرف فيها طعم الآلام بل تتخذه صاحبا فلو علمت العين أنها تتألم بذلك الحال إذا اتصف به لتألمت في حال ثبوتها بنظره إياها لعلمها أنها تتلبس به و تحمله في حال وجودها فتألفها به في الثبوت تنعم لها و هذا الفن من أكبر أسرار علم الله في الأشياء شاهدته ذوقا إلهيا لأن من عباد الله من يطلعه الله كشفا على الأعيان الثبوتية فيراها على صورة ما ذكرناها من المجاورة و النظر ما يرى فيها حالا و لا محلا

بل كل ذات على انفرادمن غير شوب و لا اتحاد
و لا حلول و لا انتقالو لا اتفاق و لا عناد

فإذا فهمت الفرق بين الوجود و الثبوت و ما للاعيان في الوجود و ما لها في الثبوت من الأحكام علمت إن بعض الأعيان لا تريد ظهور الأثر فيها بالحال ما لها في ذلك ذوق فهي بالحال لو عرض عليها ذوق الألم في حال الثبوت لضجت فإن أمرها في حال الوجود إذا حملت الألم قد تحمل الصبر و قد لا تحمله و فرضناها في حال الثبوت حاملة فاقدة للصبر فما لها بلسان الحال ذلك الافتقار إلى طلب الوجود و إن طلبته بالقول الثبوتي من الله فإذا وجدت تقول كما قد نقل عن بعضهم ليثني لم أخلق ليت عمر لم تلده أمه ليتها كانت عاقرا و أمثال هذا فتكون الأعيان أقل افتقارا من الأسماء و الأسماء أشد افتقارا لما لها في ذلك من النعيم و لا سيما و هي تشاهد من الحق الابتهاج الذاتي بالكمال من حيث استصحاب الممكنات في ثبوتها لذاته و إنه منزه عن أثرها و التأثر بسببها فهو من حيث ذاته في كمال عن التأثر في حال ثبوت الأعيان و حال وجودها لأنه ما زاد في نفسه علما بما لم تكن عليه فيها فإنها أعطته العلم بشأنها أزلا و بتلك الصورة توجد فالمجاورة في الثبوت حلول في الوجود ففي الثبوت إلى جانبها و في الوجود حال فيها فهذا علم واحد من تلك العلوم فاعلم ذلكو أما القطب الرابع الذي على قدم عيسى ع فسورته من القرآن قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ و لها ربع القرآن و منازله بعدد آيها و هذا القطب من الضنائن المصانين له التجليالدائم كلامه في الجمع و الوجود و علم المزيد إذا رأى شبهة في أحد تحول بينه و بين العلم أزالها حتى يتبين لصاحبها صورة الحق في ذلك الأمر له ستمائة مفتاح مقام في كل مقام من العلوم ما شاء الله له علم الامتزاج و التركيب الاعتدالي لا يعرف الانحراف و لا النقص و لا الزيادة مسكنه بقبة أرين منقطع عن الخلق إلا من شاء الله عاش طيبا مع الله إلى أن توفاه الله و كان من الأوتاد أيضا فانتقل إلى القطبية يقول إن الوجود وجود الحق و إن الجمع جمع الحق صفات القدم و الحدوث و هو علم غريب في الجمع ما رأيت من يقول به من أهل الله غير هذا القطب فإني شاهدت هؤلاء الأقطاب أشهدنيهم الحق و إن كانوا قد درجوا من الدنيا و هو العلم الذي وردت به الشرائع في جانب الحق فنقول ذلك هو الجمع و عنده إن المحدث صاحب دعوى في تلك الصفات المسماة محدثة و لأجل دعواه قلنا إنه جمع و إلا فالأمر واحد كلها صفات قدم في القديم و محدثة في المحدث لظهورها فيه و لم تكن ظاهرة فحدثت عند المتصف بها كما قال ما يَأْتِيهِمْ من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ و ليس إلا كلام الله القديم فجمعنا عليه ما له مع نسبته إلينا فسمي من فعل ذلك صاحب جمع و وجود فمحكوم حكم الممكنات وجود الحق لا غيره فمن فهم الجمع هكذا علم الأمور كيف هيه

من دري الجمع هكذاعلم الأمر كيف هو
فهو الحق لا سواهفلا تسمعنه

و أما القطب الخامس الذي على قدم داود ع فسورته من القرآن إِذا زُلْزِلَتِ و لها نصف القرآن و منازله بعدد آيها و حاله التفرقة و له مقام المحبة فهو معلول للحب فداؤه دواؤه و ما له علم يتقدم فيه على غيره إلا علم ثبوت المحبة الإلهية و الكونية و لهذا كان في مقام التفرقة و كان من الأئمة فنقل إلى القطبية يقول هذا القطب إن الحب ما ثبت و كل حب يزول فليس بحب أو يتغير فليس بحب لأن سلطان الحب أعظم من أن يزيله شيء حتى إن الغفلة التي هي أعظم سلطان تحكم على الإنسان لا يتمكن لها أن تزيل الحب من المحب يتمكن عنده إن يغفل الإنسان عن نفسه بمحبوبه و لا يتمكن للمحب أن يغفل بأحد عن محبوبه فذلك هو المحب و ذلك هو الحب

