تحقيق هذا الذكر إن النفس لا تزكو إلا بربها فبه تشرف و تعظم في ذاتها لأن الزكاة ربو فمن كان الحق سمعه و بصره و جميع قواه و الصورة في الشاهد صورة خلق فقد زكت نفس من هذا نعته وَ رَبَتْ وَ أَنْبَتَتْ من كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ كالاسماء الإلهية لله و الخلق كله بهذا النعت في نفس الأمر و لو لا أنه هكذا في نفس الأمر ما صح لصورة الخلق ظهور و لا وجود و لذلك خابَ من دَسَّاها لأنه جهل ذلك فتخيل أنه دسها في هذا النعت و ما علم إن هذا النعت لنفسه نعت ذاتي لا ينفك عنه يستحيل زواله لذلك وصفه بالخيبة حيث لم يعلم هذا و لذلك قال قَدْ أَفْلَحَ ففرض له البقاء و البقاء ليس إلا لله أو لما كان عند الله و ما ثم إلا الله أو ما هو عنده فخزائنه غير نافدة فليس إلا صور تعقب صورا و العلم بها يسترسل عليها استرسالا بقوله حَتَّى نَعْلَمَ مع علمه بها قبل تفصيلها فلو علمها مفصلة في حال إجمالها ما علمها فإنها مجملة و العلم لا يكون علما حتى يكون تعلقه بما هو المعلوم عليه فإن المعلوم هو الذي يعطيه بذاته العلم و المعلوم هنا غير مفصل فلا يعلمه إلا غير مفصل إلا أنه يعلم التفصيل في الإجمال و مثل هذا إلا يدل على أن المجمل مفصل إنما يدل على أنه يقبل التفصيل إذا فصل بالفعل هذا معنى حتى نعلم و إذا كان الأمر كما ذكرناه فما ثم من دساها و لو كان ثم لكان هو الموصوف بالخيبة لأن الشيء لا يمكن أن ينجعل و لا يندس في غير قابل لاندساسه و إذا دسه فقد قبله ذلك القابل و إذا قبله فما تعدى ذلك المدسوس رتبته لأنه حل في موضعه و استقر في مكانه فما خاب من دسه الخيبة المفهومة من الحرمان فله العلم و ما له نيل الغرض فحرمانه عدم نيل غرضه فإن العلم ما هو محبوب لكل أحد و لو كان العلم محبوبا لكل أحد ما قال من قال إن العلم حجاب و الحجاب عن الخير تنفر منه الطباع و نحن إذا قلنا العلم حجاب فإنما نعني به يحجب عن الجهل فإن الوجود و العدم لا يجتمعان أعني النفي و الإثبات فما يخيب إلا أصحاب الأغراض و هم الأشقياء فمن لا غرض له لا خيبة له و أنت تعلم أنه إذا دس شيء في شيء إن لم يسعه فلا يندس فيه و إن اندس فقد وسعه و لا يسعه إلا ما هو له فلكل دار أهل و ما ثم في الآخرة إلا داران جنة و لها أهل و هم الموحدون بأي وجه و حدوا و هم الذين زكوا نفوسهم و الدار الثانية النار و لها أهل و هم الذين لم يوحدوا الله و هم الداسون أنفسهم فخابوا لا بالنظر إلى دارهم و لكن بالنظر إلى الدار الأخرى فكما أنه لم يتعد أحد هنا ما قدر له و ما أعطته نشأته الخاصة به كذلك لم يتعد هنالك ما قدر له موطنه الذي هو معين لذلك الذي قدر له فمن خلق للنعيم فسييسره لليسرى فَأَمَّا من أَعْطىوَ اتَّقىوَ صَدَّقَ بِالْحُسْنىفَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرىو من خلق للجحيم فسييسره للعسرى وَ أَمَّا من بَخِلَ بنفسه على ربه حيث طلب منه قلبه ليتخذه بيتا له بالإيمان أو التوحيد وَ اسْتَغْنىبنفسه عن ربه في زعمه وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنىو هي أحكام الأسماء الحسنى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرىفهذا تيسير التعسير و هو يشبه الدس فإن الدس يؤذن بالعسر لا بالسهولة فلو جهد أحد أن يدخل فيما لا يسعه ما يمكن له ذلك جملة واحدة و ما كلف الله نَفْساً إِلَّا وُسْعَها في نفس الأمر و لذلك وسعت رحمته كل شيء و زال الغضب و ارتفع حكمه و تعينت المراتب و بانت المذاهب و تميزا لمركوب من الراكب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الثالث و الثمانون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله قَدْ أَ
فازت النفس إذا ما اتصفتبصفات القدس في نشأتها
أو بأمر عارض كان لهاوقفت فيه على حكمتها
فهما في الحكم سيان علىما اقتضاه الأمر من سورتها
و الذي قد دسها بينهمادون نعت خاب من جملتها
لم يجب من بعد ما تنتجهإنه الظاهر في صورتها
فله الحمد على ذاك و ذالدخول الكون في رحمتها