قال الله عز و جل فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللهاعلم أن الهجير هو الذي يلازمه العبد من الذكر كان الذكر ما كان و لكل ذكر نتيجة لا تكون لذكر آخر و إذا عرض الإنسان على نفسه الأذكار الإلهية فلا يقبل منها إلا ما يعطيه استعداده فأول فتح له في الذكر قبوله له ثم لا يزال يواظب عليه مع الأنفاس فلا يخرج منه نفس في يقظة و لا نوم إلا به لاستهتاره فيه و متى لم يكن حال الذاكر على هذا فليس هو بصاحب هجير فمن كان ذكره لا إله إلا الله فمعقول ذكره الألوهة و هي مرتبة لا تكون إلا لواحد هو مسمى الله و هذه المرتبة هي التي تنفيها و هي التي تثبتها و لا تنتفيعمن تنتفي عنه بنفي النافي و لا ثبيت لمن تثبت بثبت الثابت المثبت فثبوتها لها و نفيها لها غير ذلك ما هو فلا تنتج للذاكر إلا شهودها و ليس شهودها سوى العلم بها و ليس معلوم هذا العلم الأنسب و النسبة أمر عدمي و الحكم للنسبة و المنسوب و المنسوب إليه و بالمجموع يكون الأثر و الحكم مهما أفردت واحدا من هذه الثلاثة دون الباقي لم يكن أثر و لا صح حكم فلهذا كان الإيجاد بالفردية لا بالأحدية خلافا لمن يقول إنه ما صدر إلا واحد فإنه عن واحد فهو قول صحيح لا إنه واقع ثم جاء الكشف النبوي و الإخبار الإلهي بقوله عن ذات تسمى إلها إذا أراد شيئا فهذان أمران قال له كُنْ فهذا أمر ثالث و الثلاثة أول الأفراد فظهر التكوين عن الفرد لا عن الأحد و هذه كلها راجعة إلى عين واحدة فإذا ظهر المكون بالتكوين عن كُنْ لم يكن غير تجلى إلهي في صورة ممكن لصورة ممكن ناظر بعين إلهي كما أنه ما سمع فيكون إلا بسمع إلهي و لهذا أسرع بالظهور لأنه المريد و المراد و القائل و المقول له و القول فحاله في التكوين أن ينطق بالله فينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله ثُمَّ ادْعُهُنَّ بأمره يَأْتِينَكَ سَعْياً لأنه السامع الذي دعاهن و لهذا الذكر من المعارف معرفة النفي و الإيجاب و التنكير و التعريف و له من الحروف الألف المزادة و الألف الطبيعية و الهمزة المكسورة و ألف الوصل و للام و الهاء و من الكلمات أربعة متقابلة في عين واحدة يقابل النفي منها الإثبات و الإثبات النفي و المنفي الثابت و الثابت المنفي فأما معرفة النفي فهو اطلاع على ما ليس هو فيما قيل فيه إنه هو و إن كان الذي قيل إنه هو صحيح كشفا لكنه محال عقلا و لهذا التزم بعض أهل الله ذكر الله الله و رأيت على هذا الذكر شيخنا أبا العباس العربي من أهل العليا من عرب الأندلس و التزم آخرون الهاء من الله لدلالتها على الهوية و جعله ذكر خاصة الخاصة و هو أبو حامد الغزالي و غيره و أما الأكابر فيلتزمون لا إله إلا الله على غير ما يعطيه النظر العقلي أي الوجود هو الله و العدم منفي الذات و العين بالنفي الذاتي و الثابت ثابت لذات و العين بالإثبات الذاتي و توجه النفي على النكرة و هو إله و توجه الإثبات على المعرفة و هو الله و إنما توجه النفي على النكرة و هو إله لأن تحتها كل شيء و ما من شيء إلا و له نصيب في الألوهة يدعيه فلهذا توجه عليه النفي لأن الإله من لا يتعين له نصيب فله الأنصباء كلها و لما عرف أن الإله حاز الأنصباء كلها عرفوا أنه مسمى الله و كل شيء له نصيب فهو اسم من أسماء مسمى الله فالكل أسماؤه فكل اسم دليل على الهوية بل هو عينها و لهذا قال قُلِ ادْعُوا الله أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنىو هذا حكم كل اسم تدعونه له الأسماء الحسنى فله أسماء العالم كله فالعالم كله في المرتبة الحسنى فالأمر تنكير في عين تعريف و نكرة في عين معرفة و تعريف في عين تنكير و معرفة في عين نكرة فما ثم إلا منكور و معروف و أما حروف هذا الهجير فالألف المزادة و هي كل ألف لها موجب يوجب الزيادة فيها و الزيادة ظهور مثل على صورتها فتكون ألفان و الألف أبدا ساكنة فالظاهر أحد الألفين أبدا إما عبد و إما رب و إما حق و إما خلق و الموجب له في موطن رتبة التقدم و في موطن رتبة التأخر و هما موجبان الواحد ما يدل على الاتحاد و هو التضعيف و الآخر ما يدل على الباعث للتكوين أو الإعدام و هو التحقيق المعبر عنه بالمهمزة و قد يكون هذان الموجبان في مقام النزول مثل فَسْئَلِ الْعادِّينَ و لا إِلهَ إِلَّا الله و إِي وَ رَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ و قد يكون في مقام رَفِيعُ الدَّرَجاتِ و سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى مثل يُحَادُّونَ الله و أَوْلِياءُ أُولئِكَ و أُوتُوا الْكِتابَ و