فداء المحبة ما لا يزولو إن الشفاء له مستحيل
فلا تركنن إلى غير ذاو لا تصغين إلى ما يقول

فبحب الله أحببنا الله و حب الحق لا يتغير فحب الكون لا يتغير فقيل له فحب الكون الكون هل يتغير قال لا لأن الكون محبوب لذاته و المحبة الذاتية لا يمكن زوالها قيل له فقد رأينا من تستحيل مودته فقال تلك إرادة ما هي محبة إذ لو كانت محبة ثبتت أ لا تراها تسمى ودا لثبوتها و ثبوت حكمها و ذلك أنه ما في المحب لغير محبوبه فضلة من ذاته يتمكن للمزيل أن يدخل عليه منها هذا سبب ثبوتها فإنه يشاهد عين محبوبه في كل شيء يشهده فلا يفقده فلو صح للمحب أن يشهد غير محبوبه في عين ما لدخل عليه من ذلك ما يزيل حبه و هذا ليس بواقع في الحب فالتبس علي من هذه حالته حكم الإرادة بحكم الحب و ما كل مريد محب و كل محب مريد و ما كل مراد محبوب و كل محبوب مراد فمقام هذا القطب ما ذكرناه و شأنه عجيب و تفصيل حاله يطول و مذهبنا الاختصار

و أما القطب السادس الذي على قدم سليمان ع فسورته الواقعة و لها الحياة الدائمة و منازله بعدد آيها اختص بعلم الحياة و الحيوان لا يأخذ حالا من أحواله إلا عن ربه فأحواله أحوال ربه هداه هدى الأنبياء كما أمر الله نبيه ص لما ذكر له الأنبياء ع قال أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ و ما قال فبهم اقتده فعلمنا إن محمدا مساو لجميع من ذكره من الأنبياء و من لم يذكره فإنه لكل نبي هدى كما ذكر لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً فهو سبحانه نصب الشرائع و أوضح المناهج و جمع ذلك كله في محمد ص فمن رآه فقد رأى جميع المقربين و من اهتدى بهديه فقد اهتدى بهدى جميعالنبيين

