قال رسول الله ص في الإحسان إنه العمل على رؤية الحق في العبادة و هو تنبيه عجيب من عالم شفيق على أمته لأنه علم أنه إذا قام العبد في عمله عبادة و جعل في نفسه أنه يرى ربه و يراه ربه بما استحضره في تلك العبادة على قدر علمه فإنه إذا كان هذا هجيره و ديدنه ذلك أبصر أن العامل هو الله لا هو و أن العبد محل ظهور ذلك العمل كما ورد أن الله قال على لسان عبده سمع الله لمن حمده فالإحسان في العبادة كالروح في الصورة يحييها و إذا أحياها لم تزل تستغفر لصاحبها و لها البقاء الدائم فلا يزال مغفورا له فإن الله صادق و قد أخبر أنه لا يضيع أَجْرَ من أَحْسَنَ عَمَلًا بل لا يضيع عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ من ذَكَرٍ أَوْ أُنْثىبَعْضُكُمْ من بَعْضٍ كان العمل ما كان فإن كان خيرا فلا يضيع أجره و إن لم يكن خيرا فإن الله لا يضيعه لأنه لا بد أن يبدل الله سيئات التائب حسنات فإن لم يكن العمل غير مضيع و إلا ففي أي أمر يقع التبديل لأن الأعمال صور أنشأها العامل لا بل أنشأها الله فإنه العامل و العبد محل ظهور ذلك العمل كالهيولى لما يقبله من فتح الصور فيها ثم إن الحضور مع الله تعالى و هو الإحسان في ذلك العمل حياة ذلك العمل و به سمي عبادة و لو لا هذاالحضور ما كان عبادة فما من مؤمن يعصي إلا و في نفسه ذل المعصية فلذلك يصير عبادة و لو لم يكن إلا علمه بأنها معصية و أي روح أشرف من العلم كما قال الله عن نفسه إنه أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً و دل عليه دليل العقل و العمل من الأشياء و هو يعلمه و يعلم حيث هو فكيف يضيع عنه أو يضيعه و هو خلق من خلقه يسبح بحمده فإن كانت حياته عن نفخ ربه سبح بحمده و إن كانت حياته عن حضور عامله و منشئه و كان العمل ما كان سبح بحمده و استغفر لعامله فهذا الفرقان بين العملين فإن أعطى الله المغفرة لغير الحاضر فإنما ذلك مراعاة إلهية لكون هذا العبد أنشأ بوجوده صورة و لا بد لكل صورة من روح فإن الله يغفر له لكونه ظهرت عنه صورة نفخ الحق فيها روحا منه فسبحت بحمده فلهذا الاشتراك لحقت المغفرة صاحب ذلك العمل كان من كان و لحقته متى لحقته و التروك لا تكون أعمالا إلا إذا نويت و ما لم ينوها صاحبها فإنها ليست بعمل فإن الأعمال منها ظاهرة و باطنة أو يترك الإنسان ما أمر بفعله فإن الترك عدم محض إلا أن هناك دقيقة و ذلك أن العمل الذي يكون فيه في زمان ترك ما أوجب الله عليه فعله هو الذي يكون صورة من إنشاء عامله لا عين الترك فإن الزمان إنما هو لذلك العمل المتروك حتى يتوب و هذا أشد المعاصي و أعظمها و لهذا ذهب من ذهب من أهل الظاهر إلى أنه من صلى ركعتي الفجر و لم يضطجع فإن صلاة الصبح لا تصح له و إن لم يركع الفجر لم يجب عليه الاضطجاع و جازت صلاة الصبح و غايته أنه ترك سنة مؤكدة لا إثم عليه في تركها و هذا عين ما ذكرناه و التعليل واحد فكل عمل مأمور به على طريق الفرض و الوجوب و ترك فإن العمل الذي يقوم الإنسان فيه على البدل من العمل المأمور به هو الذي يقوم صورة لا عين الترك فافهم و لكن إذا كان العمل المتروك يشغل زمانا بذاته لا يصح في ذلك الزمان غيره و يكون مطلقا لا يكون زمانا مقيدا و يكون العمل ممن يحرم على العامل التصرف في عمل غيره كالصلاة فإن لم يكن كذلك فأي عمل عمله فإنه مقبول أعني من أعمال الخير لأنه عمله في زمان يجوز له فيه عمله فأحسن العمل ما عمل بشرطه و في زمانه و تمام خلقه و كمال رتبته في حاله فحينئذ يكون صورة مخلوقة فافهم ذلك و اعمل بحسبه فإنك تنتفع بذلك إن شاء الله
«الباب الأحد و الثمانون و أربعمائة في حال قطب كان منزله إن الله لا يضي
من يشهد الله في أعماله حسنتنشأتها فلها في الوزن رجحان
مع الشهود له أجر يخص بهقضى بذلك في التعريف ميزان
أن الرسول له أجر تعينهله رسالته ما فيه نقصان
لو لا الوجود لما كان الشهود لناو في الوجود لنا ربح و خسران
و ليس يدري الذي جئنا به أحدالا عليم بما في الأمر حيران