وردت السنة بلفظ هذا الذكر و لا سيما في الصلاة و الأذان لها و الإقامة و عقيب الصلاة المفروضة و عند النوم و في مواضع كثيرة و جاء بلفظة افعل و هذه لفظة افعل يأتي في الأغلب بطريق المفاضلة و في أماكن لا تقتضي المفاضلةبحسب ما يقتضيه دليل الوقت فيعقل منها عند ذلك ما يعقل فإذا كانت هجيرا لأحد فإن كان المثابر عليها يذكر بها ربه بالمفاضلة كان الكشف له من عند الله بحسب ما نوى فلا يرى إلا مفاضلة و هو كشف معين سأذكره في هذا الباب و إن كان الذاكر به ربه يستحيل عنده المفاضلة كان الكشف له من عند الله بحسب ما نوى فلا يرى مفاضلة و هو كشف معين سأذكره في هذا الباب إن شاء الله و إن كان الذاكر به ربه من حيث هو ذكر مشروع لا تخطر له فيه المفاضلة و لا ترك المفاضلة نتج له ما هو الأمر عليه من غير تقييد فيكون ما حصل لمن نوى المفاضلة و من لم ينوها تحت علم هذا الذاكر الثالث و هذه الهجيرات هي قوله تعالى وَ الذَّاكِرِينَ الله كَثِيراً وَ الذَّاكِراتِ فالهجير هو الكثرة من الذكر دائما فإذا تقرر هذا فلنقل
«فصل» فيمن ذكر هذه اللفظة بطريق المفاضلة اعلم أن المفاضلة في هذا الذكر و أمثاله على قسمين قسم يرجع الفاضل فيه و المفضول إلى الحق و قسم يرجع الفاضل فيه إلى الحق و المفصول إلى الخلق فلنبدأ بما يرجع إلى الحق و هو على قسمين قسم يرجع إلى هذا الاسم من حيث لفظه و قسم يرجع إلى غير لفظه من الأسماء فالذي يرجع إلى لفظه كالكبير في قوله تعالى إنه الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ و كالمتكبر في قوله تعالى الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ فيكون الكبير أفضل من المتكبر لأن الكبير لنفسه هو كبير و المتكبر تعمل في حصول الكبرياء و ما هو بالذات أفضل بما هو بالتعمل فإن التعمل اكتساب و إنما كان التكبر من صفات الحق لما كان من نزوله في الصفات إلى ما يعتقده أصحاب النظر و أكثر الخلق أنه صفة المخلوق فلما علم ذلك منهم و هو سبحانه قد وصف لهم نفسه بتلك الصفات حتى طمعوا فيه و ضل بها قوم عن طريق الهدى كما اهتدى بها قوم في طريق الحيرة قام لهم تعالى في صفة التكبر عن ذلك النزول ليعلمهم أنه و إن اشترك معهم في الاسمية فإن نسبتها إليه تعالى ليست كنسبتها إلى المخلوق فيكون مثل هذا تكبر أو لا يحتاج الكبير إلى هذا كله فتبين لك المفاضلة بين الكبير و المتكبر و أما المفاضلة التي لهذه الكلمة أعني قولك الله أكبر فهي كلمة مفاضلة على كل اسم من الأسماء الإلهية بما يعطيه فهم الخلق فيه أعني في كل اسم اسم لأن فهم العالم لا بد أن يكون يقصر عما هو الأمر عليه و لا يتمكن أن يقبل توصيل ذلك لو تمكن أن يوصله الحق إليك فنحن لا قوة لنا على التحصيل و لا قوة في نفس الأمر على التوصيل فلا بد من قصور الفهم فتدل لفظة الله أكبر من كل ما أعطاه فهم من نسبة الكبرياء إلى الله بأي اسم كان من الأسماء الإلهية بهذا اللفظ و غيره فإن الله يقال فيه إنه أعظم و أكرم و أجل و أعلى و أرحم و أسرع و أحسن و أحكم و أمثال ذلك مما لا يحصى كثرة أ لا ترى إلى المشركين لما قالوا أعل هبل أعل هبل و هبل اسم صنم كان يعبد في الجاهلية و هو الحجر الذي يطئوه الناس في العتبة السفلي في باب بنى شيبة هو مكبوب على وجههفقال النبي ص لأصحابه لما سمع المشركين يقولون ذلك قولوا الله أعلى و أجل يعني بالمفاضلة عندهم في اعتقادهم فساقه في معرض الحجة عليهم لأن النبي ص ما دعاهم إلا إلى الايمان بالله الذي هو عندهم و في اعتقادهم أعلى و أجل من هبل و من سائر الآلهة بما قالوه عن نفوسهم فقالوا ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى الله زُلْفىفاتخذوهم حجبة فالله أعلى و أجل من هبل عندهم فكان ذلك تنبيها من رسول الله ص للمشركين فإنه في نفس الأمر ليس هبل بإله حتى يكون الله أعلى و أجل في الألوهة من هبل و لو قالها رسول الله ص على طريق المفاضلة في نفس الأمر لكان تقريرا منه ص لألوهة هبل إلا إن الله أعلى منه و أجل في الألوهة و هذا محال على النبي ص و على كل عالم أن يعتقده لأنه الجهل المحض على كل وجه فهذه أيضا مفاضلة مقررة شرعية