و ما على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد

و أعني بقولي إن أحوال هذا القطب أحوال ربه ما قال الحق عن نفسه من أنه كل يوم في شأن فهذا عبارة عن اختلاف الأحوال فهو من القوم الذين يشاهدون الحق في شئونه فينظرون إلى ما له من الشئون فيهم فيتلبسون بها منه فهم من أحوالهم على بصيرة فمن هذه حاله ما هو مثل من حاله التخلق بالأسماء الإلهية بل لهذا ذوق و لهذا ذوق فمثل هذا الرجليكون مجهول الحال لأن مواطن الحق خفية لا يدركها إلا من كان مقامه التلبس بالشئون و الدليل على ذلك إنا قد جمعنا على أنه لا موجد إلا الله و أنه حكيم يضع الأمور مواضعها و لا يتعدى بها موطنها فكل شيء ظهر في العالم فهو حكمة في موضعه و قد جمعنا أن جميع الخلق و أن أهل الله أكثرهم يقولون لو كان كذا عن فعل من الأفعال ظهر في الوجود على يد إنسان لكان أحسن من هذا الفعل الذي فعلت و أولى يقولون للذي يظهر ذلك الفعل الإلهي فيه و على يديه فهل هذا إلا لجهلهم بحكمة الله فيما وقع لهم فيه مثل هذا القول فهذا ما وقع من أهل الله إلا بغفلتهم عن الله لا بجهلهم فإذا ذكروا تذكروا و يقع من غير أهل الله بجهله لا بغفلته فإنه لا يزول عما ذهب إليه في ذلك الفعل من اللؤم حتى تبدو له حكمة الله فيه متى بدت حينئذ يعترف بجهله و يعرف قصور علمه و عقله و ما رأيت أحدا من أهل هذا الذوق و لا سمعت بأنه رىء و هو قريب في غاية الظهور و لكن الأغراض تمنع و الأهواء من التعمل في تحصيله و ذلك أن حجة من لا يروم تحصيله من أهل الدين يقول إن الشرع قد أمرنا أن ننكر أشياء و أن نقول الأولى ترك هذا من فعله مع علمي بأن الفعل لله قلنا صدقت و لكن ما خرج مثل هذا الاعتراض من شخص فهم رتبتي و ذلك أني قلت إنه جهل حكمة الله فيما اعترض فيه فمن اعترض باعتراض الشرع فهو ناقل اعتراض الله فيما اعترض ما هو المعترض و ذلك الاعتراض إذا وجد من الله يعلم صاحب هذا الذوق حكمته و منزلته و صاحب هذا الحال يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يقيم الحدود و هو يشاهد حكمة ذلك كله و يراها في الشئون الإلهية المشهودة له و لا يشهدها إلا عند تكوينها خاصة هذا هو مقام صاحب هذا الحال فإن من أهل الله أيضا من يشاهد هذه الشئون قبل أن يكون الحق فيها و هو الذي يشاهد أعيان الممكنات في حال عدمها كما يشهدها الحق و لهذا يعين الحق منها ما يعين بالتكوين دون غيرها من الممكنات فإن الحق لا يوجدها إلا بما هي عليه في حال عدمها من غير زيادة و لا نقصان و من أهل الله من يشهد الأمر قبل ظهوره في الحس و هو التكوين الآخر يشهده في الإمام المبين و هو اللوح المحفوظ الحاوي على المحو و الإثبات فكل شيء فيه فلذلك الشيء تكوين أول في التسطير و هذا الكشف دون كشف الذي يريه الله أعيان الممكنات على ما تكون عليه في حال الوجود فيحكم بها حكم الله فيها و لإدراك هذه الشئون قبل ظهورها في الحس مدارك كثيرة أعلاها ما ذكرناه أي أقصاها و بعده مشاهدة الحق في تكوينها فإن ذلك أعلى من مشاهدة المشاهد إياها في الإمام المبين و في غيره و دون هذا الشهود كل شهود يكون للعبد قبل تكوين الشأن هذا حال منقال ما رأيت شيئا إلا رأيت الله معهو هو أعلى حالا من الذي يقول ما رأيت شيئا إلا رأيت الله قبله فإن الأولى كلمة تحقيق و إن كانت الأخرى مثلها في التحقيق لكن بينهما فرقان فالواحد قوله مثل من يقول رأيت زيدا يصنع كذا و يقول الآخر رأيت الصانع يصنع كذا فهذا الفرق بين الشخصين فيما يشهد أنه فإن الأسماء الأعلام ما وضعت إلا للتخاطب بها في حال غيبة المسمى بها و في الحضور ما هي مطلوبة و إن جيء بها فأما لأدب يقتضيه الحال و إما تأكيد في الأخبار فقد أبنت لك من حال هذا القطب ما سمعت و له أحوال كثيرة أعرفها أفعله في كل قطب ما أذكر جميع أحواله لأن ذلك يتسع الخرق فيه بحيث إنه لا بقي به الوقتو أما القطب السابع الذي على قدم أيوب ع و سورته البقرة و هي البيضاء الحاوية على سيدة آي القرآن و منازله بعدد حروفها لا آيها حال هذا القطب العظمة بحيث إنه يرى أن العالم لا يسعه لأن ذوقه كونه وسع الحق قلبه و قد ورد في الخبر أن الحق يقول ما وسعني أرضي و لا سمائي و وسعني قلب عبديو ما كل قلب يسع الحق و قال وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي في الصُّدُورِ فبين مكان القلوب فإذا كان مشهودا لعبد كون الحق في قلبه فكما لا يسع العالم الحق لا يسع العالم أيضا هذا العبد فهذا سبب شهود ضيق العالم عنه و ما رأيت من تحقق بهذا المقام و شهوده إلا رجلا بالموصل من أهل حديثة الموصل كان بهذه المثابة و أطلعه الحق على أمر و لم يطلعه على سره فيه و كان يطلب على من يوضح له حاله فذكرني له الإمام نجم الدين محمد بن أبي بكر بن شاى الموصلي المدرس بمدرسة سيف الدين بن علم الدين بحلب في هذا الزمان الذي نحن فيه و هو سنة ثمان و عشرين و ستمائة فطلب الاجتماع بنا فلما وصل ذكرنا زلته فأوضحتها له فسرى عنه و استبشر و خرج لي بحاله لما رآني فهمته فوجدته قد أخذ من مقام العظمة بحظ وافر لكنه دون ذوق هذا القطبفيه لأنه أخبرني أن النخامة كانت تدور في فيه لا يقدر أن يلقيها من فيه لأنه لا يجد لها محلا تقع فيه خاليا من الحق و قد علم ما جاء في الأدب في إلقائها في الشرع فكان يتحير و رأيت آخر مثله بإشبيلية من بلاد الأندلس و روينا عن الحلاج أنه ذاق من هذا المقام حتى ظهر عليه منه حال المقام فكان له بيت يسمى بيت العظمة إذا دخل فيه ملأه كله بذاته في عين الناظر حتى نسب إلى علم السيمياء في ذلك لجهلهم بما هم عليه أهل الله من الأحوال و