يقول الله تعالى أنا جليس من ذكرنيو مجالسة الحق بما يقتضيه مقام ذلك الذكر كان ما كانفاعلم إن نية العبد خير من عمله و النية إرادة أي تعلق خاص في الإرادة كالمحبة و الشهوة و الكرة فالعبد تحت إرادته فلا يخلو في إرادته إما أن يكون على علم بالمراد أو لا يكون فإن كان على علم فيها فلا يريد إلا ما يلائم طبعه و يحصل غرضه و إن كان غير عالم بمراده فقد يتضرر به إذا حصل له فإن راعى الحق الإرادة الطبيعية الأصلية نعم فإن كل مريد إنما يطلب ما يسر به لا ما يسوؤه و لكن يجهل الطريق إلى ذلك بعض القاصدين و يعرفه بعضهم فالعالم يجتنب طريق ما يسوءه و الجاهل لا علم له فإن حصل له ما يسره فبالعرض بالنظر إليه و بالعناية الإلهية به فإن الله تعالى وصف نفسه بأنه لا يبخس أحدا في مراده كان المراد ما كان و معلوم أن الإرادة الطبيعية ما قلناه و هي الأصل و أرجو من الله مراعاة الأصل لنا و لبعض الخلق ابتداء و أما الانتهاء فإليه مصير الكل فإذا وصف الله نفسه بأنه يوفي كل أحد عمله أي أجرة عمله في الزمان الذي يريدها فيه و لا يبخسه من ذلك شيئا فقد حبط عمله إن كانت إرادته الحياة الدنيا فلا حظ له في الآخرة التي هي الجنة أو النعيم الذي ينتجه العمل لأنه قد استوفاه في الدنيا فإن سعد بنيل راحة فذلك من الاسم الوهاب و الإنعام الذي لا يكون جزاء فلا يكون لمن هذه حاله إن سعد إلا نعيم الاختصاص سكن حيث سكن و استقر حيث استقر فإن كان ممن يريد الحياة الدنيا و نقصه من ذلك نفس واحد لم ينعم به فليس هو ممن و في الله له فيها عمله لأنه ما مكنه من كل ما تعلقت به إرادته في الحياة الدنيا و هل يتصور وجود هذا مع قرصة البرغوث و العثرة المؤلمة في الطريق أو لا فالآية تتضمن الأمرين و هي في الواحد المحال وقوعه في الوجود أظهر فإنه بعيد أن لا يتألم أحد في الدنيا فمن أراد الحياة الدنيا فقد أراد المحال فلو صح أن يقع هذا المراد لكان على الوجه الذي ذكرناه لكنه ليس بواقع و أما الأمر الآخر فإنه إذا تألم مثلا بقرصة برغوث إلى ما فوق ذلك من أكبر أو أصغر فإن كان مؤمنا فله عليه ثواب في الآخرة فيكون لهذا المريد الحياة الدنيا يعطيه الله ذلك الثواب في الدنيا معجلا فينعم به كما كان يفعل الله تعالى بأبي العباس السبتي بمراكش من بلاد الغرب رأيته و فاوضته في شأنه فأخبرني عن نفسه أنه استعجل من الله في الحياة الدنيا ذلك كله فعجله الله له فكان يمرض و يشفي و يحيي و يميت و يولي و يعزل و يفعل ما يريد كل ذلك بالصدقة و كان ميزانه في ذلك سباعيا إلا أنه ذكر لي قال خبأت لي عنده سبحانه ربع درهم لآخرتي خاصة فشكرت الله على إيمانه و سررت به و كان شأنه من أعجب الأشياء لا يعرف ذلك الأصل منه كل أحد إلا من ذاقه أو من سأله عن ذلك من الأجانب أولي الفهم فأخبرهم غير هذين الصنفين لا يعرف ذلك و قد يعطي الله ما أعطى السبتي المذكور لا من كونه أراد ذلك و لكن الله عجل له ذلك زيادة على ما ادخره له في الآخرة فإنه غير مريد تعجيل ذلك المدخر كعمر الواعظ بالأندلس و من رأينا من هذا الصنف و عملت أنا عليه زمانا في بلدي في أول دخولي هذا الطريق و رأيت فيه عجائب و كان هذا لهم من الله و لنا لا من إرادتهم و لا من إرادتنا و لو عرف أبو العباس السبتي نفسه معرفتي بها منه ما استعجل ذلك فإنه كان على صورة لا يكون عنها إلا هذا إلا أنه سأل ذلك من الله فأعطاه إياه عن سؤال منه و لو سكت لفاز بالأمرين في الدارين لكن جهله بنفسه و طبعها الذي طبعت عليه و صورته التي ركبه الله عليها جعلته يسأل فخسر حين ربح غيره و العمل واحد و لهذا يفرح بالعلم لأنه أشرف صفة يتحلى بها العبد و اعلم أن الحياة الدنيا ليست غير نعيمها فمن فاته من نعيمها شيء فما وفيت له و ما ذكر الله إلا توفيه العمل فهو نعيم العمل و صبره الذي ذكرناه على العثرة في محل التكليف و قرصة البرغوث و إن لم يكن مؤمنا بالدار الآخرة وفاه الله ما يطلبه ذلك العمل في الحياة الدنيا فما أعطى الله أحدا الحياة الدنيا مخلصة قط و لا هو واقع و لو وقع له كل مراد لكانأسعد الخلق فإنه من إرادته النجاة و البشرى من الله تعالى له بها و إن لم يكن مؤمنا فما وقع المشروط وقع عموم الشرط فافهم و اعمل بحسب ما تعلم وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب الخامس و الثمانون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله من كانَ
إن الحياة هي النعيم فمن يردتحصيله قبل الممات فقد أسا
إلا النعيم بربه و شهودهفهو المرجى في لعل و في عسى
عند المحقق و المخصص بالهدىو تسهل الأمر الذي بي قد عسا
الواحد الفرد الذي بوجودهلم يتخذ غير المهيمن مؤنسا
و هو الذي عند الإله مقامهإذ كان من أدنى الخلائق مجلسا