قال الله تعالى الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ و إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فالعمل الصالح له الحياة الطيبة و هي تعجيل البشرى في الحياة الدنيا كما قال تعالى لَهُمُ الْبُشْرىفي الْحَياةِ الدُّنْيا فيحيا في باقي عمره حياة طيبة لما حصل له من العلم بما سبق له من سعادته في علم الله مما يؤول إليه في أبده فتهون عليه هذه البشرى ما يلقاه من المشقات و العوارض المؤلمة ف إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ و كلامه صدق و قد خوطب بالقول الذي لا يبدل لديه و كذلك أيضا للعمل الصالح التبديل فيبدل الله سيئاته حسنات حتى يود لو أنه أتى جميع الكبائر الواقعة في العالم من العالم كله على شهود منه عين التبديل في ذلك و لقد لقيت من هو بهذه الحال بمكة من أهل توزر من أرض الحرير و لقيت أيضا بإشبيلية أبا العباس العريبي شيخنا من أهل العليا بغرب الأندلس ما لقيت في عمري إلا هذين من أهل هذا الذوق و كذلك للعمل الصالح شكر الحق لأنه الغفور الشكور فسعيه مقبول و كلامه مسموع و لو لم يكن في العمل الصالح إلا إلحاق عامله بالصالحين و إطلاق هذا الاسم عليه لكان كافيا فإنه مطلب الأنبياء ع و هم أرفع الطوائف من عباد الله و الصلاح أرفع صفة لهم فإن الله أخبرنا عنهم أنهم مع كونهم رسلا و أنبياء سألوا الله أن يدخلهم الله برحمته في عباده الصالحين و ذكر في أولي العزم من رسله أنهم من الصالحين في معرض الثناء عليهم فالصلاح يكون أخص وصف للرسل و الأنبياء ع و هم بلا خلاف أرفع الناس منزلة و إن فضل بعضهم بعضا و من نال الصلاح من عباد الله فقد نال ما دونه فله منازل الرسل و الأنبياء ع و ليس برسول و لا نبي لكن يغبطه الرسول و النبي لما يناله الرسول و النبي من مشقة الرسالة و النبوة لأنها تكليف و بها حصلت لهم المنزلة الزلفى و نالها صاحب العمل الصالح المغبوط من غير ذوق هذه المشقات و من هنا تعرف ما مسمى الرسول و النبي و تعرف معنىقول الرسول ص في قوم تنصب لهم منابر يوم القيامة في الموقف يخاف الناس و لا يخافون و يحزن الناس و لا يحزنونلا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ ليسوا بأنبياء يغبطهم النبيون حيث رأوا تحصيلهم هذه المنازل مع هذه الحال فهم غير مسئولين من بين الخلائق لم يدخلهم في عملهم خلل من زمان توبتهم فإن دخلهم خلل فليسوا بصالحين فمن شرط الصلاح استصحاب العصمة في الحال و القول و العمل و لا يكون هذا إلا لأهل الشهود الدائم و العارفين بالمواطن و المقامات و الآداب و الحكم فيحكمون نفوسهم فيمشون بها مشى ربهممن حيث هُوَ عَلىصِراطٍ مُسْتَقِيمٍ فمن حياتهم الطيبة في الدنيا أنهم و إن دعوا الخلق إلى الله فإنهم يدعونهم بلسان غيرهم و يشهدون من سمع دعوتهم من المدعون و من برد الدعوة منهم فلا يألمون لذلك الرد بل يتنعمون بالقبول نعيمهم بالرد لا يختلف عليهم الحال و سبب ذلك أن مشهودهم من الحق الأسماء الإلهية و شهودهم إياها نعيم لهم فمن دعا ما دعا إلا باسم إلهي فالاسم هو الداعي و من رد أو قبل فما رد و ما قبل إلا باسم إلهي فالاسم هو القابل و الراد و هذا الشخص في حياة طيبة بهذا الشهود دائما و من غيبه الله عن شهود هذا المقام فإنه يألم طبعا و يلذ طبعا و هو أكبر نعيم أهل الله و ألمهم و لا تكون هذه الحياة الطيبة إلا أن تكون مستصحبة و ما ينالها إلا الصالحون من عباد الله و إن ظهر منهم ما توجبه الأمور المؤلمة في العادة و ظهر عليهم آثار الآلام فالنفوس منهم في الحياة الطيبة لأن النفوس محلها العقل ليس الحس محلها فألمهم حسية لا نفسية فالذي يراهم يحملهم في ذلك على حاله الذي يجده من نفسه لو قام به ذلك البلاء و هو في نفسه غير ذلك فالصورة صورة بلاء و المعنى معنى عافية و إنعام وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ فهؤلاء هم الذين قال الله فيهم الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبىلَهُمْ في الدنيا وَ حُسْنُ مَآبٍ في الآخرة و هذا التنبيه على تحصيل هذا المقام كاف فإنه مكتسب وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ
«الباب السابع و الثمانون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله و من يع
لكل شيء من الأشياء ميزانفكل شيء له نقص و رجحان
فالصالحون لهم وزن يخصهمو الطالحون لهم في الحق ميزان
فمن يقوم بوزن في تقلبهيسعد و إن جاءه في ذاك برهان
لأن ميزانه و في حقيقتهو لو يساعده في ذاك شيطان
لذاك قال لمن و في طريقتهمن خلقه ما له عليه سلطان