المتمكن في هذا المقام لا يظهر عليه بالحال ما يدل على أنه صاحب هذا الذوق و لكن نعوته تجري بحكم هذا المقام لا حاله فإن الحال يعطي خرق العوائد كما قال صاحب محاسن المجالس فيها لما ذكر الأحوال أنها للمريدين قال و الأحوال للكرامات يريد خرق العوائد و ليست الكرامات في عرف هذا اللسان الأخرق العوائد مع الاستقامة في الحال أو تنتج الاستقامة في الفور لا بد من ذلك عندهم و سبب هذا التحديد إن خرق العادة قد لا يكون كرامة من الله للعبد فأكملهم في مقام العظمة من يجهل حاله و لا يعرف فيعرف ما يعامل به و يجار الناظر فيه إلا أنه على بينة من ربه و بصيرة من أمره فمن أراد أن يعرف أحوال هذا الإمام فليتدبر آيات سورة البقرة آية بعد آية حتى بختمها فهذا القطب مجموع آيها و بالله التوفيق و أما القطب الثامن الذي على قدم الياس ع و سورته آل عمران و هي البيضاء أيضا و منازله بعدد آيها و لست أعني بقولي القطب الأول و الثاني إن هذا الترتيب بالزمان إنما أريد به ترتيب العدد إلى أن يكمل اثنا عشر قطبا فقد يكون الثاني عشر أو غيره هو الأول بالزمان و إنما أعلمت بذلك لئلا يتوهم من قد أوقفه الله و أطلعه على العلم بأزمان هؤلاء الأقطاب فيرى هذا الترتيب الذي سقناه فيهم أنه ترتيب أزمانهم فلذلك بينت أنه ترتيب العدد لا غير و حال هذا القطب العلم بالمتشابه من كلام الله الذي ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله فيعلمه هذا القطب بإعلام الله خاصة و لا يعلم أبدا إلا بإعلام الله فيكون عنده محكما في تشابهه فيعرف من أي وجه كان التشابه فيه فيحصل له علم المناسبة التي جمعت بين الله و بين من وقع معه التشابه في الآية كآيات التشبيه كلها أو ترقع التشبيه من طريق دلالة للفظ المشترك الذي لا يكون إلا لمناسبة خفية فإن المناسبة في التشبيه جلية و في الاشتراك خفية كالنور للعلم جلي فتسمى العلم نورا و النور نورا كقوله وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً و جَعَلْناهُ يعني الوحي و هو العلم نُوراً نَهْدِي به من نَشاءُ من عِبادِنا و في الاشتراك كالعين فالمناسبة في العينية في كل مسمى بالعين خفية فهي عند هذا القطب جلية بإعلام الله و أما أصحاب التأويل بالنظر في ذلك فما هم على علم و إن صادفوا العلم و من هذا العلم تعلم أن النساء شقائق الرجال أ لا ترى حواء خلقت من آدم فلها حكمان حكم الذكورة بالأصل و حكم الأنوثة بالعارض فهي من المتشابه فإن الإنسانية مجمع الذكر و الأنثى و أين حقيقة الفاعل من المنفعل لمن هو فيه فاعل و لا يفعل إلا في مشاكله و ذلك أنه أول ما أحدث الانفعال في نفسه فظهر فيه صورة ما ينفعل عنه و بتلك القوة انفعل عنه ما انفعل و ظهر كالبديع و المخترع و الحق قد قدمنا تحقيق العلم بالعالم أن العلم يتبع المعلوم و العلم صفة العالم و المعطي العلم ما هو المعلوم عليه ثم يعطي العالم إيجاد المعلوم كما يعطي المخترع إيجاد الأمر المخترع و إظهاره في الوجود فمن هنا يعرف لما حبب الله النساء لمحمد ص فمن أحب النساء حب النبي ص لهن فقد أحب الله و الجامع الانفعال لما كان من إعطاء المعلوم العلم ليقال فيه إنه عالم فهو أول منفعل لمعلوم و ظهر في عيسى انفعاله عن مريم في مقابلة حواء من آدم إِنَّ في ذلِكَ لَذِكْرىلِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ فيفهم قول الله عز و جل يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ من ذَكَرٍ مثل حواء وَ أُنْثىمثل عيسى و بالمجموع مثل بنى آدم باقي الذرية فهي الجامعة لخلق الناس و لقد كنت من أكره خلق الله تعالى في النساء و في الجماع في أول دخولي إلى هذا الطريق و بقيت على ذلك نحوا من ثمان عشرة سنة إلى أن شهدت هذا المقام و كان قد تقدم عندي خوف المقت لذلك لما وقفتعلىالخبر النبوي أن الله حبب النساء لنبيه صفما أحبهن طبعا و لكنه أحبهن بتحبيب الله إليه فلما صدقت مع الله في التوجه إليه تعالى في ذلك من خوفي مقت الله حيث أكره ما حببه الله لنبيه أزال عني ذلك بحمد الله و حببهن إلي فإنا أعظم الخلق شفقة عليهن و أرعى لحقهن لأني في ذلك على بصيرة و هو عن تحبب لا عن حب طبيعي و ما يعلم قدر النساء إلا من علم و فهم عن الله ما قاله في حق زوجتي رسول الله ص عند ما تعاونا عليه و خرجا عليه كما ذكر الله في سورة التحريم و جعل في مقابلةهاتين المرأتين في التعاون عليه من يعاون رسول الله ص عليهما و ينصره و هو الله و جبريل و صالحو المؤمنين ثم الملائكة بعد ذلك و ليس ذلك إلا لاختلاف السبب الذي لأجله يقع التعاون فثم أمر لا يمكن إزالته إلا بالله لا بمخلوق و لذلك أمرنا أن نستعين بالله في أشياء و بالصبر في أشياء و بالصلاة في أشياء فاعلم ذلك و كان ثم أمر و إن كان بيد الله فإن الله قد أعطى جبريل اقتدارا على دفع ذلك الأمر فأعان محمدا ص في دفعه إن تعاونا عليه و إن رجعا عنه و أعطيا الحق من نفوسهما سكت عنهما كما سكتنا فكان لهما الأمر من قبل و من بعد و هو نعت إلهي فإنه لحركتهما تحرك من تحرك و لسكونهما سكن الذي أراد التحرك و كذلك صالحو المؤمنين كان عندهما أمر نسبته في الإزالة بصالحي المؤمنين أقرب من نسبته إلى غيرهم فيكون صالِحُ الْمُؤْمِنِينَ معينا لمحمد ص ثم الملائكة بعد ذلك إذا لم يبق إلا ما يناسب عموم الملائكة التي خلقت مسخرة يدفع بها ما لا يندفع في الترتيب الإلهي إلا بالملائكة مع انفراد الحق بالأمر كله في ذلك و القيام به و لكن الجواز العقلي فأخبر الحق بالواقع لو وقع كيف كان يقع فما يقع إلا كما قاله و ما قال إلا ما علم أنه يقع بهذه الصورة و ما