«الباب الثامن و السبعون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ من خَرْدَلٍ فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أَوْ في السَّماواتِ أَوْ في الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا الله إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ»
بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَكُمْ ما أحل لك تناوله من الشيء الذي يقوم به أودك لتقوم به في طاعة ربك و إنما سماه بقية لأنه بالأصالة خلق لك ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً فكنت مطلق التصريف في ذلك تأخذ ما تريد و تترك ما تريد ثم في ثاني حال حجر عليك بعض ما كان أطلق فيه تصرفك و أبقى لك من ذلك ما شاء أن يبقيه لك فذلك بقية الله و إنما جعلها خيرا لك لأنه علم من بعض عباده أن نفوسهم تعمي عن هذه البقية بما يعطيهم الأصل فيتصرفون بحكم الأصل فقال لهم البقية التي أبقى الله خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين بأني خلقت لَكُمْ ما في الْأَرْضِ جَمِيعاً فإن صدقتموني في هذا صدقتموني فيما أبقيت لكم من ذلكم و إن فصلتم بين الأمرين فآمنتم ببعض و كفرتم ببعض لم تكونوا مؤمنين ثم إنكم لن تنالوا من ذلك مع جمعكم إياه و انكبابكم عليه إلا ما قدرته لكم و خسرتموني و سواء عليكم تعرضتم لتحصيل ما ضمنته لكم أو أعرضتم عنه لا بد لي أن أوصله إليكم فإني أطلبكم به كما أطلبكم بآجالكم و ما ذلك من كرامتكم علي و لا من إهانتكم فإني أرزق البر و الفاجر و المكلف و غير المكلف و أميت البر و الفاجر و المكلف و غير المكلف و إنما عنايتي إن أوصل إليك من البقية لا من غيرها في مثل هذا تظهر عنايتي بالشخص الموصل إليه ذلك فإنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها كما أ لن تموت نفس حتى يأتيها أجلها المسمى و سواء كان الرزق قليلا أو كثيرا و ليس رزقك إلا ما تقوم به نشأتك و تدوم به قوتك و حياتك ليس رزقك ما جمعت و ادخرت فقد يكون ذلك لك و لغيرك لكن حسابه عليك إذا كنت جامعه و كاسبه فلا تكسب إلا ما يقوتك و يقوت من كلفك الله السعي عليه لا غير و ما زاد على ذلك مما فتحت به عليك فأوصله إنعاما منك إلى من شئت ممن تعلم منه أنه يستعمله في طاعتي فإن جهلت فأوصله فإنك لن تخيب من فائدته من كونك منعما بما سميته ملكا لك فأنت فيه كرب النعمة و ليس غيري فأنت نائبي و النائب بصورة من استخلفه و قدر زقت النبات و الحيوان و الطائع و العاصي فكن أنت كذلك و تحرى الطائع جهد استطاعتك فإن ذلك أوفر لحظك و أعلى و في حقك أولى و أثنىو اعلم أنه كما خلقت لك ما تحيي به ذاتك و تنعم به نفسك اعتناء بك فقد خلقت لك أيضا ما إذا تصرفت فيه أحييت به أسمائي و نعمت به نفوسهم و تكون أنت الآتي بذلك إليهم كما أنا الآتي برزقك إليك حيث كنت و كان رزقك فإني أعلم موضعك و مقرك و أعلم عين رزقك و أنت لا تعلمه حتى تأكله أو أعلمك به على التعيين فإذا تغذيت به و سرى في ذاتك حينئذ تعلم أنه رزقك كذلك علمتك فعلمت ما تستحقه الأسماء الحسنى من الرزق الذي تقوم به حياتها و نشأتها و أعطيتك علم ذلك و عينه و جعلتك الآتي به إليهم و كما طلبت منك الشكر على ما جئتك به من الرزق كذلك تطلب أنت الشكر على ما أتيت به من أسمائي و إذا شكرتك أسمائي فإنا شكرتك فسعدت سعادة لم يسعد مثلها إلا من عمل مثل هذا العمل و أسمائي لا بد أن يصل إليها ذلك من العالم و لكن لا يشكر أسمائي إلا من قصدها بذلك اعتناء منه بجانبها لا من جاء بها