«الباب الثامن و الثمانون و أربعمائة في معرفة حال قطب كان منزله وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلىما مَتَّعْنا به أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى»
قال الله تعالى في مثل هذه الآية و هو من تمام هذا المنزل و يدخله صاحبه في هجيره وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ ينبهه بذلك على نفسه في إنذاره و رزق ربك ما أعطاك مما أنت عليه في وقتك و ما لم يعطك و هو لك فلا بد من وصوله إليك و ما أبطأ به إلا الوقت الزماني الذي هو له و ما ليس لك فلا يصل إليك فتتعب نفسك حيث طمعت في غير مطمع و ما أعني بقولنا إنه لك إلا ما تناله على الحد الإلهي الذي أباحه لك و إن نلته على غير ذلك الحد فما نلت ما هو لك من جانب الحق إنما نلت ما هو لك من جانب الطبع و ليس المراد في الدنيا إلا ما تناله من جانب الحق فالحق للدنيا و الطبع للآخرة و الطبع له الإباحة و الحق له التحجير و إن كانت الآخرة على صورة الدنيا كما إن اليوم المولود عن نكاح أمس لليلته يخرج بصورته في الزمان و قد لا يخرج في الحكم فانظر إلى عطايا ربك فإنها أكثر ما تكون ابتلاء و لا تعرف ذلك إلا بالميزان و ذلك أن كل عطاء يصل إليك منه فهو رزق ربك و لكن على الميزان فإن خرج عن الميزان و هو لك طبعا فلا بد لك من أخذه فإياك أن تأخذه في حال غفلة فخذه بحضور على كره في نفسك و جبر و اضطرار و ليكن حضورك في ذلك قوله ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ فأظهر في هذا النيل بصورة الحق في ذلك الحكم الذي لا تبدل له و لا يصح أن يبدل فإنه هكذا علمه و بهذه الصورة كان الأمر الذي أعطى العلم للحق به ففي هذا الميزان حصله وزنه به و هو ميزان خفي فإن غيبك الحق عن حال الكرة في ذلك فإنه من الإكراه فاعلم إنك محروم فإنه لما كانمن الإكراه حصول الكراهة في نفس العامل لذلك العمل الخارج عن ميزان الأدب دخل في حكم الميزان المأمور بالوزن به في قوله إِلَّا من أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ و طمأنينته في هذه النازلة إنما هو بما له فيه من الكراهة فيجمع في هذا الفعل بين حب الطبع و كراهة الايمان فإن الله حبب الايمان للمؤمن و كره إليه الفسوق و العصيان مع وقوعه منه و جعلك من أهل الرشد ثم إن الله جعلهن زهرة حيث كن فإذا كن في الدنيا كن زهرة الحياة الدنيا فوقع النعيم بهن حيث كن و أحكام الأماكن تختلف فهن و إن خلقن للنعيم في الدنيا فهن فتنة يستخرج الحق بهن ما خفي عنا فينا مما هو به عالم و لا نعلمه من نفوسنا فيقوم به الحجة لنا و علينا و هذا مقام أعطانيه الحق بمدينة فاس سنة ثلاث و تسعين و خمسمائة قبل ذلك ما كان لي فيه ذوقو اعلم أن المعصية لا تقع أبدا إلا عن غفلة أو تأويل لا غير ذلك في حق المؤمن و إذا وقع عين ذلك العمل من صاحب الشهود فلا يسمى معصية عند الله و إن انطلق عليه لسان الذنب في العموم فللغشاوة التي على أبصار المحجوبين فيعذرهم الله فيما أنكروه على من ظهر منه هذا الفعل و هو في نفس الأمر ليس بعاص مسألة الخضر مع موسى في قتل النفس أين حكم موسى ع فيه من حكم الخضر رضي الله عنه و كل واحد له وجه في الحق و مستند و هذا حال أهل الشهود يشهدون المقدور قبل وقوعه في الوجود فيأتونه على بصيرة فهم على بينة من ربهم في ذلك و هو مقام لا يناله إلا من كان الله سمعه و بصره و لما كانت الزهرة دليلة على الثمرة و متنزها للبصر و معطية الرائحة الطيبة هنا أعني في زهرة هذه المسألة كان صاحب هذا الأمر من أهل الأنفاس و الشهود و الأدلة و لست أعني بالأدلة أن ذلك عن فكر و إنما هو في كشفه لما جرت العادة به أن لا ينال إلا بالدليل النظري إن يعطيه الله كشفا بدليله فيعرف أدلته كما يعرفه و ارتباطه بأدلته فما يحصل له من علمه بوجوه الدلالات فيكون علمه أتم من علم من يعطي علم مدلول الدليل من غير علم الدليل فما فتنهم الحق إلا بما سماه زهرة لهم فإذا لم يدرك صاحب هذه الزهرة رائحتها و لا شهدها زهرة و إنما شهدها امرأة و لا علم دلالتها التي سبقت له على الخصوص و زوجت به و تنعم بها و نال منها ما نال بحيوانيته لا بروحه و عقله فلا فرق بينه و بين سائر الحيوان بل الحيوان خير منه لأن كل حيوان مشاهد لفصله المقوم له و هذا الشخص ما وقف مع فصله المقوم له و ليس الفصول المقومة للحيوانات غيره فهو لا حيوان و لا إنسان فإن كل حيوان جرى بفصله المقوم له على ما تعطيه حقيقة ذلك الفصلو اعلم أن صاحب هذا الهجير يشاهد ما حير العقول و لم يقدر على تحصيله و هو العلم بالمرئي في المرآة ما هو و بالمرئي ما هو من حيث تعلق الرؤية هل ينطبع المرئي في عين الرائي أو أشعة نور البصر تتعلق بالمرئي حيث كان و ما من حكم إلا و عليه دخل إلا عند صاحب هذا الذكر فإنه يعلم كيفية إدراك الرائي المرئي و ما هي الرؤية و لما ذا ترجع و ليس يعطيه هذا العلم من هذا الذكر إلا قوله لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ و لا خوطب إلا بما علم فعلمنا على القطع أن رسول الله ص قد علم ذلك و ما هو قوله لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ عين قوله قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا من أَبْصارِهِمْ فإن الغض له حكم آخر لأنه نقص مما تمتد العين إليه و النقص هنا أن لا يمد إلى أمر خاص أي إلى مرئي خاص فإن فهمت يا ولي ما نبهتك عليه علمت علما ينفعك في الدنيا و الآخرة وَ الله يَقُولُ الْحَقَّ وَ هُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