علم إلا ما أعطاه المعلوم من نفسه أنه عليه بما شهده أزلا في عينه الثابتة في حال عدمه فانظر يا ولي كيف تبدي الأمور حقائقها لذي فهم و قلب جعلنا الله و إياكم من أهل الفهم عن الله ممن لَهُ قَلْبٌ يعقل به عن الله و أَلْقَى السَّمْعَ لخطاب الله وَ هُوَ شَهِيدٌ لما يحدثه الله في كونه من الشأنو أما القطب التاسع الذي على قدم لوط ع فسورته سورة الكهف و لها العصمة و الاعتصام و منازله بعدد آيها حاله العصمة من كل ما يؤدي إلى سوء الأدب الذي يبعد صاحبه عن البساط فهو محفوظ عليه وقته أبدا و علمه علم الاعتصام و قد عينه الله و حصره في أمرين الاعتصام به فقال عز من قائل وَ اعْتَصَمُوا بِاللَّهِ و الاعتصام الآخر بحبله و هو قوله تعالى وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ الله جَمِيعاً فمن الناس من اعتصم بالله و منهم من اعتصم بحبل الله و قال إن الاعتصام بحبل الله هو عين الاعتصام بالله و هذا القطب جمع بين هذين الاعتصامين و الفرق بين الاعتصامين أن حبل الله هو الطريق الذي يعرج بك إليه مثل قوله إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ و ليس حبله سوى ما شرعه و تفاضل فهم الناس فيه فمنهم و منهم و لذلك فَضَّلَ الله بَعْضَهُمْ عَلىبَعْضٍ فمن لم يخط طريقه فهو المعصوم و التمسك به هو الاعتصام و عليه حال المؤمنين الذين بلغوا الكمال في الايمان و مثل هؤلاء يعتصمون بالله في اعتصامهم بحبل الله و هو قوله وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ و قوله اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ و أما الاعتصام بالله فهو قوله ص قوله في الاستعاذة و أعوذ بك منكفإنه لا يقاومه شيء من خلقه فلا يستعاذ به إلا منه فإن الإنسان لما حصل في سمعه أنه مخلوق على صورة الحق و لم يفرق بين الإنسان الكامل و بين الإنسان الحيوان و تخيل أن الإنسان لكونه إنسانا هو على الصورة و ما هو كما وقع له و لكنه بما هو إنسان هو قابل للصورة إذا أعطيها لم يمتنع من قبولها فإذا أعطيها عند ذلك يكون على الصورة و يعد في جملة الخلفاء فلا يتصرف من هو على الصورة إلا تصرف الحق بها و تصرف الحق عين ما هو العالم عليه و فيه و أنت تعلم بكل وجه ما العالم فيه من مكلف و غير مكلف و مما ينكر و يعرف و لا يعرف ما ينكر و ما يعرف من العالم المكلف إلا الخليفة و هو صاحب الصورة فالحق له حكم الإنكار لا للعبد فالمعتصم بالله إذا كان صاحب الصورة لا يعتصم إلا منه بأن يظهر به في موطن ينكره عليه و إن كانت صفته فليس له أن يتلبس بها في كل موطن و لا يظهر به في كل مشهد بل له الستر فيها و التحلي بها بحسب ما يحكم به الوقت و هذا هو المعبر عنه بالأدب و لو كان مشهده أنه لا يرى إلا الله بالله و أن العالم عين وجود الحق و أعظم من هذا الصارف عن الإنكار فلا يكون و لكن لا بد من الإنكار إن صح له هذا المقام فهو ينكر بحق على حق لحق و لا يبالي و حجته قائمة و أما القطب العاشر الذي على قلب هود ع فسورته سورة الأنعام و لها الكمال و التمام في الطوالات و منازله بعدد آيها و لهذا القطب علوم جمة منها علم الاستحقاق الذي يستحقه كل مخلوق في خلقه و علم ما يستحقه ذلك الخلق من المراتب فأما استحقاق الخلق فقوله أَعْطىكُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ و أما المراتب فالتنبيه عليها من قوله تعالى وَ ما قَدَرُوا الله حَقَّ قَدْرِهِ و يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ و هو أن تزيده على مرتبته أو تنقصه منها و ما يتميز العالم العاقل من غيره إلا بإعطاء كل ذي حق حقه و إعطاء كل شيء خلقه و متىلم يعلم ذلك فهو جاهل بالحق و متى علم و لم يعمل بعلمه فهو غير عاقل فلا بد لصاحب هذا المقام أن يكون تام العقل كامل العلم و هذا هو الحفظ الإلهي و العناية العظمى و السلوك على هذه الطريقة المثلى التي هي الطريقة الزلفى هو السلوك الأقوم و لما أتم الله خلق العالم روحا و صورة و أنزل كل خلق في رتبته جعل بين العالم التحاما روحانيا و جسمانيا لظهور أشخاص كل نوع من العالم إذ كان دخول أشخاص كل نوع في الوجود مستحيلا و إنما فعل ذلك ليظهر فضل الفاعل على المنفعل بالذوق فيعلمون فضل الحق على عباده و يعرفون كيف يتحققون معه في عبودتهم و نسب إليهم الخلق فقال وَ إِذْ تَخْلُقُ من الطِّينِ و قال فَتَبارَكَ الله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فذكر إن ثم خالقين الله أحسنهم خلقا فإنه تعالى يخلق ما يخلق عن شهود و الخالق من العباد لا يخلق إلا عن تصور يتصور من أعيان موجودة يريد أن يخلق مثلها أو يبدع مثلها و خلق الحق ليس كذلك فإنه يبدع أو يخلق المخلوق على ما هو ذلك المخلوق عليه في نفسه و عينه فما يكسوه إلا حلة الوجود بتعلق يسمى الإيجاد فمن أوقفه الله كشفا على أعيان ما شاء من الممكنات فليس في قوته إيجادها أي ليس بيده خلعة الوجود التي تلبسها تلك العين الثابتة الممكنة أعني بالمباشرة و لكن له الهمة و هي إرادة وجودها لا إرادة إيجادها منه لأنه يعلم أن ذلك محال في حقه فإذا علق همته بوجودها يتعلق الحق القول بالتكوين فتعلم قول ربها من قول الخلق سواء كان القول على لسان الخلق أو كان من الحق بارتفاع الوسائط فيتكون ذلك الشيء و لا بد فيقال في الشاهد فعل فلان بهمته كذا و كذا و إن تكلم يقال قال فلان كذا و كذا فانفعل عن قوله كذا فمن عرف ذلك عرف ما للعبد في ذلك التكوين و ما للحق فيه فلذلك قال إنه أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فإذا ظهر عين ذلك المكون أي شيء كان تشوفت