غافلا عنها إن ذلك لها هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لا و الله كما لا يستوي الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ ب كَالَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ في مَحْياهُمْ وَ مَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ أي ساء من يحكم بذلك ثم أفصل و أقول قول لقمان لابنه فَتَكُنْ في صَخْرَةٍ أي عند ذي قلب قاس لا شفقة له على خلق الله قال تعالى ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ من بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةًو قوله أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فإن الحجر لا يقدر أن يمتنع عن تأثيرك فيه بالمعول و القلب يمتنع عن أثرك فيه بلا شك فإنه لا سلطان لك عليه فلهذا كان القلب أشد قسوة أي أعظم امتناعا و أحمى و إن أحسنت في ظاهره فلا يلزم أن يلين قلبه إليك فذلك إليه و حكي أن بعض الناس كسر حجرا صلدا يابسا فرأى في وسط ذلك الحجر تجويفا فيه دودة في فمها ورقة خضراء تأكلها و روى في النبوة الأولى أن لله تعالى تحت الأرض صخرة صماء في جوف تلك الصخرة حيوان لا منفذ له في الصخرة و إن الله قد جعل له فيها غذاء و هو يسبح الله و يقول سبحان من لا ينساني على بعد مكانييعني من الموضع الذي تأتي منه الأرزاق لا على بعد مكانها من الله فإن نسبة الله إلى خلقه من حيث القرب بسكون الراء نسبة واحدة و من حيث القرب بفتح الراء نسبة مختلفة فاعلم ذلك أو في السموات بما أودع الله في سباحة الكواكب في أفلاكها من التأثيرات في الأركان لخلق أرزاق العالم أو الأمطار أيضا فإن السماء في لسان العرب المطر قال الشاعر إذا سقط السماء بأرض قوم يعني بالسماء هنا المطر و قوله أو في الأرض بما فيها من القبول و التكوين للأرزاق فإنها محل ظهور الأرزاق كالأم محل ظهور الولد الذي للأب فيه أيضا أثر بما ألقاه من الماء في الرحم سواء كان مقصودا له ذلك أو لم يكن كذلك الكوكب يسبح في الفلك و عن سباحته يكون ما يكون في الأركان الأمهات من الأمور الموجبة للولادة و سواء كان ذلك مقصودا للكوكب أو لم يكن بحسب ما يعلمه الله عز و جل مما أوحى به في كل سماء من الأمر الإلهي الذي لا يعلمه إلا من أوحى به إليه فأينما كانت مثقال هذه الحبة من الخردل لقلتها بل لخفائها يأت بها الله نبه بهذا التعريف لتأتيه أنت بما كلفك إن تأتيه به فإنك ترجوه فيما تأتيه به و لا يرجوك فيما أتاك به فإنه غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ و أنت من الفقراء إليه فإتيانك إليه بما كلفك الإتيان به آكد في حقك إن تأتي به لافتقارك و حاجتك لما يحصل لك من المنفعة بذلك إِنَّ الله لَطِيفٌ أي هو أخفى أن يعلم و يوصل إليه أي إلى العلم به من حبة الخردل خَبِيرٌ للطفه بمكان من يطلب تلك الخردلة منه لما له من الحرص على دفع ألم الفقر عنه فإن الحيوان ما يطلب الرزق إلا لدفع الآلام لا غير فلو لم يحس بالألم لما تصور منه طلب شيء من ذلك فليس نفعه سوى دفع ألمه بذلك و هو الركن الأعظم و لو لا إن حكم الجنة في أنه نفس حصول الشهوة نفس حصول المشتهي بحيث لو تأخرت عنه إلى الزمان الثاني الذي يلي زمان حصول الشهوة لكان ذا ألم لفقد المشتهي زمان الشهوة كالدنيا فإنه لا بد أن يتأخر حصول المشتهي عن زمان الشهوة فلا بد من الألم فإذا حصل المشتهي فأعظم لالتذاذ به اندفاع ذلك الألم فافهم هذا و حققه فإنه ينفعك وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