في قولك الله أكبر فصاحب هذا الهجير بطريق المفاضلة يطالعه الحق بسريان هويته في جميع الخلق مثلقوله في الصحيح إن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمدهو قوله كنت سمعه و بصره و يده و رجلهإلى غير ذلك و قوله فبي يسمع و بي يبصر و لكن نسبة القول إليه دون نسبة القول إليه بلسان عبده أعلى من نسبة القول إليه بلسان الخلق فهو أكبر في ذاته من كبريائه في خلقه فاعلم ذلك فنقول عند ذلك الله أكبر مفاضلة إذ لم يخرج عنه كأنه يقول ذكرك نفسك أعظم و أكبر من ذكري إياكو إن ذكرتك بك فلا بد للنسبة من أثر لأن غاية شرف ذكري إياك أن أذكرك بك فتكون أنت الذاكر نفسك بلساني و نسبة الذكر إليك أكبر من نسبته إلي و لو كنت بك «فصل» في الذكر لا على طريق المفاضلة و ينقسم أيضا الذاكرون به هنا على هذا الوجه إلى قسمين طائفة تمنع المفاضلة في الذكر لأنه عين كل ذاكر من حيث ما هو ذاكر فلا ترى ذاكرا إلا الله و هو من حيث هويته و عينه لا يقبل المفاضلة لأن الواحد لا يفضل نفسه فينتج له هذا الذكر على هذا الحد كشف هذا ذوقا فيتبين له أنه الحق عينه و طائفة أخرى و هم القسم الآخر لا يرون التفاضل إلا مع وجود المناسبة و لا مناسبة بين الله و بين خلقه فذكر الله نفسه ذكر و ذكر العبد ربه ذكر كل على حقيقة لا يقال هذا الذكر أفضل و لا أكبر من هذا بل هو الذكر الكبير من غير مفاضلة لله تعالى و هو في حق العبد المذكور كبير عند العبد لا أكبر فإن العبد عبد لذاته و الرب رب لذاته فلا يحجبنك ما تراه من تداخل الأوصاف فإن ذلك و إن كان حقيقة فكل حقيقة على ما هي عليه ما لها أثر في الأخرى يخرجها عما تقتضيه ذاتها فالحقائق لا تتبدل و لو تبدلت لارتفع العلم من الله و من الخلق فإذا ذكر من هذه صفته أنتج له ذلك كشفا و ذوقا إن الأمر كما نواه و قال به «فصل» في الذكر به من حيث ما هو ذكر مشروع (اعلم) أن الذاكر به على ما ذكرنا من كونه ذكرا مشروعا ينقسم إلى قسمين طائفة تذكره على أنه مشروع للخلق و يقولون بأن الله تعالى لما أوجد العالم ما خلقهم إلا ليعبدوه و يسبحوه فما من شيء إلا و هو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و لكن لا نفقة تسبيحه و قال وَ ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فخلق العالم لعبادته فهؤلاء إذا ذكروا الله ذكروه من حيث إن الله شرع لهم كيف يذكرونه و لا يعلمون ما تحت ذلك الذكر المشروع عند الله و إن علموه في اللسان فينتج لهم هذا الذكر لما ذا شرعه الحق في العالم بهذا القول الخاص دون غيره أي ذكر كان و القسم الآخر يعتقد أن العالم ما اكتسب من الحق إلا الوجود و ليس الوجود غير الحق فما أكسيهم سوى هويته فهو الوجود بصور الممكنات و ما يذكره إلا موجود و ما ثم إلا هو فما شرع الذكر إلا لنفسه لا لغيره فإن الغير ما هو ثم و هو عالم بما شرع فيفتح لصورة الممكن ما ذكرناه كشفا هذا الذكر و هو قولهم لا يذكر الله إلا الله و لا يرى الله إلا الله فالمفيد و المستفيد عين واحدة فهو ذاكر من حيث إنه قابل و هو مذكور من حيث إنه عين مقصودة بالذكر و العالم على أصله في العدم و الحكم له فيما ظهر من وجود الحق فما ثم إلا الحق مجملا و مفصلا لأن المحدث إذا قرنته بالقديم لم يبق له أثر و إن بقي له عين فإن العين بلا أثر ما هي معتبرة و لهذا قلنا فيمن دل على معرفة الواجب لنفسه لا يتمكن له أن يثبت له أثرا حتى يعلم أن هذه الآثار الكائنة في العالم تحتاج إلى مستند لإمكانها فعند ذلك يقوم لهم البرهان على استنادها لواجب الوجود لنفسه و ذلك كمال العلم فإن الكمال للمرتبة أي بالمرتبة و التمام بما ترجع إليه في نفسها أعني التام فينتج لهذا القسم هذا الذكر ما قررناه من أنه يستحيل أن يذكره إلا هو أو يسمع ذكره إلا هو أو يكون المذكور إلا هو و من ذكرت به فهو المذكور لا أنت هَلْ أَتىعَلَى الْإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً حتى ذكر بربه فكان مذكورا بربه لا به و سيرد في باب الأسماء الإلهية ما يشفي في هذا النوع إن شاء الله تعالى من هذا الكتاب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