إليه مرتبته لأن مزاجه يطلبها و أعني المرتبة الأولى فيكتسب الاستعداد لأمور علية أو دنية بحسب ما يعطيه ذلك الاستعداد المكتسب فيظهر في العالم بصورة ذلك فإذا نظر فيه الأجنبي و أعني بالأجنبي الذي لا علم له بالحقائق و نظر إلى استعداده فأعطاه نظره أنه نازل عن رتبته أو رتبته فوق ذلك أعني الرتبة التي ظهر فيها و الأمر في نفسه ليس كما ظهر لصاحب هذا النظر فإن الاستعداد المؤثر إنما هو في الخلق و هو استعداد ذاتي و أما الاستعداد العرضي فلا حكم له بل الاستعداد العرضي رتبة أظهرها الاستعداد الذاتي و غاب هذا القدر من العلم عن أكثر الخلق مثال ذلك أن يروا شخصا ساكتا قد تصور العلوم و أحكمها و أعطى من المراتب أخسها ممن لا ينبغي لمن جمع هذه الفضائل و العلوم أن يكون غايته تلك الرتبة فيقال إنه قد حط هذا الرجل عن رتبته و ما أنصف في حقه و ما عندهم خبر بأن رتبته إنما هي عين تلك الفضائل التي جمعها و تلك العلوم التي أحكمها و من جملتها هذه المرتبة الخسيسة التي ولاة السلطان عليها إن كان من الولاة و إن لم يكن من الولاة و لا نال شيئا مع هذا الفضل من المناصب قيل فيه إنه محروم و ما هو محروم و إنما الموطن اقتضى ذلك و هو أن الدنيا اقتضت أن يعامل فيها الجليل بالجلال في وقت و في وقت يعامل الجليل بالصغار و في وقت يعامل الصغير بالصغار و في وقت يعامل الصغير بالجلال بخلاف موطن الآخرة فإن العظيم بها يعامل بالعظمة و الحقير بها يعامل بالحقارة و لو نظر الناظر لرأى في الدنيا من يقول في الله ما لا يليق به تعالى و من يقول فيه ما يليق به من التنزيه و الثناء و أعظم من الحق فلا يكون هذا العبد فمن علم المواطن علم الأمور كيف تجري في العالم و إلى الله يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ما صح منه و ما اعتل فلا تنظر إلى المناصب و انظر إلى الناصب الذي يعمل بحكم المواطن لا بما يقتضيه النظر العقلي فإن الناظر إذا كان عاقلا علم بعقله أن موطن الدنيا كذا يعطى و يترك عنه الجواز العقلي الذي يمكن في كل فرد فرد من أفراد العالم فإن هذا الجواز في عين الشهود ليس بعلم و لا صحيح و ليكن العاقل مع الواقع في الحال فإن ذلك صورة الأمر على ما هو عليه في نفسه لا تعلق لعاقل بالمستقبل إلا إن أطلعه الله كشفا على أعيان الممكنات قبل وقوعها في الوجود فلا فرق بينه و بين من شهدها في وقوعها لأن هذا المكاشف يزول عنه حكم الجواز العقلي فيما كوشف به و أطلعه الله عليه فهذا بعض علم هذا القطب«و أما القطب الحادي عشر الذي على قدم صالح ع» فسورته من القرآن سورة طه و لها الشرف التام و منازله بعدد أيها اعلم أن هذا القطب دون سائر الأقطاب أشرف بهذه السورة من سائر الأقطاب لأن هذه السورة أشرف سورة في القرآن في العالم السعيدفإنها السورة التي يقرءوها الحق تعالى في الجنة على عباده بلا واسطة و هذا القطب له علوم جمة له البطش و القوة كما قال أبو يزيد البسطامي و قد سمع قارئا يقرأ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ فقال بطشي أشد و كان حاله حال من ينطق بالله فقول الله عن نفسه أن بطشه شديد على لسان عبده أشد من بطشه بغير لسان عبده ثم بطشه على لسان عبده الطبيعي أشد من بطشه على لسان عبده الإلهي بما لا يتقارب و أكثر علم هذا الإمام في التنزيه و الإحاطة و ليس التنزيه و الإحاطة التي يعلم هو المفهوم المتعارف بل هو تنزيه التنزيه المتعارف و جعله في ذلك علم الإحاطة و ذلك أن تنزيهه عدم المشاركة في الوجود فهو الوجود ليس غيره و المعبر عنه عنده بالعالم إنما هو الاسم الظاهر و هو وجهه فما بطن منه عن ظاهره فهو الاسم الباطن و هو هويته فيظهر له و يغيب عنه و أما الآلام و اللذات فتقابل الأسماء و توافقها و بها تكثرت الصور فإنها التي تشكلت فأدرك بعضها بعضا فكان محيطا بها منزها عنها فله الستر عنها و التجلي فيها فتختلف عليه الصور فينكر حاله مع علمه أنه هو و هو ما تسمعه من قول الإنسان عن نفسه إني في هذا الزمان أنكر نفسي فإنها تغيرت علي و ما كنت أعرف نفسي هكذا و هو هو ليس غيره فمن حيث تشكل الأسماء له الإمكان و من حيث العين القابلة لاختلاف الصور الأسمائية عليها له الوجوب فهو الواجب الممكن و المكان و المتمكن المنعوت بالحدوث و القدم كما نعت كلامه العزيز بالحدوث مع اتصافه بالقدم فقال ما يَأْتِيهِمْ الضمير يعود على صور الأسماء إلا الرب من ذِكْرٍ من رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ فنعته بالحدوث فهو حادث عند صورة الرحمن و ما يأتيهم الضمير مثل الأول إلا الرحمن من ذكر من الرحمن محدث فنعته بالحدوث فهو حادث عند صورة الرب فإن تقدم إتيان ذكر الرب كان ذكر الرحمن جوابه و إن تقدم ذكر الرحمن كان ذكر الرب جوابه فالمتقدم أبدا من الذكرين قرآن و الثاني فرقان ف لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ للمتقدم منهما و هو القرآن وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ للآخر منهما و هو الفرقان ف هُوَ الْأَوَّلُ وَ الْآخِرُ كما هو الظَّاهِرُ وَ الْباطِنُ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ و ليس إلا قبول صور الأسماء و كل للاحاطة فانحصر الأمر فيه فما قال كن إلا له و لا كنى بيكون إلا عنه أ لا تراه تسمى بالدهر و أنه يقلب الليل و النهار و ليس الدهر غير الليل و النهار و ليس التقليب سوى اختلاف الصور فالأيام و الساعات و الشهور و الأعوام هي عين الدهر و في الدهر وقع التفصيل بما ذكرناه فمن وجه هو ساعة و من وجه هو يوم و ليل و نهار و جمعة و شهر و سنة و فصول و دور