قد يكون الموجب في مقام البرزخ و هو الوسط مثل من حَادَّ الله و آتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا و لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ فإن كان الموجب اسم فاعل ربا كان الموجب أو خلقا و إن كان الموجب خلقا كان الموجب بفتح الجيم حقا فأثر ظاهر من خلق في حق أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ و أثر ظاهر من حق في خلق كُنْ فَيَكُونُ و ذلك أما عن باعث و إما عن اتحاد و الإيجاد إبداله له الاسم الآخر ليس له في الأول قدم و الباعث يكون له الأول و الآخر فالباعث حق و خلق و الإيجاد حق و خلق إلا أنه لا يكون حقا مفردا إلا بخلق كالمعرفة بالله من حيث كونه إلها لا يكون إلا بخلق لا بد من ذلك فهي حق في خلق و الخلق متأخر حيث عقل أبدا و أما الألف الطبيعية في مثل قال وَ سارَ فهو الأمر الواحد الذي يجمع الطبيعة فيظهر العالم و يفرقها فيفني العالم و هو الأصل المفرق المجمع و كل ألف مزادة فإنما تظهر على حكم التشبيه بها و الموجب لهذا الأمر المفرق المجمع إنما هو الفتح و هو الأصل و قد يكون الفتح بما يسرو هو الرحمة و بما يسوء و هو فتح العذابو هو على نوعين فتح عذاب فيه رحمة و فتح عذاب لا يشوبه رحمة إلا عندنا فإنه ما ثم عذاب لا يشوبه رحمة قط فإن الرحمة وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و أما الميل الطبيعي و هو مثل الألف التي يسمى واو علة و ياء علة فهو ميلها إلى جانب الحق مثل قولوا و مثل فيه و أما الهمزة المكسورة في هذا الذكر فهو باعث الحق إلى النزول إلى السماء الدنيا و إلى كل ما يكون لجانب الخلق هذا في باعث الحق و أما إذا كان باعث الخلق فهو إن نظره في نفسه يبعثه على التعمل في تحصيل علمه بربه فلذلك كانت الهمزة مكسورة في النفي و في كلمة الإثبات و المنفي مكسور أبدا و أما ألف الوصل فهو وصل علم بتمييز مع وجود تشبيه إن لم يكن هناك وجود تشبيه فهي ألف قطع لا ألف وصل و أما اللام فهي جبروتية لأنها من الوسط من رفيع الدرجات و الهاء ملكوتية فإنها من الصدر من أول مجرى النفس و هي أصلية في هاتين الكلمتين في المنفي و المثبت و ما ثم إلا هويتان هوية خلق و هي المنفية في دعواها ما ليس لها و هوية حق و هي الثابتة فإنها لم تزل فإن العبد من حيث عينه هالك و إذا كان الحق هويته فليس هو ففي كل وجه ما هو هو فتنتفى هوية الحق إذا لبست الخلق و لا تنفي هوية الخلق إذا لبست الحق فعلى كل حال ما ثم إلا حق ثابت غير منفي و أما الكلمات الأربع أداة نفي على منفي و أداة إثبات على ثابت و بقي لمن يضاف العمل هل للاداة أو للذي دخلت عليه فإن كان الحكم لمن دخلت عليه فإنه الذي يطلبها فإنه ما انتفى بها و إنما جاءت الأداة معرفة للسامع بأن الذي دخلت عليه منفي أو ثابت و ما عملت الأداة فيمن دخلت عليه إلا تعيين مرتبة العلو أو السفل أو ما بينهما فبالأداة تظهر المراتب و بمن دخلت عليه تتعين الأداة الخاصة من غيرها من الأدوات كما ارتبط وجود الخلق بالحق و ارتبط وجود العلم القديم بالمحدث فهذا بعض ما ينتجه لا إله إلا الله من العلم الإلهي و له ستة و ثلاثون وجها يعطي كل وجه ما لا يعطيه الوجه الآخر قد ذكرنا هذه الوجوه في باب النفس بفتح الفاء و اعلم أنه ما قسمنا الحروف تقسيم من يعقل على طريق التجوز بل ذلك على الحقيقة فإن الحروف عندنا و عند أهل الكشف و الايمان حروف اللفظ و حروف الرقم و حروف التخيل أمم من جملة الأمم لصورها أرواح مدبرة فهي حية ناطقة تسبح الله بحمده طائعة ربها فمنها ما يلحق بعالم الجبروت و منها ما يلحق بعالم الملكوت و منها ما يلحق بعالم الملك فما الحروف عندنا كما هي عند أهل الحجاب الذين أعماهم الله و جعل عَلىأَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ و هم ينظرون كما قال تعالى وَ تَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَ هُمْ لا يُبْصِرُونَ فإذا قال العبد لا إله إلا الله كان خلاقا لهذه الكلمات فتسبح خالقها و يحق لها ذلك و الحق منزه بالأصالة لا بتنزيه المنزه و قد نسب تعالى الخلق لعبده و وصف نفسه بالأحسن فيه في قوله أَحْسَنُ الْخالِقِينَ فيعود تسبيح هذه الكلمة و كل كلمة على قائلها فإذا كان العبد من أهل الكشف لما ذكرناه هو الذي نقل عنه من الرجال إنه قال سبحاني و لا علم لمن كفره بذلك
و قد تقدم في الحروف في هذا الكتاب كلام مختصر شاف في الباب الثاني من هذا الكتاب في صغارها و كبارها وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