فكل خير هو لهو كل شر ليس له
فهو الوجود كلهو فقده ما هو له
يعلمه من علمهيجهله من جهله
فإنما أنابهفي كل أحوالي و له
فأنت هو ما أنت هوو أنت له ما أنت له
و لو صنعت صنعهو لو عملت عمله

فهذا من بعض أنفاس علم هذا القطب و هكذا مجراه في علومه كلها على كثرتها و تفاصيلها (و أما القطب الثاني عشر) الذي على قدم شعيب ع فسورته من القرآن سورة تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ و هي التي تجادل عن قارئها و منازله بعدد آيها انظر في جدالها في قوله ما تَرىفي خَلْقِ الرَّحْمنِ من تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ ... كَرَّتَيْنِ ينبه على النظر في المقدمتين هَلْ تَرىمن فُطُورٍ يعني خللا يكون منه الدخل فيما يقيمه من الدليل يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ و هو النظر خاسِئاً بعيدا عن النفوذ فيه بدخل أو شبهه وَ هُوَ حَسِيرٌ أي قد عيي أي أدركه العياء و كل آية في هذه السورة فإنها تجري على هذا النسق إلى أن ختم بقوله قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ أ لا ترى الوجود كله من غير تعليم هل تراه في حال اضطراره يلجأ إلى غير الله ما يلجأ إلا إلى الله بالذات فلو كان غيرا ما عرفه حتى يلجأ و هو قول العامة فيمن رزئ مالك لما ترجع في رزيتك إلا إلى الصبر و الصبر ليس إلا صفة الصابر فتسمى أيضا بالصبور يقول أنا هو ما ثم غيري و هذا عين ما ادعاه في علمه القطب الذي على قدم صالح صلى الله على نبينا محمد و عليه و سلم

فيا شعيب ما ثم عيبلكنه شاهد و غيب
فانظر إلى حكمة و فصل الخطابفيها ما فيه ريب

و لهذا القطب علم البراهين و موازين العلوم و معرفة الحدود كله روح مجرد لطيفة حاكم على الطبيعة مؤيد للشريعةبين أقرانه ضخم الدسيعة يطعم و لا يطعم و ينعم و لا يتنعم الغالب عليه التفكر ليتذكروا الدخول في الأمور الواضحة ليتنكر فهو المجهول الذي لا يعرف و النكرة التي لا تتعرف أكثر تصرفه فيما يتصرف فيه من الأسماء الإلهية الاسم المدبر و المفصل و المنشئ و الخالق و المصور و البارئ و المبدئ و المعيد و الحكم و العدل و لا يرى الحق في شيء من تجليه دون أن يرى الميزان بيده يخفض و يرفع فما ثم إلا خفض و رفع لأنه ما ثم إلا معنى و حرف و روح و صورة و سماء و أرض و مؤثر و مؤثر فيه فما ثم إلا شفع و كل واحد من الشفع وتر فما ثم إلا وتر وَ الْفَجْرِ وَ لَيالٍ عَشْرٍ وَ الشَّفْعِ وَ الْوَتْرِ فالشفع يطلب الشفع و الوتر يطلب الوتر و هو طلب الثأر

فشفعه في وتره ظاهرو وتره في شفعه مندرج
و جادت السحب بأمطارهافكان ما كان بأمر مرج
فحدثت أرضك أخبارهاو أنبتت من كل زوج بهج
تفني إذا شاهدت أعيانهابعين غير الحق فيها المهج
يباين الضد بها ضدهو شكله بشكله مزدوج
و نزهة الأبصار فيما بدافي العالم العلوي بين الفرج
فكل ما للعين من ظاهرعنه إذا حققته ما خرج

جمع لهذا القطب بين القوتين القوة العلمية و القوة العملية فهو صنع لا يفوته صنعه بالفطرة و له في كل علم ذوق إلهي من العلوم المنطقية و الرياضية و الطبيعية و الإلهية و كل أصناف هذه العلوم عنده علوم إلهية ما أخذها إلا عن الله و ما رآها سوى الحق و لا رأى لها دلالة على الحق فكل علم أو مسألة من ذلك العلم له آية و دلالة على الله لا يعرف لها دلالة على غيرها لاستغراقه في الله لأنه مجذوب مراد لم يكن له تعمل فيما هو فيه بل وجد فيه أنه هو ثم فتح عينيه فرأى كل شيء رؤية إحاطة بما رأى فالزيادة التي يستفيدها إنما هي في تفصيل ما رأى دائما أبدا لأنه كل مرئي في الوجود فإنه يتنوع دائما فلا تزال الإفادة دائما و كل استفادة زيادة علم لم يكن عنده في معلوم لم يزل عالما به مشهودا له فهذا قد ذكرنا من أحوال الاثني عشر قطبا ما يسر الله ذكره على لساني وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ فواحد من هؤلاء الأقطاب له الواحد من العدد و هو صاحب التوحيد الخالص و آخر له الثاني من العدد و هكذا كل واحد إلى العاشر و الحادي عشر له المائة و الثاني عشر له الألف و المفرد له تركيب الأعداد من أحد عشر إلى ما لا نهاية له و ذلك للافراد و هم الذين يعرفون أحدية الكثرة و أحدية الواحد جعلنا الله و إياكم ممن فهم عن الله ما سطره في العالم من العلم به سبحانه الدال عليه عز و جل إنه الولي المحسان الجواد الكريم المنان وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